Skip to main content
|

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثاني

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

من أي جزر تريد اليونان أن يبدأ القياس؟

تتمسك اليونان بأن يبدأ احتساب امتدادها البحري من الساحل الجنوبي لجزيرة كريت، كما تدخل جزيرة غافدوس، الواقعة جنوب كريت، في صلب بعض التصورات اليونانية للترسيم، إلى جانب جزر وصخور بحرية أصغر.

وتكتسب غافدوس أهمية خاصة لأنها تقع جنوب كريت، وأقرب إلى الساحل الليبي من البر اليوناني الرئيسي؛ فإذا مُنحت أثراً كاملاً في توليد منطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، فإن خط الترسيم يتحرك جنوباً، بما يوسع المساحة التي تطالب بها اليونان في الاتجاه المقابل لشمال شرق ليبيا.

أما الحجة الليبية فلا تقوم على إنكار تبعية كريت أو غافدوس لليونان، ولا على إنكار أن للجزر حقوقاً بحرية من حيث الأصل؛ وإنما تستند إلى أن منح جزيرة صغيرة نسبياً، تقع أمام ساحل قاري ليبي طويل، أثراً كاملاً قد يؤدي إلى نتيجة غير متناسبة وغير منصفة.

وتقوم الحجة الليبية على أن الساحل الليبي المقابل ساحل قاري طويل وممتد، وأن الترسيم البحري لا ينبغي أن يتحول إلى عملية هندسية آلية تعتمد خط المنتصف وحده، من دون مراعاة الجغرافيا وطول السواحل وموقع الجزر وحجمها والنتيجة النهائية للترسيم.

كما تستند إلى أن منح غافدوس والجزر الأصغر أثراً كاملاً قد يدفع خط الحدود بصورة كبيرة نحو الساحل الليبي، وأن الجزر الصغيرة لا تحصل بالضرورة، عند الترسيم بين دولتين، على الأثر نفسه الذي تحصل عليه اليابسة القارية.

ومن المهم قانونياً التمييز بين استحقاق الجزيرة لمناطق بحرية من حيث المبدأ وبين مقدار أثرها في خط الحدود النهائي؛ فقد تكون الجزيرة مؤهلة لتوليد منطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، ثم يُخفض أثرها في عملية الترسيم إذا أدى الأثر الكامل إلى حجب ساحل قاري طويل أو إلى اختلال واضح بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

وقد قدرت بعض الدراسات الليبية الأولية السابقة أن الاختلاف بين احتساب غافدوس بأثر كامل أو تقليص أثرها يمكن أن يزيح خط الترسيم بعشرات الكيلومترات في أجزاء من المنطقة. ولا ينبغي التعامل مع هذه التقديرات بوصفها حدوداً نهائية، لكنها توضح حجم المساحة التي قد تتأثر باختيار منهج القياس.

ما القانون الدولي المنظم للخلاف؟

الإطار القانوني الأهم هو اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المعروفة اختصاراً باسم UNCLOS.

وتنظم المادة 121 الوضع القانوني للجزر، وتقرر أن للجزر، من حيث الأصل، مناطق بحرية، مع استثناء الصخور التي لا تستطيع إعالة سكن بشري أو حياة اقتصادية خاصة بها من توليد منطقة اقتصادية خالصة أو جرف قاري.

أما المادتان 74 و83، المتعلقتان بترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة، فلا تفرضان خط المنتصف باعتباره نتيجة نهائية آلية، بل تنصان على ضرورة الوصول إلى حل منصف وفق القانون الدولي.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية وهيئات التحكيم أن الإنصاف هو المبدأ الموجه لعملية الترسيم، مع مراعاة السواحل ذات الصلة والظروف الجغرافية والتناسب في النتيجة.

ويُستخدم في القضاء الدولي عادة منهج من ثلاث مراحل:

  • أولاً: رسم خط مؤقت متساوي الأبعاد.
  • ثانياً: دراسة الظروف ذات الصلة التي قد تستوجب تعديله، مثل طول السواحل وشكلها ووجود الجزر.
  • ثالثاً: اختبار النتيجة للتأكد من عدم وجود تفاوت صارخ بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

وهنا توجد ملاحظة قانونية مهمة: ليبيا وقعت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1984، لكنها لم تستكمل التصديق عليها. ومع ذلك، فإن عدداً من قواعد الترسيم البحري، ولا سيما مبدأ الحل المنصف والاعتداد بالظروف ذات الصلة، أصبح جزءاً من القانون الدولي العرفي الذي تستند إليه المحاكم والهيئات الدولية، ولا يقتصر تطبيقه فقط على الدول الأطراف في الاتفاقية.

الأساس التشريعي الوطني للحقوق البحرية الليبية

لا يقوم الموقف الليبي على قواعد القانون الدولي وحدها، بل يستند أيضاً إلى مجموعة من التشريعات والقرارات الوطنية التي نظمت المجال البحري الليبي عبر مراحل مختلفة.

فقد حدد القانون رقم 2 لسنة 1959 المياه الإقليمية الليبية باثني عشر ميلاً بحرياً. ثم صدرت قرارات بشأن إعلان مناطق الصيد البحري، وخطوط الأساس المستقيمة التي تُقاس منها المياه الإقليمية والمناطق البحرية، ومناطق حماية الصيد.

كما صدر عام 2009 قرار بإعلان المنطقة الاقتصادية الخالصة الليبية. وتوثق هذه التشريعات ممارسة الدولة لاختصاصاتها البحرية وحرصها المبكر على تنظيم حقوقها في البحر المتوسط.

غير أن صدور التشريعات الوطنية لا يحسم وحده الحدود في مواجهة دولة ذات ساحل مقابل؛ إذ ترتبط فاعليتها الخارجية بإيداع الإحداثيات والخرائط لدى الجهات الدولية المختصة، واتساقها مع القانون الدولي، وإتمام الترسيم عبر اتفاق أو حكم قضائي.

خبرة ليبيا السابقة في التقاضي البحري

ليبيا ليست حديثة الخبرة في المنازعات البحرية الدولية؛ فقد سبق لها أن خاضت نزاعات حول الجرف القاري مع كل من تونس ومالطا.

وفي النزاع مع مالطا، اتفقت الدولتان في يوليو 1982 على إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. وتمحور الخلاف بين الحجة الليبية، التي أعطت وزناً للامتداد الطبيعي للجرف القاري والظروف الجغرافية، والحجة المالطية التي تمسكت بدرجة أكبر بالمسافة وخط التساوي في الأبعاد (PDF).

وفي حكمها الصادر عام 1985، راعت المحكمة مبادئ الإنصاف والظروف ذات الصلة، وأخذت في الاعتبار التفاوت بين طول الساحلين، كما لم تمنح بعض التكوينات المالطية غير المأهولة أثراً كاملاً في خط الأساس.

وتفيد هذه السابقة الملف الحالي في جانبين: أولهما أن اللجوء إلى القضاء الدولي يتطلب إعداداً فنياً وقانونياً بالغ الدقة، وثانيهما أن المحاكم لا تكتفي عادة بتطبيق خط المنتصف بصورة آلية، بل تبحث عن نتيجة منصفة وتختبر أثر الجغرافيا وأطوال السواحل والجزر.

هل القانون في صالح ليبيا؟

يمكن القول إن القانون الدولي يمنح ليبيا حججاً معتبرة وقوية، خاصة في مواجهة منح غافدوس والجزر الأصغر أثراً كاملاً يقتطع مساحة واسعة من الامتداد البحري المقابل للساحل الليبي.

وتستفيد ليبيا من مبادئ قضائية مهمة، منها ضرورة الوصول إلى نتيجة منصفة، وإمكان تقليص أثر الجزر في ظروف معينة، والاعتداد بطول السواحل ذات الصلة، وتعديل خط المنتصف عندما يقود تطبيقه الآلي إلى نتيجة غير متوازنة، واختبار التناسب بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

لكن الموضوعية تقتضي القول إن كريت ليست صخرة صغيرة أو جزيرة هامشية؛ فهي جزيرة كبيرة ومأهولة ولها ساحل طويل. ولذلك فمن غير الواقعي قانونياً توقع استبعادها بالكامل من عملية الترسيم.

وعليه، فإن أقوى جوانب الحجة الليبية لا تكمن في المطالبة بإلغاء كل أثر لكريت، بل في مناقشة مقدار الأثر الذي ينبغي منحه لها، وبصورة أكثر وضوحاً مقدار الأثر الذي يمكن منحه لغافدوس والجزر الأصغر.

وبهذا المعنى، لا يمكن القول إن القانون يضمن انتصاراً كاملاً لليبيا، لكنه يمنحها أساساً جدياً للمطالبة بخط أكثر توازناً من بعض الخطوط المطروحة يونانياً.

وسوف تعتمد قوة الموقف الليبي على جودة الخرائط، ودقة تحديد السواحل ذات الصلة، والإحداثيات، والبيانات الفنية، والسوابق القضائية التي يُبنى عليها الملف.

واجب ضبط النفس إلى حين حسم النزاع

لا تتحدث قواعد قانون البحار فقط عن الوصول إلى حل منصف، بل تفرض أيضاً على الدول المتنازعة، قبل إبرام الاتفاق النهائي، السعي إلى ترتيبات مؤقتة عملية، والامتناع عن الإجراءات التي قد تعرض التوصل إلى الاتفاق للخطر أو تعرقله.

ومن ثم فإن تنفيذ أعمال حفر أو استغلال في منطقة متنازع عليها يختلف في طبيعته القانونية عن إجراء دراسات عامة أو مسوح أولية؛ لأن الحفر والاستغلال قد يحدثان تغييراً مادياً دائماً أو يستنزفان مورداً لا يمكن استرداده.

ولهذا ينبغي أن يكون أحد عناصر الموقف الليبي مطالبة جميع الأطراف بعدم فرض أمر واقع في المناطق المتداخلة، مع إمكان الاتفاق على تبادل البيانات، أو تجميد أنشطة معينة في نطاق محدد، أو إنشاء آليات تشاور مؤقتة لا تمس المواقف القانونية النهائية.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الأول

مشاركة الخبر