Skip to main content

الوسم: رئيسي

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثاني

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

من أي جزر تريد اليونان أن يبدأ القياس؟

تتمسك اليونان بأن يبدأ احتساب امتدادها البحري من الساحل الجنوبي لجزيرة كريت، كما تدخل جزيرة غافدوس، الواقعة جنوب كريت، في صلب بعض التصورات اليونانية للترسيم، إلى جانب جزر وصخور بحرية أصغر.

وتكتسب غافدوس أهمية خاصة لأنها تقع جنوب كريت، وأقرب إلى الساحل الليبي من البر اليوناني الرئيسي؛ فإذا مُنحت أثراً كاملاً في توليد منطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، فإن خط الترسيم يتحرك جنوباً، بما يوسع المساحة التي تطالب بها اليونان في الاتجاه المقابل لشمال شرق ليبيا.

أما الحجة الليبية فلا تقوم على إنكار تبعية كريت أو غافدوس لليونان، ولا على إنكار أن للجزر حقوقاً بحرية من حيث الأصل؛ وإنما تستند إلى أن منح جزيرة صغيرة نسبياً، تقع أمام ساحل قاري ليبي طويل، أثراً كاملاً قد يؤدي إلى نتيجة غير متناسبة وغير منصفة.

وتقوم الحجة الليبية على أن الساحل الليبي المقابل ساحل قاري طويل وممتد، وأن الترسيم البحري لا ينبغي أن يتحول إلى عملية هندسية آلية تعتمد خط المنتصف وحده، من دون مراعاة الجغرافيا وطول السواحل وموقع الجزر وحجمها والنتيجة النهائية للترسيم.

كما تستند إلى أن منح غافدوس والجزر الأصغر أثراً كاملاً قد يدفع خط الحدود بصورة كبيرة نحو الساحل الليبي، وأن الجزر الصغيرة لا تحصل بالضرورة، عند الترسيم بين دولتين، على الأثر نفسه الذي تحصل عليه اليابسة القارية.

ومن المهم قانونياً التمييز بين استحقاق الجزيرة لمناطق بحرية من حيث المبدأ وبين مقدار أثرها في خط الحدود النهائي؛ فقد تكون الجزيرة مؤهلة لتوليد منطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، ثم يُخفض أثرها في عملية الترسيم إذا أدى الأثر الكامل إلى حجب ساحل قاري طويل أو إلى اختلال واضح بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

وقد قدرت بعض الدراسات الليبية الأولية السابقة أن الاختلاف بين احتساب غافدوس بأثر كامل أو تقليص أثرها يمكن أن يزيح خط الترسيم بعشرات الكيلومترات في أجزاء من المنطقة. ولا ينبغي التعامل مع هذه التقديرات بوصفها حدوداً نهائية، لكنها توضح حجم المساحة التي قد تتأثر باختيار منهج القياس.

ما القانون الدولي المنظم للخلاف؟

الإطار القانوني الأهم هو اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المعروفة اختصاراً باسم UNCLOS.

وتنظم المادة 121 الوضع القانوني للجزر، وتقرر أن للجزر، من حيث الأصل، مناطق بحرية، مع استثناء الصخور التي لا تستطيع إعالة سكن بشري أو حياة اقتصادية خاصة بها من توليد منطقة اقتصادية خالصة أو جرف قاري.

أما المادتان 74 و83، المتعلقتان بترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة، فلا تفرضان خط المنتصف باعتباره نتيجة نهائية آلية، بل تنصان على ضرورة الوصول إلى حل منصف وفق القانون الدولي.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية وهيئات التحكيم أن الإنصاف هو المبدأ الموجه لعملية الترسيم، مع مراعاة السواحل ذات الصلة والظروف الجغرافية والتناسب في النتيجة.

ويُستخدم في القضاء الدولي عادة منهج من ثلاث مراحل:

  • أولاً: رسم خط مؤقت متساوي الأبعاد.
  • ثانياً: دراسة الظروف ذات الصلة التي قد تستوجب تعديله، مثل طول السواحل وشكلها ووجود الجزر.
  • ثالثاً: اختبار النتيجة للتأكد من عدم وجود تفاوت صارخ بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

وهنا توجد ملاحظة قانونية مهمة: ليبيا وقعت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1984، لكنها لم تستكمل التصديق عليها. ومع ذلك، فإن عدداً من قواعد الترسيم البحري، ولا سيما مبدأ الحل المنصف والاعتداد بالظروف ذات الصلة، أصبح جزءاً من القانون الدولي العرفي الذي تستند إليه المحاكم والهيئات الدولية، ولا يقتصر تطبيقه فقط على الدول الأطراف في الاتفاقية.

الأساس التشريعي الوطني للحقوق البحرية الليبية

لا يقوم الموقف الليبي على قواعد القانون الدولي وحدها، بل يستند أيضاً إلى مجموعة من التشريعات والقرارات الوطنية التي نظمت المجال البحري الليبي عبر مراحل مختلفة.

فقد حدد القانون رقم 2 لسنة 1959 المياه الإقليمية الليبية باثني عشر ميلاً بحرياً. ثم صدرت قرارات بشأن إعلان مناطق الصيد البحري، وخطوط الأساس المستقيمة التي تُقاس منها المياه الإقليمية والمناطق البحرية، ومناطق حماية الصيد.

كما صدر عام 2009 قرار بإعلان المنطقة الاقتصادية الخالصة الليبية. وتوثق هذه التشريعات ممارسة الدولة لاختصاصاتها البحرية وحرصها المبكر على تنظيم حقوقها في البحر المتوسط.

غير أن صدور التشريعات الوطنية لا يحسم وحده الحدود في مواجهة دولة ذات ساحل مقابل؛ إذ ترتبط فاعليتها الخارجية بإيداع الإحداثيات والخرائط لدى الجهات الدولية المختصة، واتساقها مع القانون الدولي، وإتمام الترسيم عبر اتفاق أو حكم قضائي.

خبرة ليبيا السابقة في التقاضي البحري

ليبيا ليست حديثة الخبرة في المنازعات البحرية الدولية؛ فقد سبق لها أن خاضت نزاعات حول الجرف القاري مع كل من تونس ومالطا.

وفي النزاع مع مالطا، اتفقت الدولتان في يوليو 1982 على إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. وتمحور الخلاف بين الحجة الليبية، التي أعطت وزناً للامتداد الطبيعي للجرف القاري والظروف الجغرافية، والحجة المالطية التي تمسكت بدرجة أكبر بالمسافة وخط التساوي في الأبعاد (PDF).

وفي حكمها الصادر عام 1985، راعت المحكمة مبادئ الإنصاف والظروف ذات الصلة، وأخذت في الاعتبار التفاوت بين طول الساحلين، كما لم تمنح بعض التكوينات المالطية غير المأهولة أثراً كاملاً في خط الأساس.

وتفيد هذه السابقة الملف الحالي في جانبين: أولهما أن اللجوء إلى القضاء الدولي يتطلب إعداداً فنياً وقانونياً بالغ الدقة، وثانيهما أن المحاكم لا تكتفي عادة بتطبيق خط المنتصف بصورة آلية، بل تبحث عن نتيجة منصفة وتختبر أثر الجغرافيا وأطوال السواحل والجزر.

هل القانون في صالح ليبيا؟

يمكن القول إن القانون الدولي يمنح ليبيا حججاً معتبرة وقوية، خاصة في مواجهة منح غافدوس والجزر الأصغر أثراً كاملاً يقتطع مساحة واسعة من الامتداد البحري المقابل للساحل الليبي.

وتستفيد ليبيا من مبادئ قضائية مهمة، منها ضرورة الوصول إلى نتيجة منصفة، وإمكان تقليص أثر الجزر في ظروف معينة، والاعتداد بطول السواحل ذات الصلة، وتعديل خط المنتصف عندما يقود تطبيقه الآلي إلى نتيجة غير متوازنة، واختبار التناسب بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

لكن الموضوعية تقتضي القول إن كريت ليست صخرة صغيرة أو جزيرة هامشية؛ فهي جزيرة كبيرة ومأهولة ولها ساحل طويل. ولذلك فمن غير الواقعي قانونياً توقع استبعادها بالكامل من عملية الترسيم.

وعليه، فإن أقوى جوانب الحجة الليبية لا تكمن في المطالبة بإلغاء كل أثر لكريت، بل في مناقشة مقدار الأثر الذي ينبغي منحه لها، وبصورة أكثر وضوحاً مقدار الأثر الذي يمكن منحه لغافدوس والجزر الأصغر.

وبهذا المعنى، لا يمكن القول إن القانون يضمن انتصاراً كاملاً لليبيا، لكنه يمنحها أساساً جدياً للمطالبة بخط أكثر توازناً من بعض الخطوط المطروحة يونانياً.

وسوف تعتمد قوة الموقف الليبي على جودة الخرائط، ودقة تحديد السواحل ذات الصلة، والإحداثيات، والبيانات الفنية، والسوابق القضائية التي يُبنى عليها الملف.

واجب ضبط النفس إلى حين حسم النزاع

لا تتحدث قواعد قانون البحار فقط عن الوصول إلى حل منصف، بل تفرض أيضاً على الدول المتنازعة، قبل إبرام الاتفاق النهائي، السعي إلى ترتيبات مؤقتة عملية، والامتناع عن الإجراءات التي قد تعرض التوصل إلى الاتفاق للخطر أو تعرقله.

ومن ثم فإن تنفيذ أعمال حفر أو استغلال في منطقة متنازع عليها يختلف في طبيعته القانونية عن إجراء دراسات عامة أو مسوح أولية؛ لأن الحفر والاستغلال قد يحدثان تغييراً مادياً دائماً أو يستنزفان مورداً لا يمكن استرداده.

ولهذا ينبغي أن يكون أحد عناصر الموقف الليبي مطالبة جميع الأطراف بعدم فرض أمر واقع في المناطق المتداخلة، مع إمكان الاتفاق على تبادل البيانات، أو تجميد أنشطة معينة في نطاق محدد، أو إنشاء آليات تشاور مؤقتة لا تمس المواقف القانونية النهائية.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الأول

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال

كتب : الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

بناءً على طلب عدد من الإخوة والأصدقاء التعليق على ما طرحه أحد الأصدقاء المطلعين، خلال لقاء تلفزيوني، بشأن أهمية المنطقة البحرية الواقعة شمال درنة وجنوب جزيرة كريت، فإن ما أشار إليه بشأن حساسية هذه المنطقة وقيمتها الاستراتيجية دقيق وفي محله، ويستحق التوسع فيه؛ لأن القضية لا تتعلق فقط باحتمال وجود حقل نفطي أو غازي، بل بمجال بحري تتقاطع فيه السيادة الوطنية مع القانون الدولي والطاقة والأمن والاقتصاد والبيئة والملاحة والمصالح الجيوسياسية.

إن هذه المسألة ليست حقاً للحاضر وحده، ولا يجوز النظر إليها باعتبارها ملفاً فنياً أو تفاوضياً مؤقتاً؛ فهي تتصل بحقوق الأجيال القادمة في أرض الوطن وبحره وثرواته، وبواجب الدولة في حماية امتدادها البحري، سواء ثبت اليوم وجود موارد تجارية أم لم يثبت.

فالسيادة لا تبدأ عند حفر أول بئر، والحقوق البحرية لا تنشأ عند اكتشاف الغاز أو النفط، بل تقوم على الجغرافيا والقانون، وعلى قدرة الدولة على توثيق حقوقها وإدارتها والدفاع عنها.

ما المنطقة المقصودة تحديداً؟

المقصود هو المجال البحري الممتد قبالة الساحل الشمالي الشرقي لليبيا، وتحديداً شمال درنة، باتجاه المياه الواقعة جنوب وجنوب غرب جزيرة كريت.

ولا توجد حتى الآن حدود بحرية نهائية متفق عليها بين ليبيا واليونان في هذا النطاق. ولذلك لا يجوز التعامل مع الخطوط الواردة في الخرائط المتداولة باعتبارها حدوداً محسومة قانوناً، بل هي في جانب كبير منها مطالبات متقابلة وتصورات مختلفة لطريقة احتساب الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

وقد وثقت ليبيا موقفها رسمياً لدى الأمم المتحدة خلال عام 2025، وقدمت إعلاناً وخرائط بشأن الحدود الخارجية لجرفها القاري، ثم اعترضت على أنشطة استكشافية رأت أنها تقع في مناطق بحرية محل نزاع مع اليونان. وردت اليونان برفض الاعتراض الليبي والتمسك بموقفها وخطوطها البحرية.

ويثبت هذا التبادل الرسمي أن الخلاف لا يزال قائماً، ولم يُحسم باتفاق ثنائي نهائي أو بحكم قضائي دولي.

جذور الموقف الليبي أقدم من النزاع الراهن

من المهم التذكير بأن الاهتمام الليبي بهذه المنطقة لم يبدأ مع التطورات الأخيرة في شرق المتوسط، ولا مع منح الامتيازات الحديثة جنوب كريت.

فمنذ عام 2007 نبهت الجهات الليبية المختصة بالطاقة إلى التحركات اليونانية الرامية إلى استكشاف المناطق البحرية المقابلة للساحل الليبي، وأُحيل الموضوع آنذاك إلى الجهات المعنية بالعلاقات الخارجية، ضمن مسار عزز الحاجة إلى إعلان الحقوق البحرية الليبية وتوثيقها.

كما أُعدت دراسات ليبية مبكرة تناولت مصادر الطاقة في المنطقة البحرية شمال شرق ليبيا، والنزاع المحتمل مع اليونان، والمؤملات الهيدروكربونية جنوب كريت، ودعت إلى بناء موقف فني وقانوني ودبلوماسي متكامل.

وهذا التسلسل التاريخي يبين أن الاعتراض الليبي ليس موقفاً طارئاً أو رد فعل على امتياز حديث، بل امتداد لموقف مؤسسي وفني بدأ قبل الانقسام السياسي، واستند منذ البداية إلى ضرورة حماية المجال البحري المقابل للساحل الليبي، وعدم السماح بفرض أمر واقع استكشافي في منطقة لم يكتمل ترسيمها.

يتبع ،،

وزارة الاقتصاد تعلن مؤشرات الشركات الأجنبية بالنصف الأول من عام 2026.. وتستعد لإطلاق منصة لتسجيلها

أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية عن تسجيل 106 قرارا يتعلق بفروع الشركات الأجنبية والمشتركة ومكاتب التمثيل خلال النصف الأول من عام 2026، في مؤشر يعكس تنامي ثقة المستثمرين وجاذبية السوق الليبية.

وشملت البيانات فتح وتمديد 79 فرعاً لشركات أجنبية، وتأسيس 19 شركة مشتركة، إلى جانب 4 مكاتب تمثيل، حيث تصدر قطاع المقاولات بـ 43 قراراً (38%)، يليه قطاع النفط والطاقة بـ 34 قراراً (32%)، ثم قطاعات البيئة والصناعة، وجاءت تركيا في المرتبة الأولى بـ 17 قراراً، تلتها تونس بـ 13 قراراً، ثم الإمارات والصين بـ 7 قرارات لكل منهما.

وكشفت الوزارة عن عزمها إطلاق المنصة الإلكترونية لتسجيل الشركات الأجنبية مطلع شهر أغسطس المقبل؛ لتبسيط إجراءات تسجيل المستثمرين الأجانب والشركات الدولية وتسهيل دخولها للسوق الليبية.

ديوان المحاسبة يناقش حسابات جهاز الخدمات العلاجية ويبحث خطة توطين العلاج بالداخل

ناقشت الإدارة العامة للرقابة على القطاعات الخدمية بديوان المحاسبة خلال اجتماعها بمقر الديوان اليوم الثلاثاء، ردود جهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية على الملاحظات الرقابية الناتجة عن فحص ومراجعة حساباته للسنة المالية 2025.

وتم خلال الاجتماع التوافق على ​وضع آليات فعالة لمعالجة الثغرات القائمة وتصويب مكامن الخلل المالي والإداري؛ بما يضمن الشفافية والحوكمة الرشيدة، كما تم استعراض خطة شاملة لتوطين جراحات القلب والمفاصل محلياً؛ بهدف رفع المعاناة عن المرضى ووقف استنزاف النقد الأجنبي في الساحات الخارجية.

وتم التأكيد على ضرورة تفادي تكرار الأخطاء الإدارية لضمان حسن توظيف الأموال العامة وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

“ناجي عيسى” يؤكد على أهمية استمرار التنسيق والعمل على تطوير خدمات الدفع الالكتروني وتعزيز كفاءتها

أكد محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” على أهمية استمرار التنسيق والتواصل بين المصارف التجارية وشركات الدفع الإلكتروني، والعمل على معالجة الإشكاليات بصورة مستمرة، مع تقديم المقترحات التي تسهم في تطوير خدمات الدفع وتعزيز كفاءتها.

وشدد المحافظ على ضرورة إيلاء أنظمة الأمن السيبراني أولوية قصوى، واتخاذ جميع التدابير اللازمة لتعزيز حماية البنية التحتية الرقمية للمصارف، ورفع جاهزيتها للتصدي للمخاطر والتهديدات السيبرانية، بما يضمن أمن وسلامة الأنظمة المصرفية ويحافظ على بيانات العملاء واستمرارية تقديم الخدمات.

.

“المركزي” يتابع مشروع الدفع ببطاقات “فيزا” محلياً والتوسع في المحافظ الإلكترونية

تابع محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” خلال اجتماعه اليوم الاثنين مع عدد من المدراء العامين للمصارف التجارية ومُمَثِّلي شركات الدفع الإلكتروني، تطوير منظومة المدفوعات الإلكترونية وتعزيز كفاءتها، والوقوف على أبرز التحديات التي تواجه المصارف وشركات الدفع الإلكتروني، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجتها.

وتناول الاجتماع مناقشة رفع كفاءة أنظمة الدفع الإلكتروني، وتحسين بنيتها التحتية التقنية للحد من الانقطاعات ويضمن استمرارية الخدمات المقدمة للمواطنين، واستعراض مستجدات تنفيذ مشروع الدفع عبر بطاقات “فيزا” بالعملة الأجنبية من خلال نقاط البيع المحلية، ومراحل إنجازه، بما يدعم تنويع وسائل الدفع الإلكتروني ويواكب التطورات في القطاع المالي.

كما ناقش الاجتماع نتائج تقييم شركات الدفع الإلكتروني، ومدى التزامها بالمعايير الفنية والرقابية والضوابط الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي والتزامها الكامل بها، إضافة إلى بحث آليات التوسع في استخدام المحافظ الإلكترونية تعزيزاً للشمول المالي وتشجيعاً لاستقطاب العمالة الوافدة للاستفادة من هذه الخدمة، للمساهمة في التوسع في استخدام خدمات الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على التعاملات النقدية.

“الشلوي”: الغاز لا ينتظر أحداً.. ورسائل “إيني” تؤكد أن نافذة الفرصة الليبية قد فُتحت من جديد

كتب : الخبير النفطي “عبد المنصف الشلوي”

لم تكن التصريحات الأخيرة للرئيس التنفيذي لشركة “إيني” مجرد قراءة لحالة الأسواق، بل يمكن النظر إليها باعتبارها رسالة استراتيجية تعكس الاتجاه الذي تسير إليه أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة، ورسالة ينبغي أن تُقرأ جيداً في الدول المنتجة للنفط والغاز، وفي مقدمتها ليبيا.

فحين يتحدث أحد أكبر التنفيذيين في صناعة الطاقة العالمية عن احتمال عودة أزمة الطاقة، وتراجع المخزونات، واشتداد المنافسة على إمدادات النفط والغاز؛ فإن ذلك لا يعني فقط أن أوروبا تستعد لفصل شتاء جديد، وإنما يعني أيضاً أن العالم يدخل مرحلة جديدة أصبح فيها أمن الطاقة يتقدم على كثير من الاعتبارات الأخرى.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة، منذ أزمة الطاقة الأوروبية في عام 2022، أن الغاز الطبيعي لم يعد مجرد وقود انتقالي، بل أصبح أحد أهم عناصر الأمن القومي والاقتصادي للدول. كما أثبتت الأحداث الجيوسياسية أن الدول المستوردة لم تعد تعتمد على معيار السعر فقط، بل أصبحت تبحث عن المورد القريب، والموثوق، والقادر على توفير الإمدادات بصورة مستقرة وطويلة الأجل.

ومن هذا المنطلق، فإن دعوة “إيني” إلى تنويع مصادر الإمداد، والاستمرار في الاستثمار في النفط والغاز بالتوازي مع الطاقة المتجددة، تؤكد أن العالم لم يدخل مرحلة ما بعد الهيدروكربونات كما يعتقد البعض، وإنما دخل مرحلة إدارة أكثر ذكاءً لمزيج الطاقة (Energy Mix)؛ حيث ستستمر مصادر الطاقة التقليدية لعقود مقبلة جنباً إلى جنب مع مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.

وهنا تبرز أهمية شمال أفريقيا بصورة عامة، وليبيا بصورة خاصة.

فالموقع الجغرافي المتميز، والقرب من الأسواق الأوروبية، والبنية التحتية القائمة، وخطوط نقل الغاز المباشرة؛ تمنح ليبيا ميزة تنافسية يصعب أن تتوافر لكثير من المنتجين الآخرين، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف النقل والشحن العالمية.

كما أن استمرار “إيني” في توسيع استثماراتها، والدخول في مشاريع تطوير بحرية جديدة، يعكس بوضوح أن الشركات العالمية الكبرى لا تنظر إلى ليبيا باعتبارها منتجاً حالياً فقط، بل باعتبارها أحد أهم مصادر النمو المستقبلي لإمدادات الغاز في حوض البحر المتوسط.

واللافت للنظر أن البيانات الحالية تؤكد أن “إيني” تنتج ما يقارب 7.7 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وهو ما يمثل نحو 80% من إنتاج الغاز الليبي، بينما يذهب أكثر من 90% من هذا الإنتاج إلى الاستهلاك المحلي؛ ليسهم في تشغيل ما يقارب 70% من إنتاج الكهرباء.

وهذه الأرقام تكشف حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن الغاز الليبي ليس سلعة للتصدير فحسب، بل هو أيضاً ركيزة أساسية لاستقرار منظومة الكهرباء والصناعة والاقتصاد الوطني.

ومن ثَمَّ، فإن أي توسع في إنتاج الغاز لا ينبغي النظر إليه من زاوية زيادة الصادرات فقط، وإنما أيضاً من زاوية تعزيز أمن الطاقة الداخلي، وتقليل الاعتماد على الوقود السائل في محطات الكهرباء، ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتوفير كميات أكبر من النفط الخام للتصدير وتحقيق قيمة اقتصادية أعلى.

كما أن إعلان التزام استثماري مشترك بقيمة 8 مليارات دولار بين المؤسسة الوطنية للنفط و”إيني” لتطوير الحقول البحرية يمثل مؤشراً مهماً على حجم الثقة في الإمكانات الجيولوجية الليبية، ويؤكد أن الاستثمار طويل الأجل لا يزال يجد في ليبيا فرصاً واعدة متى توفرت البيئة التشغيلية المناسبة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن المنافسة المتوقعة على الغاز الطبيعي المسال، والتي أشار إليها الرئيس التنفيذي لـ”إيني”، قد تدفع الأسعار إلى مستويات داعمة للاستثمار، وهو ما يجعل الإسراع في تطوير الاحتياطيات الغازية، واستكمال مشاريع الإنتاج والمعالجة والنقل، أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي تحملها تصريحات “إيني” ليست أن أوروبا تحتاج إلى مزيد من الغاز، فهذا أمر معروف، وإنما أن المنافسة على الأسواق ستكون أكثر شدة خلال السنوات القادمة، وأن الدول التي تنجح في زيادة إنتاجها بسرعة وكفاءة هي التي ستحجز لنفسها موقعاً متقدماً على خارطة الطاقة العالمية.

إن أسواق الطاقة لا تنتظر المترددين، والاستثمارات الدولية تتحرك نحو البيئات القادرة على تنفيذ المشاريع وفق جداول زمنية واضحة، بينما تتغير خرائط التجارة العالمية بوتيرة أسرع مما كانت عليه قبل سنوات قليلة.

ولذلك، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة ليبيا في سوق الغاز الإقليمي والدولى، ليس فقط باعتبارها دولة تمتلك احتياطيات كبيرة، وإنما باعتبارها شريكاً موثوقاً قادراً على الإسهام في أمن الطاقة في منطقة البحر المتوسط وأوروبا، وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات السوق المحلية وتعزيز التنمية الاقتصادية.

إن قراءة تصريحات “إيني” من هذا المنظور تؤكد أن مستقبل الطاقة لن يُبنى على وفرة الموارد وحدها، بل على سرعة تطويرها، وكفاءة إدارتها، واستدامة استثمارها؛ وهو ما يجعل الغاز الليبي أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي يمكن أن تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي، ودعم أمن الطاقة، وترسيخ المكانة الجيوسياسية لليبيا خلال العقود المقبلة

​”علي الشريف”: التشوهات السعرية تلتهم 40% من السلع المستوردة عبر التهريب

قال الخبير الاقتصادي “علي الشريف” إن التشوهات السعرية تُعد من أبرز العوامل التي تشجع على تهريب السلع إلى دول الجوار، مشيرًا إلى أن الدعم أو انخفاض الأسعار المحلية مقارنة بالأسعار السائدة في تلك الدول يؤدي إلى خلق حافز كبير لتحقيق أرباح من خلال التهريب، ونتيجة لذلك، يُستنزف جزء كبير من السلع المستوردة ولا يصل إلى المستهلك المحلي.

وأضاف “الشريف” أن بعض التقديرات تشير إلى أن نحو 40% من السلع المستوردة يتم تهريبها إلى دول الجوار، الأمر الذي يفاقم الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، ويزيد من هدر الإنفاق العام، ويؤدي إلى نقص السلع في السوق المحلية، مؤكدًا على أن ذلك يستدعي إصلاح التشوهات السعرية وتعزيز الرقابة على المنافذ الحدودية.

الجمعية العمومية لمصرف السراي “أتيب” تُصادق على نتائج العام 2025 وتناقش رفع رأس ماله إلى 500 مليون دينار

عقد مصرف السراي للتجارة والاستثمار “أتيب” اجتماعيْ جمعيته العمومية العادية وغير العادية برئاسة رجل الأعمال والمساهم بالمصرف “حسني بي”، وبحضور نصاب قانوني تجاوز 70% من رأس مال المصرف.

وشهد الاجتماعان مشاركة واسعة من المساهمين، وأعضاء مجلس الإدارة، وهيئتي المراقبة والرقابة الشرعية، والمراجعين الخارجيين، إلى جانب مندوب مصرف ليبيا المركزي، في أجواء اتسمت بالشفافية والمسؤولية والالتزام بالحقائق والأرقام والمصلحة طويلة الأجل.

قفزة في الأرباح وحضور قوي للودائع

وخلال أعمال الجمعية العمومية العادية، صادق الحاضرون على نتائج أعمال السنة المالية المنتهية للعام 2025 واعتمدوا توزيع الأرباح، وكشفت البيانات المالية الصادرة عن المصرف عن تحقيق نتائج نوعية عكست ملاءته وقوة مركزه المالي في السوق الليبي.

حيث بلغ صافي أرباح مصرف السراي خلال العام الماضي 36.8 مليون دينار، وارتفع إجمالي الإيرادات إلى 142.1 مليون دينار، في حين تجاوزت ودائع العملاء حاجز الثلاثة مليار دينار.

وأكدت الجمعية العمومية لمصرف السراي خلال مناقشة البنود نجاح المصرف في المحافظة على مؤشرات قوية ومستقرة للسلامة المالية ومعدلات الربحية المتنامية.

رفع رأس المال إلى 500 مليون دينار على مرحلتين

وفي شقها غير العادي، ركزت الجمعية العمومية لمصرف السراي على رسم الملامح الاستراتيجية للمرحلة المقبلة من خلال تعزيز القاعدة الرأسمالية للمصرف على النحو التالي:

  1. المرحلة الأولى (قيد التنفيذ): استكمال إجراءات زيادة رأس مال المصرف من 100 مليون إلى 300 مليون دينار، بموافقة مصرف ليبيا المركزي، وذلك عبر رسملة الأرباح والاحتياطيات ومنح سهمين مجانيين لكل سهم قائم.
  2. المرحلة الثانية (مستقبلية): استعراض خطة الوصول برأس المال إلى 500 مليون دينار، مع تكليف جهة استشارية دولية مستقلة بإعداد التقييم العادل للسهم وعلاوة الإصدار.

وفي خطوة تبرز الالتزام بأعلى معايير الحوكمة وحماية حقوق الملكية والعدالة، توافق المساهمون على تأجيل القرار النهائي بشأن المرحلة الثانية إلى الاجتماع القادم، وذلك لحين استكمال مكتب الاستشارات الدولي “KPMG” لتقريره الفني والمالي والخطة المتكاملة للمشروع.

التزام راسخ بالحوكمة الرقمية ومبادئ الاستدامة (ESG)

من جانبه، أكد المراجع الخارجي للمصرف التزام (ATIB) بتعزيز منظومة الحوكمة وإدماج مبادئ الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) ضمن إطار إدارة المخاطر، وهي خطوة هامة نحو تطبيق أفضل الممارسات المصرفية الدولية.

كما شددت الجمعية العمومية على الأهداف التقنية والتنظيمية الحيوية التالية:

  • الحوكمة الرقمية: الإسراع في وتيرة الأتمتة للحد من التدخل البشري في القرارات الائتمانية والتشغيلية.
  • الامتثال الدولي: مواصلة الالتزام التام بمتطلبات مقررات بازل (Basel II & Basel III) ومعايير التقارير المالية الدولية (IFRS).

نموذج يحتذى في الإدارة الرشيدة

وفي تعليق له عقب انتهاء الجلسات، أشاد أحد كبار المساهمين بالمصرف “حسني بي” بالمستوى الراقي للحوار والمسؤولية والشفافية التي أبداها المساهمون والمشرعون والمراجعون، معتبراً أن نجاح الجمعيات العمومية يقاس بجودة نقاشاتها وعمق معلوماتها وليس بمجرد سرعة التصويت.

وأوضح “حسني بي” أن مهمته الرسمية كرئيس لأعمال الجمعية العمومية قد انتهت بمجرد إقفال الجلسات والتوقيع على محاضر الاجتماعات الرسمية، ليعود مجدداً إلى صفته كمساهم فقط في المصرف دون ممارسة أي دور تنفيذي أو إداري داخله، متمنياً لمصرف السراي مواصلة قيادة الابتكار والنمو لخدمة الاقتصاد الوطني.

“الهادي عبدالقادر”: تفويض التمكين والتعلم العميق واستشراف المستقبل برؤية 2030

كتب: الهادي عبد القادر – خبير الشؤون الاستراتيجية والأمن السيبراني للطاقة

بمناسبة الفعالية الرفيعة المستوى لمنتدى الأمم المتحدة السياسي الرفيع المستوى 2026

تمهيد: بين تسخير الجبال الرواسي وعلم الأسماء

خلق الله الكون بقدرة لا تُعقل، وأوجد فيه الجبال الرواسي أوتاداً للأرض، فكانت ثوابت الصمود في وجه الزلازل والتحولات. ثم علم آدم الأسماء كلها، وعرضها على الملائكة؛ ليكون الإنسان مستخلفاً في الأرض، ومُفوّضاً بالتمكين، ومُؤتمناً على عمارتها بالعلم والعدل.

ممرات الطاقة والدفاع الرقمي

فالإنسان – بإرادة الخالق ومنّه – صار قادراً على أن يبني، وأن يحفر الأخاديد في صخور الواقع، وأن يمد ممرات الطاقة والبيانات بين القارات، وأن يبتكر أنظمة دفاعية رقمية تحمي هذه الممرات من كل عابث أو معتد. ولكن هذا التمكين لا يكون كاملاً إلا إذا اقترن بـ “التعلم المستمر العميق”، الذي يُكسِب الإنسان قدرة على قراءة المستقبل، واستيعاب متغيراته، والاستعداد لما لم يحدث بعد.

أولاً: التعلم المستمر العميق.. مفتاح استشراف المستقبل

إن عصرنا الراهن لا يرحم من يتوقف عن التعلم؛ فالتقدم التكنولوجي يتسارع بوتيرة غير مسبوقة، والتهديدات السيبرانية تتطور بشكل أسرع من أي وقت مضى. ولذلك، فإن التعلم المستمر العميق لم يعد رفاهية أكاديمية، بل أصبح ضرورة أمنية واستراتيجية من الدرجة الأولى.

أبعاد التعلم الاستراتيجي

هذا النوع من التعلم لا يقتصر على اكتساب المعرفة النظرية، بل يتعداها إلى:

  • تحليل الأنماط السلوكية للتهديدات السيبرانية، وتوقع الهجمات قبل وقوعها.
  • تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متجددة تتكيف مع البيئات المتغيرة وتتعلم من كل اختراق أو محاولة اختراق.
  • بناء قدرات بشرية مدربة تدريباً عالياً في كل مجالات الأمن الرقمي، على غرار الجبال الرواسي التي لا تتزعزع.
  • تطوير آليات المحاكاة التنبؤية التي تختبر المنظومات الأمنية في بيئات افتراضية، قبل تطبيقها في الواقع.

وهذا يستوجب تفويضاً عميقاً للتمكين، بحيث لا يقتصر على النخب القيادية، بل يصل إلى كل فرد يعمل في منظومة الطاقة والبيانات؛ لأنه الحلقة الأضعف والأقوى في آن واحد.

ثانياً: تفويض التمكين.. من أداة تقنية إلى ثقافة أمنية

إن تفويض التمكين لا يعني فقط إعطاء الصلاحيات، بل يعني بناء نظام متكامل من الثقة والمسؤولية، حيث يكون كل فرد في موقعه قائداً في مجال الأمن السيبراني، ومدركاً أن أي خلل في منظومته قد يؤدي إلى انهيار كامل لممرات الطاقة والبيانات.

ركائز تحقيق التمكين المؤسسي

ولتحقيق هذا التمكين، لا بد من:

  1. تطوير أطر قانونية وتنظيمية ترسخ مبدأ الأمن المشترك، وتلزم جميع الأطراف بحماية بيانات وممرات الطاقة وفق أعلى المعايير.
  2. تمويل برامج التدريب المستدامة التي تواكب التطورات التكنولوجية، وتستثمر في الكوادر البشرية كأغلى ثروة وطنية.
  3. إقامة شراكات دولية شاملة؛ لأن التهديدات لا تعرف حدوداً، ولا يمكن مواجهتها بجهود منفردة.
  4. دمج التعلم العميق في ثقافة المؤسسات، بحيث يكون التعلم جزءاً من الروتين اليومي، وليس حدثاً استثنائياً.

ثالثاً: الابتكار الأمني والمضمون.. من ثوابت القرآن إلى ضوابط 2030

إن الابتكار الأمني الذي ننشده لا يمكن أن ينفصل عن المضمون الأخلاقي الذي يضبطه، فكما أنزل الله القرآن الكريم هدىً للناس، وجعل فيه ثوابت لا تتغير، فإن الأمن السيبراني يجب أن يقوم على أسس راسخة لا تتزعزع، وهي:

مبادئ الاستدامة والنزاهة

  • الشفافية: فلا أمن دون وضوح في الرؤى والإجراءات.
  • المساءلة: فلا تمكين دون محاسبة، ولا تفويض دون رقابة.
  • العدالة: فلا حماية لمسارات الطاقة والبيانات على حساب شعوب أو دول.
  • الاستدامة: فلا بناء حقيقياً دون رؤية بعيدة المدى، كما حددتها رؤية 2030 بأهدافها الطموحة.

وهذه الثوابت الأربعة تلتقي مع الآيات المحكمات من سورتي الإسراء والكهف، وسور الواقعة ومحمد والبقرة، في إطار كوني يربط بين التسخير الإلهي والمسؤولية الإنسانية.

رابعاً: استقراء المستقبل برؤية 2030.. خمس سنوات من الابتكار المضمون

إن وقوفنا اليوم في منتصف عقد تحول الطاقة والرقمنة يفرض علينا أن ننظر إلى المستقبل بمنظار استباقي، لا مجرد ردود فعل على الأحداث. ورؤية 2030 التي ارتكزت على أهداف التنمية المستدامة، تدفعنا إلى صياغة خارطة طريق للأمن السيبراني في مجال الطاقة، تتضمن:

المحور الأول: البنى التحتية الصامدة

  • تطوير شبكات طاقة قادرة على الصمود في وجه الهجمات الإلكترونية، من خلال أنظمة احتياطية متعددة، وممرات بديلة تلقائياً.
  • حماية الكابلات البحرية للألياف البصرية التي تحمل 90% من بيانات العالم، بأساليب دفاعية متطورة ومستمرة التحديث.

المحور الثاني: الثقة الرقمية والحوكمة

  • إنشاء منصات دولية لتبادل المعلومات الاستخباراتية عن التهديدات، تعمل على مدار الساعة.
  • اعتماد ميثاق أخلاقي دولي للذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، يضمن استخدامه بما يخدم الإنسانية، لا ضدها.

المحور الثالث: تمكين الأفراد والمؤسسات

  • إطلاق مبادرات تدريبية نوعية في الأمن السيبراني؛ لإنشاء جيل جديد من المحترفين المتمكنين.
  • تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث وشركات التكنولوجيا، لضمان تسريع الابتكار ونقل المعرفة.

المحور الرابع: التعلم المستمر كأسلوب حياة

  • إدماج مفاهيم التعلم العميق والتكيف المستدام في مناهج التعليم والتدريب المهني.
  • اعتماد أنظمة تقييم مستمرة، ترصد الثغرات وتصوّب المسار بسرعة فائقة.

خامساً: القلم وما يسطرون.. والوحي الإلهي للإبداع البشري

لقد أقسم الله بالقلم وبما يسطرون، تأكيداً على مكانة العلم والمعرفة في منهج الوجود. فالإبداع البشري ليس سوى انعكاس لتلك الإرادة الإلهية التي علمت آدم الأسماء، وألهمت الأنبياء والمرسلين، وأوحت بالخير والنور إلى قلوب المخلصين.

رسالة الأجيال في حماية البيانات

وما نقوم به اليوم في مجال ابتكار الضوابط والإجراءات هو جزء من هذه الرسالة العظيمة، التي تحملها البشرية من جيل إلى جيل؛ لتستمر الحياة وتزدهر، وتستقر المجتمعات وتتعمّر الأوطان.

فكما أن الجبال الرواسي هي ثوابت الأرض، فإن ثوابت الأمن والمضمون هي الجبال الرواسي لعالمنا الرقمي، التي تحمي ممرات الطاقة والبيانات من العواصف والهزات.

خاتمة: لحن الخلود في طي السجل

إننا إذ نكتب هذا المقال في رحاب الأمم المتحدة، ونستحضر قمة الثوابت من القرآن الكريم، ونطمح إلى تحقيق رؤية 2030 في خمس سنوات قادمة، فإننا نؤكد أن المستقبل ليس وهماً أو سراباً، بل هو أطوى سجلٍ يُدوَّن بأحرف من نور، وينتظر من يصوغه بحكمة وإيمان وإتقان.

لقد حان الوقت لننتقل من الوعظ إلى التمكين، ومن التحذير إلى البناء، ومن الرؤى النظرية إلى الإجراءات العملية المدعومة بـ “التعلم العميق” والابتكار المضمون والاستشراف الشامل.

فكما أن السماء تُطوى بأمر الله يوم القيامة، كذلك يُطوى سجل الأمم اليوم بقدر ما تكتبه من إنجازات وأخلاق. فليكن سجلنا عنواناً للقمة، وليكن أثرنا طيباً كطيب ما أنزل الله، وكما خطّ القلم بإذنه، وكما سطّر المرسلون بإلهامهم.