Skip to main content
|

“الشلوي”: الغاز الطبيعي.. الرهان الاستراتيجي الذي قد يعيد رسم مستقبل الاقتصاد الليبي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

​في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في أسواق الطاقة، لم يعد النفط وحده معيار القوة الاقتصادية للدول المنتجة، بل أصبح الغاز الطبيعي أحد أهم عناصر الأمن الاقتصادي والجيوسياسي، وأحد أبرز أدوات تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز أمن الطاقة. ومن هذا المنطلق، فإن انعقاد النسخة الثانية من ورشة العمل الخاصة باستراتيجية تطوير مشاريع الغاز الطبيعي في ليبيا يمثل أكثر من مجرد فعالية فنية؛ فهو يعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة تموضع ليبيا ضمن خريطة الطاقة الإقليمية والدولية.

لقد أثبتت التطورات الدولية خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما منذ أزمة الطاقة الأوروبية، أن الغاز الطبيعي سيظل الوقود الانتقالي الأكثر أهمية خلال العقدين المقبلين، حتى مع التوسع في الطاقة المتجددة. ولهذا، أصبحت الدول التي تمتلك احتياطيات غازية وبنية تحتية مناسبة تحظى باهتمام متزايد من الأسواق والمستثمرين وشركات الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، تمتلك ليبيا فرصة استثنائية؛ فهي تجمع بين الاحتياطيات الكبيرة، والموقع الجغرافي القريب من أوروبا، والبنية التحتية القائمة، وفي مقدمتها خط Greenstream الرابط مع إيطاليا، إضافة إلى خبرة تشغيلية تراكمت على مدى عقود، وشراكات راسخة مع شركات دولية كبرى.

إن هذه المقومات تمنح ليبيا أفضلية تنافسية لا تقتصر على التصدير، بل تمتد إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

فالغاز الطبيعي هو الوقود الرئيسي لمحطات الكهرباء الحديثة، وهو المادة الخام للصناعات البتروكيماوية والأسمدة والحديد والصلب والإسمنت والزجاج وغيرها من الصناعات التحويلية، ما يعني أن كل وحدة غاز يتم استثمارها محلياً تحقق قيمة اقتصادية مضافة تفوق بكثير تصديرها كمادة خام، وتسهم في خلق فرص عمل، وتحفيز الاستثمار، وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن التوسع في مشاريع الغاز يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود السائل في إنتاج الكهرباء، ويخفض تكاليف التشغيل، ويحد من استيراد بعض المشتقات النفطية، ويحسن كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، وهو ما ينعكس إيجاباً على الميزانية العامة وميزان المدفوعات.

كما أن تطوير قطاع الغاز يمثل أحد أهم مفاتيح تعزيز أمن الطاقة الوطني. فالاستقرار في إمدادات الغاز يعني استقراراً في إنتاج الكهرباء، وانخفاضاً في احتمالات الانقطاعات، ودعماً لقدرة الاقتصاد على النمو، وهو ما يجعل الاستثمار في الغاز استثماراً في استقرار الدولة نفسها.

ومن القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً، استمرار الجهود الرامية إلى خفض حرق الغاز المصاحب وتقليل انبعاثات غاز الميثان. فهذا الملف لا يقتصر على البعد البيئي، بل يحمل بعداً اقتصادياً واضحاً؛ إذ إن كل كمية من الغاز يتم استردادها بدلاً من حرقها تمثل مورداً إضافياً يمكن توجيهه إلى محطات الكهرباء أو الصناعات المحلية أو التصدير، بما يحقق عائداً اقتصادياً ويحافظ في الوقت ذاته على البيئة، ويعزز التزام ليبيا بالمبادرات الدولية لخفض الانبعاثات.

وقد سبق أن أكدت في أكثر من مناسبة أن الوصول إلى هدف «صفر حرق روتيني للغاز بحلول عام 2030» ليس مجرد التزام دولي، بل يمثل مشروعاً وطنياً يعزز كفاءة استغلال الموارد، ويرفع القيمة الاقتصادية للقطاع، ويواكب أفضل الممارسات العالمية في صناعة النفط والغاز.

كما أن تطوير الغاز لا يعتمد على توفر الاحتياطيات وحدها، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل التمويل، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والاستقرار التشريعي، والحوكمة، وبيئة استثمارية قادرة على جذب رؤوس الأموال ونقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا.

وفي هذا الإطار، فإن استمرار التعاون مع الشركات العالمية يعد عاملاً مهماً في تسريع تنفيذ المشاريع، وتطوير الكفاءات الوطنية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما يعزز تنافسية القطاع الليبي ويزيد من قدرته على تنفيذ المشاريع الكبرى بكفاءة.

ومن منظور استراتيجي أوسع، فإن الغاز أصبح اليوم أحد أدوات السياسة الاقتصادية والعلاقات الدولية. فالدول التي تمتلك قدرة على إنتاج وتصدير الغاز بصورة مستقرة تحظى بأهمية متزايدة في معادلات أمن الطاقة، خصوصاً في منطقة البحر المتوسط، التي أصبحت إحدى أهم مناطق المنافسة والتعاون في قطاع الغاز.

ومن هنا، فإن تطوير مشاريع الغاز في ليبيا لا يخدم الاقتصاد الوطني فحسب، بل يعزز أيضاً مكانة الدولة كشريك موثوق في منظومة الطاقة الإقليمية، ويفتح آفاقاً أوسع للاستثمار والتعاون مع الأسواق الأوروبية والدولية.

كما أن هذا التوجه يتكامل مع المشاريع الجاري تنفيذها في البحر واليابسة، ويواكب خطط رفع إنتاج الغاز خلال السنوات المقبلة، بما يعزز قدرة ليبيا على تلبية الطلب المحلي المتزايد، ودعم خطط زيادة إنتاج النفط، وتوسيع الصادرات، وتعظيم العوائد الاقتصادية.

وفي تقديري، فإن نجاح استراتيجية تطوير مشاريع الغاز لن يُقاس فقط بزيادة الإنتاج، وإنما بقدرتها على تحويل الثروة الغازية إلى قيمة اقتصادية مضافة، وبناء صناعات جديدة، وتحقيق أمن الطاقة، وتعزيز الاستدامة البيئية، ورفع مساهمة القطاع في التنمية الاقتصادية الشاملة.

إن ليبيا تمتلك اليوم فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كأحد أهم منتجي الغاز في جنوب المتوسط، مستفيدة من مواردها الطبيعية، وموقعها الجغرافي، وشراكاتها الدولية، وخبراتها الوطنية. ويبقى الرهان الحقيقي هو الاستمرار في تنفيذ المشاريع وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على الكفاءة والحوكمة والاستدامة وتعظيم القيمة المضافة.

فالغاز الطبيعي لم يعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبح ركيزة للأمن الاقتصادي، ومحركاً للتنمية الصناعية، وأداة لتعزيز الاستقرار، وجسراً يربط بين موارد ليبيا الطبيعية وطموحاتها في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة في عالم تتغير فيه موازين الطاقة بوتيرة متسارعة.

مشاركة الخبر