Skip to main content
|

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال

كتب : الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

بناءً على طلب عدد من الإخوة والأصدقاء التعليق على ما طرحه أحد الأصدقاء المطلعين، خلال لقاء تلفزيوني، بشأن أهمية المنطقة البحرية الواقعة شمال درنة وجنوب جزيرة كريت، فإن ما أشار إليه بشأن حساسية هذه المنطقة وقيمتها الاستراتيجية دقيق وفي محله، ويستحق التوسع فيه؛ لأن القضية لا تتعلق فقط باحتمال وجود حقل نفطي أو غازي، بل بمجال بحري تتقاطع فيه السيادة الوطنية مع القانون الدولي والطاقة والأمن والاقتصاد والبيئة والملاحة والمصالح الجيوسياسية.

إن هذه المسألة ليست حقاً للحاضر وحده، ولا يجوز النظر إليها باعتبارها ملفاً فنياً أو تفاوضياً مؤقتاً؛ فهي تتصل بحقوق الأجيال القادمة في أرض الوطن وبحره وثرواته، وبواجب الدولة في حماية امتدادها البحري، سواء ثبت اليوم وجود موارد تجارية أم لم يثبت.

فالسيادة لا تبدأ عند حفر أول بئر، والحقوق البحرية لا تنشأ عند اكتشاف الغاز أو النفط، بل تقوم على الجغرافيا والقانون، وعلى قدرة الدولة على توثيق حقوقها وإدارتها والدفاع عنها.

ما المنطقة المقصودة تحديداً؟

المقصود هو المجال البحري الممتد قبالة الساحل الشمالي الشرقي لليبيا، وتحديداً شمال درنة، باتجاه المياه الواقعة جنوب وجنوب غرب جزيرة كريت.

ولا توجد حتى الآن حدود بحرية نهائية متفق عليها بين ليبيا واليونان في هذا النطاق. ولذلك لا يجوز التعامل مع الخطوط الواردة في الخرائط المتداولة باعتبارها حدوداً محسومة قانوناً، بل هي في جانب كبير منها مطالبات متقابلة وتصورات مختلفة لطريقة احتساب الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

وقد وثقت ليبيا موقفها رسمياً لدى الأمم المتحدة خلال عام 2025، وقدمت إعلاناً وخرائط بشأن الحدود الخارجية لجرفها القاري، ثم اعترضت على أنشطة استكشافية رأت أنها تقع في مناطق بحرية محل نزاع مع اليونان. وردت اليونان برفض الاعتراض الليبي والتمسك بموقفها وخطوطها البحرية.

ويثبت هذا التبادل الرسمي أن الخلاف لا يزال قائماً، ولم يُحسم باتفاق ثنائي نهائي أو بحكم قضائي دولي.

جذور الموقف الليبي أقدم من النزاع الراهن

من المهم التذكير بأن الاهتمام الليبي بهذه المنطقة لم يبدأ مع التطورات الأخيرة في شرق المتوسط، ولا مع منح الامتيازات الحديثة جنوب كريت.

فمنذ عام 2007 نبهت الجهات الليبية المختصة بالطاقة إلى التحركات اليونانية الرامية إلى استكشاف المناطق البحرية المقابلة للساحل الليبي، وأُحيل الموضوع آنذاك إلى الجهات المعنية بالعلاقات الخارجية، ضمن مسار عزز الحاجة إلى إعلان الحقوق البحرية الليبية وتوثيقها.

كما أُعدت دراسات ليبية مبكرة تناولت مصادر الطاقة في المنطقة البحرية شمال شرق ليبيا، والنزاع المحتمل مع اليونان، والمؤملات الهيدروكربونية جنوب كريت، ودعت إلى بناء موقف فني وقانوني ودبلوماسي متكامل.

وهذا التسلسل التاريخي يبين أن الاعتراض الليبي ليس موقفاً طارئاً أو رد فعل على امتياز حديث، بل امتداد لموقف مؤسسي وفني بدأ قبل الانقسام السياسي، واستند منذ البداية إلى ضرورة حماية المجال البحري المقابل للساحل الليبي، وعدم السماح بفرض أمر واقع استكشافي في منطقة لم يكتمل ترسيمها.

يتبع ،،

مشاركة الخبر