Skip to main content
|

“الهادي عبدالقادر”: تفويض التمكين والتعلم العميق واستشراف المستقبل برؤية 2030

كتب: الهادي عبد القادر – خبير الشؤون الاستراتيجية والأمن السيبراني للطاقة

بمناسبة الفعالية الرفيعة المستوى لمنتدى الأمم المتحدة السياسي الرفيع المستوى 2026

تمهيد: بين تسخير الجبال الرواسي وعلم الأسماء

خلق الله الكون بقدرة لا تُعقل، وأوجد فيه الجبال الرواسي أوتاداً للأرض، فكانت ثوابت الصمود في وجه الزلازل والتحولات. ثم علم آدم الأسماء كلها، وعرضها على الملائكة؛ ليكون الإنسان مستخلفاً في الأرض، ومُفوّضاً بالتمكين، ومُؤتمناً على عمارتها بالعلم والعدل.

ممرات الطاقة والدفاع الرقمي

فالإنسان – بإرادة الخالق ومنّه – صار قادراً على أن يبني، وأن يحفر الأخاديد في صخور الواقع، وأن يمد ممرات الطاقة والبيانات بين القارات، وأن يبتكر أنظمة دفاعية رقمية تحمي هذه الممرات من كل عابث أو معتد. ولكن هذا التمكين لا يكون كاملاً إلا إذا اقترن بـ “التعلم المستمر العميق”، الذي يُكسِب الإنسان قدرة على قراءة المستقبل، واستيعاب متغيراته، والاستعداد لما لم يحدث بعد.

أولاً: التعلم المستمر العميق.. مفتاح استشراف المستقبل

إن عصرنا الراهن لا يرحم من يتوقف عن التعلم؛ فالتقدم التكنولوجي يتسارع بوتيرة غير مسبوقة، والتهديدات السيبرانية تتطور بشكل أسرع من أي وقت مضى. ولذلك، فإن التعلم المستمر العميق لم يعد رفاهية أكاديمية، بل أصبح ضرورة أمنية واستراتيجية من الدرجة الأولى.

أبعاد التعلم الاستراتيجي

هذا النوع من التعلم لا يقتصر على اكتساب المعرفة النظرية، بل يتعداها إلى:

  • تحليل الأنماط السلوكية للتهديدات السيبرانية، وتوقع الهجمات قبل وقوعها.
  • تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متجددة تتكيف مع البيئات المتغيرة وتتعلم من كل اختراق أو محاولة اختراق.
  • بناء قدرات بشرية مدربة تدريباً عالياً في كل مجالات الأمن الرقمي، على غرار الجبال الرواسي التي لا تتزعزع.
  • تطوير آليات المحاكاة التنبؤية التي تختبر المنظومات الأمنية في بيئات افتراضية، قبل تطبيقها في الواقع.

وهذا يستوجب تفويضاً عميقاً للتمكين، بحيث لا يقتصر على النخب القيادية، بل يصل إلى كل فرد يعمل في منظومة الطاقة والبيانات؛ لأنه الحلقة الأضعف والأقوى في آن واحد.

ثانياً: تفويض التمكين.. من أداة تقنية إلى ثقافة أمنية

إن تفويض التمكين لا يعني فقط إعطاء الصلاحيات، بل يعني بناء نظام متكامل من الثقة والمسؤولية، حيث يكون كل فرد في موقعه قائداً في مجال الأمن السيبراني، ومدركاً أن أي خلل في منظومته قد يؤدي إلى انهيار كامل لممرات الطاقة والبيانات.

ركائز تحقيق التمكين المؤسسي

ولتحقيق هذا التمكين، لا بد من:

  1. تطوير أطر قانونية وتنظيمية ترسخ مبدأ الأمن المشترك، وتلزم جميع الأطراف بحماية بيانات وممرات الطاقة وفق أعلى المعايير.
  2. تمويل برامج التدريب المستدامة التي تواكب التطورات التكنولوجية، وتستثمر في الكوادر البشرية كأغلى ثروة وطنية.
  3. إقامة شراكات دولية شاملة؛ لأن التهديدات لا تعرف حدوداً، ولا يمكن مواجهتها بجهود منفردة.
  4. دمج التعلم العميق في ثقافة المؤسسات، بحيث يكون التعلم جزءاً من الروتين اليومي، وليس حدثاً استثنائياً.

ثالثاً: الابتكار الأمني والمضمون.. من ثوابت القرآن إلى ضوابط 2030

إن الابتكار الأمني الذي ننشده لا يمكن أن ينفصل عن المضمون الأخلاقي الذي يضبطه، فكما أنزل الله القرآن الكريم هدىً للناس، وجعل فيه ثوابت لا تتغير، فإن الأمن السيبراني يجب أن يقوم على أسس راسخة لا تتزعزع، وهي:

مبادئ الاستدامة والنزاهة

  • الشفافية: فلا أمن دون وضوح في الرؤى والإجراءات.
  • المساءلة: فلا تمكين دون محاسبة، ولا تفويض دون رقابة.
  • العدالة: فلا حماية لمسارات الطاقة والبيانات على حساب شعوب أو دول.
  • الاستدامة: فلا بناء حقيقياً دون رؤية بعيدة المدى، كما حددتها رؤية 2030 بأهدافها الطموحة.

وهذه الثوابت الأربعة تلتقي مع الآيات المحكمات من سورتي الإسراء والكهف، وسور الواقعة ومحمد والبقرة، في إطار كوني يربط بين التسخير الإلهي والمسؤولية الإنسانية.

رابعاً: استقراء المستقبل برؤية 2030.. خمس سنوات من الابتكار المضمون

إن وقوفنا اليوم في منتصف عقد تحول الطاقة والرقمنة يفرض علينا أن ننظر إلى المستقبل بمنظار استباقي، لا مجرد ردود فعل على الأحداث. ورؤية 2030 التي ارتكزت على أهداف التنمية المستدامة، تدفعنا إلى صياغة خارطة طريق للأمن السيبراني في مجال الطاقة، تتضمن:

المحور الأول: البنى التحتية الصامدة

  • تطوير شبكات طاقة قادرة على الصمود في وجه الهجمات الإلكترونية، من خلال أنظمة احتياطية متعددة، وممرات بديلة تلقائياً.
  • حماية الكابلات البحرية للألياف البصرية التي تحمل 90% من بيانات العالم، بأساليب دفاعية متطورة ومستمرة التحديث.

المحور الثاني: الثقة الرقمية والحوكمة

  • إنشاء منصات دولية لتبادل المعلومات الاستخباراتية عن التهديدات، تعمل على مدار الساعة.
  • اعتماد ميثاق أخلاقي دولي للذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، يضمن استخدامه بما يخدم الإنسانية، لا ضدها.

المحور الثالث: تمكين الأفراد والمؤسسات

  • إطلاق مبادرات تدريبية نوعية في الأمن السيبراني؛ لإنشاء جيل جديد من المحترفين المتمكنين.
  • تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث وشركات التكنولوجيا، لضمان تسريع الابتكار ونقل المعرفة.

المحور الرابع: التعلم المستمر كأسلوب حياة

  • إدماج مفاهيم التعلم العميق والتكيف المستدام في مناهج التعليم والتدريب المهني.
  • اعتماد أنظمة تقييم مستمرة، ترصد الثغرات وتصوّب المسار بسرعة فائقة.

خامساً: القلم وما يسطرون.. والوحي الإلهي للإبداع البشري

لقد أقسم الله بالقلم وبما يسطرون، تأكيداً على مكانة العلم والمعرفة في منهج الوجود. فالإبداع البشري ليس سوى انعكاس لتلك الإرادة الإلهية التي علمت آدم الأسماء، وألهمت الأنبياء والمرسلين، وأوحت بالخير والنور إلى قلوب المخلصين.

رسالة الأجيال في حماية البيانات

وما نقوم به اليوم في مجال ابتكار الضوابط والإجراءات هو جزء من هذه الرسالة العظيمة، التي تحملها البشرية من جيل إلى جيل؛ لتستمر الحياة وتزدهر، وتستقر المجتمعات وتتعمّر الأوطان.

فكما أن الجبال الرواسي هي ثوابت الأرض، فإن ثوابت الأمن والمضمون هي الجبال الرواسي لعالمنا الرقمي، التي تحمي ممرات الطاقة والبيانات من العواصف والهزات.

خاتمة: لحن الخلود في طي السجل

إننا إذ نكتب هذا المقال في رحاب الأمم المتحدة، ونستحضر قمة الثوابت من القرآن الكريم، ونطمح إلى تحقيق رؤية 2030 في خمس سنوات قادمة، فإننا نؤكد أن المستقبل ليس وهماً أو سراباً، بل هو أطوى سجلٍ يُدوَّن بأحرف من نور، وينتظر من يصوغه بحكمة وإيمان وإتقان.

لقد حان الوقت لننتقل من الوعظ إلى التمكين، ومن التحذير إلى البناء، ومن الرؤى النظرية إلى الإجراءات العملية المدعومة بـ “التعلم العميق” والابتكار المضمون والاستشراف الشامل.

فكما أن السماء تُطوى بأمر الله يوم القيامة، كذلك يُطوى سجل الأمم اليوم بقدر ما تكتبه من إنجازات وأخلاق. فليكن سجلنا عنواناً للقمة، وليكن أثرنا طيباً كطيب ما أنزل الله، وكما خطّ القلم بإذنه، وكما سطّر المرسلون بإلهامهم.

مشاركة الخبر