Skip to main content

الوسم: رئيسي

“حسني بي”: الأزمة الاقتصادية لا تُحل أمنياً.. وتنظيم سوق الصرف حان وقته

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

حول أسباب الفجوة السعرية والتضخم والطلب على العملة الأجنبية والمضاربة: في إطار النقاش العام حول تطورات سعر الصرف واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، نؤكد أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تشخيصاً اقتصادياً دقيقاً يميز بين أسباب التضخم من جهة، وآليات توسع الطلب على العملة الأجنبية والمضاربة من جهة أخرى.

إن القاعدة الاقتصادية الأساسية تؤكد أن السعر يتحدد في النهاية عند نقطة التقاء العرض والطلب، وأن السعر التعادلي لا يتحقق إلا عندما تتوازن الكميات المعروضة مع الكميات المطلوبة عند سعر مقبول من الطرفين. وعليه، فإن وجود سعر عرض للعملة الأجنبية أقل بكثير من سعر الطلب في السوق يخلق حافزاً مباشراً للمضاربة، ويحول العملة الأجنبية من وسيلة لتغطية احتياجات حقيقية إلى فرصة ربح مضمونة تقريباً.

فما دام هناك عرض للدولار بسعر يعادل 12,600 دينار لكل 2,000 دولار، في مقابل وجود طلب في السوق عند مستويات تقارب 14,600 إلى 15,100 دينار، أو أكثر، لذات المبلغ، فإن الفارق السعري يصبح بذاته مولداً لطلب إضافي على الدولار. هذا الفارق لا يعكس فقط حاجة اقتصادية فعلية، بل يخلق طلباً مضارباً يستهدف شراء الدولار الرخيص وإعادة بيعه أو توظيفه بسعر أعلى.

وبالتالي، فإن زيادة حجم الضخ الشهري من العملة الأجنبية، سواء كان في حدود 3 مليارات دولار أو 4 مليارات أو حتى 5 مليارات دولار شهرياً، لن تكون كافية وحدها لإغلاق الفجوة السعرية إذا ظل السعر المعروض أقل بكثير من السعر الذي يقبل به المشترون في السوق، حيث اقتصادياً المحدّد الأول للأسعار هو سعر الطلب وليس سعر البيع. ففي ظل وجود هامش ربح واضح، سيتوسع الطلب على الدولار لا من داخل السوق المحلي فقط، بل قد يمتد إلى أطراف من دول الجوار والأسواق الخارجية؛ لأن الفرصة السعرية تصبح جاذبة للمضاربة العابرة للحدود، حيث الفارق يتعدى 6 مليارات دولار سنوياً مما يسيل لعاب كل مضارب في العالم.

إن المشكلة لا تكمن في حجم العرض وحده، بل في طبيعة التسعير والسياسات المنظمة للحصول على العملة الأجنبية. فعندما تكون هناك قيود ضيقة على الأغراض الشخصية، مثل تحديد السقف عند 2,000 دولار، مع وجود فجوة كبيرة بين السعر الرسمي أو شبه الرسمي والسعر الموازي، فإن ذلك يؤدي عملياً إلى زيادة عدد طالبي العملة، وتوسيع قاعدة المضاربة، وخلق طلب مصطنع يفوق الطلب الحقيقي على الاستيراد أو السفر أو العلاج أو الدراسة.

وفي هذا السياق، يجب التأكيد على أن المصدر الأساسي للتضخم في أي اقتصاد يظل مرتبطاً بخلق النقود وتمويل الإنفاق العام بالعجز، خصوصاً عندما يتوسع الإنفاق دون غطاء إنتاجي أو إيرادي حقيقي. غير أن دور السياسة النقدية لا يتوقف عند توصيف التضخم، بل يمتد إلى إدارة أثره على سعر الصرف، والاعتراض على التمويل بالعجز متى كان ذلك ممكناً، أو اعتماد سياسة سعر صرف واقعية تعكس العلاقة بين إيرادات النفط بالدولار وحجم الإنفاق العام بالدينار.

إن المعادلة الجوهرية في الاقتصاد الليبي تقوم على أن إيرادات النفط بالدولار، مضروبة في سعر الصرف، تمثل المصدر الرئيسي لتغطية الجزء الأكبر من الإنفاق العام بالدينار. وعندما لا تعكس سياسة سعر الصرف هذه الحقيقة، تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وتتكرر الاختلالات التي عرفها الاقتصاد الليبي في مراحل تاريخية متعددة، من بينها فترات ما بين 1982 و2004، ومن 2015 إلى 2020، ومن 2023 إلى اليوم.

وعليه، فإن استمرار بيع العملة الأجنبية بسعر يقل كثيراً عن سعر الطلب الفعلي في السوق لن يؤدي إلى استقرار مستدام، بل سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، وتغذية المضاربة، واستنزاف الاحتياطيات، وتوسيع الفجوة السعرية. كما أن إنكار أثر هامش المضاربة، أو حصر المشكلة فقط في حجم الضخ، يمثل تبسيطاً مخلّاً لطبيعة الأزمة.

إن المطلوب اليوم هو حزمة سياسات متكاملة تشمل ضبط الإنفاق العام، وقف التوسع النقدي غير المغطى، توحيد أو تقريب أسعار الصرف، مراجعة سياسات الأغراض الشخصية، تقليص فرص التحكيم السعري، وتعزيز الشفافية في بيانات العرض والطلب على العملة الأجنبية.

فالاستقرار لا يتحقق بمجرد ضخ المزيد من الدولارات، بل يتحقق عندما تختفي فرصة الربح الناتجة عن الفارق بين سعرين، وعندما يصبح الحصول على العملة الأجنبية مرتبطاً بالحاجة الاقتصادية الحقيقية لا بالمضاربة على فرق السعر.

بمشاركة 30 شركة ألمانية.. انطلاق أعمال المنتدى الاقتصادي الليبي الألماني الخامس في طرابلس

​انطلقت اليوم الثلاثاء في العاصمة طرابلس أعمال المنتدى الليبي الألماني الخامس، الذي ينظمه الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة، بالشراكة مع الغرفة العربية الألمانية للتجارة والصناعة؛ بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكة بين البلدين.

وشهدت الجلسة الافتتاحية للمنتدى، المقامة بفندق “لانكاستر برج الحياة”، حضوراً رفيع المستوى تمثل في وزير الاقتصاد والتجارة “سهيل أبوشيحة” ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء “محمد بن غلبون” ورئيس فريق المبادرات بمجلس الوزراء “مصطفى المانع”، إلى جانب سفير ليبيا لدى ألمانيا “جمال البرق”، ورئيس اتحاد الغرف العربية “سمير ماجول”.

ومن الجانب الألماني شارك في المنتدى رئيس قطاع السياسات الاقتصادية الخارجية بوزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية الألمانية “رالف بومي”، ورئيس منتدى خبراء ليبيا “سفن لوتهاردت”، بالإضافة إلى وفد يضم أكثر من 30 شركة ألمانية كبرى.

وتتمحور أعمال المنتدى حول بحث فرص الاستثمار والتعاون المشترك في قطاعات حيوية؛ تشمل الطاقة والنفط والغاز والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم، إلى جانب استعراض الأطر المالية والقانونية المنظمة لممارسة الأعمال والتجارة داخل ليبيا، وبناء جسور تواصل فاعلة بين القطاعين العام والخاص في البلدين.

بخطة تناهز 6.5 مليار دولار.. “المركزي” يكشف استراتيجيته لضبط السوق الموازي خلال مايو ويونيو

كشف مسؤول بمصرف ليبيا المركزي لـ”تبادل” بأن إجمالي ما تم ضخه من دولارات خلال شهر مايو سيصل مع نهاية هذا الأسبوع إلى ثلاثة مليارات دولار أي ما يعادل 19 مليار دينار، موزعة بين مليار دولار للأغراض الشخصية والبطاقات والنقدي، وملياري دولار للاعتمادات والحوالات.

وأضاف: خلال شهر يونيو القادم سيصل حجم ضخ الدولار والبيع للمصارف 3.5 مليارات دولار، ما يعادل 23 مليار دينار، وسيخصص منها مليار دولار للحوالات المباشرة لصغار التجار وغيرهم، ومليار دولار للأغراض الشخصية، و1.5 مليار دولار للاعتمادات لكافة السلع، وذلك بهدف احتواء الطلب المتراكم واستقرار السوق من حيث أسعار العملة والسلع.

“عطية الفيتوري”: ضخ الدولار الحي المستمر يضمن استقرار الدينار.. والتقطع قد يغذي السوق الموازي

كتب: الخبير الاقتصادي “عطية الفيتوري”

ضخ المصرف المركزي للدولار الحي الورقي قد يكون عاملاً لتغذية السوق السوداء للعملات الأجنبية، وقد يكون عاملاً لسد الفجوة أو تقريب السعرين بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء.

هذا يعتمد على استراتيجية المصرف المركزي؛ فإذا ضخ كمية من الدولار (600 مليون مثلاً) وتوقف عن ذلك شهرين أو ثلاثة ثم بدأ الضخ مرة أخرى، فهذا سيؤدي إلى تغذية السوق السوداء وقد ينفد جزء كبير من الاحتياطيات دون فائدة.

أما إذا ضخ 600 مليون دولار كل شهر أو 6 أسابيع باستمرار دون توقف، فإن الكثير من الراغبين في اقتناء الدولار سيتأكد لهم أن المصرف قادر على استقرار قيمة الدينار عند المستوى الرسمي، وبعد فترة سيبدأ الطلب على الدولار في الانخفاض وليس الارتفاع، حيث سيؤدي إلى خفض الفجوة بين السعرين الرسمي والسوق السوداء.

ما يجب أن يصاحب ذلك، على المحافظ عقد لقاءات مع غرف التجارة ومجالس رجال الأعمال لطمأنتهم على أنه لا ينوي خفض قيمة الدينار ولفترة طويلة، كما يجب على المحافظ عقد الاجتماعات مع مديري المصارف التجارية لطمأنة زبائنهم من التجار بأن المصرف المركزي سيكون عند كلمته.

لا بد من تحرك المصرف المركزي والاستمرار في ضخ الدولار، وكما قلنا في البداية سيكون الطلب مرتفعاً ولكن إذا ما شعر الجمهور بالاطمئنان فإن الطلب سوف ينخفض ويقترب السعران من بعضهما.

“المسلاتي”: اختزال أزمة الوقود في نقص المحروقات فقط لا يعكس حقيقة ما يحدث على الأرض

أكد المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط “أحمد المسلاتي” أن ملف المحروقات في ليبيا يُعد من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، لارتباطه بجوانب تشغيلية ولوجستية وأمنية ورقابية متعددة، مشدداً على أن اختزال الأزمة الحالية في مجرد “نقص الوقود” يُعد تبسيطاً غير دقيق لحقيقة الوضع القائم.

وأوضح “المسلاتي” أن شركة البريقة تواصل تنفيذ مهامها التشغيلية المتعلقة باستلام المحروقات وتخزينها وتوزيعها على مختلف المناطق بصورة منتظمة، مؤكداً أن عمليات التزويد لم تتوقف.

وأشار إلى أن مشاهد الازدحام والطوابير ترتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها ارتفاع معدلات الاستهلاك، والضغط الكبير على مادة الديزل، واستنزاف كميات كبيرة من المحروقات في التهريب والاتجار غير المشروع، إضافة إلى حالة الهلع التي تدفع بعض المواطنين للتزود بكميات إضافية.

وكشف “المسلاتي” عن وجود فجوة بين احتياجات السوق المحلي والشحنات التي تم استلامها فعلياً خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026، موضحاً أن عدد شحنات البنزين المطلوبة بلغ 64 شحنة، بينما تم استلام 56 شحنة فقط، بفارق 8 شحنات، في حين بلغت شحنات الديزل المطلوبة 56 شحنة، وتم استلام 51 شحنة، بفارق 5 شحنات.

وأضاف أن شركة البريقة فقدت جزءاً مهماً من سعاتها التخزينية نتيجة الأضرار التي تعرضت لها بعض المستودعات والخزانات خلال السنوات الماضية، وهو ما أثر على قدرتها في الحفاظ على مخزون استراتيجي مريح كما كان معمولاً به سابقاً.

وأكد أن استمرار التهريب والاتجار غير المشروع بالمحروقات أصبح من أبرز أسباب استنزاف منظومة الوقود، خاصة فيما يتعلق بمادة الديزل، في ظل استغلال بعض الشاحنات والخزانات الكبيرة في تخزين الوقود وإعادة بيعه داخل السوق السوداء، مضيفا أن تحميل شركة البريقة وحدها مسؤولية الازدحام القائم لا يعكس حقيقة تركيبة قطاع التوزيع في ليبيا، خصوصا وأن غالبية المحطات العاملة تتبع شركات توزيع أخرى ضمن منظومة التوزيع المعتمدة بالدولة.

وأشار “المسلاتي” إلى أن شركة البريقة لا تمتلك سوى عدد محدود من المحطات مقارنة بإجمالي المحطات العاملة، موضحاً أن المنطقة الغربية تضم ما يقارب 3500 محطة، بينما تمتلك الشركة نحو 70 محطة فقط تخضع لمتابعتها المباشرة، كما أشار إلى أن فرق التفتيش التابعة للشركة تواصل أداء مهامها المتعلقة بمتابعة المخزون وإجراءات السلامة وتنظيم عمليات التوزيع وفق الإمكانيات والصلاحيات المتاحة.

وشدد في ختام تصريحاته على أن شركة البريقة والعاملين بها يواصلون العمل في ظروف تشغيلية معقدة بهدف المحافظة على استمرارية الإمدادات وضمان وصول المحروقات إلى مختلف المدن والمناطق، رغم التحديات المتعلقة بالبنية التحتية والضغط المتزايد على منظومة التوزيع.

“علي الشريف”: التنسيق بين المصرف المركزي ووزارة الاقتصاد ضرورة ملحة لضبط الاستيراد الموازي وحماية الدينار

أكد الخبير الاقتصادي “علي الشريف” أن تعزيز التنسيق المشترك بين مصرف ليبيا المركزي، بوصفه المسؤول عن السياسة النقدية، ووزارة الاقتصاد، باعتبارها المعنية بالسياسة التجارية، يُعد ضرورة ملحة لضبط السوق وتنظيم عمليات الاستيراد.

​وأوضح “الشريف” أن هذا التحرك يأتي في ظل تنامي ظاهرة الاستيراد خارج النظام المصرفي الرسمي، وما ترتب عنها من زيادة حادة في حجم الطلب على العملة الأجنبية داخل السوق الموازي، الأمر الذي أسهم بشكل مباشر في إرباك الأسواق المحلية والضغط على سعر صرف الدينار، فضلاً عن تسهيل دخول سلع غير مطابقة للمواصفات القياسية والمعتمدة.

​وأشار “الشريف” إلى المراسلات الصادرة اليوم عن المصرف المركزي والموجّهة إلى وزارة الاقتصاد، مؤكداً أنها تستهدف تعزيز أوجه التعاون وتكامل السياسات لضمان إحكام الرقابة على حركة التجارة الخارجية، ودعم الاستقرار المالي والمحافظة على توازن السوق؛ مشدداً في الوقت ذاته على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب استجابة فاعلة وتعاوناً حقيقياً من الوزارة المعنية بما يخدم المصلحة العامة للاقتصاد الوطني.

“الشلوي”: بين شفافية الأرقام وضغط الالتزامات.. هل يقترب قطاع النفط الليبي من لحظة التحول الكبرى؟

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في الدول التي تُدار فيها الثروات بكفاءة، لا تُقرأ الأرقام بوصفها بيانات جامدة، بل باعتبارها مؤشرات سيادية تكشف اتجاه الاقتصاد، وحالة الدولة، ومستوى قدرتها على التخطيط والاستمرار. ومن هذا المنطلق، تواصل المؤسسة الوطنية للنفط ترسيخ نهجٍ يُحسب لها وطنياً ومؤسسياً، يتمثل في الإفصاح الدوري والشفاف عن حركة توريد وتوزيع المنتجات النفطية، في خطوة تعزز ثقة المتابعين وتضع الرأي العام أمام الحقائق كما هي، بعيداً عن الضبابية أو التقديرات غير الدقيقة.

البيانات الخاصة بشهر أبريل 2026 جاءت هذه المرة أكثر أهمية، ليس فقط لأنها توضح تفاصيل الكميات المستلمة والموزعة من البنزين والديزل والغاز المسال والكيروسين والزيت الثقيل، وإنما لأنها تتزامن مع مرحلة مفصلية يعيشها قطاع النفط الليبي، عنوانها الأبرز: التوازن الصعب بين استمرار التشغيل وتزايد الالتزامات المالية.

فخلال شهر أبريل وحده، تجاوز إجمالي توزيع المنتجات النفطية في السوق المحلي 1.18 مليون طن متري، منها أكثر من 537 ألف طن من وقود الديزل، وقرابة نصف مليون طن من البنزين، وهي أرقام تعكس حجم الطلب المحلي المتنامي، خصوصاً في ظل اعتماد قطاعات الكهرباء والنقل والصناعة بشكل شبه كامل على المحروقات التقليدية.

لكن القراءة الاقتصادية الأعمق لهذه الأرقام تكشف حقيقة أكثر تعقيداً:
كل طن يتم توزيعه محلياً لا يمثل فقط خدمة للسوق، بل يحمل خلفه تكلفة مالية ضخمة، وسلسلة طويلة من الالتزامات التشغيلية والتعاقدية التي تحتاج إلى تمويل مستمر ومنتظم.

الشفافية تكشف الواقع… لا تجمله

من اللافت أن المؤسسة الوطنية للنفط لم تكتفِ بعرض الكميات الموردة فقط، بل أوضحت كذلك تفاصيل الشحنات المبرمجة، والأرصدة المتبقية، والجهات المستفيدة من الوقود، سواء شركات التوزيع أو محطات الكهرباء أو القطاعات الصناعية.

وهذه الدرجة من الإفصاح لا ينبغي التقليل من أهميتها، لأنها تنقل النقاش العام من دائرة الانطباعات إلى دائرة الوقائع والأرقام.

فعندما نرى أن محطات الكهرباء وحدها استهلكت أكثر من 314 ألف طن من الديزل خلال شهر واحد، ندرك مباشرة حجم الضغط الواقع على منظومة الإمداد، كما نفهم لماذا تستمر فاتورة الدعم والإنفاق التشغيلي في التصاعد.

اجتماع “الميزانية والالتزامات”.. الرسالة الأهم خلف الكواليس

في هذا السياق تحديداً، يكتسب الاجتماع الأخير بين رئيس ديوان المحاسبة ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط أهمية استثنائية، لأنه للمرة الأولى يتم الحديث بهذا الوضوح عن أزمة ميزانية قطاع النفط، وتأثير تأخر تسييل المخصصات المالية على استقرار عمليات الإنتاج والتشغيل.

الرسالة الأهم في هذا الاجتماع ليست إدارية فقط، بل اقتصادية وسيادية أيضاً:
لا يمكن المطالبة بزيادة الإنتاج واستقرار الإمدادات واستمرار المشروعات الاستراتيجية، في وقت يعاني فيه القطاع من تراكم الالتزامات وتأخر التمويل.

فالنفط ليس قطاعاً يعمل بردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، بل منظومة معقدة تحتاج إلى:
أ/ تدفقات مالية مستقرة
ب/ خطط إنفاق واضحة
ج/ قدرة على الوفاء بالعقود
د/ صيانة مستمرة للبنية التحتية

من هنا يمكن فهم الربط المباشر الذي جرى خلال الاجتماع بين تسييل الميزانيات وبين الحفاظ على معدلات الإنتاج وخطط التوسع المستقبلية.

الأمر الأكثر إيجابية أن الاجتماع لم يتوقف عند تشخيص المشكلة، بل ناقش آليات تسوية الالتزامات المالية المتراكمة، وهي خطوة ضرورية لإعادة الانضباط المالي وتحسين كفاءة الإنفاق داخل القطاع.

الإيرادات ترتفع.. لكن التحديات أكبر

صحيح أن المؤشرات الأولية تُظهر نمواً في الإيرادات النفطية خلال شهري أبريل ومايو، لكن هذا التحسن وحده لا يكفي للحكم على سلامة الوضع الاقتصادي للقطاع.

فالقطاع النفطي الليبي لا يواجه فقط تحدي الإيرادات، بل يواجه كذلك:
أ/ ارتفاع كلفة الاستيراد
ب/ تضخم فاتورة الدعم
ج/ تآكل البنية التحتية
د/ الحاجة إلى تطوير المصافي
هـ/ وضغوط الطلب المحلي المتزايد

ولهذا فإن أي زيادة في الإيرادات يجب أن تُستثمر بحكمة، لا أن تتحول إلى مجرد معالجة مؤقتة للعجز المرحلي.

رأس لانوف.. عودة المصفاة التي قد تغيّر المعادلة

من بين أهم الملفات التي يمكن أن تُحدث تحولاً حقيقياً في السنوات القادمة، يأتي ملف المصافي، وعلى رأسها مصفاة رأس لانوف، التي استعادت ليبيا السيطرة الكاملة عليها بعد نجاح عملية التخارج مع الشريك الأجنبي، عقب توقف دام قرابة 13 عاماً.

هذه العودة ليست مجرد استعادة لأصل صناعي، بل استعادة لجزء مهم من السيادة الاقتصادية.

فإذا نجحت الدولة في إعادة تأهيل رأس لانوف وتشغيلها بكفاءة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام:
أ/ تخفيض الاعتماد على استيراد الوقود
ب/ تقليص الضغط على النقد الأجنبي
ج/ رفع القيمة المضافة للنفط الخام
د/ تعزيز الأمن الطاقي الوطني

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة التشغيل فقط، بل في تبني رؤية جديدة لقطاع التكرير بالكامل، تقوم على التحديث والتوسع وربط المصافي بالصناعات البتروكيماوية.

هل حان وقت مراجعة فلسفة الدعم؟

البيانات المنشورة تفرض سؤالاً بالغ الحساسية لكنه لم يعد قابلاً للتأجيل:
إلى متى يمكن الاستمرار في نموذج الدعم الحالي؟

فعندما تُستهلك هذه الكميات الضخمة شهرياً بأسعار مدعومة، في ظل وجود تهريب وهدر واستهلاك غير رشيد، فإن جزءاً كبيراً من الدعم يتحول عملياً إلى عبء اقتصادي يستنزف الدولة بدلاً من أن يحقق العدالة الاجتماعية.

الحل هنا لا يكمن في رفع الدعم بشكل صادم، بل في إعادة هندسته تدريجياً:
أ/ دعم المواطن بدلاً من دعم السلعة
ب/ بناء منظومات رقمية للتوزيع
ج/ ضبط التهريب
د/ تحسين كفاءة الاستهلاك

هذه الإصلاحات لن تكون سهلة سياسياً أو اجتماعياً، لكنها أصبحت ضرورة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.

ماذا نتوقع حتى نهاية 2026؟

إذا استمرت الأوضاع الحالية دون إصلاحات هيكلية، فمن المرجح استمرار الاعتماد الكبير على استيراد البنزين والديزل حتى نهاية العام الجاري، مع بقاء الضغوط على الشبكة الكهربائية والقطاع الخدمي.

أما السيناريو الأكثر تفاؤلاً، فيرتبط بعدة عوامل:
1/ تسريع تمويل ميزانية القطاع
2/ دخول مشاريع استراتيجية جديدة حيز التنفيذ
3/ تحسن أداء المصافي
4/ ضبط التهريب
5/ تطوير منظومة التوزيع

في حال تحقق ذلك، فقد يشهد عام 2027 بداية انتقال تدريجي نحو قطاع أكثر استقراراً وقدرة على تغطية جزء أكبر من الطلب محلياً.

الخلاصة

ما يحدث اليوم داخل قطاع النفط الليبي يتجاوز كونه ملف تشغيل أو أرقام إنتاج واستهلاك، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة أهم مورد سيادي لديها بعقلية حديثة وشفافة.

وإذا كانت بيانات أبريل 2026 قد كشفت حجم الاستهلاك والتحديات، فإن الاجتماع الأخير بشأن ميزانية القطاع كشف في المقابل حقيقة أكثر أهمية:
أن استمرار النجاح التشغيلي للقطاع مرهون بوجود إرادة حقيقية للإصلاح المالي والإداري والاستثماري.

ليبيا تمتلك النفط، والموقع، والبنية الأساسية القابلة للتطوير، والخبرة الوطنية المتراكمة. لكنها اليوم تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إدارة اقتصادية شجاعة، تؤمن بأن الأمن الطاقي لا يتحقق فقط بزيادة الإنتاج، بل ببناء منظومة مستدامة قادرة على حماية الثروة وتحويلها إلى تنمية حقيقية للأجيال القادمة.

اتفاق بين المحافظ ووزير الداخلية على تفعيل آلية مشتـركة لإنهاء المضاربة وضبط السوق الموازي

اتفق محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” مع وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية اللواء “عماد الطرابلسي”، على تشكيل فريق عمل مشترك، لوضع آلية لمكافحة الشركات والمحلات غير الحاصلة على التراخيص اللازمة من المصرف المركزي، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقها وإعطائها مُهلة لتصحيح أوضاعها، وإنهاء المضاربة الوهمية في السوق.

جاء ذلك خلال اجتماع للمحافظ مع وزير الداخلية اليوم الاثنين بمقر مصرف ليبيا المركزي بطرابلس، بحضور قيادات الأجهزة الأمنية التابعة للوزارة وعدد من مديري الإدارات بالمصرف، وخصص الاجتماع لمناقشة ملفات اقتصادية وأمنية مشتركة تؤثر على القطاع المصرفي والاستقرار المالي للدولة.

وتناول الاجتماع بحث خطة عمل مشتركة تهدف إلى الحد من الظواهر السلبية في الاقتصاد الليبي منها نشاط السوق الموازي للعملة والقضاء عليه، لما يسببه من آثار سلبية على الاقتصاد الوطني واستقرار سعر الصرف، فضلاً عن تأثيراته المباشرة على حياة المواطن والحد من تهريب السلع عبر الحدود البرية و ظاهرة الاستيراد خارج المنظومة المصرفية وما تُسَبِّبه من استيراد سلع غير مطابقة للمواصفات وسلع ممنوعة.

“حسني بي”: توسع المصرف المركزي في آليات الدفع والتحويل المباشر يقلص فجوة سعر الصرف والمضاربة شرط تبسيط الإجراءات والتنفيذ

قال رجل الأعمال “حسني بي” إن “قاع سعر الصرف” لا يتحدد بالقرارات الإدارية، بل من خلال احتواء وتقليص الإنفاق العام “الاستهلاكي”، وعدم التمويل النقدي للعجز العام عبر “خلق النقود”، بالتوازي مع توازن العرض والطلب وتقليص دوافع المضاربة؛ مشيراً إلى أن قرار منح التحويل المباشر بسقف 100 ألف دولار يعد مثالاً هاماً لتقليص الفجوة السعرية.

وأوضح “حسني بي” أن التطورات الأخيرة في سوق الصرف الليبي تؤكد أن سعر الدولار لا يتحرك بمعزل عن القواعد الاقتصادية الأساسية، وفي مقدمتها أن الطلب هو المحدد الرئيسي للسعر، وأن السعر العادل يتشكل عند نقطة التقاء العرض والطلب.

وتابع بالقول إن أي عرض للعملة بسعر أقل من سعر الطلب الحقيقي يفتح الباب تلقائياً أمام المضاربة، أو يدفع نحو مزيد من الطلب على العملة، والذي قد يذهب لتغطية احتياجات دول مجاورة؛ مؤكداً أن الفجوة السعرية ليست إلا ضريبة وتكلفة غير معلنة يدفعها المواطن والمشتري النهائي لصالح الوسطاء والمضاربين، ولكل من يحصل على “الدولار الرخيص”، حتى وإن كانت مخصصات الأغراض الشخصية بسقف 2000 دولار، والتي يتعدى مجملها 8 مليارات دولار، أو ما يعادل 30% من إجمالي مبيعات العملة الأجنبية.

وأشار “بي” إلى أن الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي لم تكن نتيجة عامل واحد، بل جاءت محصلة لتراكم قيود وإجراءات تنظيمية حدّت من الوصول الطبيعي إلى النقد الأجنبي، وفي مقدمتها تخفيض مخصصات الأغراض الشخصية. ففي الوقت الذي كانت فيه الفجوة محدودة عند مستويات قريبة من 2% عندما بلغ السقف 10 آلاف دولار، اتسعت تدريجياً مع تخفيض السقف إلى 4 آلاف ثم إلى 2000 دولار، لتتجاوز في مراحل لاحقة مستويات مرتفعة دفعت السوق نحو المضاربة بدلاً من الاستخدام الحقيقي والإنتاجي للعملة.

وأضاف أن هذه الفجوة صنعت حوافز قوية للحصول على الدولار بالسعر الرسمي وإعادة بيعه في السوق الموازي، مما رفع الطلب غير الإنتاجي على النقد الأجنبي. كما ساهمت تكاليف الوسطاء، ورسوم البطاقات، وتكاليف السحب، وفوارق السيولة، في رفع السعر الفعلّي للدولار من مستويات قريبة من السعر الرسمي إلى مستويات أعلى بكثير، حتى أصبح السوق يعكس كلفة القيود المفروضة أكثر مما يعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية للدينار الليبي.

وذكر “بي” أن ما يُعرف بـ “قاع سعر الصرف” لا يمكن فهمه أو الوصول إليه إلا من خلال إزالة هذه التشوهات؛ فحين تنخفض تكاليف الوساطة، وتُلغى الرسوم غير المباشرة، وتتحسن السيولة، وتُفتح التحويلات بين الحسابات، يتراجع هامش المضاربة ويبدأ السعر في الاقتراب من مستواه الطبيعي. وهذا ما يفسر التراجع الأخير في سعر الدولار إلى ما دون مستويات 8.2 دينار نقداً، وتراجع سعر الصكوك مع تقلص ظاهرة “حرق الصكوك” وتحسن حجم السيولة المتداولة في القطاع المصرفي.

وأكد أن القاع الحقيقي لسعر الصرف لا يُصنع بالمنع أو بتضييق القنوات الرسمية، بل بتوسيع العرض المنظم، ورفع كفاءة المصارف، وتقليص فرص التحكيم بين السعر الرسمي والموازي. فكلما اقترب السعر الرسمي من السعر الذي يلتقي عنده الطلب الحقيقي مع العرض المتاح، انخفضت جاذبية المضاربة وتراجع الضغط على السوق الموازي.

كما حذر “بي” من أن التضخم وانهيار العملة لا ينتجان فقط عن المضاربين، بل غالباً عن سياسات مالية ونقدية توسعية لا يقابلها إنتاج حقيقي. فالإنفاق العام المفرط، وتراكم الالتزامات، وضعف الرقابة على الإيرادات السيادية، واستمرار الدعم غير المنضبط، كلها عوامل تضغط على الدينار وتضعف الثقة فيه. وفي اقتصاد ريعي مثل الاقتصاد الليبي، المعتمد بدرجة شبه كاملة على النفط، يصبح سعر الصرف مرآة للثقة في إدارة المال العام بقدر ما هو نتيجة لحجم الاحتياطيات أو إيرادات النفط الحالية.

وختم “حسني بي” تصريحه بالقول إن استقرار سعر الصرف يتطلب مقاربة شاملة تقوم على أربع قواعد أساسية: ضبط الطلب الحقيقي على الدولار، وتوسيع العرض عبر القنوات الرسمية، وتقليص الفجوة التي تغذي المضاربة، وترشيد الإنفاق العام بشفافية. أما الاكتفاء بميزانيات ضخمة أو قيود إدارية جديدة دون إصلاح هيكلي حقيقي، فلن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الأزمة وتحميل المواطن كلفة التضخم وفقدان الثقة بالعملة الوطنية.

“شكشك وسليمان” يبحثان أزمة ميزانية قطاع النفط وآليات تسوية الالتزامات المالية للمؤسسة

ناقش رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك” خلال اجتماعه اليوم الأحد مع رئيسَ المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان”، جملة من الملفات الحيوية والمالية المرتبطة بقطاع الطاقة، وعلى رأسها أزمة ميزانية قطاع النفط وآليات تسوية الالتزامات المالية للمؤسسة.

وتم خلال الاجتماع استعراض تداعيات تأخر تسييل مخصصات ميزانية قطاع النفط وأثرها المباشر على استقرار عمليات الإنتاج والتشغيل، حيث شدد “شكشك وسليمان” على ضرورة الإسراع في تسييل الأموال بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لضمان استمرارية خطط زيادة معدلات الإنتاج والمحافظة على استقرار المنشآت، كما تناول الاجتماع مراجعة التراكم الملحوظ في حجم الالتزامات المالية القائمة على مؤسسة النفط والشركات التابعة لها، والاتفاق على وضع آلية لمراجعتها وتسويتها، بما يضمن الوفاء بالتعهدات التعاقدية والتشغيلية ويسهم في رفع كفاءة الأداء المالي للقطاع.

وبحث رئيس الديوان مع رئيس المؤسسة كذلك سير العمل في المشروعات الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها مشروعات حقليْ “الظهرة والغاني”، مطلعين على نسب الإنجاز والتحديات اللوجستية والفنية المعرقلة لتنفيذها، وذلك بالتوازي مع استعراض المؤشرات الإيجابية المتمثلة في نمو حجم الإيرادات النفطية المحققة خلال شهري أبريل ومايو الجاري.