Skip to main content

الوسم: رئيسي

“الشلوي”: البوري.. حين تتحول الشعلة المهدورة إلى ثروة وطنية واستراتيجية طاقة مستدامة

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

يشهد قطاع النفط والغاز في ليبيا تحولات استراتيجية متسارعة، لم تعد تقتصر على المحافظة على معدلات الإنتاج أو تطوير البنية التحتية التقليدية، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة العلاقة بين الصناعة النفطية والبيئة والاقتصاد الوطني في آنٍ واحد. وفي هذا السياق، يبرز مشروع استغلال الغاز بحقل البوري البحري، الذي تنفذه شركة مليتة للنفط والغاز، باعتباره أحد أهم المشاريع التقنية والاستراتيجية التي تعكس انتقال المؤسسة الوطنية للنفط من مرحلة إدارة الموارد إلى مرحلة تعظيم القيمة الاقتصادية وتقليل الفاقد وتحقيق الاستدامة.

فالنجاح في رفع وتركيب وحدات استغلال الغاز على المنصة رقم (4) بحقل البوري، بأوزان تجاوزت 5200 طن، لا يمكن النظر إليه كمجرد إنجاز هندسي معقد في مجال الرفع الثقيل فحسب، بل يمثل تحولاً نوعياً في فلسفة إدارة الغاز المصاحب في ليبيا، خاصة وأن المشروع يستهدف استثمار نحو 120 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز، كانت كميات معتبرة منه تُهدر سابقاً عبر الحرق الروتيني.

ومن المعروف لدى المختصين أن ظاهرة حرق الغاز المصاحب تُعد من أكثر التحديات التي تواجه الدول المنتجة للنفط، ليس فقط بسبب آثارها البيئية السلبية، وإنما لأنها تعني ببساطة حرق ثروة وطنية قابلة للاستثمار والتسويق والتصنيع. فالغاز الذي يُحرق في المشاعل النفطية ليس “نفايات تشغيلية”، بل مادة اقتصادية عالية القيمة يمكن توجيهها لإنتاج الكهرباء، والصناعات البتروكيماوية، وتغذية الشبكة الصناعية، وحتى دعم خطط التصدير مستقبلاً.

ومن هنا تأتي الأهمية الاستراتيجية لمشروع البوري، الذي ينسجم بصورة مباشرة مع التزام المؤسسة الوطنية للنفط بتحقيق هدف “صفر حرق” بحلول عام 2030، وهو التزام يعكس وعياً متقدماً بالتحديات البيئية العالمية ومتطلبات أسواق الطاقة الحديثة، خاصة في ظل التوجه الدولي المتزايد نحو خفض الانبعاثات الكربونية ورفع كفاءة استغلال الموارد الهيدروكربونية.

وعلى المستوى الفني، فإن تنفيذ عمليات رفع وتركيب بهذا الحجم داخل بيئة بحرية معقدة يُعد مؤشراً واضحاً على تطور القدرات الوطنية في مجالات الهندسة البحرية، وإدارة المشاريع الثقيلة، والتكامل بين العمليات التشغيلية والصيانة والتوسعات المستقبلية. كما أن استغلال فترة التوقف التشغيلي المبرمج للمنصتين لإجراء أعمال الربط والتحديث والصيانة يعكس مستوى متقدماً من التخطيط التشغيلي وتقليل الفاقد الزمني والتكاليف التشغيلية.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن الاستثمار في مشاريع استغلال الغاز يُعد من أعلى المشاريع عائداً على الاقتصاد الوطني، نظراً لأن الغاز المصاحب يمثل مورداً جاهزاً للإنتاج دون الحاجة إلى تكاليف استكشاف إضافية. وعندما تتمكن ليبيا من استرجاع مئات الملايين من الأقدام المكعبة التي كانت تُحرق يومياً، فإن ذلك ينعكس مباشرة على زيادة الإيرادات، وتقليل استهلاك الوقود السائل في محطات الكهرباء، ورفع كفاءة مزيج الطاقة الوطني.

ولا يخفى أن أزمة الكهرباء في ليبيا ترتبط جزئياً بنقص إمدادات الغاز لمحطات التوليد، وبالتالي فإن أي مشروع يرفع من كميات الغاز المستغلة محلياً يساهم بصورة غير مباشرة في دعم استقرار الشبكة الكهربائية وتقليل الاعتماد على الوقود السائل الأعلى تكلفة والأكثر تلوثاً.

أما البعد البيئي، فهو اليوم لم يعد ترفاً إعلامياً أو استجابة شكلية للضغوط الدولية، بل أصبح جزءاً أساسياً من معايير التنافسية في قطاع الطاقة العالمي. فالدول والشركات التي لا تُظهر التزاماً واضحاً بخفض الانبعاثات الكربونية ستواجه مستقبلاً تحديات في التمويل، والتسويق، وجذب الشراكات والاستثمارات الدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن توجه المؤسسة الوطنية للنفط نحو “صفر حرق” بحلول 2030 يُعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، ليس فقط لتحسين الصورة البيئية للقطاع، بل لضمان استدامة الصناعة النفطية الليبية نفسها في عالم يتجه تدريجياً نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات.

اللافت في مشروع البوري أيضاً أنه يعكس تكاملاً واضحاً بين القرار السيادي والدور التنفيذي للشركات الوطنية، حيث يظهر دعم المؤسسة الوطنية للنفط لمشاريع البنية التحتية والتطوير التقني، إلى جانب قدرة الكوادر الليبية على تنفيذ عمليات هندسية معقدة وفق أعلى معايير السلامة والكفاءة.

وفي تقديري، فإن ليبيا تمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى نموذج إقليمي في إدارة الغاز المصاحب إذا ما استمرت هذه المشاريع بوتيرة متصاعدة، وتم ربطها بخطط أوسع لتطوير الصناعات الغازية والبتروكيماوية وتوسعة البنية التحتية للنقل والمعالجة. فالعالم اليوم لا يقيس قوة الدول النفطية بحجم إنتاج النفط الخام فقط، بل بمدى قدرتها على تعظيم القيمة المضافة من مواردها وتقليل الفاقد وتحقيق التوازن بين الاقتصاد والبيئة.

إن ما تحقق في حقل البوري لا يمثل مجرد نجاح تشغيلي لشركة مليتة، بل رسالة واضحة بأن قطاع النفط الليبي قادر، رغم التحديات، على الانتقال من مرحلة المعالجة المؤقتة للمشكلات إلى مرحلة بناء مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، تُعزز الاقتصاد الوطني وتحافظ على البيئة وتؤسس لصناعة طاقة أكثر كفاءة واستدامة للأجيال القادمة.

“المسلاتي” : زيادة الطلب على الديزل واحتياجات قطاع الكهرباء من أبرز أسباب الضغط على منظومة التزويد

قال المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط “أحمد المسلاتي” إن ما تشهده بعض محطات الوقود من ازدحام على وقود الديزل (النافطة) يرتبط بجملة من العوامل التشغيلية والفنية، يأتي في مقدمتها الارتفاع الملحوظ في الطلب على هذا المنتج خلال الفترة الأخيرة نتيجة زيادة احتياجات الشركة العامة للكهرباء من الوقود لدعم إنتاج الطاقة والمحافظة على استقرار الشبكة الكهربائية.

وأوضح “المسلاتي” أن جزءًا كبيرًا من كميات الديزل التي تستقبلها البلاد يُخصص لتشغيل محطات توليد الكهرباء، مشيرًا إلى أن دخول مصنع الغاز في أعمال العمرة والصيانة الدورية استدعى تشغيل بعض الوحدات الكهربائية باستخدام وقود الديزل بدل الغاز الطبيعي بصورة مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى زيادة إضافية في معدلات الاستهلاك ورفع حجم الطلب على المنتج.

وأشار إلى أن شركة البريقة لتسويق النفط، باعتبارها الجهة المعنية باستلام المحروقات الواردة إليها وتخزينها وتوزيعها على مختلف مناطق البلاد، تعمل ضمن منظومة تشغيلية ولوجستية متكاملة، إلا أن التحديات المرتبطة بعمليات التوريد والتخزين تظل من العوامل التي تفرض ضغوطًا إضافية على منظومة الإمدادات وتؤثر على مستوى توفر المنتج في بعض الفترات.

وأكد المسلاتي أن شركة البريقة تواصل العمل على تعزيز الإمدادات ودعم المستودعات ومواقع التشغيل بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة كل حسب اختصاصه، مع متابعة أوضاع التزويد والتوزيع بشكل يومي وعلى مدار الساعة، لضمان استمرار الإمدادات وتلبية احتياجات المواطنين والقطاعات الحيوية بمختلف أنحاء البلاد.

وشدد المسلاتي على أهمية تعزيز الرقابة على حركة المحروقات والحد من التهريب والتسرب غير المشروع، وضمان انتظام التوريدات بما يتناسب مع احتياجات السوق الفعلية، إلى جانب دعم مشاريع إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لمنظومة التخزين والتوزيع، باعتبارها من الركائز الأساسية لتحقيق استقرار مستدام لمنظومة الإمدادات خلال المرحلة المقبلة.

جهاز مكافحة الجرائم المالية يحبط عملية احتيال رقمي بالعملات المشفرة عبر “واتساب”

أعلن جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، نجاح إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية المالية التابعة له، في كشف وإحباط عملية احتيال مالي رقمي منظمة استهدفت أحد المواطنين عبر تطبيق “واتساب”.

​وأوضح الجهاز أن العملية بدأت عقب استيلاء المتهم على مبلغ مالي قدره 49 ألف دينار ليبي من مواطن، بعد إيهامه بالاتجار بالعملات الرقمية المشفرة (USDT)؛ حيث باشرت الفرق الفنية المختصة عمليات التتبع والتحري الرقمي الدقيق، والتي أسفرت عن تحديد هوية المتهم وضبطه متلبساً بالأدلة التقنية الدامغة.

وأشار الجهاز إلى إحالة المتهم إلى نيابة النظام العام؛ لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة، داعياً المواطنين إلى الحذر من المعاملات المالية غير الرسمية عبر الفضاء الرقمي.

“الشلوي”: حين تتحول الثروة إلى عبء اقتصادي.. قراءة تكنوقراطية في مسار دعم المحروقات في ليبيا لقرابة خمسة عقود

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

على مدى ثمانية وأربعين عاماً تقريباً، شكّل دعم المحروقات في ليبيا أحد أكبر بنود الإنفاق العام وأكثرها تأثيراً على البنية الاقتصادية والنقدية للدولة.

فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى هذا العام، تجاوز إجمالي الإنفاق العام الليبي حاجز التريليون دولار، ذهب ما يقارب ربع هذا الإنفاق مباشرة إلى دعم المحروقات وحده، بقيمة تقديرية تجاوزت 250 مليار دولار.

هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن سياسة دعم اجتماعي، بل تكشف عن مسار اقتصادي كامل أُعيدت فيه صياغة العلاقة بين الدولة والثروة النفطية، وبين الاقتصاد والإنتاج والاستهلاك.

فعندما تنفق دولة نفطية ما متوسطه 5.2 مليار دولار سنوياً على دعم الوقود على مدى يقارب نصف قرن، بينما لا يتجاوز متوسط الإنفاق العام السنوي 20.8 مليار دولار، فهذا يعني أن بنداً واحداً فقط استحوذ على نحو 25% من إجمالي الإنفاق العام للدولة طوال تلك الفترة.

لكن المؤشر الأخطر لا يتعلق بحجم الدعم نفسه، بل بالعائد الحقيقي منه. إذ تشير التقديرات إلى أن ما عاد فعلياً إلى الخزانة العامة من بيع المحروقات المدعومة لم يتجاوز 5 مليارات دولار فقط، أي أن الدولة لم تسترد سوى نحو 2% من الأموال التي أنفقتها على هذا الملف، بينما بلغ صافي الفاقد المالي حوالي 245 مليار دولار، بنسبة فاقد تُقدّر بـ98%.

وبلغة الاقتصاد، فإن ذلك يعني أن كل 100 دولار أُنفقت على دعم المحروقات، عاد منها أقل من دولارين فقط إلى خزينة الدولة، بينما تبخر الباقي بين الاستهلاك المفرط، والتهريب، والاقتصاد الموازي، وضغف كفاءة إدارة الموارد.

لقد وفّر الدعم استقراراً اجتماعياً نسبياً في بعض المراحل، لكنه في المقابل خلق نموذجاً اقتصادياً قائماً على الاستهلاك لا الإنتاج. فبدل توجيه جزء معتبر من تلك الموارد إلى بناء قطاعات استراتيجية، جرى استنزافها في دعم منخفض العائد الاقتصادي والتنموي.

ولو أُعيد توظيف جزء كبير من صافي الفاقد البالغ 245 مليار دولار في استثمارات إنتاجية، لكان بالإمكان إحداث تحول جذري في بنية الاقتصاد الليبي. فهذه الأموال كانت كفيلة ببناء منظومات كهرباء مستقرة تقلل الانقطاعات وترفع كفاءة الطاقة، وإنشاء قاعدة صناعية حقيقية، وتطوير القطاع الزراعي لتقليص فاتورة الغذاء المستورد، إضافة إلى بناء بنية تحتية حديثة وصندوق سيادي يحمي حقوق الأجيال القادمة.

بل إن جزءاً بسيطاً من تلك المبالغ كان كافياً لإعادة هيكلة قطاعي التعليم والصحة ورفع جودة رأس المال البشري، وهو الاستثمار الأهم لأي دولة تسعى لبناء اقتصاد مستدام.

ومن الناحية النقدية، لا يمكن فصل تراجع القوة الحقيقية للدينار الليبي عن السياسات طويلة الأجل المرتبطة بالدعم. فبيع المحروقات محلياً بأسعار رمزية أدى إلى تشويه الأسعار الحقيقية داخل الاقتصاد، ورفع معدلات الاستهلاك والاستيراد، وبالتالي زيادة الطلب على الدولار.

ومع توسع السوق الموازية وعمليات تهريب الوقود، بدأت تظهر فجوة متزايدة بين السعر الرسمي للدينار وقيمته الحقيقية في السوق. ولذلك، بدا الدينار الليبي قوياً على الورق بفعل التدخلات الإدارية، لكنه فقد تدريجياً جزءاً مهماً من قوته الشرائية الفعلية، مع ارتفاع الأسعار وتنامي الطلب على الدولار والذهب والعقار كملاذات بديلة.

أما فيما يتعلق بالتضخم، فإن المفارقة الاقتصادية تكمن في أن الدعم، رغم مساهمته الظاهرية في تخفيض أسعار الوقود، ساهم على المدى الطويل في خلق تضخم غير مباشر ومتراكم. ذلك لأن الاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد والاستهلاك الممول من الإنفاق العام، دون إنتاج محلي حقيقي، يصبح أكثر عرضة لعجز الميزانية والتوسع النقدي وضعف العملة.

وبالتالي، فإن الدعم لم يُلغِ التضخم بقدر ما أخفاه مؤقتاً، بينما استمرت أسبابه الحقيقية بالتراكم داخل الاقتصاد الليبي عاماً بعد عام.

المشكلة اليوم ليست في فكرة الدعم من حيث المبدأ، فالدولة مسؤولة عن حماية الفئات الضعيفة وتحقيق التوازن الاجتماعي، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في شكل الدعم وآلية إدارته؛ فالدعم الشامل غير الموجّه أثبت أنه يستنزف الثروة الوطنية أكثر مما يبني اقتصاداً منتجاً.

ولهذا، فإن الإصلاح المطلوب لا ينبغي أن يكون مجرد رفع للأسعار أو نقل العبء إلى المواطن، بل إعادة صياغة السياسة الاقتصادية بالكامل: دعم ذكي يصل مباشرة إلى مستحقيه، مقابل وقف الهدر، ومحاربة التهريب، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج.

لقد أثبتت تجربة العقود الأربعة الماضية أن الثروة النفطية وحدها لا تصنع اقتصاداً قوياً، وأن الإنفاق الكبير لا يعني بالضرورة تنمية حقيقية. فالدول تُقاس بكفاءة إدارة مواردها، لا بحجم تلك الموارد فقط.

واليوم، تقف ليبيا أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في نموذج اقتصادي يستهلك الثروة تدريجياً، أو الانتقال إلى نموذج تنموي جديد يحول الإيرادات النفطية من أداة استهلاك إلى محرك إنتاج واستقرار طويل الأجل.

فالدعم قد يمنح هدوءاً اجتماعياً مؤقتاً، لكن الاقتصاد القوي وحده هو من يمنح الدولة استقرارها الحقيقي وسيادتها المالية في المستقبل.

“حسني بي”: الأزمة الاقتصادية لا تُحل أمنياً.. وتنظيم سوق الصرف حان وقته

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

حول أسباب الفجوة السعرية والتضخم والطلب على العملة الأجنبية والمضاربة: في إطار النقاش العام حول تطورات سعر الصرف واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، نؤكد أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تشخيصاً اقتصادياً دقيقاً يميز بين أسباب التضخم من جهة، وآليات توسع الطلب على العملة الأجنبية والمضاربة من جهة أخرى.

إن القاعدة الاقتصادية الأساسية تؤكد أن السعر يتحدد في النهاية عند نقطة التقاء العرض والطلب، وأن السعر التعادلي لا يتحقق إلا عندما تتوازن الكميات المعروضة مع الكميات المطلوبة عند سعر مقبول من الطرفين. وعليه، فإن وجود سعر عرض للعملة الأجنبية أقل بكثير من سعر الطلب في السوق يخلق حافزاً مباشراً للمضاربة، ويحول العملة الأجنبية من وسيلة لتغطية احتياجات حقيقية إلى فرصة ربح مضمونة تقريباً.

فما دام هناك عرض للدولار بسعر يعادل 12,600 دينار لكل 2,000 دولار، في مقابل وجود طلب في السوق عند مستويات تقارب 14,600 إلى 15,100 دينار، أو أكثر، لذات المبلغ، فإن الفارق السعري يصبح بذاته مولداً لطلب إضافي على الدولار. هذا الفارق لا يعكس فقط حاجة اقتصادية فعلية، بل يخلق طلباً مضارباً يستهدف شراء الدولار الرخيص وإعادة بيعه أو توظيفه بسعر أعلى.

وبالتالي، فإن زيادة حجم الضخ الشهري من العملة الأجنبية، سواء كان في حدود 3 مليارات دولار أو 4 مليارات أو حتى 5 مليارات دولار شهرياً، لن تكون كافية وحدها لإغلاق الفجوة السعرية إذا ظل السعر المعروض أقل بكثير من السعر الذي يقبل به المشترون في السوق، حيث اقتصادياً المحدّد الأول للأسعار هو سعر الطلب وليس سعر البيع. ففي ظل وجود هامش ربح واضح، سيتوسع الطلب على الدولار لا من داخل السوق المحلي فقط، بل قد يمتد إلى أطراف من دول الجوار والأسواق الخارجية؛ لأن الفرصة السعرية تصبح جاذبة للمضاربة العابرة للحدود، حيث الفارق يتعدى 6 مليارات دولار سنوياً مما يسيل لعاب كل مضارب في العالم.

إن المشكلة لا تكمن في حجم العرض وحده، بل في طبيعة التسعير والسياسات المنظمة للحصول على العملة الأجنبية. فعندما تكون هناك قيود ضيقة على الأغراض الشخصية، مثل تحديد السقف عند 2,000 دولار، مع وجود فجوة كبيرة بين السعر الرسمي أو شبه الرسمي والسعر الموازي، فإن ذلك يؤدي عملياً إلى زيادة عدد طالبي العملة، وتوسيع قاعدة المضاربة، وخلق طلب مصطنع يفوق الطلب الحقيقي على الاستيراد أو السفر أو العلاج أو الدراسة.

وفي هذا السياق، يجب التأكيد على أن المصدر الأساسي للتضخم في أي اقتصاد يظل مرتبطاً بخلق النقود وتمويل الإنفاق العام بالعجز، خصوصاً عندما يتوسع الإنفاق دون غطاء إنتاجي أو إيرادي حقيقي. غير أن دور السياسة النقدية لا يتوقف عند توصيف التضخم، بل يمتد إلى إدارة أثره على سعر الصرف، والاعتراض على التمويل بالعجز متى كان ذلك ممكناً، أو اعتماد سياسة سعر صرف واقعية تعكس العلاقة بين إيرادات النفط بالدولار وحجم الإنفاق العام بالدينار.

إن المعادلة الجوهرية في الاقتصاد الليبي تقوم على أن إيرادات النفط بالدولار، مضروبة في سعر الصرف، تمثل المصدر الرئيسي لتغطية الجزء الأكبر من الإنفاق العام بالدينار. وعندما لا تعكس سياسة سعر الصرف هذه الحقيقة، تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وتتكرر الاختلالات التي عرفها الاقتصاد الليبي في مراحل تاريخية متعددة، من بينها فترات ما بين 1982 و2004، ومن 2015 إلى 2020، ومن 2023 إلى اليوم.

وعليه، فإن استمرار بيع العملة الأجنبية بسعر يقل كثيراً عن سعر الطلب الفعلي في السوق لن يؤدي إلى استقرار مستدام، بل سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، وتغذية المضاربة، واستنزاف الاحتياطيات، وتوسيع الفجوة السعرية. كما أن إنكار أثر هامش المضاربة، أو حصر المشكلة فقط في حجم الضخ، يمثل تبسيطاً مخلّاً لطبيعة الأزمة.

إن المطلوب اليوم هو حزمة سياسات متكاملة تشمل ضبط الإنفاق العام، وقف التوسع النقدي غير المغطى، توحيد أو تقريب أسعار الصرف، مراجعة سياسات الأغراض الشخصية، تقليص فرص التحكيم السعري، وتعزيز الشفافية في بيانات العرض والطلب على العملة الأجنبية.

فالاستقرار لا يتحقق بمجرد ضخ المزيد من الدولارات، بل يتحقق عندما تختفي فرصة الربح الناتجة عن الفارق بين سعرين، وعندما يصبح الحصول على العملة الأجنبية مرتبطاً بالحاجة الاقتصادية الحقيقية لا بالمضاربة على فرق السعر.

بمشاركة 30 شركة ألمانية.. انطلاق أعمال المنتدى الاقتصادي الليبي الألماني الخامس في طرابلس

​انطلقت اليوم الثلاثاء في العاصمة طرابلس أعمال المنتدى الليبي الألماني الخامس، الذي ينظمه الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة، بالشراكة مع الغرفة العربية الألمانية للتجارة والصناعة؛ بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكة بين البلدين.

وشهدت الجلسة الافتتاحية للمنتدى، المقامة بفندق “لانكاستر برج الحياة”، حضوراً رفيع المستوى تمثل في وزير الاقتصاد والتجارة “سهيل أبوشيحة” ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء “محمد بن غلبون” ورئيس فريق المبادرات بمجلس الوزراء “مصطفى المانع”، إلى جانب سفير ليبيا لدى ألمانيا “جمال البرق”، ورئيس اتحاد الغرف العربية “سمير ماجول”.

ومن الجانب الألماني شارك في المنتدى رئيس قطاع السياسات الاقتصادية الخارجية بوزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية الألمانية “رالف بومي”، ورئيس منتدى خبراء ليبيا “سفن لوتهاردت”، بالإضافة إلى وفد يضم أكثر من 30 شركة ألمانية كبرى.

وتتمحور أعمال المنتدى حول بحث فرص الاستثمار والتعاون المشترك في قطاعات حيوية؛ تشمل الطاقة والنفط والغاز والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم، إلى جانب استعراض الأطر المالية والقانونية المنظمة لممارسة الأعمال والتجارة داخل ليبيا، وبناء جسور تواصل فاعلة بين القطاعين العام والخاص في البلدين.

بخطة تناهز 6.5 مليار دولار.. “المركزي” يكشف استراتيجيته لضبط السوق الموازي خلال مايو ويونيو

كشف مسؤول بمصرف ليبيا المركزي لـ”تبادل” بأن إجمالي ما تم ضخه من دولارات خلال شهر مايو سيصل مع نهاية هذا الأسبوع إلى ثلاثة مليارات دولار أي ما يعادل 19 مليار دينار، موزعة بين مليار دولار للأغراض الشخصية والبطاقات والنقدي، وملياري دولار للاعتمادات والحوالات.

وأضاف: خلال شهر يونيو القادم سيصل حجم ضخ الدولار والبيع للمصارف 3.5 مليارات دولار، ما يعادل 23 مليار دينار، وسيخصص منها مليار دولار للحوالات المباشرة لصغار التجار وغيرهم، ومليار دولار للأغراض الشخصية، و1.5 مليار دولار للاعتمادات لكافة السلع، وذلك بهدف احتواء الطلب المتراكم واستقرار السوق من حيث أسعار العملة والسلع.

“عطية الفيتوري”: ضخ الدولار الحي المستمر يضمن استقرار الدينار.. والتقطع قد يغذي السوق الموازي

كتب: الخبير الاقتصادي “عطية الفيتوري”

ضخ المصرف المركزي للدولار الحي الورقي قد يكون عاملاً لتغذية السوق السوداء للعملات الأجنبية، وقد يكون عاملاً لسد الفجوة أو تقريب السعرين بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء.

هذا يعتمد على استراتيجية المصرف المركزي؛ فإذا ضخ كمية من الدولار (600 مليون مثلاً) وتوقف عن ذلك شهرين أو ثلاثة ثم بدأ الضخ مرة أخرى، فهذا سيؤدي إلى تغذية السوق السوداء وقد ينفد جزء كبير من الاحتياطيات دون فائدة.

أما إذا ضخ 600 مليون دولار كل شهر أو 6 أسابيع باستمرار دون توقف، فإن الكثير من الراغبين في اقتناء الدولار سيتأكد لهم أن المصرف قادر على استقرار قيمة الدينار عند المستوى الرسمي، وبعد فترة سيبدأ الطلب على الدولار في الانخفاض وليس الارتفاع، حيث سيؤدي إلى خفض الفجوة بين السعرين الرسمي والسوق السوداء.

ما يجب أن يصاحب ذلك، على المحافظ عقد لقاءات مع غرف التجارة ومجالس رجال الأعمال لطمأنتهم على أنه لا ينوي خفض قيمة الدينار ولفترة طويلة، كما يجب على المحافظ عقد الاجتماعات مع مديري المصارف التجارية لطمأنة زبائنهم من التجار بأن المصرف المركزي سيكون عند كلمته.

لا بد من تحرك المصرف المركزي والاستمرار في ضخ الدولار، وكما قلنا في البداية سيكون الطلب مرتفعاً ولكن إذا ما شعر الجمهور بالاطمئنان فإن الطلب سوف ينخفض ويقترب السعران من بعضهما.

“المسلاتي”: اختزال أزمة الوقود في نقص المحروقات فقط لا يعكس حقيقة ما يحدث على الأرض

أكد المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط “أحمد المسلاتي” أن ملف المحروقات في ليبيا يُعد من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، لارتباطه بجوانب تشغيلية ولوجستية وأمنية ورقابية متعددة، مشدداً على أن اختزال الأزمة الحالية في مجرد “نقص الوقود” يُعد تبسيطاً غير دقيق لحقيقة الوضع القائم.

وأوضح “المسلاتي” أن شركة البريقة تواصل تنفيذ مهامها التشغيلية المتعلقة باستلام المحروقات وتخزينها وتوزيعها على مختلف المناطق بصورة منتظمة، مؤكداً أن عمليات التزويد لم تتوقف.

وأشار إلى أن مشاهد الازدحام والطوابير ترتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها ارتفاع معدلات الاستهلاك، والضغط الكبير على مادة الديزل، واستنزاف كميات كبيرة من المحروقات في التهريب والاتجار غير المشروع، إضافة إلى حالة الهلع التي تدفع بعض المواطنين للتزود بكميات إضافية.

وكشف “المسلاتي” عن وجود فجوة بين احتياجات السوق المحلي والشحنات التي تم استلامها فعلياً خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026، موضحاً أن عدد شحنات البنزين المطلوبة بلغ 64 شحنة، بينما تم استلام 56 شحنة فقط، بفارق 8 شحنات، في حين بلغت شحنات الديزل المطلوبة 56 شحنة، وتم استلام 51 شحنة، بفارق 5 شحنات.

وأضاف أن شركة البريقة فقدت جزءاً مهماً من سعاتها التخزينية نتيجة الأضرار التي تعرضت لها بعض المستودعات والخزانات خلال السنوات الماضية، وهو ما أثر على قدرتها في الحفاظ على مخزون استراتيجي مريح كما كان معمولاً به سابقاً.

وأكد أن استمرار التهريب والاتجار غير المشروع بالمحروقات أصبح من أبرز أسباب استنزاف منظومة الوقود، خاصة فيما يتعلق بمادة الديزل، في ظل استغلال بعض الشاحنات والخزانات الكبيرة في تخزين الوقود وإعادة بيعه داخل السوق السوداء، مضيفا أن تحميل شركة البريقة وحدها مسؤولية الازدحام القائم لا يعكس حقيقة تركيبة قطاع التوزيع في ليبيا، خصوصا وأن غالبية المحطات العاملة تتبع شركات توزيع أخرى ضمن منظومة التوزيع المعتمدة بالدولة.

وأشار “المسلاتي” إلى أن شركة البريقة لا تمتلك سوى عدد محدود من المحطات مقارنة بإجمالي المحطات العاملة، موضحاً أن المنطقة الغربية تضم ما يقارب 3500 محطة، بينما تمتلك الشركة نحو 70 محطة فقط تخضع لمتابعتها المباشرة، كما أشار إلى أن فرق التفتيش التابعة للشركة تواصل أداء مهامها المتعلقة بمتابعة المخزون وإجراءات السلامة وتنظيم عمليات التوزيع وفق الإمكانيات والصلاحيات المتاحة.

وشدد في ختام تصريحاته على أن شركة البريقة والعاملين بها يواصلون العمل في ظروف تشغيلية معقدة بهدف المحافظة على استمرارية الإمدادات وضمان وصول المحروقات إلى مختلف المدن والمناطق، رغم التحديات المتعلقة بالبنية التحتية والضغط المتزايد على منظومة التوزيع.

“علي الشريف”: التنسيق بين المصرف المركزي ووزارة الاقتصاد ضرورة ملحة لضبط الاستيراد الموازي وحماية الدينار

أكد الخبير الاقتصادي “علي الشريف” أن تعزيز التنسيق المشترك بين مصرف ليبيا المركزي، بوصفه المسؤول عن السياسة النقدية، ووزارة الاقتصاد، باعتبارها المعنية بالسياسة التجارية، يُعد ضرورة ملحة لضبط السوق وتنظيم عمليات الاستيراد.

​وأوضح “الشريف” أن هذا التحرك يأتي في ظل تنامي ظاهرة الاستيراد خارج النظام المصرفي الرسمي، وما ترتب عنها من زيادة حادة في حجم الطلب على العملة الأجنبية داخل السوق الموازي، الأمر الذي أسهم بشكل مباشر في إرباك الأسواق المحلية والضغط على سعر صرف الدينار، فضلاً عن تسهيل دخول سلع غير مطابقة للمواصفات القياسية والمعتمدة.

​وأشار “الشريف” إلى المراسلات الصادرة اليوم عن المصرف المركزي والموجّهة إلى وزارة الاقتصاد، مؤكداً أنها تستهدف تعزيز أوجه التعاون وتكامل السياسات لضمان إحكام الرقابة على حركة التجارة الخارجية، ودعم الاستقرار المالي والمحافظة على توازن السوق؛ مشدداً في الوقت ذاته على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب استجابة فاعلة وتعاوناً حقيقياً من الوزارة المعنية بما يخدم المصلحة العامة للاقتصاد الوطني.