Skip to main content
|

“الشلوي”: الغاز لا ينتظر أحداً.. ورسائل “إيني” تؤكد أن نافذة الفرصة الليبية قد فُتحت من جديد

كتب : الخبير النفطي “عبد المنصف الشلوي”

لم تكن التصريحات الأخيرة للرئيس التنفيذي لشركة “إيني” مجرد قراءة لحالة الأسواق، بل يمكن النظر إليها باعتبارها رسالة استراتيجية تعكس الاتجاه الذي تسير إليه أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة، ورسالة ينبغي أن تُقرأ جيداً في الدول المنتجة للنفط والغاز، وفي مقدمتها ليبيا.

فحين يتحدث أحد أكبر التنفيذيين في صناعة الطاقة العالمية عن احتمال عودة أزمة الطاقة، وتراجع المخزونات، واشتداد المنافسة على إمدادات النفط والغاز؛ فإن ذلك لا يعني فقط أن أوروبا تستعد لفصل شتاء جديد، وإنما يعني أيضاً أن العالم يدخل مرحلة جديدة أصبح فيها أمن الطاقة يتقدم على كثير من الاعتبارات الأخرى.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة، منذ أزمة الطاقة الأوروبية في عام 2022، أن الغاز الطبيعي لم يعد مجرد وقود انتقالي، بل أصبح أحد أهم عناصر الأمن القومي والاقتصادي للدول. كما أثبتت الأحداث الجيوسياسية أن الدول المستوردة لم تعد تعتمد على معيار السعر فقط، بل أصبحت تبحث عن المورد القريب، والموثوق، والقادر على توفير الإمدادات بصورة مستقرة وطويلة الأجل.

ومن هذا المنطلق، فإن دعوة “إيني” إلى تنويع مصادر الإمداد، والاستمرار في الاستثمار في النفط والغاز بالتوازي مع الطاقة المتجددة، تؤكد أن العالم لم يدخل مرحلة ما بعد الهيدروكربونات كما يعتقد البعض، وإنما دخل مرحلة إدارة أكثر ذكاءً لمزيج الطاقة (Energy Mix)؛ حيث ستستمر مصادر الطاقة التقليدية لعقود مقبلة جنباً إلى جنب مع مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.

وهنا تبرز أهمية شمال أفريقيا بصورة عامة، وليبيا بصورة خاصة.

فالموقع الجغرافي المتميز، والقرب من الأسواق الأوروبية، والبنية التحتية القائمة، وخطوط نقل الغاز المباشرة؛ تمنح ليبيا ميزة تنافسية يصعب أن تتوافر لكثير من المنتجين الآخرين، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف النقل والشحن العالمية.

كما أن استمرار “إيني” في توسيع استثماراتها، والدخول في مشاريع تطوير بحرية جديدة، يعكس بوضوح أن الشركات العالمية الكبرى لا تنظر إلى ليبيا باعتبارها منتجاً حالياً فقط، بل باعتبارها أحد أهم مصادر النمو المستقبلي لإمدادات الغاز في حوض البحر المتوسط.

واللافت للنظر أن البيانات الحالية تؤكد أن “إيني” تنتج ما يقارب 7.7 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وهو ما يمثل نحو 80% من إنتاج الغاز الليبي، بينما يذهب أكثر من 90% من هذا الإنتاج إلى الاستهلاك المحلي؛ ليسهم في تشغيل ما يقارب 70% من إنتاج الكهرباء.

وهذه الأرقام تكشف حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن الغاز الليبي ليس سلعة للتصدير فحسب، بل هو أيضاً ركيزة أساسية لاستقرار منظومة الكهرباء والصناعة والاقتصاد الوطني.

ومن ثَمَّ، فإن أي توسع في إنتاج الغاز لا ينبغي النظر إليه من زاوية زيادة الصادرات فقط، وإنما أيضاً من زاوية تعزيز أمن الطاقة الداخلي، وتقليل الاعتماد على الوقود السائل في محطات الكهرباء، ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتوفير كميات أكبر من النفط الخام للتصدير وتحقيق قيمة اقتصادية أعلى.

كما أن إعلان التزام استثماري مشترك بقيمة 8 مليارات دولار بين المؤسسة الوطنية للنفط و”إيني” لتطوير الحقول البحرية يمثل مؤشراً مهماً على حجم الثقة في الإمكانات الجيولوجية الليبية، ويؤكد أن الاستثمار طويل الأجل لا يزال يجد في ليبيا فرصاً واعدة متى توفرت البيئة التشغيلية المناسبة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن المنافسة المتوقعة على الغاز الطبيعي المسال، والتي أشار إليها الرئيس التنفيذي لـ”إيني”، قد تدفع الأسعار إلى مستويات داعمة للاستثمار، وهو ما يجعل الإسراع في تطوير الاحتياطيات الغازية، واستكمال مشاريع الإنتاج والمعالجة والنقل، أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي تحملها تصريحات “إيني” ليست أن أوروبا تحتاج إلى مزيد من الغاز، فهذا أمر معروف، وإنما أن المنافسة على الأسواق ستكون أكثر شدة خلال السنوات القادمة، وأن الدول التي تنجح في زيادة إنتاجها بسرعة وكفاءة هي التي ستحجز لنفسها موقعاً متقدماً على خارطة الطاقة العالمية.

إن أسواق الطاقة لا تنتظر المترددين، والاستثمارات الدولية تتحرك نحو البيئات القادرة على تنفيذ المشاريع وفق جداول زمنية واضحة، بينما تتغير خرائط التجارة العالمية بوتيرة أسرع مما كانت عليه قبل سنوات قليلة.

ولذلك، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة ليبيا في سوق الغاز الإقليمي والدولى، ليس فقط باعتبارها دولة تمتلك احتياطيات كبيرة، وإنما باعتبارها شريكاً موثوقاً قادراً على الإسهام في أمن الطاقة في منطقة البحر المتوسط وأوروبا، وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات السوق المحلية وتعزيز التنمية الاقتصادية.

إن قراءة تصريحات “إيني” من هذا المنظور تؤكد أن مستقبل الطاقة لن يُبنى على وفرة الموارد وحدها، بل على سرعة تطويرها، وكفاءة إدارتها، واستدامة استثمارها؛ وهو ما يجعل الغاز الليبي أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي يمكن أن تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي، ودعم أمن الطاقة، وترسيخ المكانة الجيوسياسية لليبيا خلال العقود المقبلة

مشاركة الخبر