Skip to main content

الوسم: رئيسي

مصرف ليبيا المركزي يباشر ضخ 3.5 مليار دولار للمصارف ويسلّم شحنات النقد الأجنبي لـ”الأغراض الشخصية”

أفاد مسؤول بمصرف ليبيا المركزي، في تصريح خاص لمنصة “تبادل”، بمباشرة المصرف تنفيذ عمليات بيع العملة الأجنبية للمصارف التجارية؛ لتلبية الطلب على الاعتمادات المستندية، الحوالات، والمخصصات المختلفة.

وكشف المسؤول عن حجم المخصصات المالية، حيث تم تخصيص 1.5 مليار دولار للاعتمادات المستندية لمنح موافقات نهائية جديدة للمصارف وضمان تدفق السلع، ورصد مليار دولار لتغطية المعاملات والحوالات الخارجية المختلفة، إضافة إلى استئناف بيع المبلغ المخصص للأغراض الشخصية والبالغ مليار دولار، لضمان وصول النقد الأجنبي للمواطنين.

وأكد المصدر أن كافة المصارف التجارية تسلّمت صباح اليوم مخصصاتها واحتياجاتها الفورية من عملة “الدولار” نقداً (كاش)، في وقت يواصل فيه فريق الاعتمادات بالمركزي العمل على إصدار الموافقات النهائية والجديدة للمصارف بشكل متسارع لإنهاء الطلبات المعلقة وتنشيط حركة الاستيراد.

“الشلوي”: الخام الليبي يعزز حضوره في أمريكا وأوروبا بميزة تنافسية تتجاوز نفط الخليج

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في عالم الطاقة، لا تُقاس أهمية النفط فقط بحجم الإنتاج، بل بنوعية الخام وقدرته على تحقيق قيمة مضافة داخل الأسواق العالمية. ومن هذا المنطلق، يواصل النفط الليبي ترسيخ مكانته كأحد أكثر الخامات طلباً في الأسواق الدولية، خصوصاً داخل أوروبا والولايات المتحدة.

البيانات الحديثة المتعلقة بواردات النفط إلى السوق الأمريكية أظهرت أن الخام الليبي يُحقق مستويات سعرية متميزة مقارنة بعدد من الخامات القادمة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة التي تحظى بها جودة النفط الليبي لدى شركات التكرير العالمية.

ويُعرف النفط الليبي بأنه من فئة الخامات الخفيفة منخفضة الكبريت، وهي ميزة فنية مهمة تمنحه أفضلية كبيرة داخل المصافي الحديثة، إذ يساعد على تقليل تكاليف التكرير ورفع كفاءة الإنتاج، إضافة إلى إنتاج نسب أعلى من المشتقات عالية الجودة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات.

كما أن القرب الجغرافي لليبيا من الأسواق الأوروبية يمنح الخام الليبي ميزة لوجستية مهمة، حيث تتم عمليات الشحن عبر البحر المتوسط بزمن أقل وتكاليف أكثر تنافسية مقارنة ببعض المسارات البعيدة، مما يعزز جاذبية النفط الليبي لدى المشترين والتجار الدوليين.

وتُظهر المؤشرات أن متوسط الإنتاج الليبي حافظ خلال الفترة الأخيرة على مستويات مستقرة نسبياً، وهو ما يعكس أهمية ليبيا كأحد المنتجين الرئيسيين في منطقة المتوسط وشمال أفريقيا، خاصة مع امتلاك البلاد أكبر احتياطي نفطي مؤكد في القارة الأفريقية.

كما تتميز بعض الخامات الليبية، مثل السدرة والشرارة وإسدير، بدرجات جودة مرتفعة تجعلها تحظى أحياناً بعلاوات سعرية في الأسواق العالمية، نتيجة انخفاض نسبة الكبريت وارتفاع درجة الكثافة النوعية، وهي عوامل فنية تمنح الخام الليبي قيمة إضافية لدى المصافي الدولية.

وعلى الرغم من التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، ما زال النفط الليبي يحتفظ بمكانته الاستراتيجية بفضل مزيج من الجودة العالية والموقع الجغرافي المميز والخبرة التاريخية لقطاع النفط الليبي.

وفي ظل تزايد الاهتمام العالمي بأمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد، تبدو ليبيا مؤهلة لتعزيز حضورها بشكل أكبر داخل أسواق الطاقة الدولية، سواء عبر زيادة الإنتاج مستقبلاً أو من خلال تطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية.

إن النفط الليبي لا يمثل مجرد مصدر دخل اقتصادي، بل يشكل ركيزة استراتيجية تمنح ليبيا ثقلاً متزايداً في معادلة الطاقة العالمية، بفضل جودة خاماته وقدرته على تلبية احتياجات الأسواق الكبرى بكفاءة عالية. ومع امتلاك البلاد أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا وموقعاً جغرافياً يربط بين أوروبا وأفريقيا والبحر المتوسط، فإن ليبيا تمتلك فرصة حقيقية لتعزيز دورها كمركز محوري في أمن الطاقة الإقليمي والدولي. وفي حال استثمار هذه المقومات بشكل فعّال، يمكن لقطاع النفط الليبي أن يتحول إلى قوة دفع اقتصادية واستراتيجية تضع ليبيا في موقع أكثر تأثيراً داخل أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة.

“مسعود سليمان”: هناك زيادة “دراماتيكية” في الطلب وتوزيع البنزين بطرابلس قفز لـ11 مليون لتر يوم “الوقفة”

أكد رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان” استمرار إمدادات الوقود وتوفره بشكل كامل، مشيراً إلى أن عمليات التوزيع تواجه أحياناً بعض العوائق اللوجستية المرتبطة بطول سلسلة العمل بين موانئ الشحن والتفريغ.

​وكشف “سليمان” عن تسجيل معدلات توزيع “غير مسبوقة” في طرابلس خلال فترة عيد الأضحى؛ حيث تم ضخ حوالي 11 مليون لتر من البنزين في يوم “الوقفة” وحده، مقارنة بنحو 5 ملايين لتر فقط خلال المواسم في السنوات السابقة.

وأوضح رئيس المؤسسة أن معدلات التوزيع استمرت عند مستويات قياسية في الأيام التالية للعيد، متراوحة بين 9 ملايين و9.5 مليون لتر يومياً، في حين أن المعدل المعتاد للاستهلاك لا يتجاوز 6.5 مليون لتر.

وأشار “سليمان” إلى أن الكميات الموردة خلال شهر مايو 2026 تجاوزت الكميات الموردة في الشهر ذاته من العام الماضي 2025 بفارق “ناقلة كاملة”، مؤكداً وجود قفزة وزيادة “دراماتيكية” في حجم الطلب على الوقود.

“امراجع غيث”: تعديل تسعيرة البنزين ردمٌ للفجوة وليس رفعاً للدعم.. وهذه 3 إجراءات مصرفية وإلكترونية عاجلة للحد من التهريب

قال عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً “امراجع غيث” إن البعض تناول استبدال الدعم العيني للوقود بدعم نقدي، وظهر معارضون ومؤيدون للفكرة، وهذا أمر طبيعي، لكن عند استخدام العقل والتفكير المنطقي ونتائج الدراسات بعيداً عن العاطفة، يتضح لنا أننا ندفع أموالاً طائلة في الدعم، وهذه الأموال من جيب المواطن، ونعرف كلنا أن جزءاً كبيراً من الوقود يُهرَّب عبر الحدود وعبر البحر، وبدون مبالغة ممكن حتى قبل أن تصل باخرة الوقود، وتُقدّر نسبة التهريب بحوالي 30% من الوقود المستورد.

وأضاف “امراجع غيث” بأن الأغلبية لا تتحدث عن مشكلة أخرى، وهي أن هناك فجوة سعرية كبيرة بين تسعير الوقود عندما كان سعر الدولار يساوي 1.30 في المتوسط، وبين سعر بيع لتر البنزين مثلاً بعد تغيرات سعر الصرف؛ يجب أولاً ردم هذه الفجوة، فسعر لتر البنزين و”النافتا” يساوي 150 درهماً عندما كان سعر الدولار 1.30 دينار، والآن تغير، أليس من المنطق أن يتغير معها سعر بيع لتر البنزين على الأقل؟ ولماذا نتقبل زيادة كافة أسعار السلع ونقول سعر الدولار قد زاد؟ بحسبة بسيطة، سعر لتر البنزين يجب أن يكون 720 درهماً (أي 72 قرشاً) بدون الحديث عن رفع الدعم أو استبداله، فقط تعديل فجوة التسعيرة. تكلفة استيراد لتر البنزين تقريباً 85 سنتاً، أي حوالي 5.30 دينار (خمسة دنانير وثلاثون قرشاً) تباع بسعر 150 درهماً (خمسة عشر قرشاً)؛ هذه المبالغ المدفوعة هي من جيب المواطن وميزانيته، دعك من كل ذلك واردم فجوة السعر التي تكلمنا عنها.

واقترح “امراجع غيث” اتخاذ إجراءات عاجلة دون المساس بالدعم، يبقى كما هو الآن، وهي؛ فرض بيع كافة أنواع الوقود بالدفع الإلكتروني، وكل الجهات الحكومية عندها موازنة من ضمنها بند الوقود، لذلك على كل الجهات سداد ثمن الوقود الذي تستهلكه، الدور الأكبر على المصارف في عدم قبول أي إيداعات نقدية ولا صكوك من شركات بيع الوقود ومحطاتها إلا مبالغ بسيطة. ​هذه إجراءات لا أعتقد أن المواطن سيتضرر منها، لكنها ستخفف من حدة التهريب، ولنترك الحديث عن الاستبدال إلى أن تأتي حكومة لها إرادة سياسية وتفويض شعبي وتستطيع اتخاذ قرارات لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار في الدعم وغيره من مظاهر استنزاف الموازنات والموارد.

الجمارك الليبية تبحث مع السفارة الفرنسية تفعيل اتفاقيات مكافحة التهريب والمخدرات وتطوير الدعم اللوجستي​

عقد مدير الإدارة العامة لمكافحة التهريب والمخدرات بمصلحة الجمارك اللواء “مراد العالم” اجتماعاً موسعاً مع الملحق الأمني وممثل مكتب التعاون بالسفارة الفرنسية لدى ليبيا، لبحث تفعيل اتفاقيات التعاون الأمني والفني القائمة بين الجانبين.

​وشهد الاجتماع، الذي حضره مديرو الإدارات والأقسام المختصة بالمكافحة ومندوبو مكتب التعاون الدولي بالجمارك ووزارة الخارجية، نقاشاً مستفيضاً حول آليات التصدي للجريمة المنظمة العابرة للحدود، وحماية المنافذ، وتبادل المعلومات الحيوية المتعلقة بمكافحة التهريب والاتجار غير المشروع بالمخدرات.
​تطوير القدرات والدعم الفني.

واستعرض الجانبان سبل توسيع مجالات التنسيق المشترك ونقل المعارف الفنية الجمركية وتطوير برامج التدريب والتأهيل التخصصي لوحدات المكافحة، وتقديم الدعم الفني والتقني بما يضمن رفع كفاءة العمل الجمركي الليبي وفق المعايير الدولية.

وأكد المجتمعون أن هذا اللقاء يأتي في إطار الحرص المتبادل على توطيد العلاقات الثنائية بين ليبيا وفرنسا، وتحديث آليات العمل الأمني والجمركي المشترك بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

شركة البريقة تباشر عمليات تزويد المنطقة الجنوبية بالوقود بعد تراجع مستويات التزويد خلال الفترة الماضية

باشرت شركة البريقة لتسويق النفط تنفيذ عمليات تزويد المنطقة الجنوبية بالوقود، حيث بلغت كميات البنزين نحو 1.4 مليون لتر، إضافة إلى نحو 200 ألف لتر من وقود الديزل، تم شحنها من مستودعي الزاوية ومصراتة النفطيين، وذلك ضمن البرامج التشغيلية المعتمدة لدعم مستودع سبها النفطي وتعزيز توفر الوقود بالمناطق التابعة له.

وأضافت الشركة بأنه قد تم تسيير شحنة من وقود الديزل من مستودع سبها النفطي إلى منطقتي غات وتهالة، وذلك لتلبية الاحتياجات العاجلة بعد السيول والأمطار الغزيرة التي أثرت على مناطق غات وتهالة والعوينات والبركت، وذلك ضمن جهود دعم المناطق المتضررة وتعزيز الإمدادات وفق المتاح.

وأشارت شركة البريقة إلى أن الفرق التشغيلية تواصل تنفيذ خطط الإمداد بالتنسيق مع المؤسسة الوطنية للنفط والجهات ذات العلاقة، بهدف تعزيز الكميات المخصصة للمنطقة الجنوبية وفق الجداول التشغيلية والإمكانات المتاحة.

“قادربوه” يبحث مع رئيس مؤسسة النفط ملف المحروقات المستعجل وآليات تمويل القطاع

بحث رئيس هيئة الرقابة الإدارية “عبدالله قادربوه” خلال اجتماع موسع مع رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان”، ملف المحروقات المستعجل، وآليات تمويل القطاع، وتحديات استدامة الإمدادات النفطية.

وكشف الاجتماع عن أرقام ضخمة لإنفاق واستهلاك الوقود؛ إذ بلغت مخصصات توفير المحروقات ملياراً و100 مليون و800 ألف دولار شهرياً (نحو 12 مليار دولار سنوياً). وسجلت مستويات استهلاك البنزين اليومي ما بين 6 إلى 8 ملايين لتر، وصلت في ذروتها إلى 11 مليون لتر، وسط قفزة غير مبررة في كميات التوزيع المخصصة لمدينة طرابلس من 5 ملايين لتر إلى نحو 9 ملايين لتر يومياً.

واتفق الجانبان على حزمة من الإجراءات التنفيذية لمعالجة مظاهر الاستهلاك غير المبرر وتجفيف منابع التهريب، من بينها حظر استئجار محطات الوقود بشكل كامل، ومراجعة تراخيصها للتأكد من سلامة إجراءاتها، والاتفاق على تشكيل لجنة مختصة لضبط منظومة التوزيع ومكافحة تهريب الوقود، اضافة إلى إلزام شركات النفط بتحديد الاحتياجات الفعلية للمحطات بناءً على الكثافة السكانية وحركة الطرق.

كما ناقش “قادربوه” مع رئيس مؤسسة النفط ضعف الإنفاق الفعلي المخصص للمؤسسة مقارنة باحتياجاتها، بالإضافة إلى الأعباء اللوجستية المترتبة على نقل المحروقات بالشاحنات نتيجة نقص السعات التخزينية والخزانات، وتحديات الصيانة والتفريغ بمينائي طرابلس والشعاب، مؤكدا تقديم الدعم الكامل للمؤسسة لتجاوز الإشكاليات القانونية، وتوفير التمويل اللازم لتحقيق قفزة في معدلات الإنتاج النفطي واستقرار الإمدادات.

أبوعجيلة الساروي: “يوزيف ك. ليبياً.. حين تصبح المؤسسة محاكمةً بلا تهمة” قراءة تحليلية في أزمة المؤسسات الليبية على ضوء رواية “كافكا”

كتب: أبوعجيلة الساروي – المتابع للشأن الاقتصادي والسياسي الليبي

مقدمة: حين يصبح الأدب مرآة للواقع
في عام 1914، جلس فرانز كافكا إلى مكتبه في براغ، وبدأ يكتب رواية لم يُكملها ولم يطلب نشرها. غير أن صديقه ماكس برود أبى إلا أن يُخرجها إلى النور بعد وفاته، فكانت “المحاكمة” رواية تُعدّ اليوم من أعمق ما أنتجه الأدب الغربي في تشريح السلطة الغامضة والبيروقراطية العبثية والإدارة الفاسدة. لم يكن كافكا يكتب خيالاً بقدر ما كان يكتب تنبيهاً استباقياً لكل مجتمع قد يجد نفسه يوماً في قبضة منظومة تُدين دون أن تُبرر، وتُحاكم دون أن تمنح حق الدفاع.

اليوم، وعلى بُعد قرن وأكثر من كتابة كافكا، يجد المواطن الليبي نفسه في قلب هذا الكابوس ذاته، لا في صفحات رواية، بل في واقعه اليومي. حين يطرق باب مؤسسة حكومية يبحث عن خدمة، أو حين يرى موظفاً مؤهلاً يُهمَّش ليحلّ محله من لا يملك سوى اسم عائلة أو انتماء جهوي، فإنه يعيش فصلاً من فصول “المحاكمة” دون أن يدري. الفارق الوحيد أن يوزيف ك. بطل الرواية كان يواجه نظاماً محكم البناء يعمل وفق منطق داخلي غامض، في حين يواجه الليبي فوضى من نوع مختلف: منظومة لا تملك منطقاً داخلياً أصلاً.

هذا المقال ليس بكاءً على الأطلال، ولا إدانةً عاطفية لواقع مؤلم. هو محاولة تحليلية جادة، نستعين اليوم برواية كافكا كأداة مفاهيمية، لفهم الآليات التي تُفضي إلى انهيار المؤسسات حين تُوكَل إلى غير أهلها. وهو في جوهره وثيقة تنبيهية موجّهة إلى كل من يتحمل مسؤولية في الشأن الليبي: من صانع قرار إلى مثقف إلى مواطن يرفض الاستسلام للفوضى بوصفها قدراً لا مفرّ منه.

أولاً: المؤسسة كمسرح (الشكل في غياب المضمون)
1- الطقوس الفارغة:
المحكمة في رواية كافكا لا تفتقر إلى المظاهر؛ هناك قاعات وملفات ومحامون وإجراءات، والمسؤولون يرتدون ثياباً رسمية ويتحدثون بلغة قانونية متخصصة. بيد أن العدالة غائبة غياباً تاماً. المؤسسة تملك كل علامات الوظيفة دون أن تؤدي الوظيفة. وهذه الهوّة بين الشكل والمضمون هي تحديداً ما تعانيه المؤسسات الليبية اليوم في أشد تجلياتها ووضوحاً.

حين يتولى شخص غير مؤهل إدارة مؤسسة، فإنه لا يُلغي طقوسها، بل يُبقيها واجهةً تحجب الفراغ الكامن خلفها. الاجتماع يُعقد في موعده، والمحضر يُكتب، والتقرير يُرفع، والقرار يحمل الختم الرسمي ولكن لا شيء مما تتطلبه الوظيفة الحقيقية للمؤسسة يتحقق على أرض الواقع. المؤسسة تُنتج وَهْمَ العمل لا العمل ذاته، وتستهلك الموارد في إعادة إنتاج مظاهرها لا في خدمة مواطنيها.

والأخطر من ذلك أن هذا الوهم يُمارَس بجدية تامة؛ فالمدير غير المؤهل لا يشعر في الغالب بأنه يُزيّف شيئاً. إنه يؤدي الدور كما تعلّمه، وقد تعلّم الدور من أسلاف أدّوا الدور ذاته. المؤسسة تُعلّم وافديها كيف يُشبهون المؤسسة، لا كيف يُطوّرونها. وهنا تكمن خطورة التوارث المؤسسي الذي سنتناوله لاحقاً.

2- غياب معيار الأداء:
في أي مؤسسة صحية يوجد معيار للأداء يُمكّن من قياس النجاح والإخفاق. غيابُ هذا المعيار هو ما يجعل فوضى المؤسسات الليبية مستدامة؛ إذ لا توجد آلية موضوعية تكشف أن شيئاً ما لا يسير على ما يرام. النجاح يُقاس بمدى إرضاء الجهة الوصية لا بمدى خدمة المواطن، والفشل يمر بدون محاسبة، بل تتوفر له الحماية إذا كان الفاشل جزءاً من منظومة مصالح متماسكة.

تخيّل مستشفى لا يُقاس نجاحه بشفاء المرضى، بل بعدد الزيارات المسجّلة، أو جامعة لا يُقاس نجاحه بجودة خريجيها، بل بعدد الشهادات الممنوحة. هذا ليس خيالاً في سياقات عديدة من الواقع الليبي؛ المؤسسة تُنتج أرقاماً ووثائق تُثبت وجودها، بينما الغرض الحقيقي من وجودها يبقى دون تحقق.

ثانياً: الكفاءة المقلوبة (حين يُعاقب العلم ويُكافأ الانتماء)
1- معادلة التعيين المقلوبة:
يوزيف ك. في رواية كافكا يجد أن كل محاولة منه لفهم النظام والتعامل معه بعقلانية تزيد محنته تعقيداً. الكفاءة والوعي لا يُنجيانه؛ بل يجعلانه أكثر خطورة على نظام يقوم على الغموض. وهذا بالضبط ما يعيشه الكادر الوطني الليبي المؤهل داخل مؤسسات تُدار بعقلية مغايرة: كلما ارتفع مستواه العلمي والمهني كلما غدا عنصراً مزعزِعاً للاستقرار الذي يريده المدير غير المؤهل.

معادلة التعيين في كثير من المؤسسات الليبية اليوم تسير وفق منطق مثلث أضلاعه: الانتماء القبلي أو الجهوي، والولاء للجهة السياسية الراعية، والمحسوبية الشخصية. وحين يكتمل هذا المثلث يُصبح المنصب حقاً مكتسباً لا استحقاقاً يُثبَت. والنتيجة الحتمية هي هرم إداري مقلوب: كلما صعدت في تسلسل المؤسسة الهرمي، كلما قلّت الكفاءة وتعاظم الثقل الرمزي للانتماء.

2- المعرفة كتهديد والجهل كحصانة:
يكشف التحليل الدقيق لديناميكيات المؤسسات الليبية عن نمط مقلق: الموظف المؤهل الذي يقترح حلولاً مبنية على معايير علمية ومهنية يُوصَف في الغالب بأنه “متعالٍ” أو “لا يفهم طبيعة العمل” أو “يريد أن يُعلّم الناس”. وحين يحتج بالقانون واللوائح يُعدّ ذلك تمرداً لا التزاماً، وحين يرفض مخالفة المعايير المهنية يجد نفسه معزولاً تدريجياً عن مراكز القرار.

في المقابل، يُشكّل المدير غير المؤهل شبكة حماية من حوله بإحاطة نفسه بمن هم أقل كفاءة منه. هذه الشبكة لا تُدير المؤسسة، بل تحمي المدير من المساءلة وتُوفّر له النعيم النسبي للمقارنة المُطمئنة. والنتيجة بيئة عمل تُكافئ الامتثال وتُعاقب الاستقلالية، وتُقدّر الولاء وتستهجن المبادرة.

وهذا لا يحدث لأن المديرين غير المؤهلين أشرار بطبعهم؛ فكثيرون منهم يحملون أمانة حقيقية تجاه المؤسسة كما يفهمونها. لكن الفهم المشوَّه للدور الوظيفي الذي يُحوّل المنصب من خدمة إلى غنيمة هو الذي يُولّد هذه الديناميكيات المدمّرة.

3- نزيف الكفاءات: الهجرة كرد فعل عقلاني:
حين تُعاقَب الكفاءة بصورة منهجية، يصبح الرحيل رداً عقلانياً لا خيانةً وطنية. الليبي المؤهل الذي يجد نفسه بين خيارات ثلاثة: الاستسلام والتكيّف، أو البقاء والمقاومة في مواجهة منظومة أقوى منه، أو المغادرة؛ يختار في أحيان كثيرة الخيار الثالث. وهذا الخيار يبدو على المستوى الفردي قراراً شخصياً مشروعاً، لكنه على المستوى الجمعي كارثة تراكمية.

ليبيا لا تُصدِّر نفطاً فحسب، بل تُصدِّر عقولاً. وعلى عكس النفط، العقول لا تعود بسهولة حين تهدأ العاصفة. الطبيب الذي بنى حياته في المهجر، والمهندس الذي رسّخ أقدامه في دولة تحترم كفاءته، والأكاديمي الذي وجد بيئة بحثية تُقدّر عمله؛ هؤلاء لا يعودون بمجرد توافر الأمن أو تحسّن الأوضاع الاقتصادية، يعودون حين تتغير المنظومة التي دفعتهم إلى الرحيل أصلاً، وتلك منظومة ذهنية وثقافية قبل أن تكون سياسية.

ثالثاً: فوضى المرجعيات (لا أحد يقرر لأن الجميع يقرر)
1- المحكمة التي لا مقرّ لها:
واحدة من أكثر المشاهد إيلاماً في رواية كافكا تلك التي يحاول فيها يوزيف ك. أن يعرف أين مقرّ المحكمة الحقيقي، ومن يمسك بزمامها فعلاً. كلما اقترب من مسؤول أُحيل إلى آخر، وكلما وصل إلى طابق في مبنى اتضح أن هناك طابقاً أعلى. السلطة تُمارَس لكنها لا تُعلن عن نفسها. المرجعية موجودة لكنها غير قابلة للتحديد.

وهذا النسيج من المرجعيات المتشابكة هو صميم ما تعانيه المؤسسة الليبية اليوم. مؤسسة واحدة قد تتبع وزارتين في آنٍ واحد بحكم الانقسام السياسي. مديرٌ يتلقى تعليمات من رئيسه المباشر وتوجيهات من جهة سياسية راعية وضغطاً من وجهاء قبيلة لهم مصلحة في قرارات المؤسسة. القرار يتشتت في هذه المتاهة، لا لأن صانع القرار يفتقر إلى الإرادة، بل لأن منظومة الضغوط المتضاربة تجعل أي قرار جريء تكلفته عالية.

2- شلل القرار كاستراتيجية بقاء:
الخطأ الشائع في تحليل الشلل المؤسسي الليبي هو اعتباره ضعفاً أو قصوراً. في الحقيقة، شلل القرار أحياناً هو استراتيجية بقاء واعية. فالمدير الذي يتأخر في البت أو يُحيل القرار إلى لجنة أو يطلب مزيداً من الدراسة يحمي نفسه من تبعات أي توجه قد يُغضب طرفاً من الأطراف المتعددة التي يُجيب أو يقف أمامها. الانتظار أكثر أماناً من الفعل، واللاقرار أقل خطراً من القرار.

وحين يتراكم هذا النمط عبر مستويات إدارية متعددة في المؤسسة ذاتها، تتحول المؤسسة إلى آلة تتقن فن الاستهلاك دون الإنتاج؛ تستهلك الوقت والموارد والجهد في إدارة الضغوط الداخلية والخارجية، ولا تتبقى منها طاقة حقيقية لخدمة غرضها الأصلي.

3- الازدواجية المؤسسية والتنافس غير المشروع:
أفضت الأزمة السياسية الليبية إلى ظاهرة فريدة: تكرار المؤسسات. مؤسسات موازية تؤدي الغرض ذاته أو تدّعي ذلك، وكل منها تستمد شرعيتها من مرجعية سياسية مختلفة. هذا التكرار ليس رفاهية تنافسية تُحسّن الأداء كما في الأسواق الحرة، بل هو تشتيت للموارد وتضخيم للبيروقراطية وإرباك للمواطن الذي لا يعرف أين يتوجه.

والأدهى أن هذه المؤسسات المتوازية تنافس بعضها في استقطاب الكفاءات ولكن وفق المنطق ذاته القائم على الولاء لا الكفاءة، فيُصبح التنافس بين المؤسسات تنافساً على اقتسام الكفاءات المتاحة وفق معايير انتمائية، لا تنافساً على رفع مستوى الأداء.

رابعاً: ثقافة الصمت (الجميع يعرف ولا أحد يتكلم)
1- التواطؤ الصامت:
من أكثر المشاهد إيلاماً في رواية كافكا أن الشخصيات من حول يوزيف ك. تعرف بعبثية المنظومة القضائية وتتعامل معها كأمر طبيعي. المحامي يعرف أن دفاعه لن يُجدي، لكنه يُكمل عمله. الحارس يعرف أن اعتقاله ظالم، لكنه ينفّذ الأمر. الجيران يرون ما يحدث، لكنهم يُغلقون نوافذهم. الصمت ليس جهلاً، بل هو استجابة عقلانية لمن يدرك أن صوته لن يُغيّر شيئاً وقد يُكلّفه كل شيء.

وهذا بالضبط ما يصفه المراقبون للواقع الليبي: الجميع يعرف من أين جاء المدير ولماذا، والجميع يرى الفجوة بين منصبه وكفاءته، والجميع يُدرك أن القرارات لا تُبنى على الكفاءة. لكن الصمت الجماعي يتكاثف حول هذه الحقيقة كحصن يحمي المنظومة من أي محاسبة. من يتكلم يجد نفسه في مواجهة منظومة متماسكة في مصالحها، حتى لو كانت متفككة في أدائها.

2- آليات إسكات الأصوات:
إسكات الأصوات الناقدة في المنظومة الليبية لا يحتاج دائماً إلى أدوات قمع صريحة؛ هناك آليات أكثر نعومة وأشد فاعلية. فالموظف الذي ينتقد يُستبعد من الاجتماعات المهمة تدريجياً، والذي يطالب بالشفافية تُوكَل إليه مهام هامشية، والذي يرفض المشاركة في قرارات مشكوك في سلامتها يجد نفسه أمام تقارير أداء سلبية مُصاغة بلغة إدارية محايدة. لا أحد يُعاقَب صراحة على قول الحق، لكن ثمن قوله يُدفَع بهدوء على مدار الوقت.

وحين تتراكم هذه التجارب جيلاً بعد جيل داخل المؤسسة الواحدة، تتشكّل ثقافة التكيّف السلبي: الموظف الجديد يتعلم من زميله المخضرم كيف يُبدي الحماس دون أن يُزعزع القائم، وكيف يُقدّم مقترحات شكلية دون أن يُهدد بنيةً قائمة، يتعلم كيف يُشبه المؤسسة لا كيف يُطوّرها.

3- دور المجتمع المدني والنخب:
المسؤولية لا تقع على الموظفين وحدهم؛ فالمجتمع المدني والنخب الأكاديمية والإعلام — هذه الأدوات التي يُفترض أن تكون رقيباً مستقلاً — تعاني هي الأخرى من داء الصمت المُغطَّى بالأولويات الأخرى. صحيح أن البيئة السياسية المضطربة لا تُتيح دائماً فضاءً آمناً للنقد المؤسسي المنهجي، لكن الصمت في مواجهة ظاهرة موثّقة وواسعة الانتشار يُصبح هو نفسه جزءاً من المشكلة لا موقفاً محايداً منها.

خامساً: توارث الفشل (كيف يعيد النظام إنتاج نفسه)
1- الذاكرة المؤسسية المشوَّهة:
المؤسسات الصحية تحمل ذاكرة تراكُمية تُراكم المعرفة والخبرة وتُورثها للأجيال القادمة. هذه الذاكرة هي ما يجعل مؤسسة كالبنك المركزي الألماني أو وكالة ناسا قادرة على الاستمرار والتطوّر بصرف النظر عمّن يتقلد قيادتها في لحظة بعينها؛ المؤسسة أكبر من أفرادها لأن لها ذاكرة وثقافة وأعرافاً مهنية متجذّرة.

المؤسسات الليبية فقدت في كثير من الحالات هذه الذاكرة المؤسسية الصحية أو تعرّضت للتشويه. سنوات الإقصاء والتعيين القائم على الانتماء لا الكفاءة أفضت إلى مؤسسات تحمل ذاكرة من نوع مختلف: كيف تُدار الأمور بعيداً عن المعايير، وكيف تُوزَّع المكاسب بعيداً عن الاستحقاق، وكيف تُدار العلاقات بعيداً عن الشفافية. وهذه الذاكرة المشوَّهة أشد خطراً من الفراغ المؤسسي؛ لأنها تبدو وظيفية وتُعيد إنتاج نفسها بصورة طبيعية.

2- دورة الفشل المغلقة:
تسير دورة الفشل المؤسسي في ليبيا وفق مراحل متتالية تُعيد نفسها: يُعيَّن مدير غير مؤهل بحكم انتمائه، فيُهمّش الكفاءات الموجودة خشية أن تُظهر قصوره، فيتدهور الأداء وتفقد المؤسسة قدرتها على تقديم خدماتها، فيفقد المواطن ثقته في المؤسسة ويلتمس بدائل غير رسمية أو يستسلم للفوضى، فتنكمش شرعية المؤسسة بدلاً من أن تُصلَح، فيُعيَّن مدير جديد بالمنطق الانتمائي ذاته لإدارة مؤسسة أكثر وهناً مما كانت عليه. ومن أجل كسر الحلقة المفرغة، فهي لا تنكسر من داخلها إلا إذا أُدخل إليها عنصر خارجي يُغير قواعد اللعبة؛ هذا العنصر في السياق الليبي هو الإرادة السياسية الجادة المدعومة بضغط مجتمعي واعٍ.

3- تشكيل الجيل القادم على نموذج الإذعان:
الخطر الأعمق والأبعد أثراً هو ما تفعله هذه المنظومة بالجيل القادم من الليبيين. الشاب الذي يدخل سوق العمل ويجد المؤسسات تعمل بهذا المنطق يتعلم درساً بالغ الأثر: الكفاءة ليست المفتاح، والمثابرة ليست الطريق، والنزاهة ليست الأجدى. يتعلم أن الانتماء رأس مال أكثر قيمة من الشهادة، وأن الولاء عملة أكثر رواجاً من الخبرة.

هذا الدرس لا يتعلمه عبر محاضرة أو كتاب، بل يستوعبه يومياً من واقع يراه أمام عينيه. وحين يتراكم هذا التعلم اللاواعي عبر أجيال، تتشكّل ثقافة تحتقر بهدوء قيم الكفاءة والاستحقاق، وتُعلي من قيم الانتماء والمحسوبية لا كفضيلة صريحة، بل كواقع عملي يُعيد إنتاج نفسه.

سادسا): مقارنة كافكا بالواقع (ما يشبه وما يختلف)
من الأمانة الفكرية أن نُحدّد بدقة أين تنطبق استعارة كافكا وأين تقصر. كافكا صوّر بيروقراطية فائقة التنظيم، مُحكمة البناء، تعمل بآلية دقيقة ولكن غايتها عبثية. ما تُعانيه ليبيا أعقد من ذلك: ليست عبثية النظام المحكم الذي فقد معناه، بل هي في مواضع كثيرة عبثية الفوضى التي تتظاهر بأنها نظام. الفارق جوهري ويستحق التأمل.

بيد أن ما يجعل كافكا مرجعاً ذا قيمة للحالة الليبية هو ما هو أعمق من البنية: إنه التجربة الإنسانية للمواطن في مواجهة منظومة لا تمنحه العدالة التي يستحق، ولا تُخبره بوضوح لماذا. يوزيف ك. لا يُعاقَب على جريمة، والمواطن الليبي في كثير من الأحيان لا يُحرَم من خدمة لأسباب قانونية، بل لأسباب لا علاقة لها بالقانون إطلاقاً. كلاهما يواجه إدانة بلا تهمة واضحة، وعجزاً عن الدفاع أمام منظومة لا تعترف بمنطق الحجة والدليل.

سابعاً: مسارات نحو الإصلاح (كسر الحلقة المفرغة)
التشخيص وحده، مهما بلغ من الدقة والعمق، لا قيمة له إن لم يُفضِ إلى رؤية للعلاج. وهنا يقف هذا المقال أمام سؤاله الجوهري: هل يمكن للمؤسسات الليبية أن تتعافى من الداخل حين يكون النظام الذي يُشغّلها هو نفسه مصدر عطبها؟

1- ربط المنصب بالكفاءة: الأداة التشريعية:
الإصلاح المؤسسي يبدأ دائماً بقواعد واضحة وملزمة تحكم التعيين والترقية والمساءلة. لا ينبغي أن يُترك اختيار قيادة المؤسسة لاجتهاد شخصي أو ضغط سياسي؛ بل ينبغي أن يخضع لمعايير مكتوبة وآليات شفافة تشمل التحقق من المؤهلات وتقييم الخبرة وإجراء مقابلات أمام لجان مستقلة. هذا ليس ترفاً إدارياً، بل هو الحد الأدنى لأي منظومة تدّعي الوظيفية.

2- المساءلة كحق لا كاستثناء:
لا قيمة لأي إصلاح تشريعي دون آليات مساءلة تعمل فعلاً. والمساءلة في السياق الليبي لا تعني الملاحقة القضائية دائماً؛ هي تعني في الحد الأدنى أن الأداء يُقاس بمعايير موضوعية، وأن الإخفاق ينتج عنه نتائج سلبية، وأن النجاح يُكافَأ. دون هذه الحلقة المغلقة من المحاسبة والمكافأة لا يمكن لأي مؤسسة أن تتعلم وتتطوّر بصرف النظر عن كفاءة قياداتها.

3- إعادة تقدير الكفاءة في الوعي الجمعي:
الإصلاح المؤسسي يحتاج إلى حامل اجتماعي. فالإصلاح التشريعي وحده لا يكفي إن لم يكن مصحوباً بتحوّل في الوعي الجمعي نحو تقدير الكفاءة والاستحقاق. هذا التحول لا يحدث بقرارات من فوق، بل يتشكّل من أسفل: في الأسرة التي تُعلّم أبناءها أن العلم والعمل هما طريق الكرامة لا الانتماء والواسطة، وفي الإعلام الذي يُضيء نماذج النجاح المبني على الكفاءة، وفي الجامعات التي تُحافظ على معيار الاستحقاق في منحها وتقييمها.

4- استعادة الكفاءات المهاجرة:
لا يمكن الحديث عن إصلاح مؤسسي جدي دون برامج حقيقية لاستعادة الكفاءات التي غادرت. هذه البرامج لا تعني مجرد الدعوة العاطفية بالعودة، بل تعني توفير البيئة التي تجعل العودة ممكنة ومجدية: بيئة تكفل للكفاءة أن تُمارس دورها دون أن تُدفَع بعد حين إلى الرحيل ثانية للأسباب ذاتها.

الخاتمة:
تنتهي “المحاكمة” بمشهد الإعدام الصامت، وبجملة كافكا الأخيرة الموجعة: “كأن العار سيبقى بعد موته”. لم يُقدم كافكا حلاً لأنه كان يُشخّص لا يصف، وكان يُحذّر لا يُرشد. لكن التشخيص الدقيق قيمة لا تُقدَّر، إذ لا علاج دون وعي بطبيعة الداء.

الحالة الليبية تختلف عن كابوس كافكا في نقطة جوهرية واحدة: الكابوس الأدبي لا يقبل الإيقاظ، أما الكابوس السياسي والمؤسسي فيقبله شرط أن يجرؤ أصحابه على فتح أعينهم والنظر في عمق ما يرون.

المؤسسات الليبية لم تنهر لأن الليبيين يفتقرون إلى الكفاءة أو الذكاء أو الإرادة؛ انهارت لأن المنظومة التي تُديرها تُكافئ غير الكفاءة وتُعاقب الاستحقاق بصورة ممنهجة. وهذه المنظومة لم تنشأ في يوم وليلة، ولن تتغيّر في يوم وليلة، لكنها قابلة للتغيير حين يُدرك عدد كافٍ من الليبيين أن العار الحقيقي ليس في الاعتراف بالداء، بل في التعامل معه كقدر لا يُرد.

كافكا مات ولم يرَ روايته تُنشر، ولكن قد تساهم وتساعد أجيالاً في النقد والوعي والمقاومة. ليبيا بحاجة إلى صوت من داخلها يملك الشجاعة ذاتها: شجاعة أن ترى ما لا يُريح، وتقول ما يجب ويُلزم، ويُبقيه حياً في الوعي العام حتى يُولد التغيير الذي يستحقه شعب لا ينقصه إلا نظام يُنصفه.

مقالة تنبيهية تحليلية
استناداً إلى رواية المحاكمة | فرانز كافكا | 1925

وزارة العمل تنفي مزاعم توطين المهاجرين أو تخصيص مساكن لهم

نفت وزارة العمل والتأهيل بحكومة الوحدة الوطنية في بيان لها اليوم الأحد، المزاعم المتداولة بشأن وجود توجه لتوطين مهاجرين غير شرعيين أو تخصيص وحدات سكنية لهم تحت إشراف الوزارة، مؤكدة أن هذه الادعاءات عارية تماماً عن الصحة ولا تستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي.

​وأوضحت الوزارة أن اختصاصها يقتصر فقط على تنظيم ومتابعة العمالة الأجنبية التي دخلت البلاد بطرق قانونية، مؤكدة بأن ملف​الهجرة غير الشرعية يقع بالكامل ضمن اختصاص الجهات الأمنية المعنية وفقاً للتشريعات النافذة في الدولة.

وشددت الوزارة على أن الضوابط تلزم أصحاب العمل الحصول على الموافقات القانونية المسبقة، مع منح الأولوية القصوى لتشغيل الكوادر الوطنية وحماية سوق العمل المحلي.

“الشلوي”: ليبيا وحدود الثروة.. معركة السيادة الوطنية على النفط والغاز في البر والبحر

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في عالم اليوم، لم تعد الحدود مجرد خطوط جغرافية تفصل بين الدول، بل أصبحت حدوداً للسيادة الاقتصادية والأمن القومي ومستقبل الأجيال القادمة. وتُعد ليبيا، بما تمتلكه من موقع استراتيجي ومساحات بحرية وبرية واسعة وااحتياطيات ضخمة من النفط والغاز، واحدة من أهم الدول التي تواجه تحدياً تاريخياً يتمثل في حماية حقوقها السيادية وترسيم حدودها الاقتصادية بصورة دقيقة وعادلة تحفظ ثرواتها الوطنية.

إن ملف الحدود البرية والبحرية الليبية لم يعد شأناً قانونياً أو دبلوماسياً فحسب، بل تحول إلى قضية وجود وطني تتعلق بحق الشعب الليبي في موارده الطبيعية، وبقدرة الدولة الليبية على الدفاع عن خيراتها في مواجهة التنافس الإقليمي والدولي المتزايد على مصادر الطاقة في البحر المتوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء.

ومع الاكتشافات المتسارعة للغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وعودة الاهتمام العالمي بالطاقة التقليدية بعد الأزمات الدولية المتلاحقة، أصبحت ليبيا أمام فرصة تاريخية قد لا تكرر، لكنها في الوقت ذاته أمام تحديات ضخمة تتطلب وحدة وطنية ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

أولاً: ليبيا وقيمة الموقع الجيوسياسي والطاقة
تمتلك ليبيا أطول ساحل على البحر المتوسط في أفريقيا بطول يقارب 1900 كيلومتر، وتجاور ست دول برياً هي: مصر شرقاً، الجزائر وتونس غرباً، السودان وتشاد والنيجر جنوباً. كما تقع في قلب أهم أحواض الطاقة العالمية وأكثرها حساسية سياسياً واقتصادياً.

وتُقدر الاحتياطيات النفطية الليبية المؤكدة بأكثر من 48 مليار برميل، وهي الأكبر في أفريقيا، بينما تتجاوز احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة 53 تريليون قدم مكعب، مع وجود مؤشرات جيولوجية قوية على اكتشافات أكبر مستقبلاً، خاصة في المياه الاقتصادية البحرية وفي الأحواض الحدودية غير المستكشفة بالكامل.

ورغم أن معظم الإنتاج الحالي يتركز في أحواض سرت ومرزق وغدامس، فإن الدراسات الزلزالية الحديثة والمؤشرات الجيوفيزيائية تشير إلى وجود احتمالات واعدة جداً في:

الجرف القاري الليبي شمالاً.

المناطق البحرية شرق ليبيا باتجاه الحدود المصرية.

المياه العميقة شمال غرب ليبيا.

أحواض غدامس المشتركة قرب الجزائر وتونس.

الأحواض الجنوبية المتصلة جيولوجياً مع تشاد والنيجر.

ثانياً: شرق المتوسط… سباق الغاز العالمي الجديد
شهد شرق البحر المتوسط خلال العقدين الأخيرين اكتشافات غازية ضخمة غيّرت خريطة الطاقة العالمية، من أبرزها:

حقل ظهر المصري باحتياطي يتجاوز 30 تريليون قدم مكعب.

حقل ليفياثان الإسرائيلي.

حقول قبرص البحرية.

اكتشافات متزايدة قبالة السواحل التركية واليونانية.

هذه الاكتشافات تؤكد علمياً أن الحوض الجيولوجي الممتد شمال وشرق ليبيا يحتوي على تراكيب واعدة مشابهة، خصوصاً أن التكوينات الصخرية والامتدادات الرسوبية لا تعترف بالحدود السياسية.

ويعتقد العديد من الخبراء أن المياه الاقتصادية الليبية لا تزال من أقل المناطق استكشافاً في المتوسط مقارنة بالدول المجاورة، رغم امتلاكها مؤشرات جيولوجية قد تجعلها من أهم مناطق الغاز مستقبلاً.

ثالثاً: أهمية ترسيم الحدود البحرية والبرية
إن ترسيم الحدود ليس عملاً إدارياً شكلياً، بل هو إعلان فعلي للسيادة الوطنية وحماية للثروة القومية. فكل تأخير أو ضعف أو غياب للرؤية الوطنية في هذا الملف قد يؤدي إلى:

ضياع حقوق ليبيا في حقول مشتركة.

استنزاف الثروات العابرة للحدود.

فرض أمر واقع من قبل دول أو شركات أجنبية.

خسارة مليارات الدولارات من العائدات المستقبلية.

تعريض الأمن القومي الليبي لمخاطر استراتيجية طويلة الأمد.

ولهذا تعتمد الدول القوية على فرق متكاملة تضم:

خبراء قانون دولي.

جيولوجيين وجيوفيزيائيين.

خبراء حدود ومساحة بحرية.

مؤسسات سيادية وأمنية.

أجهزة استخبارات اقتصادية.

مراكز أبحاث استراتيجية.

رابعاً: ماذا يقول القانون الدولي؟
ينظم القانون الدولي البحري مسألة الحدود الاقتصادية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تمنح الدول الساحلية حقوقاً سيادية داخل:

البحر الإقليمي: ويمتد حتى 12 ميلاً بحرياً.

المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ): وتمتد حتى 200 ميل بحري، وتمنح الدولة حق استغلال الثروات الطبيعية.

الجرف القاري: ويشمل الموارد الموجودة في قاع البحر وما تحته من ثروات نفطية وغازية.

وفي حال تداخل المطالبات البحرية بين الدول، يتم اللجوء إلى:

المفاوضات الثنائية.

التحكيم الدولي.

محكمة العدل الدولية.

المحكمة الدولية لقانون البحار.

أما في الحدود البرية، فتُستخدم الخرائط التاريخية والاتفاقيات والمعايير الجغرافية لتحديد الحقوق السيادية.

خامساً: الحدود البرية الليبية ومؤملات الطاقة
مع الجزائر وتونس غرباً:
يُعد حوض غدامس من أهم الأحواض النفطية المشتركة في شمال أفريقيا، وقد أثبت إنتاجه لعقود غناه بالنفط والغاز. وتوجد احتمالات قوية لامتدادات جيولوجية غير مطورة بالكامل قرب الحدود الغربية. كما أن الجزائر تُعد من أكبر منتجي الغاز في أفريقيا، مما يعزز فرضية وجود تراكيب غازية عابرة للحدود تحتاج إلى إدارة دقيقة وتعاون يحفظ الحقوق الليبية.

مع مصر شرقاً:
المنطقة البحرية الشرقية أصبحت ذات حساسية استراتيجية عالية بعد اكتشافات الغاز المصرية الكبرى. وهناك ضرورة قصوى لاستكمال الدراسات البحرية الليبية وتعزيز الحضور الفني والقانوني الليبي في شرق المتوسط.

مع تشاد والنيجر جنوباً:
رغم ضعف الاستكشاف جنوباً مقارنة بالشمال، فإن الأحواض الرسوبية الممتدة نحو تشاد والنيجر تحمل مؤشرات واعدة للهيدروكربونات والمعادن الاستراتيجية، خصوصاً مع التوسع العالمي في البحث عن مصادر الطاقة والمعادن النادرة.

سادساً: الثروة النفطية ليست مجرد اقتصاد… بل أمن قومي
إن النفط والغاز في ليبيا لا يمثلان مجرد مصدر دخل مالي، بل يشكلان:

العمود الفقري للاقتصاد الوطني.

عنصر استقرار اجتماعي وسياسي.

ركيزة قوة الدولة الليبية.

ضمانة حقوق الأجيال القادمة.

ولذلك فإن حماية الثروة الوطنية تبدأ من:

حماية الحدود.

بناء مؤسسات قوية.

توحيد القرار السيادي.

تعزيز القدرات البحرية والجوية.

تطوير أجهزة الرصد والمسح البحري.

تحديث البيانات الجيولوجية.

تشجيع الاستثمار بشروط تحفظ السيادة.

سابعاً: ما المطلوب من الدولة الليبية اليوم؟
إطلاق مشروع وطني شامل لترسيم الحدود بمشاركة كل المؤسسات الفنية والسيادية.

إنشاء مجلس أعلى للسيادة الطاقوية يضم: المؤسسة الوطنية للنفط، وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، الأجهزة الأمنية، وخبراء القانون الدولي والطاقة.

تحديث الدراسات البحرية والزلزالية باستخدام أحدث التقنيات العالمية.

تعزيز الحضور البحري الليبي لحماية المياه الاقتصادية ومنع أي تجاوزات.

توحيد الخطاب السياسي الوطني؛ لأن الانقسام الداخلي يُضعف الموقف الليبي دولياً.

إشراك الرأي العام الليبي حتى تتحول قضية الثروات والسيادة إلى قضية وطنية جامعة.

ثامناً: دور الشعب الليبي والنخب الوطنية
إن معركة حماية ثروات ليبيا ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي واجب وطني يشترك فيه الجميع: السياسي، العسكري، الاقتصادي، الأكاديمي، الإعلامي، والمواطن البسيط. فالدول التي حافظت على ثرواتها لم تفعل ذلك بالقوة العسكرية وحدها، بل بالوعي الوطني والتماسك الداخلي والإدارة الرشيدة.

وليبيا اليوم تحتاج إلى مشروع وطني جامع يضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الضيقة؛ لأن الصراع القادم عالمياً سيكون على الطاقة والمياه والغذاء، ومن يمتلك موارده ويحسن الدفاع عنها يضمن مستقبله لعقود طويلة.

خاتمة
إن ليبيا تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تتحول ثرواتها الهائلة إلى قوة اقتصادية وسيادية تصنع مستقبلاً مزدهراً للأجيال القادمة، وإما أن تضيع الفرص وسط الانقسام والإهمال وضعف الرؤية الاستراتيجية.

إن حماية الحدود الاقتصادية والبحرية والبرية ليست ترفاً سياسياً، بل معركة سيادة ووجود وكرامة وطنية.

وليبيا، بما تملكه من موقع وثروات وشعب، قادرة على أن تكون واحدة من أعظم دول الطاقة في العالم، إذا توحدت الإرادة الوطنية، وتضافرت جهود مؤسسات الدولة، وتحول ملف الثروات الوطنية إلى قضية أمن قومي فوق كل الخلافات. فخيرات ليبيا ليست ملك جيل واحد، بل في أعناق الجميع… للأحياء اليوم، ولأجيال الغد.