“حسني بي”: استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي.. خلاف على من يتحمل كلفة تصحيح الاقتصاد “الخزانة أم الاحتياطي أم الدينار”؟
كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
أعادت استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى، المقدمة إلى رئيس مجلس النواب بتاريخ 9 أغسطس 2026، فتح السؤال الأكثر حساسية في الاقتصاد الليبي: هل كانت المشكلة في إدارة السياسة النقدية، أم أن المصرف المركزي وصل إلى مرحلة لم يعد يستطيع فيها معالجة اختلالات مصدرها أساسًا المالية العامة، ودعم الطاقة، وطريقة التصرف في الإيرادات النفطية؟
خطاب الاستقالة نفسه لا يذكر الأسباب. فهو يكتفي بالاعتذار عن الاستمرار في منصب المحافظ «دون ذكر الأسباب». لذلك سيكون من غير المهني الجزم بأن ملفًا اقتصاديًا بعينه هو السبب المباشر للاستقالة. لكن قراءة التطورات التي سبقتها، ومراسلات الخلاف حول الإنفاق الموحد، ومواقف المحافظ المعلنة، وتحذيرات صندوق النقد الدولي، تكشف صراعين اقتصاديين متداخلين يفسران البيئة التي أصبحت فيها مهمة المحافظ شديدة الصعوبة.
والاستقالة، بهذا المعنى، قد تكون أقل تعبيرًا عن خلاف شخصي وأكثر تعبيرًا عن وصول نموذج إدارة الاقتصاد الليبي نفسه إلى حدود قدرته على الاستمرار.
الصراع الأول: من يضبط الإنفاق… ومن يمول ما لا تستطيع الدولة تحمله؟
المشكلة الأولى مالية قبل أن تكون نقدية.
ليبيا تحصل على معظم إيراداتها العامة من النفط والغاز، أي بالنقد الأجنبي، بينما معظم الإنفاق الحكومي يجري بالدينار. ومن هنا يصبح مصرف ليبيا المركزي نقطة الالتقاء الإلزامية بين الاثنين: النفط يولّد الدولار، والمصرف يحوله إلى دينارات تستطيع الحكومة إنفاقها.
وفي أبريل 2026 جرى الإعلان عن اتفاق على إنفاق موحد قدره نحو 190 مليار دينار، يتضمن قرابة 73 مليارًا للمرتبات، و37 مليارًا للدعم، و40 مليارًا للتنمية، و18 مليارًا للعلاوات الأسرية، و10 مليارات للنفقات التشغيلية، إضافة إلى 12 مليارًا للمؤسسة الوطنية للنفط.
لكن الاتفاق لم يُنه الخلاف. ففي يونيو وجّه رئيس لجنة الإنفاق الموحد في مجلس النواب رسالة إلى المحافظ حذر فيها من أن المجلس قد يعتبر نفسه في حل من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق إذا استمر ما وصفه بتعطيل تنفيذه.
وهنا تظهر طبيعة الصراع الأول بوضوح: السلطة السياسية تنظر إلى المصرف باعتباره الجهة التي يجب أن توفر التمويل، بينما ينظر المصرف إلى نفسه باعتباره الجهة التي يجب أن تمنع تحول الإنفاق إلى استنزاف دائم للنقد الأجنبي والاحتياطيات.
فالإنفاق لا ينتهي بمجرد إصدار شيك بالدينار. في اقتصاد يستورد معظم احتياجاته، يعود جزء كبير من هذا الدينار بعد فترة قصيرة إلى المصرف المركزي على هيئة طلب على الدولار.
وبالتالي فإن كل مليار دينار إضافي تنفقه الدولة ليس مجرد قيد في حسابات الخزانة؛ بل يمكن أن يتحول إلى طلب إضافي على السلع المستوردة والنقد الأجنبي.
وهذا تحديدًا ما حذر منه صندوق النقد الدولي في مشاورات 2026، عندما اعتبر أن استمرار الإنفاق المالي المرتفع سيبقي الضغط على سعر الصرف وسيؤدي إلى مزيد من تراجع الاحتياطيات، وأن استمرار السياسات الحالية غير قابل للاستدامة على المدى المتوسط.
إذن ليست القضية: «هل يملك المركزي دولارات؟» بل: كم يستطيع أن يبيع منها سنويًا دون أن يبدأ في تمويل مستوى معيشة وإنفاق عام يفوق بصورة مستمرة ما يولده الاقتصاد من موارد؟
المحروقات: الثقب الذي يربط أزمة المالية العامة بأزمة الدولار
تأتي المحروقات في قلب هذا الخلاف.
الدولة الليبية لا تدعم البنزين والديزل والكهرباء بالدينار فقط. جزء ضخم من الدعم يُدفع عمليًا بالدولار من خلال استيراد الوقود أو استخدام منتجات كان يمكن بيعها وتحصيل إيراداتها.
لذلك فإن تكلفة المحروقات لها وجهان: كلفة مالية تظهر في الإنفاق والدعم، وكلفة خارجية تظهر في استنزاف النقد الأجنبي.
وكلما اتسعت الفجوة بين السعر المحلي شبه المجاني والسعر الاقتصادي الحقيقي للطاقة، أصبح التهريب والبيع خارج القنوات الرسمية أكثر جاذبية.
وقد خلص صندوق النقد في تحليله الخاص بليبيا إلى أن فروق الأسعار الكبيرة والتهريب الواسع يجعلان الدعم الحالي مكلفًا للغاية، وأن المواطن الليبي يتحمل تكلفة دعم لا يحصل على كامل منفعته، كما رأى أن التدرج البطيء جدًا في تعديل أسعار الطاقة قد لا يكون فعالًا في الحالة الليبية.
ومن هنا يصبح إصلاح المحروقات ليس مجرد قرار بشأن سعر لتر البنزين. إنه قرار يتعلق بـ: الدولار، والاحتياطيات، والإنفاق العام، والتهريب، وسعر الصرف في الوقت نفسه.
ويمكن تصور المعضلة التي تواجه المصرف المركزي بهذه الصورة: الدولة تبيع النفط وتحصل على الدولار، ثم تستخدم جزءًا كبيرًا من هذا الدولار لاستيراد محروقات تُباع محليًا بأسعار بعيدة جدًا عن تكلفتها، ثم يتسرب جزء منها إلى التهريب، وفي الوقت نفسه تحتاج الخزانة إلى مزيد من الدينارات لتمويل المرتبات والدعم والإنفاق العام.
أي أن الدولة قد تجد نفسها تبيع الطاقة بالدولار ثم تعيد شراء الطاقة بالدولار، بينما تطبع المقابل بالدينار لتمويل بقية الإنفاق.
هذه دائرة لا يمكن للسياسة النقدية وحدها إغلاقها.
الصراع الثاني: هل نحمي السعر الرسمي… أم نحمي الاحتياطيات؟
الصراع الثاني نقدي، لكنه في الحقيقة نتيجة للصراع الأول.
السؤال هو: ماذا يفعل المصرف المركزي عندما يصبح حجم الدينارات التي تطارد الدولار أكبر من كمية الدولار التي يستطيع توفيرها بصورة مستدامة؟
أمامه عمليًا مجموعة محدودة من الخيارات: يستنزف الاحتياطيات، أو يفرض قيودًا على الحصول على الدولار، أو يسمح باتساع السوق الموازية، أو يعدل سعر الصرف، أو يضغط باتجاه خفض الإنفاق.
وكل خيار له كلفة سياسية واجتماعية.
وهنا يمكن فهم الصراع حول سعر الصرف.
هناك اتجاه يرى أن قيمة الدينار يجب أن تُربط أساسًا بمؤشرات مثل الكتلة النقدية وصافي الأصول الأجنبية والاحتياطيات، وأن على المصرف استخدام أدواته للدفاع عن سعر مستقر وعدم السماح لسوق موازية مضاربية بأن تصبح مرجعًا للتسعير.
وهذا رأي له أساس اقتصادي معتبر.
لكن الاتجاه الآخر يقول إن أي سعر لا يستطيع المصرف عنده تلبية الطلب المشروع والمستدام على النقد الأجنبي دون قيود متزايدة أو استنزاف للاحتياطيات ليس سعرًا متوازنًا مهما كان مبرره المحاسبي.
وهذا أيضًا رأي اقتصادي معتبر.
الخلاف إذًا ليس بين من يؤمن بالعلم ومن يؤمن بالسوق السوداء.
الخلاف الحقيقي هو حول السؤال التالي: هل تكون الأولوية للدفاع عن رقم معين لسعر الصرف، أم للدفاع عن قدرة الدولة على تمويل هذا السعر بصورة مستدامة؟
الفجوة السعرية ليست مجرد نتيجة… بل تبدأ في إنتاج الأزمة بنفسها
عندما يصبح الدولار الرسمي أرخص بكثير من السعر الذي يستطيع السوق استيعابه، يتغير سلوك المتعاملين.
فالحصول على الدولار الرسمي يصبح في حد ذاته أصلاً ذا قيمة.
ومن ثم يظهر نوعان من الطلب: طلب حقيقي للاستيراد أو السفر أو العلاج أو الدراسة، وطلب على الدولار فقط لأن الحصول عليه بالسعر الرسمي يحقق ربحًا فوريًا عند إعادة بيعه أو تقييمه بسعر آخر.
وهنا تتحول الفجوة السعرية من نتيجة للاختلال إلى سبب إضافي له.
بيانات المصرف المركزي توضح ضخامة سوق النقد الأجنبي نفسها؛ فقد بلغت استخدامات المصارف من النقد الأجنبي في الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 12.9 مليار دولار وفق تقرير المصرف.
ولهذا فإن إدارة سعر الصرف في ليبيا ليست قرارًا تقنيًا صغيرًا يتعلق بسعر الدولار؛ إنها إدارة لتوزيع عشرات المليارات من الدولارات سنويًا.
ومن يحصل على الدولار الأرخص يحصل عمليًا على ريع اقتصادي ما دامت هناك فجوة كبيرة بين الأسعار.
أين تلتقي المحروقات وسعر الصرف؟
هنا تظهر أهم نقطة في الأزمة كلها.
المحروقات وسعر الصرف ليسا ملفين منفصلين.
عندما تستخدم الدولة مليارات الدولارات لتمويل الوقود الرخيص، تقل كمية الدولار المتاحة لتمويل بقية الاقتصاد.
وعندما تقل كمية الدولار بينما يستمر الإنفاق بالدينار، يزداد الضغط على سعر الصرف.
وعندما تتسع الفجوة السعرية، يزداد الطلب المضاربي على الدولار.
ثم يحتاج المركزي إلى ضخ مزيد من الدولار لمحاولة السيطرة على السوق.
أي أننا نعود إلى البداية.
يمكن اختصار الحلقة في المعادلة التالية: إنفاق عام مرتفع – دينارات أكثر – طلب أكبر على الواردات والدولار – استيراد محروقات ودعم ضخم – انخفاض صافي موارد النقد الأجنبي – ضغط على سعر الصرف – فجوة سعرية ومضاربة – طلب أكبر على الدولار – استنزاف أكبر للاحتياطيات.
هذه هي الحلقة التي لا يستطيع محافظ مصرف مركزي كسرها وحده.
الصراع الحقيقي: من يتحمل «التصحيح»؟
عند هذه النقطة يصبح فهم الاستقالة اقتصاديًا أكثر وضوحًا.
أي اقتصاد وصل إلى هذا الوضع لا يستطيع تجنب التصحيح. يستطيع فقط تحديد من يتحمل تكلفته.
إذا رفضت السلطة المالية خفض الإنفاق، ينتقل التصحيح إلى سعر الصرف.
إذا رفضت تعديل سعر الصرف، ينتقل التصحيح إلى الاحتياطيات.
إذا رفضت الاثنين، تظهر القيود والطوابير والسوق الموازية.
وإذا استمر دعم المحروقات بلا إصلاح، تتحمل الخزانة والاحتياطيات فاتورة الطاقة والتهريب.
أما إذا جرى تخفيض عرض النقود بعنف للدفاع عن الدينار، فقد يتحمل الاقتصاد الحقيقي الكلفة من خلال نقص السيولة والائتمان والطلب والاستثمار.
إذًا لا يوجد خيار بلا تكلفة.
السؤال فقط هو: هل يتم توزيع كلفة الإصلاح بصورة واعية وعادلة، أم تُترك لتتوزع عشوائيًا عبر التضخم وانخفاض الدينار واستنزاف الاحتياطيات؟
لماذا قد يصبح منصب المحافظ غير قابل للاستمرار؟
من هنا يمكن قراءة استقالة ناجي عيسى – مع التأكيد مجددًا أن رسالته لم تفصح عن الأسباب – باعتبارها مؤشرًا على مأزق مؤسسي أعمق.
فالمصرف المركزي يُطلب منه في الوقت نفسه أن: يمول إنفاقًا عامًا ضخمًا، ويحافظ على قيمة الدينار، ويوفر النقد الأجنبي للتجارة، ويمول فاتورة محروقات ثقيلة، ويحافظ على الاحتياطيات، ويغلق السوق الموازية، ويمتنع عن تخفيض قيمة العملة.
اقتصاديًا، لا يمكن تحقيق هذه الأهداف كلها في وقت واحد إذا لم تتغير المالية العامة.
ولهذا فإن جوهر الأزمة ليس اختيار محافظ أكثر تشددًا أو أكثر مرونة.
إنها معادلة تسمى في الاقتصاد أحيانًا قيود الاتساق: لا تستطيع السلطة تثبيت جميع المتغيرات عندما تتحرك الأساسيات في الاتجاه المعاكس.
استقالة أم رسالة اقتصادية؟
إذا ثبت لاحقًا أن الاستقالة مرتبطة فعلاً بالخلاف حول إدارة الإنفاق العام والسياسة الاقتصادية، فإن أهميتها ستكون أكبر من تغيير شخص في رأس المصرف المركزي.
ستكون الرسالة أن ليبيا وصلت إلى المرحلة التي لم يعد فيها ممكنًا مطالبة السياسة النقدية بإخفاء نتائج السياسة المالية.
المصرف المركزي يستطيع إدارة الاختلال، لكنه لا يستطيع إلغاءه.
ولا يستطيع خلق نفط إضافي، ولا يستطيع إلغاء تكلفة المحروقات، ولا يستطيع إجبار الاحتياطيات على النمو، ولا يستطيع تثبيت قيمة الدينار إلى الأبد إذا كان الإنفاق بالدينار ينمو أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.
وهذه هي في تقديري نقطة التقاء الصراعين اللذين كشفهما النقاش الاقتصادي الأخير:
الصراع الأول مالي: هل يبدأ الإصلاح من ضبط الإنفاق وإعادة هيكلة دعم المحروقات وإدارة الإيرادات النفطية، أم يستمر الإنفاق ويُطلب من المركزي توفير التمويل؟
والصراع الثاني نقدي: عندما لا يحدث الإصلاح المالي، هل تُمتص النتيجة من الاحتياطيات والدفاع عن سعر إداري، أم يُسمح بتعديل سعر الصرف وتقليص الفجوة وإزالة ريع الحصول على الدولار؟
وهما في الحقيقة ليسا صراعين منفصلين، بل وجهان للسؤال نفسه: من سيدفع ثمن الفرق بين ما تكسبه ليبيا من النفط وما تنفقه فعليًا؟
إما أن تدفعه الدولة بإصلاح الإنفاق والدعم، أو يدفعه الاحتياطي، أو يدفعه الدينار، أو يدفعه المواطن عبر التضخم وانخفاض القوة الشرائية.
ولا يستطيع محافظ مصرف مركزي، أيًا كان اسمه، أن يلغي هذه المعادلة.
الخلاصة
لذلك قد يكون الخطأ الأكبر هو قراءة استقالة المحافظ باعتبارها أزمة مصرف ليبيا المركزي وحده.
الأقرب اقتصاديًا أنها تكشف أزمة نموذج إدارة المال العام: دولة تكسب أساسًا بالدولار، وتنفق أساسًا بالدينار، وتستهلك جزءًا كبيرًا من مواردها الدولارية في منظومة طاقة مدعومة وقابلة للتسرب والتهريب، ثم تطلب من المصرف المركزي أن يحافظ في الوقت نفسه على الاحتياطي وعلى سعر صرف منخفض ومستقر.
هذه المعادلة لا تُحل بتغيير المحافظ. تُحل بتغيير المعادلة نفسها.
وهنا ربما تكتسب العبارة التي دار حولها النقاش معناها الكامل: السياسة تستطيع تأجيل الإصلاح… لكنها لا تستطيع اختيار إلغاء الفاتورة.
وإذا لم تدفعها المالية العامة اليوم، سيدفعها غدًا الاحتياطي أو الدينار أو المواطن.









