Skip to main content

الوسم: رئيسي

“حسني بي”: توسع المصرف المركزي في آليات الدفع والتحويل المباشر يقلص فجوة سعر الصرف والمضاربة شرط تبسيط الإجراءات والتنفيذ

قال رجل الأعمال “حسني بي” إن “قاع سعر الصرف” لا يتحدد بالقرارات الإدارية، بل من خلال احتواء وتقليص الإنفاق العام “الاستهلاكي”، وعدم التمويل النقدي للعجز العام عبر “خلق النقود”، بالتوازي مع توازن العرض والطلب وتقليص دوافع المضاربة؛ مشيراً إلى أن قرار منح التحويل المباشر بسقف 100 ألف دولار يعد مثالاً هاماً لتقليص الفجوة السعرية.

وأوضح “حسني بي” أن التطورات الأخيرة في سوق الصرف الليبي تؤكد أن سعر الدولار لا يتحرك بمعزل عن القواعد الاقتصادية الأساسية، وفي مقدمتها أن الطلب هو المحدد الرئيسي للسعر، وأن السعر العادل يتشكل عند نقطة التقاء العرض والطلب.

وتابع بالقول إن أي عرض للعملة بسعر أقل من سعر الطلب الحقيقي يفتح الباب تلقائياً أمام المضاربة، أو يدفع نحو مزيد من الطلب على العملة، والذي قد يذهب لتغطية احتياجات دول مجاورة؛ مؤكداً أن الفجوة السعرية ليست إلا ضريبة وتكلفة غير معلنة يدفعها المواطن والمشتري النهائي لصالح الوسطاء والمضاربين، ولكل من يحصل على “الدولار الرخيص”، حتى وإن كانت مخصصات الأغراض الشخصية بسقف 2000 دولار، والتي يتعدى مجملها 8 مليارات دولار، أو ما يعادل 30% من إجمالي مبيعات العملة الأجنبية.

وأشار “بي” إلى أن الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي لم تكن نتيجة عامل واحد، بل جاءت محصلة لتراكم قيود وإجراءات تنظيمية حدّت من الوصول الطبيعي إلى النقد الأجنبي، وفي مقدمتها تخفيض مخصصات الأغراض الشخصية. ففي الوقت الذي كانت فيه الفجوة محدودة عند مستويات قريبة من 2% عندما بلغ السقف 10 آلاف دولار، اتسعت تدريجياً مع تخفيض السقف إلى 4 آلاف ثم إلى 2000 دولار، لتتجاوز في مراحل لاحقة مستويات مرتفعة دفعت السوق نحو المضاربة بدلاً من الاستخدام الحقيقي والإنتاجي للعملة.

وأضاف أن هذه الفجوة صنعت حوافز قوية للحصول على الدولار بالسعر الرسمي وإعادة بيعه في السوق الموازي، مما رفع الطلب غير الإنتاجي على النقد الأجنبي. كما ساهمت تكاليف الوسطاء، ورسوم البطاقات، وتكاليف السحب، وفوارق السيولة، في رفع السعر الفعلّي للدولار من مستويات قريبة من السعر الرسمي إلى مستويات أعلى بكثير، حتى أصبح السوق يعكس كلفة القيود المفروضة أكثر مما يعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية للدينار الليبي.

وذكر “بي” أن ما يُعرف بـ “قاع سعر الصرف” لا يمكن فهمه أو الوصول إليه إلا من خلال إزالة هذه التشوهات؛ فحين تنخفض تكاليف الوساطة، وتُلغى الرسوم غير المباشرة، وتتحسن السيولة، وتُفتح التحويلات بين الحسابات، يتراجع هامش المضاربة ويبدأ السعر في الاقتراب من مستواه الطبيعي. وهذا ما يفسر التراجع الأخير في سعر الدولار إلى ما دون مستويات 8.2 دينار نقداً، وتراجع سعر الصكوك مع تقلص ظاهرة “حرق الصكوك” وتحسن حجم السيولة المتداولة في القطاع المصرفي.

وأكد أن القاع الحقيقي لسعر الصرف لا يُصنع بالمنع أو بتضييق القنوات الرسمية، بل بتوسيع العرض المنظم، ورفع كفاءة المصارف، وتقليص فرص التحكيم بين السعر الرسمي والموازي. فكلما اقترب السعر الرسمي من السعر الذي يلتقي عنده الطلب الحقيقي مع العرض المتاح، انخفضت جاذبية المضاربة وتراجع الضغط على السوق الموازي.

كما حذر “بي” من أن التضخم وانهيار العملة لا ينتجان فقط عن المضاربين، بل غالباً عن سياسات مالية ونقدية توسعية لا يقابلها إنتاج حقيقي. فالإنفاق العام المفرط، وتراكم الالتزامات، وضعف الرقابة على الإيرادات السيادية، واستمرار الدعم غير المنضبط، كلها عوامل تضغط على الدينار وتضعف الثقة فيه. وفي اقتصاد ريعي مثل الاقتصاد الليبي، المعتمد بدرجة شبه كاملة على النفط، يصبح سعر الصرف مرآة للثقة في إدارة المال العام بقدر ما هو نتيجة لحجم الاحتياطيات أو إيرادات النفط الحالية.

وختم “حسني بي” تصريحه بالقول إن استقرار سعر الصرف يتطلب مقاربة شاملة تقوم على أربع قواعد أساسية: ضبط الطلب الحقيقي على الدولار، وتوسيع العرض عبر القنوات الرسمية، وتقليص الفجوة التي تغذي المضاربة، وترشيد الإنفاق العام بشفافية. أما الاكتفاء بميزانيات ضخمة أو قيود إدارية جديدة دون إصلاح هيكلي حقيقي، فلن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الأزمة وتحميل المواطن كلفة التضخم وفقدان الثقة بالعملة الوطنية.

“شكشك وسليمان” يبحثان أزمة ميزانية قطاع النفط وآليات تسوية الالتزامات المالية للمؤسسة

ناقش رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك” خلال اجتماعه اليوم الأحد مع رئيسَ المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان”، جملة من الملفات الحيوية والمالية المرتبطة بقطاع الطاقة، وعلى رأسها أزمة ميزانية قطاع النفط وآليات تسوية الالتزامات المالية للمؤسسة.

وتم خلال الاجتماع استعراض تداعيات تأخر تسييل مخصصات ميزانية قطاع النفط وأثرها المباشر على استقرار عمليات الإنتاج والتشغيل، حيث شدد “شكشك وسليمان” على ضرورة الإسراع في تسييل الأموال بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لضمان استمرارية خطط زيادة معدلات الإنتاج والمحافظة على استقرار المنشآت، كما تناول الاجتماع مراجعة التراكم الملحوظ في حجم الالتزامات المالية القائمة على مؤسسة النفط والشركات التابعة لها، والاتفاق على وضع آلية لمراجعتها وتسويتها، بما يضمن الوفاء بالتعهدات التعاقدية والتشغيلية ويسهم في رفع كفاءة الأداء المالي للقطاع.

وبحث رئيس الديوان مع رئيس المؤسسة كذلك سير العمل في المشروعات الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها مشروعات حقليْ “الظهرة والغاني”، مطلعين على نسب الإنجاز والتحديات اللوجستية والفنية المعرقلة لتنفيذها، وذلك بالتوازي مع استعراض المؤشرات الإيجابية المتمثلة في نمو حجم الإيرادات النفطية المحققة خلال شهري أبريل ومايو الجاري.

هيئة الرقابة الإدارية تشارك في الاجتماع الـ13 لمكافحة الجريمة المنظمة بالعاصمة فيينا

شاركت هيئة الرقابة الإدارية الليبية ممثلة بلجنة الخبراء الوطنية، في أعمال الاجتماع الثالث عشر للفريق المعني باستعراض تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، والذي عُقد بالعاصمة النمساوية فيينا.

وناقش الاجتماع على مدار يومين آليات تتبع العائدات المالية المتأتية من الاتجار غير المشروع بالأسلحة النارية، وسبل منع الجريمة المنظمة، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الدولي لكشف وملاحقة الجماعات الإجرامية التي تستغل الفساد لتنفيذ أنشطتها.

كما ركزت أعمال الدورة على تبادل الممارسات الفضلى في مجالات تجميد ومصادرة عائدات الجريمة، خاصة تلك المتداولة في شكل “أصول وعملات افتراضية”، إلى جانب مواجهة الصلات القائمة بين الجريمة المنظمة وعمليات غسل الأموال والإرهاب.

وأكد المشاركون في ختام الاجتماع على أهمية التنسيق الفني المشترك بدعم من منظمة “الإنتربول” ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فضلاً عن تحديد احتياجات المساعدة التقنية لبناء القدرات المؤسسية والفنية للدول الأطراف، بما يدعم تطوير منظوماتها الرقابية.

“الشلوي”: هل حان وقت مراجعة نمط التعاقد النفطي في ليبيا؟.. قراءة في مستقبل عقود الاستكشاف والإنتاج

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

منذ اكتشاف النفط في ليبيا أواخر خمسينيات القرن الماضي، ظل القطاع النفطي العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ومصدر القوة المالية والسيادية للدولة الليبية. وعلى الرغم من التحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي مرت بها البلاد، بقيت المؤسسة الوطنية للنفط إحدى المؤسسات القليلة التي حافظت – بدرجات متفاوتة – على قدر من المهنية والاستمرارية الفنية والتشغيلية.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة ليس فقط: كيف نرفع الإنتاج؟ بل أيضاً:
هل ما يزال الإطار التعاقدي الحالي، المعروف بعقود EPSA بصيغتها الأخيرة، قادراً على مواكبة التحولات العالمية والإقليمية؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر فيه بصورة شاملة ومتوازنة تحفظ سيادة الدولة وتجذب الاستثمار في آن واحد؟

أولاً: ما هي أنماط التعاقد النفطية المعروفة عالمياً؟

صناعة النفط عالمياً تعتمد على عدة نماذج تعاقدية بين الدول المالكة للموارد والشركات النفطية العالمية، أهمها:

نظام الامتيازات التقليدية (Concession Agreements)
وهو النموذج الأقدم، حيث تمنح الدولة شركة أجنبية حق الاستكشاف والإنتاج مقابل ضرائب وإتاوات ورسوم.
هذا النموذج كان شائعاً قبل موجة التأميمات في الستينيات والسبعينيات، وكان يُنظر إليه في كثير من الدول المنتجة على أنه يمنح الشركات الأجنبية نفوذاً واسعاً على الموارد الوطنية.

عقود المشاركة في الإنتاج (Production Sharing Agreements – PSA)
وهو النموذج الأكثر انتشاراً اليوم، خاصة في الدول النامية والمنتجة حديثاً.
فيه تتحمل الشركة الأجنبية مخاطر الاستكشاف والتمويل، وعند الاكتشاف يتم استرداد التكاليف من جزء من الإنتاج، ثم يتم تقاسم الأرباح بين الدولة والشركة وفق نسب متفق عليها.

عقود الخدمة (Service Contracts)
تقوم الشركة بتنفيذ أعمال الاستكشاف أو التطوير مقابل أجر مالي ثابت أو مرتبط بالأداء، بينما تبقى ملكية النفط كاملة للدولة.
ويستخدم هذا النموذج في دول مثل العراق والكويت بدرجات مختلفة.

النماذج الهجينة والمرنة
خلال العقدين الأخيرين ظهرت صيغ أكثر مرونة تجمع بين المشاركة والخدمة والحوافز الضريبية، خصوصاً مع ارتفاع مخاطر الاستكشاف وتعقيد المشاريع البحرية وغير التقليدية.

ثانياً: ماذا عن ليبيا؟ وكيف تطورت عقودها النفطية?

مرت ليبيا بعدة مراحل تعاقدية تاريخية:

مرحلة الامتيازات – ما قبل التأميم
خلال الستينيات كانت عقود الامتياز هي السائدة، في ظل حاجة ليبيا آنذاك إلى رأس المال والتكنولوجيا والخبرة.

مرحلة ما بعد التأميم وتعزيز السيادة
بعد السبعينيات اتجهت ليبيا – مثل غالبية الدول المنتجة – إلى تعزيز السيطرة الوطنية على الموارد، وتم تطوير نماذج أكثر صرامة تجاه الشركات الأجنبية.

ظهور عقود EPSA
وهي اختصار لـ: Exploration and Production Sharing Agreement، وقد مرت بعدة إصدارات وتعديلات:
EPSA I
EPSA II
EPSA III
EPSA IV
ويُعد الإصدار الرابع (EPSA IV) الأكثر شهرة واستخداماً في جولات العطاءات الحديثة، خاصة بعد عام 2005.

لماذا اعتُبر EPSA IV ناجحاً في حينه؟
يجب الاعتراف بموضوعية أن EPSA IV جاء في فترة كانت فيها:
أسعار النفط مرتفعة نسبياً.
ليبيا تمتلك مخزوناً واعداً منخفض التكلفة.
المخاطر السياسية محدودة مقارنة باليوم.
الشركات العالمية تتنافس بقوة للدخول إلى السوق الليبية.
الطلب العالمي على النفط في حالة نمو متسارع.

لذلك استطاعت ليبيا آنذاك فرض شروط مالية صارمة نسبياً، وتحقيق حصة مرتفعة للدولة من العوائد. بل إن البعض اعتبر أن ليبيا حصلت ضمن تلك الجولة على واحدة من أفضل الحصص الحكومية عالمياً.
لكن… هل ما نجح بالأمس يصلح لليوم؟
هنا يكمن جوهر القضية؛ فالقطاع النفطي العالمي تغير جذرياً، وليبيا نفسها تغيرت أيضاً.

ثالثاً: لماذا أصبح من الضروري مراجعة نمط EPSA الآن؟

تغير البيئة الاستثمارية العالمية
الشركات النفطية العالمية اليوم أصبحت أكثر انتقائية في استثماراتها بسبب:
التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
الضغوط البيئية وتمويلات المناخ.
ارتفاع تكلفة رأس المال.
المنافسة العالمية على جذب الاستثمار.
تراجع شهية المخاطرة.
بمعنى آخر: رأس المال النفطي العالمي لم يعد يتحرك كما كان قبل 20 عاماً.

ارتفاع المخاطر في ليبيا

أي مستثمر اليوم ينظر إلى:
الاستقرار السياسي.
وضوح التشريعات.
استقرار المالية العامة.
أمن المنشآت.
استقلالية المؤسسة الوطنية للنفط.
استقرار القرار السيادي.
وبالتالي فإن الشروط التعاقدية القديمة التي صُممت في بيئة أكثر استقراراً قد لا تكون كافية لتحفيز الاستثمار اليوم.

المنافسة الإقليمية أصبحت شرسة

دول عديدة حول ليبيا تتحرك بسرعة كبيرة:
الجزائر تطور تشريعاتها النفطية باستمرار.
مصر تقدم حوافز متجددة خاصة للغاز.
دول شرق المتوسط تجذب استثمارات ضخمة.
أفريقيا تشهد سباقاً استكشافياً متسارعاً.
وفي عالم محدود رأس المال الاستثماري، فإن الشركات تقارن بين الفرص باستمرار.

عامل الزمن لم يعد في صالح الدول النفطية التقليدية

هذه نقطة شديدة الأهمية؛ فالعالم يتحدث اليوم عن:
إزالة الكربون.
السيارات الكهربائية.
الطاقة المتجددة.
الهيدروجين الأخضر.
تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
صحيح أن النفط والغاز سيبقيان لعقود قادمة، لكن نافذة الاستفادة القصوى من الاحتياطيات الهيدروكربونية لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. ولهذا فإن التأخير في الاستكشاف والتطوير قد يتحول إلى خسارة تاريخية للأجيال القادمة.

رابعاً: هل المطلوب التنازل عن حقوق الدولة؟

قطعاً لا؛ فأي طرح وطني مسؤول لا يمكن أن يدعو إلى التفريط في السيادة أو الثروة الوطنية. لكن الفرق كبير بين: حماية حقوق الدولة، وتجميد القطاع بالكامل بسبب نماذج تعاقدية لم تعد تنافسية.

الحكمة الاقتصادية ليست في التشدد المطلق، بل في تحقيق أعلى قيمة وطنية طويلة الأجل. فأحياناً: حصة أقل من مشروع ناجح، أفضل من حصة كبيرة من مشروع لا يأتي أصلاً.

خامساً: ما الذي يمكن أن تقترحه ليبيا اليوم؟

الأقرب للمنطق الفني والاقتصادي هو: تطوير نموذج تعاقدي ليبي جديد مرن، وليس بالضرورة إلغاء EPSA بالكامل. أي: الحفاظ على السيادة الوطنية مع إدخال مرونة اقتصادية واستثمارية جديدة.

كيف يمكن أن يكون هذا النموذج؟

نظام مالي مرن حسب المخاطر
ليس من المنطقي مساواة حوض سرت منخفض المخاطر، مع المناطق الحدودية أو البحرية العميقة مرتفعة المخاطر؛ لذلك يجب أن تكون الحوافز مرتبطة بدرجة المخاطرة والتكلفة.

عقود ديناميكية مرتبطة بأسعار النفط
عندما ترتفع الأسعار ترتفع حصة الدولة تلقائياً، وعندما تنخفض تُمنح مرونة للشركات، وهذا يحقق توازناً طويل الأمد.

حوافز للاستكشاف الحقيقي
بعض الشركات تحتفظ بالمربعات دون نشاط فعلي؛ ينبغي ربط الاحتفاظ بالمناطق ببرامج عمل إلزامية وجداول زمنية واضحة.

تشجيع تطوير الغاز
العالم يتجه للغاز باعتباره وقوداً انتقالياً، وليبيا تمتلك إمكانات غازية كبيرة لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي.

دمج المحتوى المحلي الحقيقي
ليس بالشعارات، بل عبر: تدريب الكوادر، نقل التكنولوجيا، تطوير الخدمات النفطية المحلية، ودعم القطاع الخاص الوطني.

سادساً: هل القوانين الليبية الحالية تسمح بذلك؟

هنا تظهر إحدى أهم الإشكاليّات. القانون النفطي الليبي الأساسي يعود إلى سنة 1955 مع تعديلات لاحقة، ورغم أنه كان متقدماً في زمانه، إلا أن:
البيئة الاقتصادية تغيرت.
الصناعة تغيرت.
التمويل تغير.
معايير الحوكمة تغيرت.
ومتطلبات الشفافية والاستدامة أصبحت مختلفة تماماً.

هل المطلوب تعديل القوانين؟
في تقديري: نعم، ولكن بحذر شديد. المطلوب ليس هدم المنظومة القانونية، بل تحديثها بصورة مدروسة تشمل: قانون النفط، اللوائح التنفيذية, قوانين الاستثمار، قوانين الشراكة، قوانين الضرائب، آليات فض النزاعات، والحوكمة والشفافية.

لكن هل الوضع السياسي يسمح بذلك؟
هذا السؤال مشروع جداً؛ فالبعض يرى أن الوضع الحالي لا يحتمل فتح ملفات استراتيجية كبرى. لكن بالمقابل، هناك رأي اقتصادي وتقني مهم يقول: إن الانتظار الطويل قد يكون أكثر خطورة من الإصلاح التدريجي المدروس، فالقطاع النفطي لا يتحمل الجمود.

سابعاً: ما الذي تحتاجه ليبيا فعلياً اليوم؟

ليبيا لا تحتاج فقط إلى عقود جديدة، بل تحتاج إلى:

رؤية وطنية موحدة للطاقة
تشمل: النفط، الغاز، البتروكيماويات، الطاقة المتجددة، التكرير، والتصدير.

استقرار المؤسسة الوطنية للنفط
بعيداً عن التجاذبات السياسية.

حوكمة واضحة وشفافية
لأن رأس المال يخاف من الغموض أكثر من خوفه من المخاطر نفسها.

تسريع المشاريع المتوقفة
خصوصاً: تطوير الحقول، خطوط النقل، الصيانة، الخزانات، الموانئ، ومشاريع الغاز.

إطلاق جولات استكشاف مدروسة
لكن ضمن إطار تنافسي عصري وجاذب.

الخلاصة

نعم… يبدو أن الوقت قد حان فعلاً لمراجعة نموذج EPSA بصيغته الحالية، ليس لأنه فشل، بل لأنه نجح في زمن مختلف تماماً عن زمن اليوم.

الهدف لا يجب أن يكون إرضاء الشركات الأجنبية، ولا التشدد الشعبوي غير الاقتصادي، بل بناء نموذج وطني ذكي يحقق التوازن بين: سيادة الدولة، جذب الاستثمار، تسريع الاستكشاف، تعظيم العائد، وضمان حقوق الأجيال القادمة.

ليبيا ما تزال تمتلك واحداً من أهم الأحواض النفطية في العالم، وتكلفة إنتاج هي من الأقل عالمياً، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً استثنائياً قريباً من أوروبا والأسواق العالمية. لكن الثروات وحدها لا تكفي؛ فالعالم يتحرك بسرعة، والطاقة تعاد صياغتها عالمياً، والاستثمار النفطي لم يعد ينتظر المترددين.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة إنتاج… بل معركة وقت، وتشريع، وحوكمة، ورؤية وطنية قادرة على تحويل الثروة الطبيعية إلى قوة اقتصادية مستدامة تحفظ لليبيا مكانتها وسيادتها لعقود قادمة.

“أحمد المسلاتي”: رفع الدعم وحده لا ينهي أزمة الوقود في ليبيا

كتب: الباحث في الشأن النفطي والاقتصاد – “أحمد المسلاتي”

يثير ملف دعم المحروقات في ليبيا جدلاً متجدداً بين الدعوات المطالبة برفع الدعم باعتباره أحد أسباب التهريب واستنزاف المال العام، وبين من يرى أن تحميل المواطن تبعات الاختلالات الاقتصادية والإدارية القائمة لن يؤدي إلى معالجة جوهر الأزمة.

في تقديري، فإن أزمة المحروقات في ليبيا تتجاوز مسألة الأسعار المدعومة، لتشمل تحديات أوسع ترتبط بضعف منظومة الرقابة، واتساع السوق الموازية، واستمرار عمليات التهريب، إلى جانب غياب أنظمة فعالة لتتبع حركة الوقود وتنظيم الاستهلاك.

الوقود المدعوم ما يزال يمثل بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين عنصراً أساسياً في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والخدمية المعقدة التي تشهدها البلاد.

والحقيقة أن المواطن الليبي، في بلد يملك هذه الثروات النفطية الضخمة، من حقه أن يعيش بصورة كريمة ومرفهة، وأن يستفيد من موارده الطبيعية عبر دعم حقيقي للوقود والخدمات الأساسية، بدلاً من أن يتحول دائماً إلى الطرف الذي يُطلب منه دفع فاتورة الاختلالات والأزمات المتراكمة.

وفي المقابل، فإن استمرار الدعم دون إصلاحات موازية ساهم في توسع ظاهرة التهريب والاتجار غير المشروع بالمحروقات، مما أدى إلى خسائر مالية كبيرة واستمرار الضغط على منظومة التوزيع والإمدادات.

ومن هنا، فإن أي توجه لإعادة هيكلة منظومة الدعم أو مراجعتها يجب أن يسبقه تنفيذ إصلاحات حقيقية تشمل تشديد الرقابة على التوزيع، وتفعيل أنظمة التتبع الإلكتروني، ومكافحة التهريب، وتنظيم الاستهلاك، وتحسين خدمات النقل والبنية التحتية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويحد من تسربه إلى السوق السوداء.

كما أن تجارب عدد من الدول أظهرت أن رفع الدعم وحده لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهريب أو القضاء على السوق الموازية، ما لم يترافق مع إصلاحات رقابية وأمنية واقتصادية شاملة.

ويبقى ملف دعم الوقود في ليبيا من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بمستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يجعل أي معالجة لهذا الملف تتطلب رؤية متدرجة ومتوازنة تُعالج جذور الأزمة أولاً، من خلال مكافحة التهريب وتشديد الرقابة وتنظيم التوزيع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق المواطن في الحصول على الوقود بأسعار عادلة.

كما أن معالجة الاختلالات الاقتصادية وظاهرة التهريب لا ينبغي أن تبدأ من جيب المواطن، بل من بناء منظومة رقابية أكثر كفاءة، وتشديد الرقابة على التوزيع والمنافذ، وإيجاد حلول اقتصادية وإدارية حقيقية تقلل الهدر وتحمي المال العام، مع الحفاظ على حق المواطن الليبي في الاستفادة من ثروات بلاده والعيش الكريم.

مصرف ليبيا المركزي يتفق مع بنك “نوميسما” على توريد شحنات إضافية من النقد الأجنبي

أعلن مصرف ليبيا المركزي اليوم الأحد التوصل إلى اتفاق حاسم مع بنك “نوميسما” العالمي، يقضي بتوريد دفعات إضافية من العملة الأجنبية “الدولار”، بالكميات التي يحددها المصرف، لضمان تلبية احتياجات السوق المحلي بشكل مستدام.

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي المصرف المركزي لإنهاء أي اختناقات أو نقص في معروض العملة الصعبة داخل الأسواق، وبما يضمن انتظام تدفق النقد الأجنبي للمواطنين والقطاعات الاقتصادية المختلفة بسلاسة ودون انقطاع.

مصرف ليبيا المركزي يطلق خدمة الحوالات المباشرة لتغطية طلبات صغار التجار

أطلق مصرف ليبيا المركزي اليوم الأحد بشكل رسمي خدمة الحوالات المباشرة عبر منظومته الرسمية لتغطية طلبات صغار التجار والشركات والموردين والحرفيين، مما يسهل على هذه الفئات الحصول على النقد الأجنبي بالسعر الرسمي.

وأوضح المصرف المركزي بأن قيمة هذه الحوالات الخارجية المباشرة 100 ألف دولار، مشيرًا إلى أن آلية الحجز والموافقة هي بنفس الآلية الخاصة بالاعتمادات المستندية في منصة الحجز، وآلية تحميل المستندات في خانة جديدة في منظومة طلبات التغطية باسم حوالات مباشرة.

“الشلوي”: رأس لانوف القلب الصناعي الذي كان يمكن أن يغيّر الاقتصاد الليبي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في تاريخ الاقتصاد الليبي الحديث، لا يمكن الحديث عن التنمية الصناعية أو الأمن الطاقوي أو حتى مستقبل التنويع الاقتصادي دون التوقف مطولاً أمام مشروع رأس لانوف؛ ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد مصفاة نفط أو مجمع بتروكيميائي، بل رؤية دولة كاملة كانت تسعى للانتقال من اقتصاد ريعي قائم على تصدير الخام إلى اقتصاد صناعي متكامل يصنع القيمة المضافة ويؤسس لقاعدة إنتاج وطنية حقيقية.

لقد اختُزل الحديث عن رأس لانوف لسنوات طويلة في كونه “مصفاة نفط”، بينما الحقيقة أن المشروع منذ بداياته كان أكبر بكثير من مفهوم التكرير التقليدي. فالمخطط الاستراتيجي الذي قامت عليه الفكرة لم يكن يهدف فقط إلى إنتاج البنزين والديزل والوقود، بل إلى خلق منظومة صناعية متشابكة تربط بين التكرير والبتروكيميائيات والصناعات التحويلية والطاقة والتصدير والخدمات اللوجستية. ولهذا السبب ظل رأس لانوف يمثل أحد أهم المشاريع الاقتصادية التي عرفتها ليبيا منذ اكتشاف النفط.

من فلسفة تصدير الخام إلى فلسفة التصنيع

خلال السبعينيات والثمانينيات، تشكل داخل ليبيا تيار تكنوقراطي مؤمن بأن تصدير النفط الخام وحده لا يصنع اقتصاداً قوياً، وأن الثروة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الموارد الطبيعية إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مجمعات صناعية متكاملة تعتمد على النفط والغاز كلقيم صناعي وليس فقط كمصدر دخل مالي.

كانت الرؤية آنذاك تقوم على تأسيس قاعدة صناعية ممولة من الدولة، مدعومة بالخام المحلي، وبكوادر وطنية تُبنى تدريجياً عبر التراكم المعرفي والتشغيلي. ولذلك لم يكن مشروع رأس لانوف مجرد مشروع نفطي، بل مشروع دولة يسعى إلى خلق اقتصاد إنتاجي متكامل.

ولهذا تم تصميم مجمع رأس لانوف ليكون مرتبطاً بالصناعات البتروكيميائية منذ اليوم الأول؛ فجزء مهم من النافثا المنتجة من عمليات التكرير كان موجهاً إلى مجمع الإيثيلين والبتروكيميائيات بدلاً من تحويله بالكامل إلى وقود. وهذه نقطة جوهرية تميز رأس لانوف عن كثير من المصافي التقليدية في المنطقة.

الفرق بين رأس لانوف والزاوية… فلسفتان مختلفتان

عند مقارنة مصفاتي رأس لانوف والزاوية تظهر بوضوح فلسفتان مختلفتان في إدارة قطاع التكرير الليبي.

مصفاة رأس لانوف، بطاقة تصميمية تقارب 220 ألف برميل يومياً، صُممت لتكون جزءاً من منظومة صناعية متكاملة مرتبطة بالبتروكيميائيات، وتعتمد بشكل رئيسي على التقطير الجوي والفراغي دون امتلاك وحدات تحويل عميق كبيرة. بمعنى أن دورها الأساسي لم يكن تعظيم إنتاج الوقود بقدر ما كان توفير اللقيم للصناعات الكيميائية.

أما مصفاة الزاوية، فرغم أن طاقتها التصميمية أقل، إلا أنها أقرب إلى مصفاة موجهة لتلبية احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، مع تركيز أكبر على تحسين جودة المنتجات عبر وحدات الهيدروسكيمينغ وإصلاح النافثا وتحسين البنزين ومعالجة الكبريت.

هذا الاختلاف التقني يعكس اختلافاً استراتيجياً عميقاً:

  • رأس لانوف صُممت كقاعدة صناعية للتصدير والصناعات التحويلية.
  • الزاوية صُممت لضمان أمن الإمدادات للسوق المحلي.

ومن هنا تأتي أهمية فهم أن تقييم رأس لانوف لا يجب أن يتم فقط بمنطق أرباح التكرير المباشرة، بل بمنطق “الأثر الاقتصادي الكلي” على الصناعة والتشغيل والتصدير والميزان التجاري.

لماذا تعثر المشروع؟

رغم الرؤية الطموحة، واجه المشروع تحديات مركبة عبر العقود.

الحصار السياسي والعقوبات الدولية خلال الثمانينيات والتسعينيات أوقفا كثيراً من خطط التوسع والتحديث، كما أن نقص التمويل بعد رفع الحصار، بالتزامن مع التوسع الكبير في الاستهلاك المحلي، دفع الدولة إلى البحث عن شراكات أجنبية لتمويل تطوير القطاع.

لكن هنا ظهرت فجوة جوهرية في التشريعات الاقتصادية الليبية؛ فالقوانين التي نجحت نسبياً في تنظيم مشاركة الشركات الأجنبية في الاستكشاف والإنتاج لم تكن مناسبة لإدارة شراكات معقدة في قطاع التكرير والبتروكيميائيات.

ولهذا دخلت المؤسسة الوطنية للنفط في سلسلة من المفاوضات مع شركات أجنبية كبرى، بعضها كان يستهدف الاستثمار الصناعي الحقيقي، وبعضها كان ينظر إلى ليبيا كسوق أو كمصدر مواد أولية منخفضة التكلفة أكثر من كونها شريكاً استراتيجياً في التصنيع.

ومع مرور الوقت بدأت تتضارب المصالح بين:

  • احتياجات السوق المحلي الليبي،
  • أهداف التنمية الصناعية،
  • والمصالح التجارية للشركاء الأجانب.

وهذه النقطة كانت من أهم أسباب التعثر لاحقاً.

أزمة الشراكة الأجنبية… عندما تغيب الرؤية الوطنية

من الناحية الاقتصادية البحتة، فإن أي مستثمر أجنبي يبحث أولاً عن أعلى عائد ممكن على رأس المال، بينما تبحث الدولة عن الأمن الاقتصادي والقيمة المضافة والتشغيل والتنمية الإقليمية. وعندما لا تُصاغ العقود بطريقة دقيقة ومتوازنة، تبدأ الفجوة بين المصلحة الوطنية والمصلحة التجارية في الاتساع.

في حالة رأس لانوف، بدا أحياناً أن التركيز تحول من بناء منظومة بتروكيميائية متكاملة إلى مجرد تطوير المصفاة ككيان تجاري مستقل، وهو ما أضعف الفكرة الأصلية للمشروع.

كما أن بعض الخلافات الإدارية والتشغيلية المتعلقة بالتسعير والتصدير وأولويات الإنتاج أدت لاحقاً إلى توترات كبيرة بين المؤسسة الوطنية للنفط والشركاء الأجانب، انتهت في النهاية إلى نزاعات قانونية عطلت المشروع لسنوات طويلة.

ومن المؤسف أن ليبيا خلال تلك الفترة خسرت زمناً استراتيجياً كانت فيه دول الخليج تبني أكبر مجمعات البتروكيميائيات في العالم، وتتحول من دول مصدّرة للخام إلى قوى صناعية عالمية في الكيميائيات والطاقة والصناعات التحويلية.

رأس لانوف اليوم… هل انتهى المشروع؟

الإجابة بوضوح: لا.

رأس لانوف ما زال يمتلك مقومات استثنائية قد تجعله أحد أهم المراكز الصناعية في البحر المتوسط إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الصحيحة.

فالموقع الجغرافي للمجمع يمنحه ميزة لوجستية نادرة بين أوروبا وأفريقيا، كما أن توفر النفط والغاز منخفض التكلفة يمثل أفضلية تنافسية ضخمة في الصناعات البتروكيميائية والطاقة والأسمدة والصناعات التحويلية.

لكن الأهم من ذلك أن العالم اليوم يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، حيث تبحث أوروبا تحديداً عن مصادر قريبة وآمنة للطاقة والمنتجات الكيميائية بعد التحولات الجيوسياسية الأخيرة. وهذه فرصة تاريخية لليبيا إذا أُحسن استغلالها.

ماذا يحتاج رأس لانوف مستقبلاً؟

إذا أرادت ليبيا إعادة إحياء المشروع بصورة حقيقية، فإن الأمر يتطلب الانتقال من عقلية “تشغيل مصفاة” إلى عقلية “بناء مدينة صناعية طاقوية”.

وهذا يشمل عدة محاور أساسية:

  • أولاً: تحديث المصفاة تقنياً عبر إدخال وحدات تحويل عميق مثل: (التكسير الهيدروجيني، وحدات FCC، وتحسين كفاءة الطاقة وتقليل الانبعاثات)، وذلك لرفع هامش الربحية وتحسين جودة المنتجات وفق المواصفات الأوروبية.
  • ثانياً: إعادة بناء سلسلة البتروكيميائيات من خلال: (التوسع في الإيثيلين والبولي إيثيلين، صناعات الميثانول والأمونيا، الصناعات البلاستيكية التحويلية، وربط المجمع بمناطق صناعية داعمة).
  • ثالثاً: إنشاء منطقة اقتصادية صناعية خاصة بحوافز ضريبية وتشريعية مرنة تستقطب الصناعات المرتبطة بالطاقة والكيماويات والخدمات اللوجستية.
  • رابعاً: الاستثمار في العنصر البشري لأن أي مشروع صناعي لا يُبنى بالمعدات فقط، بل بالكفاءات الفنية والهندسية والإدارية القادرة على إدارة منظومات صناعية معقدة.

البعد الاقتصادي الحقيقي للمشروع

القيمة الحقيقية لرأس لانوف لا تكمن فقط في إنتاج الوقود، بل في مضاعفة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الليبي؛ فعندما يتحول برميل النفط من خام يُصدَّر إلى:

  • منتجات بتروكيميائية،
  • وأسمدة،
  • ومواد بلاستيكية،
  • وصناعات تحويلية، فإن العائد الاقتصادي يتضاعف عدة مرات، كما تتولد آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.

كما أن تطوير رأس لانوف يمكن أن:

  • يقلل فاتورة الاستيراد،
  • يعزز استقرار العملة،
  • يرفع الصادرات غير الخام،
  • ويخلق قطاعاً صناعياً قادراً على دعم الاقتصاد حتى في فترات انخفاض أسعار النفط.

الخلاصة

رأس لانوف ليس مجرد مشروع متعثر، بل قصة صراع بين رؤيتين:

  • رؤية تعتبر النفط مورداً للتصدير فقط،
  • ورؤية تعتبره قاعدة لبناء اقتصاد صناعي متكامل.

وعلى الرغم من كل التعثرات السياسية والإدارية والقانونية، فإن المشروع ما زال يمتلك القدرة على أن يصبح نقطة التحول الكبرى في الاقتصاد الليبي إذا أُعيدت صياغته بعقلية تكنوقراطية حديثة، تقوم على الكفاءة والحوكمة والتكامل الصناعي والمصلحة الوطنية طويلة المدى.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في إدارة ثرواتها النفطية ليست بالضرورة الأكثر امتلاكاً للنفط، بل الأكثر قدرة على تحويله إلى صناعة ومعرفة وقيمة مضافة.

وليبيا ما زالت تملك هذه الفرصة… وربما يكون رأس لانوف هو المكان الذي تبدأ منه من جديد.

تعليقا على مقال لـ”الصافي”.. “حسني بي”: المصالحة الاقتصادية فرصة حقيقية لليبيا لكنها قد تكون فخاً خطيراً

أثار المقال الأخير للخبير الاقتصادي “محمد الصافي” والذي تناول فيه أبعاد “المصالحة الاقتصادية” والإنفاق الموحد في ليبيا، ردود أفعال واسعة في الأوساط الاقتصادية؛ حيث قدّم رجل الأعمال “حسني بي تحليلاً على ما جاء في المقال، مستعرضاً نقاط القوة والضعف، ومحذراً من تحول الاتفاقات المالية إلى مجرد “تقاسم للموارد”.

خلاصة رؤية “محمد الصافي” حول المصالحة الاقتصادية

في مقاله المعنون بـ “المصالحة الاقتصادية في ليبيا”، طرح الخبير الاقتصادي “محمد الصافي” مقاربة مغايرة للمسار التقليدي للأزمة الليبية؛ حيث يرى أن المحاولات “الخطية” التي تبدأ بالحل السياسي ثم الاجتماعي وصولاً للاقتصادي قد فشلت، ما دفع مصرف ليبيا المركزي “وبدعم دولي” إلى تقديم “المصالحة الاقتصادية” كبوابة للحل عبر ملف الميزانية والإنفاق الموحد.

وأشار “الصافي” إلى أن تغيير قيادة المصرف المركزي وعودته للعمل بمجلس إدارة متكامل أعطاه المرونة للعب دور الوسيط.

وحدد “الصافي” ثلاثة أسباب للتفاؤل؛ “الاهتمام المحلي والدولي غير المسبوق بالميزانية، وضغط الشارع لكبح التضخم، ووقوع السياسيين في فخ تكلفة المشهد أمام الجمهور”، وفي المقابل؛ حدد ثلاثة أسباب كذلك للحذر؛ وهي غياب ملف الإيرادات عن النقاش، وضبابية ضمانات توحيد الإنفاق، والسرية المحيطة بالاتفاق.

وختم “الصافي” حديثه بالقول إن “توحيد الإنفاق بدون ضبطه ليس إصلاحاً اقتصادياً، إنما المصالحة الاقتصادية الحقيقية هي بتوحيد الإنفاق وترشيده”.

وتعليقا على ما ذكره “الصافي”؛ كتب رجل الأعمال “حسني بي” تحليلا مستقلا لمقال “المصالحة الاقتصادية في ليبيا” قال فيه:

أولاً: الفكرة الأساسية للمقال
المقال يطرح فكرة مهمة وهي أن ليبيا ربما لم تعد قادرة على انتظار الحل السياسي الشامل قبل البدء في الإصلاح الاقتصادي. الكاتب يرى أن النموذج التقليدي الذي يقول إن الحل يجب أن يبدأ بـ:
مصالحة سياسية
ثم مصالحة اجتماعية
ثم إصلاح اقتصادي
لم يعد عملياً، لأنه جُرّب لسنوات طويلة دون نتائج حقيقية.
لذلك، يقترح المقال أن ما يحدث الآن هو محاولة لعكس هذا المسار: أي البدء من المصالحة الاقتصادية، تحديداً عبر ملف الإنفاق العام والميزانية الموحدة، على أمل أن يؤدي ذلك لاحقاً إلى تهدئة سياسية واجتماعية أوسع.
هذه فكرة قوية ومهمة، لأن الاقتصاد في ليبيا لم يعد مجرد ملف فني، بل أصبح في قلب الصراع السياسي.

ثانياً: دور المصرف المركزي في المقال
الكاتب يعطي للمصرف المركزي دوراً محورياً. فهو يرى أن المصرف المركزي، بعد تغيير قيادته وعودة العمل بمجلس إدارة، أصبح قادراً على لعب دور الوسيط بين الأطراف السياسية المختلفة.
بمعنى آخر، المقال يصور المصرف المركزي وكأنه أصبح مؤسسة فوق الانقسام، أو على الأقل مؤسسة قادرة على جمع المتخاصمين حول طاولة واحدة لمناقشة المال العام.
وهنا توجد نقطة مهمة:
في ليبيا، من يسيطر على المال العام يمتلك تأثيراً سياسياً كبيراً. لذلك فإن الحديث عن الميزانية ليس حديثاً محاسبياً فقط، بل هو حديث عن السلطة والنفوذ وتوزيع الموارد.

ثالثاً: نقاط القوة في المقال

المقال واقعي في تشخيص فشل المسار السياسي
من أهم نقاط قوة المقال أنه لا يكرر الخطاب التقليدي عن ضرورة انتظار الحل السياسي الكامل. الكاتب يدرك أن هذا الانتظار طال كثيراً، وأن البلد لا يستطيع البقاء رهينة لتعثر السياسة.
هذه نقطة واقعية جداً؛ فالدولة لا تستطيع أن توقف علاج التضخم، والفساد، وتدهور القوة الشرائية، فقط لأن السياسيين لم يتفقوا بعد.

المقال يربط الاقتصاد بالاستقرار الاجتماعي
الكاتب محق عندما يشير إلى أن التضخم والفقر قد يصبحان أخطر على السياسيين من خصومهم السياسيين. المواطن العادي قد يصبر على الخلافات السياسية فترة، لكنه لا يصبر طويلاً على انهيار دخله وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات.
لذلك، فإن ضبط الإنفاق ليس مجرد إجراء مالي، بل هو شرط لحماية الاستقرار الاجتماعي.

المقال يميز بين توحيد الإنفاق وضبط الإنفاق
هذه أهم نقطة في المقال. الكاتب يقول بوضوح إن توحيد الإنفاق وحده لا يكفي؛ فقد تكون هناك ميزانية موحدة، لكنها ضخمة وفاسدة وغير منضبطة.
بالتالي، الإصلاح الحقيقي ليس في أن تتفق الأطراف على الصرف فقط، بل في أن تتفق على تقليل الهدر، وترشيد النفقات، ووضع سقوف واضحة، ومنع استخدام المال العام كأداة سياسية.
هذه نقطة دقيقة جداً، لأن كثيراً من الاتفاقات في ليبيا قد تتحول إلى تقاسم للموارد لا إلى إصلاح حقيقي.

رابعاً: نقاط الضعف أو النقص في المقال

المقال لا يقدم تصوراً واضحاً لكيفية ضبط الإنفاق
رغم أن الكاتب يطالب بترشيد الإنفاق، إلا أنه لا يشرح بالتفصيل كيف يمكن فعل ذلك. مثلاً:
هل يبدأ الإصلاح من بند المرتبات؟
هل يتم ضبط الدعم؟
هل يتم وقف الإنفاق الموازي؟
هل يتم توحيد الحسابات الحكومية؟
هل تُراجع أبواب التنمية؟
هل توضع قيود قانونية على الحكومتين؟
من يراقب التنفيذ؟
المقال يطرح المشكلة بشكل جيد، لكنه لا يقدم خريطة عملية كافية للحل.

جانب الإيرادات ضعيف في النقاش
الكاتب نفسه يلاحظ أن الحديث كله يدور حول الإنفاق، بينما الإيرادات غائبة. وهذه نقطة جوهرية.
لا يمكن الحديث عن ميزانية ناجحة دون سؤال: من أين ستأتي الأموال؟
إذا كانت إيرادات النفط بالكاد تكفي، وإذا بقي الاقتصاد الليبي معتمداً على النفط فقط، فإن أي اتفاق على الإنفاق قد يتحول إلى عبء جديد. وقد تلجأ الدولة إلى الدين العام، أو استنزاف الاحتياطيات، أو الضغط على سعر الصرف.
لذلك، لا توجد مصالحة اقتصادية حقيقية دون إصلاح جانب الإيرادات أيضاً، مثل:
تحسين تحصيل الإيرادات السيادية؛
مكافحة التهريب؛
مراجعة الدعم؛
تنشيط القطاعات غير النفطية؛
ضبط الإنفاق على النقد الأجنبي؛
تقوية الرقابة على المال العام.

المقال لا يناقش بما يكفي خطر شرعنة الوضع القائم
الكاتب يلمح إلى هذا الخطر، لكنه يستحق مساحة أكبر. فهناك احتمال أن تتحول “المصالحة الاقتصادية” إلى غطاء جديد لاستمرار الانقسام السياسي.
بمعنى: قد تتفق الأطراف على ميزانية موحدة لا لأنها تريد إصلاح الدولة، بل لأنها تريد ضمان حصتها من الإنفاق العام.
وهنا يصبح الاتفاق الاقتصادي خطيراً، لأنه يعطي مظهراً من الاستقرار بينما يثبت جوهر الأزمة.

خامساً: رأيي المستقل في المقال
رأيي أن المقال مهم وقوي من حيث الفكرة العامة، لكنه يحتاج إلى مزيد من الصرامة في التفريق بين التسوية المالية والإصلاح الاقتصادي.
ما يحدث في ليبيا قد يكون مصالحة اقتصادية حقيقية، وقد يكون مجرد اتفاق بين أطراف متنافسة على كيفية توزيع المال العام. الفرق بين الاثنين كبير جداً.
المصالحة الاقتصادية الحقيقية يجب أن تعني:
ميزانية واحدة؛
إنفاقاً واضحاً ومعلناً؛
سقفاً للإنفاق لا يتم تجاوزه؛
رقابة مستقلة؛
شفافية أمام الناس؛
حماية الاحتياطيات؛
منع التمويل بالعجز؛
ربط الإنفاق بأولويات حقيقية لا بولاءات سياسية؛
تقليل الفساد والهدر؛
إصلاح الدعم والمرتبات والتنمية تدريجياً.
أما إذا كان المقصود فقط هو أن تجلس الأطراف وتتفق على رقم كبير للإنفاق، ثم يتم تمويله بأي طريقة، فهذا ليس إصلاحاً. هذا مجرد توحيد للفوضى.

سادساً: أين أختلف مع المقال؟
أختلف جزئياً مع درجة التفاؤل الموجودة في المقال. نعم، هناك أسباب للتفاؤل، لكنني أرى أن الخطر أكبر مما يوحي به المقال.
السبب أن المشكلة في ليبيا ليست فقط غياب الاتفاق على الميزانية، بل غياب الثقة والمؤسسات وآليات التنفيذ. حتى لو تم الاتفاق، السؤال الأهم هو: من يضمن الالتزام؟
في دولة منقسمة، الاتفاقات قد تُوقّع بسهولة، لكنها تُخرق بسهولة أيضاً. وإذا لم تكن هناك عقوبات واضحة، ورقابة حقيقية، وشفافية كاملة، فإن أي اتفاق مالي قد يصبح حبراً على ورق.
كما أن الاعتماد على المصرف المركزي وحده لحل أزمة سياسية واقتصادية بهذا الحجم قد يكون تحميلاً له فوق طاقته. المصرف المركزي يمكنه أن يضغط، وينظم، وينبه، ويدير السياسة النقدية، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح المالية العامة إذا بقيت الحكومات والأجسام السياسية تستخدم الإنفاق كأداة للنفوذ.

سابعاً: أين أتفق مع المقال؟
أتفق بقوة مع العبارة الأخيرة في المقال:
توحيد الإنفاق بدون ضبطه ليس إصلاحاً اقتصادياً.
هذه هي الخلاصة الصحيحة. ليبيا لا تحتاج فقط إلى ميزانية موحدة، بل تحتاج إلى ميزانية عاقلة. لا تحتاج فقط إلى اتفاق على الصرف، بل إلى اتفاق على تقليل الصرف غير المنتج.
وأتفق أيضاً مع فكرة أن التضخم سيكون أحد أخطر التحديات القادمة، لأن التضخم يضرب الجميع، وخصوصاً الطبقات الضعيفة والمتوسطة. وهو أيضاً يضعف الثقة في العملة، وفي الدولة، وفي المصرف المركزي، وفي السياسيين.

ثامناً: ما الذي يجب أن يحدث حتى تنجح المصالحة الاقتصادية؟
في رأيي، نجاح المصالحة الاقتصادية يحتاج إلى خمسة شروط:

إعلان واضح للرأي العام: لا يجوز أن تبقى الاتفاقات المالية الكبرى سرية. يجب أن يعرف المواطن: ما هو الاتفاق؟ ما حجم الإنفاق؟ ما مصادر التمويل؟ ما القيود؟ من يراقب؟ ما العقوبات عند الإخلال؟ فالسرية في ملفات المال العام تخلق الشك، لا الثقة.

سقف إنفاق ملزم: أي اتفاق بلا سقف إنفاق واضح سيكون ناقصاً. يجب تحديد رقم واقعي لا يتجاوز قدرة الإيرادات، ولا يضغط على الاحتياطيات أو سعر الصرف.

رقابة مستقلة: لا بد من وجود رقابة من ديوان المحاسبة، والجهات الرقابية، وربما لجنة فنية مستقلة تنشر تقارير دورية للرأي العام.

حماية الاحتياطيات: يجب منع استخدام الاحتياطيات أو أصول الدولة كحل سهل لتمويل الإنفاق السياسي. الاحتياطيات ليست صندوقاً مفتوحاً لتأجيل الأزمة.

ربط الإنفاق بالأولويات: يجب أن يذهب الإنفاق إلى الخدمات الأساسية؛ الكهرباء، الصحة، التعليم، البنية التحتية، دعم الاستقرار النقدى، ومشاريع إنتاجية حقيقية، وليس إلى توسيع الزبائنية السياسية أو شراء الولاءات.

تاسعاً: التقييم النهائي
المقال جيد جداً من حيث التشخيص العام، وذكي في التقاط التحول من المصالحة السياسية إلى المصالحة الاقتصادية. كما أنه يضع يده على نقطة جوهرية: أن الأزمة الاقتصادية قد تجبر السياسيين على التفاهم حتى لو فشلوا في السياسة.
لكن المقال يحتاج إلى مزيد من التفصيل في آليات التنفيذ، ومزيد من الحذر من احتمال أن تتحول المصالحة الاقتصادية إلى مجرد تقاسم جديد للإنفاق.

رأيي النهائي هو:
المصالحة الاقتصادية قد تكون فرصة حقيقية لليبيا، لكنها أيضاً قد تكون فخاً خطيراً. إذا أدت إلى توحيد الإنفاق وترشيده وفرض الشفافية، فهي خطوة إصلاحية مهمة. أما إذا أدت فقط إلى ميزانية موحدة ضخمة تُرضي الأطراف السياسية وتُحمّل المواطن كلفة التضخم والدين واستنزاف الاحتياطيات، فهي ليست مصالحة اقتصادية بل إعادة تدوير للأزمة بغطاء جديد.

“أبوشيحة”: الإنفاق المالي الموحد أولى خطوات الاستدامة المالية وإنهاء تعدد مسارات إنفاق وخلق النقود

أكد وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية “سهيل أبوشيحة” أن تحقيق الاستدامة المالية يتطلب إنهاء تعدد مسارات إنفاق وخلق النقود، مشددًا على أن الانفاق المالي الموحد يمثل الخطوة الأولى نحو إصلاح اقتصادي ومؤسسي حقيقي في ليبيا.

وأوضح “أبوشيحة” أن هذا المسار يهدف إلى تعزيز الانضباط المالي والنقدي وحماية قيمة العملة الوطنية، وتحديد المسؤوليات بشكل واضح بين الجهات التنفيذية والمالية والنقدية، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويمنع تداخل الاختصاصات.

وأشار إلى أن توحيد المسار المالي يمثل أساسًا لتوجيه الموارد نحو الاقتصاد الحقيقي ودعم التنمية المستدامة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي بما يخدم المواطن ويحافظ على مقدرات الدولة.