Skip to main content

الوسم: رئيسي

برعاية مصرف ليبيا المركزي والسفارة الأمريكية.. اجتماع موسع لمناقشة آليات تنفيذ اتفاق الإنفاق المالي الموحد

عُقد في العاصمة التونسية، اليوم الجمعة، اجتماع موسع برعاية مصرف ليبيا المركزي والقائم بأعمال السفارة الأمريكية “جيرمي برنت”، للإطلاق الفعلي لتنفيذ اتفاق الإنفاق المالي الموحد وآلياته، بما يعزز الاستقرار المالي ويرسخ مبادئ الإفصاح والشفافية.

ضم الاجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى”، ونائبه “مرعي البرعصي”، ورئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك”، إلى جانب أعضاء اللجنة المالية المشتركة المشكلة بموجب الاتفاق.

وناقش الحاضرون آليات تنفيذ المادة الثامنة من الاتفاق، وتابعوا ملفات الإنفاق العام والإيرادات النفطية وغير النفطية، بالإضافة إلى وضع الترتيبات الفنية اللازمة لضمان انتظام الصرف وفق الآليات المتفق عليها.

وفي ختام الاجتماع، أكد المشاركون أهمية الحفاظ على أجواء التوافق الحالية والبناء عليها، مشددين على استمرار التنسيق الفني والمؤسسي لضمان التنفيذ العملي لبنود الاتفاق وتحقيق أعلى درجات الإفصاح والشفافية بين مختلف المؤسسات.

“الشلوي”: النفط الليبي بين تحديات الواقع وفرص المستقبل.. ​لماذا يحتاج القطاع إلى إعادة بناء اقتصادية لا مجرد تمويل مؤقت؟

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

​في كل مرة يُطرح فيها ملف النفط الليبي، يتحول النقاش سريعاً إلى أرقام الإنتاج والإيرادات، وكأن القضية تُختزل فقط في عدد البراميل المصدّرة يومياً أو حجم العوائد السنوية. غير أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن قطاع النفط الليبي يعمل منذ سنوات طويلة في بيئة غير مستقرة سياسياً وأمنياً ومؤسسياً، الأمر الذي جعل الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الإنتاج إنجازاً بحد ذاته في كثير من المراحل.

​فالقطاع النفطي في ليبيا لم يعمل خلال العقد الماضي في ظروف تشغيل طبيعية، بل تحت تأثير الإغلاقات المتكررة، والانقسامات الإدارية، وتهالك البنية التحتية، وضعف الإنفاق الرأسمالي، وغياب الاستقرار التشريعي، إلى جانب الضغوط الفنية واللوجستية التي طالت الحقول وخطوط النقل والموانئ ومرافق المعالجة والتكرير.

​لهذا، فإن الحديث عن زيادة الإنتاج إلى مستويات مستهدفة تتجاوز المليوني برميل يومياً لا يمكن أن يتم بمنطق التمنيات أو القرارات الإدارية المجردة، بل يحتاج إلى قراءة واقعية لحجم التحديات الفنية والاقتصادية والمالية التي تواجه القطاع بمختلف مكوناته التشغيلية، سواء في أنشطة الاستكشاف والإنتاج (Upstream)، أو النقل والتخزين والمعالجة (Midstream)، أو التكرير والصناعات التحويلية والتوزيع (Downstream).

​تحديات متراكمة تعيق الوصول إلى الزيادة المنشودة

​أبرز التحديات التي تواجه القطاع اليوم تتمثل في تقادم البنية التحتية النفطية؛ فالكثير من الحقول وخطوط الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات تعمل منذ عقود، وبعضها تجاوز عمره التشغيلي التصميمي، في ظل محدودية برامج الإحلال والتطوير والصيانة العميقة خلال السنوات الماضية.

​كما أن جزءاً كبيراً من الإنتاج الليبي يعتمد على حقول تحتاج إلى تقنيات متقدمة للحفاظ على معدلات الإنتاج الطبيعية، بما يشمل عمليات حقن المياه والغاز، والصيانة المكمنية، وتطوير الآبار، ومعالجة الاختناقات التشغيلية، وهي عمليات تتطلب إنفاقاً مستمراً وسريعاً لا يحتمل التأجيل أو التعقيدات الإدارية الطويلة.
​إضافة إلى ذلك، فإن القطاع يعاني من تحديات لوجستية كبيرة تشمل سلاسل الإمداد، وتوفير المعدات وقطع الغيار، والتأخر في تنفيذ المشاريع، وصعوبة التعاقدات، فضلاً عن ارتفاع تكلفة التشغيل عالمياً بعد التغيرات التي شهدتها أسواق الطاقة والخدمات النفطية خلال السنوات الأخيرة.

​ولا يمكن إغفال تأثير الانقسام المؤسسي وعدم استقرار القرارات الاقتصادية والمالية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة القطاع في التخطيط بعيد المدى، وجذب الاستثمارات، وتنفيذ برامج تطوير مستدامة.

​هل التمويل عبر القروض هو الحل؟

​يعتقد البعض أن معالجة مشاكل القطاع النفطي يمكن أن تتم فقط عبر توفير قروض أو ترتيبات تمويلية جديدة؛ والحقيقة أن التمويل مهم وضروري، لكنه ليس الحل الكامل إذا لم يُصاحب بإصلاحات هيكلية وإدارية ومؤسسية حقيقية.

​فالقطاع النفطي بطبيعته قطاع كثيف رأس المال، ويحتاج إلى تدفقات مالية مستمرة وفورية للحفاظ على استقرار الإنتاج، خصوصاً في أعمال الصيانة والتطوير والخدمات اللوجستية والتشغيلية. وبالتالي فإن اللجوء إلى أدوات التمويل، بما فيها القروض، قد يكون خياراً عملياً ومبرراً في بعض الحالات، خاصة إذا كان موجهاً لمشاريع إنتاجية واضحة ذات عائد اقتصادي مباشر وقابل للقياس.

​لكن الخطر يكمن في أن يتحول التمويل إلى مجرد وسيلة لتغطية الاختلالات التشغيلية والإدارية دون معالجة جذور المشكلة. فالقروض وحدها لا ترفع الإنتاج إذا كانت بيئة التشغيل غير مستقرة، أو إذا كانت دورة القرار بطيئة، أو إذا كانت الهياكل الإدارية والمالية غير قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وشفافية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أعمق تقوم على إعادة هيكلة القطاع اقتصادياً وإدارياً، بحيث يعمل وفق نموذج مؤسسي حديث يقوم على الكفاءة والحوكمة والمحاسبة والشفافية.

​الحاجة إلى إعادة هيكلة اقتصادية حقيقية

​القطاع النفطي الليبي بحاجة إلى التحول التدريجي من مجرد جهاز تشغيلي تقليدي إلى منظومة اقتصادية متكاملة تمتلك أدوات الإدارة الحديثة، من خلال بناء هياكل مالية واضحة تشمل قوائم أرباح وخسائر، وميزانيات تشغيلية ورأسمالية، وإدارة للأصول والخصوم، ومؤشرات أداء حقيقية تقيس الكفاءة والإنتاجية والعائد على الإنفاق. فالإدارة الاقتصادية الحديثة للقطاع لا تعني الخصخصة، بل تعني رفع كفاءة إدارة الموارد وتعظيم العائد الوطني من كل دولار يتم إنفاقه.

​كما أن وجود آلية تمويل مستقرة ومستقلة نسبياً عن التعقيدات البيروقراطية أصبح ضرورة استراتيجية وليس ترفاً إدارياً؛ لأن طبيعة الصناعة النفطية لا تحتمل تعطيل أعمال الصيانة أو تأخير توريد المعدات بسبب إجراءات مالية طويلة ومعقدة. إن أي تأخير في الإنفاق داخل القطاع النفطي لا يعني فقط تعطيل مشروع، بل قد يؤدي إلى فقدان إنتاج، أو تلف معدات، أو ارتفاع تكلفة الاسترجاع مستقبلاً.

​وفي هذا السياق، فإن عودة مصفاة رأس لانوف واستعادة دورها الطبيعي تمثل واحدة من أهم الفرص الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد التوازن إلى قطاع التكرير والصناعات التحويلية في ليبيا. ومن وجهة نظر فنية وتشغيلية، فإن إعادة تأهيل وتشغيل هذا الصرح لا تبدو مستحيلة أو بعيدة زمنياً، بل قد لا تتجاوز عاماً واحداً إذا ما توفرت الإرادة والتمويل الكافي والقرارات التنفيذية السريعة.

​وعند تشغيل مجمع رأس لانوف الصناعي والبتروكيميائي، ستظهر القيمة المضافة الحقيقية التي يمكن أن يقدمها القطاع النفطي للاقتصاد الوطني، بعيداً عن تصدير الخام فقط. فالصناعات البتروكيميائية تفتح الباب أمام تعظيم العوائد، وخلق فرص العمل، وتحفيز الصناعات التحويلية، وزيادة الصادرات ذات القيمة المرتفعة، وتقليل الاعتماد على الواردات.

​ليبيا تمتلك مزايا تنافسية نادرة

​رغم كل هذه التحديات، فإن ليبيا ما تزال تمتلك واحدة من أهم الفرص النفطية في منطقة المتوسط وأفريقيا؛ فالنفط الليبي يتمتع بجودة عالية ومواصفات مرغوبة عالمياً، كما أن الموقع الجغرافي يمنح ليبيا ميزة تنافسية مهمة لقربها من الأسواق الأوروبية. إضافة إلى ذلك، تمتلك ليبيا احتياطيات كبيرة غير مستغلة بالكامل، فضلاً عن انخفاض تكلفة الإنتاج مقارنة بعدد من المنتجين الآخرين عالمياً.

​كما أن العالم، رغم توجهه المتسارع نحو الطاقات المتجددة، ما يزال يحتاج إلى النفط والغاز لعقود قادمة، خصوصاً في الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات. بل إن الغاز الطبيعي تحديداً مرشح لأن يلعب دوراً محورياً خلال المرحلة الانتقالية العالمية للطاقة، وهو ما يفتح أمام ليبيا فرصاً كبيرة لتطوير مشاريع الغاز، سواء للاستهلاك المحلي أو للتصدير.

​الغاز والكهرباء… معركة الاستقرار الداخلي

​الحديث عن قطاع النفط في ليبيا لا يجب أن يُختزل فقط في الإيرادات المالية، بل يجب أن يُنظر إليه كركيزة لاستقرار الدولة والمجتمع. فتطوير قطاع الغاز أصبح ضرورة وطنية لتغذية محطات الكهرباء، ومصانع الحديد والصلب، والإسمنت، والصناعات البتروكيماوية. وهذا الملف يرتبط بشكل مباشر بإنهاء أزمة طرح الأحمال التي عانى منها المواطن الليبي لسنوات، وما ترتب عليها من خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة. إن أي استثمار ناجح في الغاز والطاقة ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو استثمار في استقرار الدولة وتحسين حياة الناس.

​لماذا يجب ألا نبخل على هذا القطاع؟

​الحقيقة التي لا خلاف عليها أن الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كامل على قطاع النفط والغاز؛ وبالتالي فإن أي ضعف في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الإيرادات العامة، والاستقرار المالي، وسعر العملة. لقد كان القطاع النفطي طوال السنوات الماضية صمام الأمان الذي حافظ على استمرار مؤسسات الدولة.
​لهذا فإن الإنفاق على القطاع النفطي لا يجب أن يُنظر إليه كمصروفات استهلاكية، بل كاستثمار سيادي في بقاء الدولة نفسها. فكل دولار يُصرف بكفاءة على الصيانة والتطوير يمكن أن ينعكس بأضعافه على الاقتصاد الوطني. لكن في المقابل، فإن هذا الإنفاق يجب أن يكون ضمن منظومة واضحة من الحوكمة والرقابة والشفافية والتخطيط طويل الأجل، حتى تتحول الإيرادات النفطية فعلاً إلى تنمية يشعر بها المواطن.

​خاتمة

​المشهد النفطي الليبي اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي؛ فإما الاستمرار في إدارة القطاع بمنطق المعالجة المؤقتة وردود الأفعال، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الإصلاح المؤسسي، والتمويل المستدام، والإدارة الاقتصادية الحديثة. زيادة الإنتاج ليست مستحيلة، لكنها أيضاً ليست قراراً سياسياً يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها. إنها عملية معقدة تتطلب استقراراً، وتمويلاً ذكياً، وإدارة كفؤة، ورؤية وطنية تدرك أن النفط ليس مجرد مصدر دخل، بل ركيزة أساسية لمستقبل ليبيا الاقتصادي والاجتماعي والسيادي.

في النهاية، فإن الدول التي نجحت في استثمار ثرواتها الطبيعية لم تكن تلك التي امتلكت النفط فقط، بل تلك التي امتلكت القدرة على إدارة النفط بعقل اقتصادي ومؤسسي واستراتيجي؛ وليبيا تملك اليوم كل المقومات لتكون واحدة من هذه الدول إذا أحسنت إدارة الفرصة قبل أن تضيعها التحولات العالمية المقبلة في أسواق الطاقة.

المؤسسة الوطنية للنفط تستعرض خططها لرفع الإنتاج وجذب الاستثمارات في قمة أفريقيا للطاقة بلندن​

شاركت المؤسسة الوطنية للنفط ممثلة في رئيس مجلس إدارتها “مسعود سليمان” برفقة وفد رفيع المستوى من مديري الشركات النفطية، في فعاليات “قمة أفريقيا للطاقة” المنعقدة بالعاصمة البريطانية لندن

وعلى هامش القمة، انطلقت فعاليات “منتدى الطاقة الليبي” بالتعاون مع مجلس الأعمال الليبي البريطاني، وسط حضور دولي واسع، ضم نخبة من مسؤولي شركات الطاقة العالمية والمستثمرين والخبراء الدوليين المهتمين بالسوق الليبية.

وخلال جلسة حوارية رفيعة المستوى، استعرض “مسعود سليمان” أبرز إنجازات المؤسسة في الفترة الماضية، مؤكداً أن العمل جارٍ وفق رؤية واضحة لرفع معدلات الإنتاج وتطوير البنية التحتية.

وكشف “سليمان” عن عزم المؤسسة الوطنية للنفط إطلاق جولات عطاء جديدة للاستكشاف والإنتاج، تعتمد معايير الشفافية والجودة لتعزيز ثقة الشركاء الدوليين.

كما تطرق رئيس المؤسسة في حديثه إلى الاكتشافات النفطية والغازية الأخيرة، مشدداً على التزام قطاع النفط في ليبيا بدعم مشاريع تقليل حرق الغاز وخفض الانبعاثات الكربونية، تماشياً مع التوجهات العالمية نحو الاستدامة وتحسين كفاءة الطاقة.

وأشار “سليمان” إلى أن المؤسسة تضع الشراكات الدولية في مقدمة أولوياتها لدعم خطط التوسع، مجدداً الدعوة للشركات العالمية والمستثمرين لزيادة نشاطهم في ليبيا، مع التأكيد على أهمية إشراك القطاع الخاص الليبي في مشاريع الطاقة والصناعات البتروكيماوية لدعم الاقتصاد الوطني.

​”أحمد المسلاتي”: خلف أرقام النفط الليبي قطاع يقاتل للبقاء منذ 2011

كتب: الباحث في الشأن النفطي والاقتصادي “أحمد المسلاتي”

​الحديث عن أرقام قطاع النفط لا يجب أن يتحول كل مرة إلى محاكمات شعبوية سريعة؛ لأن هذا القطاع لم يعمل طوال السنوات الماضية في ظروف طبيعية أصلاً، بل تحت الإغلاقات والاشتباكات والانقسامات وتهالك البنية التحتية وضغوط الحفاظ على استمرار الإنتاج والإمدادات.

​الكثير يقرأ أرقام الإنفاق ولا يقرأ حجم التحديات الفنية والتشغيلية التي واجهت الحقول والخزانات وخطوط النقل والموانئ، ولا يدرك أن جزءاً كبيراً من الأموال كان يُصرف للحفاظ على استمرارية القطاع ومنع توقفه الكامل، لا فقط لزيادة الإنتاج.

​ورغم كل شيء، ما زال النفط الليبي يحقق تدفقات وإيرادات حافظت على بقاء الدولة نفسها، في وقت كانت فيه مؤسسات كثيرة مهددة بالشلل الكامل.

​المشكلة الحقيقية اليوم ليست في وجود الأموال فقط، بل في بناء منظومة إدارة ورقابة وتخطيط قادرة على تحويل هذه الإيرادات إلى استقرار وخدمات وتنمية يشعر بها المواطن فعلياً.

​أما اختزال المشهد في عبارات من نوع “أين ذهبت الأموال؟” دون فهم طبيعة القطاع وتعقيداته، فلن ينتج إلا مزيداً من الضجيج لا الحلول.

​قد يختلف الليبيون حول الأرقام، لكن الحقيقة التي لا خلاف عليها أن قطاع النفط كان طوال السنوات الماضية يحمل على كتفيه عبء إبقاء الدولة واقفة، حتى في أصعب لحظات الانقسام والفوضى.

​”الشلوي”: المحطة البحرية لحقل البوري ركيزة استراتيجية لإعادة تموضع ليبيا في معادلة الطاقة والتحول البيئي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

​في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، لم تعد مشاريع النفط والغاز تُقاس فقط بحجم الإنتاج أو الإيرادات المباشرة، بل أصبحت تُقيَّم بمدى قدرتها على تحقيق الاستدامة، وتقليل الانبعاثات، وتعظيم القيمة الاقتصادية للموارد، وتعزيز أمن الطاقة الإقليمي والدولي.

ومن هذا المنطلق، يمثل مشروع المحطة البحرية المتقدمة المخصصة لحقل البوري خطوة استراتيجية فارقة في مسار تطوير قطاع الطاقة الليبي، ليس فقط باعتباره مشروعاً إنتاجياً، بل باعتباره مشروعاً سيادياً يعكس تحولاً حقيقياً في فلسفة إدارة الموارد الهيدروكربونية.

​إن هذا المشروع يأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تتزايد المنافسة الدولية على موارد الغاز الطبيعي، وتتسارع الجهود الأوروبية لتنويع مصادر الإمدادات وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية.

وفي هذا السياق، تمتلك ليبيا ميزات تنافسية فريدة، أهمها القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية، والبنية التحتية القائمة لنقل الغاز، إضافة إلى الإمكانيات الكبيرة غير المستغلة بالكامل في الحقول البحرية.

​ويمثل إدخال محطة بحرية متقدمة لحقل البوري نقلة نوعية في إدارة العمليات البحرية، من خلال رفع كفاءة الإنتاج، وتقليل الفاقد، وتحسين إدارة الغاز المصاحب، وتعزيز موثوقية الإمدادات. كما أن المشروع ينسجم مع الاتجاهات العالمية الحديثة التي تربط بين أمن الطاقة والتحول البيئي، وتدفع نحو نماذج تشغيل أكثر كفاءة وأقل انبعاثاً للكربون.

​القيمة الاقتصادية للمشروع: من تعظيم الإنتاج إلى تعظيم القيمة
​الأهمية الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في زيادة معدلات الإنتاج، بل في تعظيم القيمة الاقتصادية لكل قدم مكعب من الغاز وكل برميل نفط يتم إنتاجه.

فالمشروعات البحرية الحديثة تعتمد على تقنيات تسمح بتحسين كفاءة الاستخلاص، وتقليل التوقفات التشغيلية، وخفض تكاليف المعالجة والنقل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الإيرادات والسيولة التشغيلية.

​وتشير التقديرات الفنية في مثل هذه المشاريع إلى إمكانية تحقيق زيادات تدريجية في إنتاج الغاز خلال المراحل الأولى من التشغيل، مع تحسين كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي.

كما أن استغلال الغاز المنتج محلياً لتغذية محطات الكهرباء يقلل من الاعتماد على الوقود السائل مرتفع التكلفة مثل الديزل وزيت الوقود الثقيل، ما يساهم في خفض فاتورة الدعم وتحسين كفاءة منظومة الطاقة الوطنية.

​إضافة إلى ذلك، فإن تطوير الحقول البحرية يرسل رسالة إيجابية للأسواق العالمية ولشركات الطاقة والمؤسسات التمويلية الدولية بأن قطاع النفط الليبي قادر على تنفيذ مشاريع استراتيجية وفق معايير تشغيل حديثة، وهو ما يعزز الثقة الاستثمارية ويعيد تموضع ليبيا تدريجياً على خريطة الاستثمار الطاقي في منطقة المتوسط.

​البعد البيئي: التحول من الحرق إلى الاستفادة الاقتصادية

​أحد أهم الأبعاد الاستراتيجية لهذا المشروع يتمثل في علاقته المباشرة بملف خفض انبعاثات الغاز والحد من الحرق الروتيني للغاز المصاحب، وهو الملف الذي أصبح اليوم معياراً رئيسياً في تقييم أداء شركات الطاقة والدول المنتجة.

​لقد أصبح واضحاً أن استمرار حرق الغاز لم يعد مجرد خسارة اقتصادية، بل أصبح تحدياً بيئياً ومالياً واستثمارياً، خاصة في ظل التوجهات العالمية المتعلقة بالحوكمة البيئية والاجتماعية، ومتطلبات المؤسسات التمويلية الدولية، والتشريعات المرتبطة بالبصمة الكربونية.

​ومن واقع التجربة العملية والعمل الميداني في هذا الملف منذ عام 2023، برزت الحاجة إلى تأسيس نهج مؤسسي متكامل للتعامل مع انبعاثات الغاز، يقوم على التخطيط الفني والاقتصادي، وليس فقط على المعالجات التشغيلية المؤقتة.

وقد أثبتت التجارب أن بناء قواعد بيانات دقيقة ومحدثة للانبعاثات ومصادرها، وتحديد المشاريع ذات الأولوية، وربطها بآليات تمويل مرنة، يشكل الأساس الحقيقي لأي تحول مستدام في هذا القطاع.

​وفي هذا الإطار، لعبت “مبادرة 2030” دوراً محورياً في نقل ملف خفض الانبعاثات من مرحلة الطرح النظري إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم. وقد استندت المبادرة إلى رؤية تقوم على إعداد قاعدة بيانات شاملة تغطي الشركات المرتبطة بعمليات الإنتاج، وتحديد فرص خفض الانبعاثات لكل شركة على حدة، ووضع تصورات لمشاريع قابلة للتنفيذ وفق جداول زمنية واضحة ومؤشرات أداء محددة.

​كما تم العمل على تأسيس شبكة من نقاط الاتصال الفنية داخل الشركات، تضم كوادر تمتلك مواصفات علمية ومهنية عالية، وصلاحيات تشغيلية تسمح بتحديث البيانات، ومتابعة المشاريع، وضمان استمرارية التنفيذ وفق المعايير المطلوبة. وقد شكل هذا النهج المؤسسي أحد أهم عناصر نجاح المبادرة؛ لأنه نقل المسؤولية البيئية من الإطار المركزي إلى إطار تشاركي متكامل داخل القطاع.

​التمويل والاستثمار: التحول من الاعتماد التقليدي إلى نماذج أكثر مرونة

​من أبرز نقاط القوة في المقاربة الحديثة لمعالجة انبعاثات الغاز أنها لا تعتمد فقط على التمويل الحكومي أو الميزانيات التشغيلية التقليدية، بل تتجه نحو نماذج تمويل أكثر مرونة تعتمد على الشراكات والاستثمار وآليات التمويل المرتبطة بالعائدات المستقبلية للمشاريع.

​لقد أثبتت التجارب الدولية أن مشاريع خفض الانبعاثات وتحويل الغاز المحروق إلى قيمة اقتصادية قادرة على جذب مؤسسات تمويل دولية وبنوك تنموية وصناديق استثمار، خاصة عندما تكون مدعومة ببيانات دقيقة وخطط تنفيذ واضحة ومؤشرات قياس معتمدة.

​وفي هذا السياق، ساهمت مذكرات التفاهم التي أُبرمت مع عدد من المؤسسات والبنوك والمنظمات الدولية في فتح آفاق جديدة أمام مشاريع خفض الانبعاثات في ليبيا، ليس فقط من حيث التمويل، بل أيضاً من حيث نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، والاستفادة من الخبرات العالمية في مجالات القياس والإدارة والتحقق الفني.

​كما أن تحديد الميزانيات التقديرية لكل مشروع على مستوى الشركات ساعد في تحويل ملف الانبعاثات إلى ملف اقتصادي قابل للدراسة والتمويل والتنفيذ، بدلاً من بقائه ضمن إطار المبادرات العامة أو الالتزامات النظرية.

​الأثر الإقليمي والدولي: ليبيا كشريك موثوق في التحول الطاقي

​إن تطوير مشاريع الغاز البحرية بالتوازي مع برامج خفض الانبعاثات يمنح ليبيا فرصة حقيقية للتحول من مجرد مصدر تقليدي للطاقة إلى شريك استراتيجي في معادلة الطاقة النظيفة نسبياً في المتوسط.

​فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن كميات إضافية من الغاز، بل يبحث عن غاز منخفض الانبعاثات وأكثر توافقاً مع معايير الاستدامة. وهذا ما يجعل مشاريع مثل محطة البوري البحرية ذات أهمية مضاعفة؛ لأنها تجمع بين زيادة الإنتاج وتحسين الأداء البيئي في الوقت نفسه.

​كما أن نجاح ليبيا في هذا المسار سيعزز موقعها في المبادرات الدولية المعنية بخفض الحرق الروتيني والانبعاثات، وسيدعم قدرتها على الدخول في شراكات أوسع مع مؤسسات الطاقة العالمية، والمنظمات البيئية، والبنوك التنموية، خاصة في ظل تنامي الاهتمام الدولي بتمويل مشاريع التحول الطاقي وخفض الكربون.

​البعد المؤسسي والمعرفي: بناء ثقافة جديدة داخل القطاع

​لا يمكن لأي تحول حقيقي في قطاع الطاقة أن يتحقق دون بناء ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على المعرفة والبيانات والتخطيط طويل المدى. ومن هنا جاءت أهمية إعداد التقارير الدورية، والورقات العلمية، والمجلات المتخصصة باللغتين العربية والإنجليزية، التي ساهمت في توثيق تجربة خفض الانبعاثات داخل قطاع النفط الليبي، وإبراز أثرها الإقليمي والدولي.

​لقد ساعد هذا الجهد المعرفي في نقل التجربة الليبية إلى فضاءات أوسع، وأكد أن معالجة انبعاثات الغاز ليست مجرد التزام بيئي، بل فرصة اقتصادية واستثمارية وتنموية متكاملة.

​كما أن إشراك الكفاءات الوطنية في ورش العمل والمؤتمرات والندوات الدولية ساهم في بناء خبرات محلية قادرة على قيادة هذا التحول مستقبلاً، وربط القطاع النفطي الليبي بأحدث الممارسات العالمية في مجالات الاستدامة والطاقة منخفضة الكربون.

​خاتمة: مشروع يتجاوز حدود الإنتاج التقليدي

​إن مشروع المحطة البحرية لحقل البوري لا ينبغي النظر إليه كمشروع إنتاجي منفصل، بل كجزء من رؤية أوسع لإعادة بناء قطاع الطاقة الليبي على أسس أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على المنافسة.

​فالمشروع يجمع بين عدة أبعاد استراتيجية في آن واحد: تعزيز الإنتاج، وتحسين استغلال الغاز، وخفض الانبعاثات، ورفع كفاءة الطاقة، وجذب الاستثمار، وتعزيز التكامل مع الأسواق الأوروبية، ودعم التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.

​ومع استمرار الإصلاحات المؤسسية، وتطوير آليات التمويل، وتعزيز الشفافية، وتمكين الكفاءات الوطنية، يمكن لليبيا أن تتحول من دولة منتجة للطاقة فقط، إلى لاعب إقليمي مؤثر في مستقبل الطاقة المستدامة في منطقة المتوسط.

​وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المشاريع لا تُقاس فقط بما تضيفه من إنتاج أو إيرادات، بل بما تتركه من أثر طويل المدى على الاقتصاد والبيئة والمؤسسات والأجيال القادمة.

“شكشك” يناقش مع رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار تقارير لجان فحص ومراجعة حسابات المؤسسة

ناقش رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك” في اجتماع مع رئيس مجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار “علي محمود”، أبرز الملاحظات الواردة بتقارير الديوان عن سنتي 2024 و2025، وذلك بحضور الإدارات المختصة من الجانبين.

وتناول الاجتماع عدداً من المحاور الفنية والمالية المرتبطة بأعمال الفحص والمراجعة، من بينها متابعة تنفيذ الملاحظات السابقة الواردة بتقارير الديوان، ومناقشة ردود المؤسسة والإجراءات المتخذة بشأنها، بالإضافة إلى تقييم مستوى الالتزام بالضوابط المنظمة لإدارة المحافظ والاستثمارات التابعة للمؤسسة.

كما ناقش الاجتماع ملف تقييم أصول المؤسسة والشركات التابعة لها، وآليات تحديث البيانات المالية وتعزيز الإفصاح والشفافية، إلى جانب استعراض أوضاع بعض الاستثمارات الخارجية، ومدى توافق إجراءات إدارتها مع القواعد والمعايير المهنية المعتمدة.

مصرف الجمهورية وبنك الأردن يبحثان الشراكة في التحول الرقمي والانتشار الإقليمي

بحث المدير العام بمصرف الجمهورية “نوري أبوفليجة” اليوم الثلاثاء، مع مدير عام بنك الأردن “صالح رجب”، سبل تعزيز التعاون المصرفي وتوسيع آفاق التنسيق المشترك بين المؤسستين.

و​تركز الاجتماع على مناقشة خطط التحول الرقمي وتبادل الخبرات التقنية لرفع كفاءة الأداء المؤسسي، كما ناقش الجانبان استراتيجيات تعزيز جودة الخدمات المصرفية، ورفع معدلات الانتشار الإقليمي في مناطق تجارية جديدة، بما يدعم التكامل والشراكة الفنية بين المصرفين.

النائب العام يبحث مع “قادربوه” ملفات المال العام وتعزيز التكامل الرقابي والقضائي

بحث النائب العام المستشار “الصديق الصور” خلال اجتماعه اليوم الثلاثاء مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية “عبدالله قادربوه”، ملفات المال العام والحسابات الختامية والفساد المالي والإداري المتعلقة بالإنفاق العام والعقود الحكومية والملاحظات الإدارية.

وأكد “الصور وقادربوه” على ضرورة توحيد الجهود في متابعة القضايا، بما يرفع كفاءة العمل المشترك ويعزز فاعلية الإجراءات القانونية، كما شددا على أهمية استمرار التعاون لحماية المال العام ومكافحة الفساد وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

شركة البريقة تطمئن المواطنين بأن الوقود متوفر وعمليات استلام وتوزيع شحنات المحروقات تسير بصورة طبيعية

أكدت شركة البريقة لتسويق النفط في بيان اليوم الثلاثاء، أن الازدحام الذي تشهده بعض محطات الوقود حالياً لا يعود إلى أي خلل في توفر المحروقات، مشيرة إلى أن الوقت المستغرق في الإجراءات اللوجستية المصاحبة لرسو الناقلات هو السبب وراء التذبذب المؤقت في عمليات التزويد.

​وطمأنت الشركة المواطنين بأن عمليات استلام وتوزيع شحنات المحروقات تسير بصورة طبيعية وبوتيرة منتظمة؛ حيث رست الناقلة “VS Spirit” في ميناء طرابلس بحمولة تتجاوز 25 ألف طن متري من البنزين، كما رست الناقلة “Karen Maersk” في ميناء بنغازي بحمولة بلغت 31 ألف طن متري، مع توقع وصول عدد إضافي من الناقلات تباعاً خلال هذا الأسبوع.

“الشلوي”: عودة رأس لانوف إلى السيادة الوطنية.. قراءة فنية واقتصادية في تحولات قطاع الطاقة الليبي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

يمثل إنهاء الشراكة الأجنبية داخل مجمع رأس لانوف، وعودة المصفاة والمجمع البتروكيميائي إلى الإدارة الكاملة للمؤسسة الوطنية للنفط، حدثاً مفصلياً في تاريخ الصناعة النفطية الليبية؛ ليس فقط من زاوية الملكية والإدارة، بل من حيث ما يعكسه هذا التطور من تحولات عميقة في فلسفة إدارة الثروة الهيدروكربونية الليبية ومستقبل الصناعات التحويلية المرتبطة بها.

هذا الحدث لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تسوية قانونية أو إعادة هيكلة إدارية، بل هو انتقال استراتيجي يعيد رسم العلاقة بين الدولة الليبية وأحد أهم أصولها الصناعية، ويؤسس لمرحلة جديدة تتقدم فيها مفاهيم القيمة المضافة والسيادة الاقتصادية وتعظيم العوائد المحلية، على حساب نماذج التشغيل التقليدية التي ارتبطت لعقود بالاعتماد على الشريك الأجنبي.

منذ إنشاء مجمع رأس لانوف، كان المشروع يمثل أحد أعمدة الطموح الصناعي الليبي في قطاع الطاقة؛ إذ لم يكن الهدف مقتصرًا على تكرير النفط الخام، بل إنشاء قاعدة صناعية متكاملة تجمع بين التكرير والصناعات البتروكيميائية والخدمات اللوجستية والتصدير. وقد اكتسب المجمع أهمية استثنائية بحكم موقعه الجغرافي في قلب الهلال النفطي، وقربه من حقول الإنتاج الرئيسية وموانئ التصدير، إضافة إلى البنية التحتية التي صممت لتجعله مركزاً إقليمياً للصناعات النفطية الثقيلة.

لكن التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها ليبيا منذ عام 2011 انعكست بشكل مباشر على أداء المجمع؛ حيث تعرضت منشآته لأضرار فنية متراكمة وتوقفت أجزاء واسعة من وحداته التشغيلية. كما دخلت الشراكة الأجنبية في دوامة من النزاعات القانونية والتحكيمية التي عطلت فرص إعادة التأهيل والتطوير لسنوات طويلة. وفي تلك المرحلة، لم تكن الخسارة مقتصرة على توقف نشاط صناعي فحسب، بل امتدت إلى فقدان ليبيا لجزء مهم من قدرتها على تحويل الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة، الأمر الذي زاد من الاعتماد على الاستيراد واستنزف جزءاً مهماً من النقد الأجنبي.

إن استعادة السيطرة الوطنية الكاملة على مجمع رأس لانوف تحمل اليوم أبعاداً اقتصادية أعمق بكثير من مجرد استرداد أصل صناعي؛ فالمجمع يمثل نقطة ارتكاز لإعادة بناء قطاع التكرير الليبي الذي ظل لسنوات يعمل بأقل من طاقته الفعلية، كما أنه يشكل بوابة أساسية لإحياء الصناعات البتروكيميائية التي تُعد على المستوى العالمي من أكثر الأنشطة النفطية ربحية واستدامة مقارنة بتصدير النفط الخام في صورته الأولية.

على الصعيد الاقتصادي، فإن تشغيل المصفاة بكفاءة يعني تقليص فاتورة استيراد الوقود والمشتقات النفطية، وهي واحدة من أكثر الملفات استنزافاً للمالية العامة الليبية خلال السنوات الماضية. كما أن استعادة النشاط البتروكيميائي تفتح الباب أمام صناعات تحويلية مرتبطة بالأسمدة واللدائن والكيماويات الصناعية، بما يخلق سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة قادرة على توليد إيرادات مستقرة وفرص عمل عالية المهارة.

أما من الناحية الفنية، فإن الإدارة الوطنية الكاملة للمجمع تمنح المؤسسة الوطنية للنفط مرونة أكبر في اتخاذ قرارات إعادة التأهيل والتطوير وفق أولويات السوق الليبية، وليس وفق اعتبارات الشركاء الخارجيين. كما تسمح بإعادة دمج المجمع ضمن استراتيجية وطنية موحدة لقطاع التكرير، ترتبط بخطط زيادة الإنتاج الخام وتحسين منظومة الإمداد المحلي وتطوير الصناعات المصاحبة.

في الواقع، فإن العالم النفطي اليوم لم يعد يقيس قوة الدول المنتجة بحجم الإنتاج الخام فقط، بل بقدرتها على التحكم في كامل سلسلة القيمة، من الاستخراج وحتى الصناعات النهائية. والدول التي نجحت في بناء اقتصادات طاقة متماسكة هي تلك التي انتقلت من نموذج “الدولة المصدرة للخام” إلى نموذج “الدولة الصناعية الطاقوية”، وهو المسار الذي تمتلك ليبيا كل المقومات للانخراط فيه إذا ما تم استثمار هذا التحول بصورة صحيحة.

كما أن هذا التطور يحمل بعداً سيادياً مهماً؛ إذ إن استعادة الأصول الاستراتيجية إلى الإدارة الوطنية المباشرة تعزز قدرة الدولة على حماية قراراتها الاقتصادية بعيداً عن التعقيدات القانونية المرتبطة بالشراكات المتعثرة والنزاعات الدولية طويلة الأمد. وفي قطاع حساس كقطاع النفط، فإن وضوح الملكية والإدارة يُعد عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات المستقبلية، لأن المستثمرين يبحثون دائماً عن بيئة مؤسسية مستقرة وواضحة المعالم.

من زاوية أوسع، فإن إعادة إحياء رأس لانوف تمثل رسالة مهمة للأسواق الدولية بأن ليبيا لا تزال تمتلك قاعدة صناعية نفطية قابلة للنهوض، وأن قطاعها النفطي لم يفقد قدرته على التعافي رغم سنوات التوقف والاضطرابات. فالمجمع، إذا ما أعيد تأهيله وفق معايير حديثة، يمكن أن يتحول مجدداً إلى مركز محوري للطاقة والصناعات البتروكيميائية في الجنوب المتوسطي والشمال الأفريقي.

لكن نجاح هذه المرحلة لن يتحقق بمجرد استكمال الإجراءات القانونية أو استعادة الإدارة الوطنية، بل يتطلب برنامجاً فنياً واقتصادياً متكاملاً يشمل تحديث وحدات التكرير، ومعالجة الاختناقات الفنية، وتطوير منظومات التخزين والمناولة، وإدخال تقنيات تشغيل حديثة تراعي الكفاءة الطاقوية والمعايير البيئية العالمية. كما يتطلب رؤية اقتصادية تتجاوز التشغيل التقليدي نحو بناء منظومة صناعات تحويلية مرتبطة بالمجمع قادرة على خلق قيمة مضافه حقيقية داخل الاقتصاد الليبي.

إن ما حدث في رأس لانوف ليس مجرد نهاية لشراكة أجنبية، بل بداية لاختبار حقيقي لقدرة الدولة الليبية على إدارة أحد أهم أصولها النفطية بعقلية اقتصادية وصناعية حديثة. وإذا ما أُحسن استثمار هذه اللحظة، فقد تتحول عودة المجمع إلى نقطة انطلاق لإعادة هيكلة قطاع الطاقة الليبي بأكمله، بما يعزز الإيرادات ويخفض الاعتماد على الاستيراد، ويعيد للصناعة النفطية الليبية دورها التاريخي كقاطرة رئيسية للتنمية الوطنية.