Skip to main content

الوسم: رئيسي

“حسني بي”: استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي.. خلاف على من يتحمل كلفة تصحيح الاقتصاد “الخزانة أم الاحتياطي أم الدينار”؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

أعادت استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى، المقدمة إلى رئيس مجلس النواب بتاريخ 9 أغسطس 2026، فتح السؤال الأكثر حساسية في الاقتصاد الليبي: هل كانت المشكلة في إدارة السياسة النقدية، أم أن المصرف المركزي وصل إلى مرحلة لم يعد يستطيع فيها معالجة اختلالات مصدرها أساسًا المالية العامة، ودعم الطاقة، وطريقة التصرف في الإيرادات النفطية؟

خطاب الاستقالة نفسه لا يذكر الأسباب. فهو يكتفي بالاعتذار عن الاستمرار في منصب المحافظ «دون ذكر الأسباب». لذلك سيكون من غير المهني الجزم بأن ملفًا اقتصاديًا بعينه هو السبب المباشر للاستقالة. لكن قراءة التطورات التي سبقتها، ومراسلات الخلاف حول الإنفاق الموحد، ومواقف المحافظ المعلنة، وتحذيرات صندوق النقد الدولي، تكشف صراعين اقتصاديين متداخلين يفسران البيئة التي أصبحت فيها مهمة المحافظ شديدة الصعوبة.

والاستقالة، بهذا المعنى، قد تكون أقل تعبيرًا عن خلاف شخصي وأكثر تعبيرًا عن وصول نموذج إدارة الاقتصاد الليبي نفسه إلى حدود قدرته على الاستمرار.

الصراع الأول: من يضبط الإنفاق… ومن يمول ما لا تستطيع الدولة تحمله؟

المشكلة الأولى مالية قبل أن تكون نقدية.

ليبيا تحصل على معظم إيراداتها العامة من النفط والغاز، أي بالنقد الأجنبي، بينما معظم الإنفاق الحكومي يجري بالدينار. ومن هنا يصبح مصرف ليبيا المركزي نقطة الالتقاء الإلزامية بين الاثنين: النفط يولّد الدولار، والمصرف يحوله إلى دينارات تستطيع الحكومة إنفاقها.

وفي أبريل 2026 جرى الإعلان عن اتفاق على إنفاق موحد قدره نحو 190 مليار دينار، يتضمن قرابة 73 مليارًا للمرتبات، و37 مليارًا للدعم، و40 مليارًا للتنمية، و18 مليارًا للعلاوات الأسرية، و10 مليارات للنفقات التشغيلية، إضافة إلى 12 مليارًا للمؤسسة الوطنية للنفط.

لكن الاتفاق لم يُنه الخلاف. ففي يونيو وجّه رئيس لجنة الإنفاق الموحد في مجلس النواب رسالة إلى المحافظ حذر فيها من أن المجلس قد يعتبر نفسه في حل من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق إذا استمر ما وصفه بتعطيل تنفيذه.

وهنا تظهر طبيعة الصراع الأول بوضوح: السلطة السياسية تنظر إلى المصرف باعتباره الجهة التي يجب أن توفر التمويل، بينما ينظر المصرف إلى نفسه باعتباره الجهة التي يجب أن تمنع تحول الإنفاق إلى استنزاف دائم للنقد الأجنبي والاحتياطيات.

فالإنفاق لا ينتهي بمجرد إصدار شيك بالدينار. في اقتصاد يستورد معظم احتياجاته، يعود جزء كبير من هذا الدينار بعد فترة قصيرة إلى المصرف المركزي على هيئة طلب على الدولار.

وبالتالي فإن كل مليار دينار إضافي تنفقه الدولة ليس مجرد قيد في حسابات الخزانة؛ بل يمكن أن يتحول إلى طلب إضافي على السلع المستوردة والنقد الأجنبي.

وهذا تحديدًا ما حذر منه صندوق النقد الدولي في مشاورات 2026، عندما اعتبر أن استمرار الإنفاق المالي المرتفع سيبقي الضغط على سعر الصرف وسيؤدي إلى مزيد من تراجع الاحتياطيات، وأن استمرار السياسات الحالية غير قابل للاستدامة على المدى المتوسط.

إذن ليست القضية: «هل يملك المركزي دولارات؟» بل: كم يستطيع أن يبيع منها سنويًا دون أن يبدأ في تمويل مستوى معيشة وإنفاق عام يفوق بصورة مستمرة ما يولده الاقتصاد من موارد؟

المحروقات: الثقب الذي يربط أزمة المالية العامة بأزمة الدولار

تأتي المحروقات في قلب هذا الخلاف.

الدولة الليبية لا تدعم البنزين والديزل والكهرباء بالدينار فقط. جزء ضخم من الدعم يُدفع عمليًا بالدولار من خلال استيراد الوقود أو استخدام منتجات كان يمكن بيعها وتحصيل إيراداتها.

لذلك فإن تكلفة المحروقات لها وجهان: كلفة مالية تظهر في الإنفاق والدعم، وكلفة خارجية تظهر في استنزاف النقد الأجنبي.

وكلما اتسعت الفجوة بين السعر المحلي شبه المجاني والسعر الاقتصادي الحقيقي للطاقة، أصبح التهريب والبيع خارج القنوات الرسمية أكثر جاذبية.

وقد خلص صندوق النقد في تحليله الخاص بليبيا إلى أن فروق الأسعار الكبيرة والتهريب الواسع يجعلان الدعم الحالي مكلفًا للغاية، وأن المواطن الليبي يتحمل تكلفة دعم لا يحصل على كامل منفعته، كما رأى أن التدرج البطيء جدًا في تعديل أسعار الطاقة قد لا يكون فعالًا في الحالة الليبية.

ومن هنا يصبح إصلاح المحروقات ليس مجرد قرار بشأن سعر لتر البنزين. إنه قرار يتعلق بـ: الدولار، والاحتياطيات، والإنفاق العام، والتهريب، وسعر الصرف في الوقت نفسه.

ويمكن تصور المعضلة التي تواجه المصرف المركزي بهذه الصورة: الدولة تبيع النفط وتحصل على الدولار، ثم تستخدم جزءًا كبيرًا من هذا الدولار لاستيراد محروقات تُباع محليًا بأسعار بعيدة جدًا عن تكلفتها، ثم يتسرب جزء منها إلى التهريب، وفي الوقت نفسه تحتاج الخزانة إلى مزيد من الدينارات لتمويل المرتبات والدعم والإنفاق العام.

أي أن الدولة قد تجد نفسها تبيع الطاقة بالدولار ثم تعيد شراء الطاقة بالدولار، بينما تطبع المقابل بالدينار لتمويل بقية الإنفاق.

هذه دائرة لا يمكن للسياسة النقدية وحدها إغلاقها.

الصراع الثاني: هل نحمي السعر الرسمي… أم نحمي الاحتياطيات؟

الصراع الثاني نقدي، لكنه في الحقيقة نتيجة للصراع الأول.

السؤال هو: ماذا يفعل المصرف المركزي عندما يصبح حجم الدينارات التي تطارد الدولار أكبر من كمية الدولار التي يستطيع توفيرها بصورة مستدامة؟

أمامه عمليًا مجموعة محدودة من الخيارات: يستنزف الاحتياطيات، أو يفرض قيودًا على الحصول على الدولار، أو يسمح باتساع السوق الموازية، أو يعدل سعر الصرف، أو يضغط باتجاه خفض الإنفاق.

وكل خيار له كلفة سياسية واجتماعية.

وهنا يمكن فهم الصراع حول سعر الصرف.

هناك اتجاه يرى أن قيمة الدينار يجب أن تُربط أساسًا بمؤشرات مثل الكتلة النقدية وصافي الأصول الأجنبية والاحتياطيات، وأن على المصرف استخدام أدواته للدفاع عن سعر مستقر وعدم السماح لسوق موازية مضاربية بأن تصبح مرجعًا للتسعير.

وهذا رأي له أساس اقتصادي معتبر.

لكن الاتجاه الآخر يقول إن أي سعر لا يستطيع المصرف عنده تلبية الطلب المشروع والمستدام على النقد الأجنبي دون قيود متزايدة أو استنزاف للاحتياطيات ليس سعرًا متوازنًا مهما كان مبرره المحاسبي.

وهذا أيضًا رأي اقتصادي معتبر.

الخلاف إذًا ليس بين من يؤمن بالعلم ومن يؤمن بالسوق السوداء.

الخلاف الحقيقي هو حول السؤال التالي: هل تكون الأولوية للدفاع عن رقم معين لسعر الصرف، أم للدفاع عن قدرة الدولة على تمويل هذا السعر بصورة مستدامة؟

الفجوة السعرية ليست مجرد نتيجة… بل تبدأ في إنتاج الأزمة بنفسها

عندما يصبح الدولار الرسمي أرخص بكثير من السعر الذي يستطيع السوق استيعابه، يتغير سلوك المتعاملين.

فالحصول على الدولار الرسمي يصبح في حد ذاته أصلاً ذا قيمة.

ومن ثم يظهر نوعان من الطلب: طلب حقيقي للاستيراد أو السفر أو العلاج أو الدراسة، وطلب على الدولار فقط لأن الحصول عليه بالسعر الرسمي يحقق ربحًا فوريًا عند إعادة بيعه أو تقييمه بسعر آخر.

وهنا تتحول الفجوة السعرية من نتيجة للاختلال إلى سبب إضافي له.

بيانات المصرف المركزي توضح ضخامة سوق النقد الأجنبي نفسها؛ فقد بلغت استخدامات المصارف من النقد الأجنبي في الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 12.9 مليار دولار وفق تقرير المصرف.

ولهذا فإن إدارة سعر الصرف في ليبيا ليست قرارًا تقنيًا صغيرًا يتعلق بسعر الدولار؛ إنها إدارة لتوزيع عشرات المليارات من الدولارات سنويًا.

ومن يحصل على الدولار الأرخص يحصل عمليًا على ريع اقتصادي ما دامت هناك فجوة كبيرة بين الأسعار.

أين تلتقي المحروقات وسعر الصرف؟

هنا تظهر أهم نقطة في الأزمة كلها.

المحروقات وسعر الصرف ليسا ملفين منفصلين.

عندما تستخدم الدولة مليارات الدولارات لتمويل الوقود الرخيص، تقل كمية الدولار المتاحة لتمويل بقية الاقتصاد.

وعندما تقل كمية الدولار بينما يستمر الإنفاق بالدينار، يزداد الضغط على سعر الصرف.

وعندما تتسع الفجوة السعرية، يزداد الطلب المضاربي على الدولار.

ثم يحتاج المركزي إلى ضخ مزيد من الدولار لمحاولة السيطرة على السوق.

أي أننا نعود إلى البداية.

يمكن اختصار الحلقة في المعادلة التالية: إنفاق عام مرتفع – دينارات أكثر – طلب أكبر على الواردات والدولار – استيراد محروقات ودعم ضخم – انخفاض صافي موارد النقد الأجنبي – ضغط على سعر الصرف – فجوة سعرية ومضاربة – طلب أكبر على الدولار – استنزاف أكبر للاحتياطيات.

هذه هي الحلقة التي لا يستطيع محافظ مصرف مركزي كسرها وحده.

الصراع الحقيقي: من يتحمل «التصحيح»؟

عند هذه النقطة يصبح فهم الاستقالة اقتصاديًا أكثر وضوحًا.

أي اقتصاد وصل إلى هذا الوضع لا يستطيع تجنب التصحيح. يستطيع فقط تحديد من يتحمل تكلفته.

إذا رفضت السلطة المالية خفض الإنفاق، ينتقل التصحيح إلى سعر الصرف.

إذا رفضت تعديل سعر الصرف، ينتقل التصحيح إلى الاحتياطيات.

إذا رفضت الاثنين، تظهر القيود والطوابير والسوق الموازية.

وإذا استمر دعم المحروقات بلا إصلاح، تتحمل الخزانة والاحتياطيات فاتورة الطاقة والتهريب.

أما إذا جرى تخفيض عرض النقود بعنف للدفاع عن الدينار، فقد يتحمل الاقتصاد الحقيقي الكلفة من خلال نقص السيولة والائتمان والطلب والاستثمار.

إذًا لا يوجد خيار بلا تكلفة.

السؤال فقط هو: هل يتم توزيع كلفة الإصلاح بصورة واعية وعادلة، أم تُترك لتتوزع عشوائيًا عبر التضخم وانخفاض الدينار واستنزاف الاحتياطيات؟

لماذا قد يصبح منصب المحافظ غير قابل للاستمرار؟

من هنا يمكن قراءة استقالة ناجي عيسى – مع التأكيد مجددًا أن رسالته لم تفصح عن الأسباب – باعتبارها مؤشرًا على مأزق مؤسسي أعمق.

فالمصرف المركزي يُطلب منه في الوقت نفسه أن: يمول إنفاقًا عامًا ضخمًا، ويحافظ على قيمة الدينار، ويوفر النقد الأجنبي للتجارة، ويمول فاتورة محروقات ثقيلة، ويحافظ على الاحتياطيات، ويغلق السوق الموازية، ويمتنع عن تخفيض قيمة العملة.

اقتصاديًا، لا يمكن تحقيق هذه الأهداف كلها في وقت واحد إذا لم تتغير المالية العامة.

ولهذا فإن جوهر الأزمة ليس اختيار محافظ أكثر تشددًا أو أكثر مرونة.

إنها معادلة تسمى في الاقتصاد أحيانًا قيود الاتساق: لا تستطيع السلطة تثبيت جميع المتغيرات عندما تتحرك الأساسيات في الاتجاه المعاكس.

استقالة أم رسالة اقتصادية؟

إذا ثبت لاحقًا أن الاستقالة مرتبطة فعلاً بالخلاف حول إدارة الإنفاق العام والسياسة الاقتصادية، فإن أهميتها ستكون أكبر من تغيير شخص في رأس المصرف المركزي.

ستكون الرسالة أن ليبيا وصلت إلى المرحلة التي لم يعد فيها ممكنًا مطالبة السياسة النقدية بإخفاء نتائج السياسة المالية.

المصرف المركزي يستطيع إدارة الاختلال، لكنه لا يستطيع إلغاءه.

ولا يستطيع خلق نفط إضافي، ولا يستطيع إلغاء تكلفة المحروقات، ولا يستطيع إجبار الاحتياطيات على النمو، ولا يستطيع تثبيت قيمة الدينار إلى الأبد إذا كان الإنفاق بالدينار ينمو أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.

وهذه هي في تقديري نقطة التقاء الصراعين اللذين كشفهما النقاش الاقتصادي الأخير:

الصراع الأول مالي: هل يبدأ الإصلاح من ضبط الإنفاق وإعادة هيكلة دعم المحروقات وإدارة الإيرادات النفطية، أم يستمر الإنفاق ويُطلب من المركزي توفير التمويل؟

والصراع الثاني نقدي: عندما لا يحدث الإصلاح المالي، هل تُمتص النتيجة من الاحتياطيات والدفاع عن سعر إداري، أم يُسمح بتعديل سعر الصرف وتقليص الفجوة وإزالة ريع الحصول على الدولار؟

وهما في الحقيقة ليسا صراعين منفصلين، بل وجهان للسؤال نفسه: من سيدفع ثمن الفرق بين ما تكسبه ليبيا من النفط وما تنفقه فعليًا؟

إما أن تدفعه الدولة بإصلاح الإنفاق والدعم، أو يدفعه الاحتياطي، أو يدفعه الدينار، أو يدفعه المواطن عبر التضخم وانخفاض القوة الشرائية.

ولا يستطيع محافظ مصرف مركزي، أيًا كان اسمه، أن يلغي هذه المعادلة.

الخلاصة

لذلك قد يكون الخطأ الأكبر هو قراءة استقالة المحافظ باعتبارها أزمة مصرف ليبيا المركزي وحده.

الأقرب اقتصاديًا أنها تكشف أزمة نموذج إدارة المال العام: دولة تكسب أساسًا بالدولار، وتنفق أساسًا بالدينار، وتستهلك جزءًا كبيرًا من مواردها الدولارية في منظومة طاقة مدعومة وقابلة للتسرب والتهريب، ثم تطلب من المصرف المركزي أن يحافظ في الوقت نفسه على الاحتياطي وعلى سعر صرف منخفض ومستقر.

هذه المعادلة لا تُحل بتغيير المحافظ. تُحل بتغيير المعادلة نفسها.

وهنا ربما تكتسب العبارة التي دار حولها النقاش معناها الكامل: السياسة تستطيع تأجيل الإصلاح… لكنها لا تستطيع اختيار إلغاء الفاتورة.

وإذا لم تدفعها المالية العامة اليوم، سيدفعها غدًا الاحتياطي أو الدينار أو المواطن.

“زلّاف ليبيا” تستعرض خططها لعام 2027 وتستعد لإنجاز بئر جديدة بحقل الشادار

عقدت الإدارات الفنية والمالية بالمؤسسة الوطنية للنفط الاجتماع الفني لشركة “زلّاف ليبيا” للعام 2026، بحضور أعضاء مجلس الإدارة وممثلين عن شركات نفطية ومراكز بحثية، لمناقشة مؤشرات الأداء، ومعدلات الإنتاج، واستعراض الميزانية والمشاريع المستهدفة لعام 2027.

وشهد الاجتماع استعراض أبرز منجزات الشركة للعام الحالي، وفي مقدمتها مستجدات تطوير حقل “العطشان”، إلى جانب القرب من استكمال حفر البئر (A-6-C126) بحقل “الشادار”، المتوقع أن تبلغ طاقته الإنتاجية 1,400 برميل يوميًا.

من جانبها، شددت إدارة المؤسسة الوطنية للنفط على ضرورة تسريع وتيرة العمل لاستكمال المشاريع المتبقية، بما يدعم الاستراتيجية الوطنية لرفع معدلات إنتاج النفط والغاز وتعزيز القدرات الإنتاجية للقطاع.

مسؤول بالمصرف المركزي: التسريبات باستقالة المحافظ وراء صعود الدولار أمام الدينار و”المركزي” لن يتحمل تبعات فشل غيره

عزا مسؤول بمصرف ليبيا المركزي الارتفاع الأخير في سعر صرف الدولار مقابل الدينار إلى تسريبات متداولة بشأن اعتزام المحافظ “ناجي عيسى” تقديم اعتذار عن عدم الاستمرار في مهامه.

وأوضح أن هذه الخطوة تأتي احتجاجًا على تعطل جهود إصلاح المالية العامة والسياسة التجارية، واستمرار هدر الأموال العامة، إلى جانب هيمنة أصحاب النفوذ على القرار السياسي والمالي والإداري، والتدخل في عمل مؤسسات الدولة.

​وأكد المصدر أن المصرف المركزي بذل جهودًا حثيثة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية خلال الفترة الماضية، مشددًا على أن إدارته ترفض تحمل تبعات فشل الأطراف الأخرى في الالتزام بالإصلاحات اللازمة.

“الشلوي”: الشفافية في القطاع النفطي الليبي.. حين يكون الإنصاف جزءًا من النقد

كتب: عبد المنصف الشلوي- الخبير النفطي والاقتصادي

في خضم النقاش الاقتصادي الذي تشهده ليبيا اليوم، تتصاعد وبحق الدعوات إلى مزيد من الشفافية والإفصاح عن البيانات الاقتصادية والمالية، وهي دعوات أجد نفسي متفقًا مع جوهرها؛ فالشفافية في دولة ريعية يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على مورد ناضب ليست ترفًا إداريًا أو إعلاميًا، وإنما إحدى أدوات حماية المال العام وتعزيز الثقة والمساءلة الرشيدة..

ومع احترامي الكبير لكل الآراء التي يطرحها أساتذة الاقتصاد والخبراء والمتخصصون، فإن الإنصاف يقتضي، في تقديري، التوقف عند مسألة محددة: عندما نتحدث عن غياب الإفصاح والشفافية في مؤسسات الدولة، لا ينبغي أن نضع المؤسسة الوطنية للنفط ضمن تعميم واحد دون النظر إلى ما تقوم به فعليًا من إفصاح ونشر للبيانات..

لا أقول ذلك من باب الدفاع العاطفي عن مؤسسة أنتمي مهنيًا إلى قطاعها منذ عقود، ولا باعتبار أن المؤسسة الوطنية للنفط فوق النقد أو أنها بلغت المستوى المثالي الذي لا يحتاج إلى مزيد من التطوير؛ فكل مؤسسة عامة قابلة للنقد والمراجعة، وكل منظومة إفصاح مهما تطورت يمكن تحسينها..

ولكن النقد المهني، في اعتقادي، يكتسب قوته من الإنصاف بقدر ما يكتسبها من الصراحة..

وبحكم عملي الطويل في قطاع النفط والغاز، ومتابعتي المستمرة وبشكل يكاد يكون لحظيًا لشؤون هذا القطاع وبياناته وتطوراته، أرى أن من واجبي المهني التذكير بحقيقة تستحق أن تُسجل للمؤسسة الوطنية للنفط: أنها حافظت منذ بداية عام 2026 وبصورة دورية ومنتظمة، على نشر بيانات وتقارير تتعلق بالإنتاج والإيرادات وغيرها من المؤشرات المرتبطة بنشاط القطاع، واستمرت هذه الممارسة حتى أحدث البيانات المتعلقة بالشهر المنصرم يوليو، إلى جانب إصدار توضيحات وبيانات طارئة كلما استدعت الحاجة ذلك..

الإفصاح ليس حدثًا عابرًا

الأهمية هنا ليست في تقرير واحد أو بيان استثنائي، وإنما في تحول الإفصاح إلى ممارسة دورية.

فمن يتابع ما تنشره المؤسسة الوطنية للنفط يلاحظ وجود سلسلة من البيانات والتقارير التي تتناول الإنتاج والإيرادات النفطية والمبيعات والتحويلات والميزانيات المستلمة وبعض أوجه الإنفاق والبيانات الفنية والإحصائية، إلى جانب ما يصدر من توضيحات عند ظهور تساؤلات حول بعض الأرقام أو الآليات.

وهذا التمييز مهم جدًا.

فالشفافية لا تعني فقط نشر رقم الإنتاج اليومي أو الشهري، وإنما أن تتشكل بمرور الوقت قاعدة من البيانات يستطيع من خلالها الاقتصادي والباحث والإعلامي والمواطن متابعة أداء القطاع وفهم جانب مهم من حركة المورد الأساسي للاقتصاد الوطني.

والأهم أن المؤسسة لم تحصر الإفصاح في التقارير الدورية فقط..

فعندما أثيرت خلال العام تساؤلات حول بعض الأرقام المتعلقة بالإيرادات النفطية، أو آليات التحويل، أو تسوية قيمة المحروقات، صدرت عنها توضيحات إضافية خارج الإطار الدوري المعتاد لشرح ما يحتاج إلى تفسير.

وهنا يمكن التمييز بين مستويين مهمين من الشفافية:

إفصاح دوري منتظم، وإفصاح طارئ تفسيري عند الحاجة.

وهذه، في تقديري، ظاهرة مؤسسية حميدة تستحق التشجيع..

لا نقول إن التجربة مكتملة

القول بوجود مسار واضح للإفصاح لا يعني أن المطلوب قد تحقق بالكامل.

فالطموح يجب أن يكون دائمًا نحو مزيد من التفصيل، وتوحيد منهجية التقارير الشهرية، وتطوير طريقة عرض البيانات، والمحافظة على سلاسل زمنية متجانسة تسمح بالمقارنة، وزيادة الترابط بين أرقام الإنتاج والمبيعات والصادرات والإيرادات والتحويلات والميزانيات.

كما أن تطور القطاع نفسه، وضخامة الأرقام التي يديرها، وأهمية النفط والغاز للاقتصاد الليبي، تجعل سقف التوقعات من المؤسسة الوطنية للنفط مرتفعًا بطبيعته.

لذلك فإن من حق الجميع أن يطالبها دائمًا بالمزيد.. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين أن نقول:

إن الإفصاح القائم يحتاج إلى مزيد من التطوير،

وبين أن توضع المؤسسة، ولو من دون قصد، ضمن صورة عامة توحي بغياب الإفصاح والشفافية عنها.. وهنا تحديدًا تأتي ملاحظتي.

ليس الهدف المقارنة مع أحد

ولكي تكون الفكرة واضحة، فإنني لا أعقد هنا مقارنة بين المؤسسة الوطنية للنفط وبين مصرف ليبيا المركزي أو ديوان المحاسبة أو وزارة المالية أو أي مؤسسة نقدية أو مالية أو رقابية أو تنفيذية أخرى.

ولست بصدد تقييم مستوى الإفصاح لدى أي منها؛ فلكل مؤسسة اختصاصها وطبيعة بياناتها وآليات عملها، وهناك بلا شك تقارير وبيانات مهمة تصدر عن عدد من مؤسسات الدولة ويستفيد منها الاقتصاديون والباحثون.

كما أنني لا أتابع تفاصيل تلك المؤسسات بالدرجة نفسها التي أتابع بها القطاع النفطي والغازي، ولذلك فإن الإنصاف نفسه الذي أدعو إليه يمنعني من إصدار أحكام عامة بشأنها.

حديثي هنا عن المؤسسة الوطنية للنفط وحدها، وفي حدود ما أعرفه وأتابعه وأستطيع التحقق منه.

من هذا المنطلق أرى أن سجل المؤسسة في الإفصاح خلال الفترة الماضية ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عند تناول قضية الشفافية في ليبيا.

لماذا ينبغي أن نشجع من بدأ؟

ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في الموضوع كله.

إذا كنا نريد بالفعل ترسيخ ثقافة الإفصاح داخل الدولة الليبية، فعلينا ألا نكتفي بمطالبة المؤسسات بالشفافية، وإنما علينا أيضًا أن نشجع الممارسة عندما تبدأ ونطالب بتطويرها واستدامتها.

لأن المؤسسة العامة عندما تعلم أن نشر بياناتها سيقابل بقراءة موضوعية، وأن النقص سيُنتقد، لكن التقدم سيُسجل لها أيضًا، فإننا نخلق حافزًا مؤسسيًا للاستمرار والتطوير.

أما إذا لم نفرق في خطابنا العام بين وجود الإفصاح وغيابه، فقد نفقد دون قصد أحد أهم الحوافز اللازمة لترسيخ هذه الثقافة.

وهذا لا يعني منح أي مؤسسة حصانة من النقد.. بل العكس تمامًا.

كلما ارتفع مستوى الإفصاح، أصبحت المؤسسة أكثر قابلية للمساءلة والتحليل، وأصبح الخبراء قادرين على قراءة أدائها ومناقشة أرقامها بصورة أكثر علمية.

فالشفافية ليست شهادة حسن أداء، وإنما أداة تسمح بقياس الأداء أصلًا.

خصوصية المؤسسة الوطنية للنفط

وهناك سبب آخر يجعلني أرى أهمية خاصة لهذا المسار.

ليبيا دولة يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة جدًا على النفط والغاز، والمؤسسة الوطنية للنفط تقف في قلب عملية إدارة المورد الذي يمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية وتمويل المالية العامة.

لذلك فإن البيانات الصادرة عنها لا تهم العاملين في القطاع وحدهم، وإنما تهم المصرفي والاقتصادي والباحث والمستثمر وصانع القرار والمواطن.

وعندما تنشر المؤسسة أرقام الإنتاج والإيرادات وغيرها من البيانات، فهي لا تقدم مجرد تقرير إداري عن نشاطها، بل توفر جزءًا أساسيًا من المعلومات اللازمة لفهم الاقتصاد الليبي بأكمله.

ولهذا ينبغي أن يكون المطلوب هو البناء على تجربة الإفصاح القائمة، وليس إغفالها.

نريد المزيد من التفاصيل.

نريد سلاسل بيانات أكثر اتساقًا.

نريد أن يصبح الوصول إلى المعلومة أسهل.

ونريد أن تتطور التقارير بما يسمح للمتخصص وغير المتخصص بفهم العلاقة بين الإنتاج والمبيعات والإيرادات والميزانيات وغيرها من المؤشرات.

لكن في الوقت نفسه ينبغي أن نقول بموضوعية إن هناك مسارًا بدأ، وإن هذا المسار مستمر، وإن الواجب هو دعمه وتطويره.

النقد والإنصاف لا يتعارضان

بحكم انتمائي المهني لهذا القطاع منذ عقود، قد يكون من الطبيعي أن تكون لدي غيرة مهنية عليه، لكنها لا تعني الدفاع عنه في كل الأحوال.

فقد انتقدنا وسننتقد عندما يستوجب الأمر النقد، ونطالب بالمزيد عندما يكون المزيد ممكنًا وضروريًا.

لكن بالمنطق نفسه، عندما تقوم المؤسسة بممارسة إيجابية، فمن واجبنا المهني أيضًا أن نسجلها لها.

فالإنصاف لا يقل أهمية عن النقد.

وأعتقد أن النخب الاقتصادية والأكاديمية والإعلامية تقع عليها مسؤولية كبيرة في هذا الجانب؛ لأن الكلمة الصادرة عن خبير أو أستاذ جامعي أو متخصص لا تُقرأ باعتبارها رأيًا عابرًا، وإنما قد تسهم في تشكيل تصور الرأي العام عن المؤسسات.

ومن هنا تأتي أهمية الدقة في التفريق بين مؤسسة نطالبها بزيادة مستوى الإفصاح، ومؤسسة لا تفصح أصلًا، ومؤسسة لديها بالفعل مسار دوري للإفصاح يحتاج إلى الاستمرار والتطوير.

من ممارسة مؤسسية إلى ثقافة دولة

الغاية في النهاية ليست الدفاع عن المؤسسة الوطنية للنفط.

الغاية أكبر من ذلك.

أتمنى أن يصبح الإفصاح المنتظم ثقافة مؤسسية ليبية راسخة، وأن تكون كل ممارسة ناجحة في هذا الاتجاه حافزًا لتوسيع دائرة الشفافية، بحيث يستطيع المواطن والباحث وصانع القرار الوصول إلى المعلومة الرسمية في وقتها وبالصورة التي تمكنه من فهمها وتحليلها.

وإذا كانت المؤسسة الوطنية للنفط قد حافظت خلال هذا العام على نهج الإفصاح الدوري، وأتبعت ذلك بتوضيحات طارئة عندما استدعت الحاجة، فإن المطلوب ليس أن نقول إنها وصلت إلى نهاية الطريق.

بل أن نقول لها:

استمري… وطوّري ما بدأته.

وأن نشجع كل مؤسسة عامة على ترسيخ الإفصاح باعتباره جزءًا أصيلًا من عملها، لا استجابة مؤقتة للضغط أو الجدل.

فالشفافية الحقيقية لا تتحقق بتقرير واحد، ولا ببيان استثنائي، وإنما تتحقق عندما يصبح الإفصاح عادة مؤسسية مستمرة، والمعلومة حقًا عامًا، والرقم الرسمي هو المرجع الأول للنقاش العام.

وعندما ننتقد، علينا أن ننتقد بموضوعية.

وعندما نطالب بالمزيد، علينا أن نطالب به دون تردد.

ولكن عندما نجد ممارسة صحيحة بدأت تترسخ، فإن من الإنصاف — ومن المصلحة الوطنية أيضًا — أن نشجعها حتى تصبح نموذجًا يُحتذى، لا استثناءً يحتاج في كل مرة إلى من يذكّر بوجوده.

المصرف المركزي يستأنف منح موافقات الاعتمادات المستندية ويسرّع بيع النقد الأجنبي للأغراض الشخصية

أعلن مصرف ليبيا المركزي عن استئناف اللجان المختصة منح الموافقات الجديدة للاعتمادات المستندية وتخويلها للمصارف التجارية اعتباراً من يوم غدٍ الأحد، وذلك عقب مراجعة شاملة لعدد من الإجراءات التنظيمية والرقابية الخاصة بآلية منح وتغطية الاعتمادات.

​وأكد المصرف المركزي استمرار بيع القيم المالية للاعتمادات التي تحصلت على موافقات سابقة دون انقطاع، إلى جانب مواصلة تنفيذ عمليات بيع النقد الأجنبي المخصص للأغراض الشخصية للمواطنين وبوتيرة أكثر سرعة، لضمان تلبية الطلب المحلي وانسيابية السلع والخدمات في السوق الليبي.

مصرف الجمهورية يعلن توفر السيولة المالية بجميع فروعه بدءًا من الأحد

أعلن مصرف الجمهورية عن توفر السيولة النقدية في كافة فروعه بمختلف المناطق، عقب استلامه شحنات مالية مخصصة من مصرف ليبيا المركزي، يجري العمل حاليًا على توزيعها لتغذية الخزائن وآلات السحب الآلي.

​وأفاد مدير المكتب الإعلامي بمصرف الجمهورية “محمد سعيد” في تصريح لـ”تبادل” بأن عمليات السحب النقدي ستكون متاحة أمام جميع المواطنين اعتبارًا من يوم الأحد الموافق 9 أغسطس 2026، وذلك عبر شبابيك المعاملات داخل الفروع، بالإضافة إلى شبكة آلات الصراف الآلي (ATM) التابعة للمصرف.

“حسني بي”: أزمة تمويل النفط في ليبيا أزمة نموذج غير قابل للتمويل.. من «ميزانية المؤسسة» إلى نموذج اقتصادي يجعل النفط قادراً على تمويل نفسه

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

يتكرر النقاش في ليبيا كل عام تقريباً حول حجم الأموال التي تحتاجها المؤسسة الوطنية للنفط، وتأخر الميزانيات، وتأثير ذلك على الصيانة والحفر وتطوير الحقول والمحافظة على مستويات الإنتاج.

وغالباً ما يُختزل النقاش في سؤال واحد:
كم تحتاج المؤسسة الوطنية للنفط من الدولة؟
لكنني أعتقد أن هذا السؤال، رغم أهميته، لا يصل إلى أصل المشكلة.

السؤال الأكثر أهمية هو:
لماذا يحتاج قطاع يبيع عشرات المليارات من الدولارات سنوياً إلى انتظار مخصصات من الميزانية العامة حتى يستطيع تمويل عملياته واستثماراته؟
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
أزمة قطاع النفط الليبي ليست في الأساس أزمة نقص أموال، وإنما أزمة نموذج مؤسسي ومالي غير قابل للتمويل بصورة مستقلة.
لدينا مورد ضخم… ولكن ليس لدينا نموذج شركة نفطية قابلة للتمويل.

هناك من يقارن المؤسسة الوطنية للنفط بشركات وطنية كبرى مثل أرامكو السعودية، وأدنوك الإماراتية، وقطر للطاقة وغيرها.
لكن المقارنة في النتائج دون مقارنة النماذج المؤسسية والمالية قد تكون مضللة.
هذه الشركات لا تعمل باعتبارها مجرد جهات حكومية تنتظر في كل سنة اعتماداً من الميزانية العامة حتى تبدأ برامجها الاستثمارية.
لديها أصول، وتدفقات نقدية، وميزانيات، وقوائم مالية، وهياكل رأسمالية، وقدرة على الاحتفاظ بجزء من مواردها وتمويل استثماراتها، والدخول في شراكات، وإنشاء شركات للمشروعات، وفي حالات مختلفة الوصول إلى أسواق الدين أو رأس المال.

الممول يستطيع أن يرى بوضوح:
ما الأصول؟
ما التدفقات النقدية؟
ما الالتزامات؟
ما تكلفة المشروع؟
وكم سينتج؟
وما الإيرادات المتوقعة؟
وما معدل العائد؟
وكيف سيتم سداد التمويل؟

أما في النموذج الليبي فالعلاقة أكثر تعقيداً.
الثروة النفطية ملك للدولة، والمؤسسة تدير الإنتاج والتسويق ضمن الإطار القانوني للدولة، بينما تؤول إيرادات النفط إلى الدولة.
ثم تعود المؤسسة نفسها لتطلب من الدولة الأموال اللازمة لتشغيل القطاع الذي أنتج تلك الإيرادات.

وهكذا ندخل في دائرة غريبة:
النفط ينتج الدولار → الدولار يذهب إلى الدولة → المؤسسة تحتاج دينارات ودولارات → تنتظر الميزانية → تتأخر الميزانية → تتأخر المشروعات → يتأثر الإنتاج الذي يولد الدولار أصلاً.
هذه ليست في تقديري مشكلة سيولة فقط.
إنها مشكلة تصميم مالي ومؤسسي.

الفرق بين «قطاع غني» و«شركة قابلة للتمويل»
وجود احتياطيات نفطية ضخمة لا يعني تلقائياً وجود مؤسسة يمكن تمويلها مصرفياً أو استثمارياً.
الممول لا يقرض النفط الموجود تحت الأرض لمجرد وجوده.
الممول يحتاج إلى:
أصل قانوني واضح + تدفقات نقدية قابلة للتوقع + حقوق تعاقدية + قوائم مالية شفافة + حوكمة + قدرة واضحة على السداد.
وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات النموذج الليبي.
قد تكون المؤسسة مسؤولة عن إدارة إنتاج عشرات المليارات من الدولارات، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذه التدفقات تمثل إيرادات وأصولاً مملوكة لها يمكن رهنها أو استخدامها لبناء هيكل تمويلي مستقل.
ولهذا يمكن أن يكون لدينا قطاع نفطي بالغ الثراء، وفي الوقت نفسه مؤسسة تعاني للحصول على تمويل مشروع بمليار دولار.
وهذه مفارقة يجب أن نتوقف عندها.

الإنفاق الرأسمالي ليس بالضرورة استثماراً
هناك أيضاً خلط متكرر بين ثلاثة مفاهيم:
الإنفاق التشغيلي، والإنفاق الرأسمالي، والاستثمار.
تكلفة تشغيل الحقول وصيانتها ضرورة للحفاظ على الإنتاج.
وحفر الآبار وبناء خطوط الأنابيب والمنشآت الجديدة يمثل إنفاقاً رأسمالياً.
لكن الاستثمار، بالمعنى الاقتصادي، يحتاج إلى شيء إضافي:
عائد قابل للقياس.
إذا أنفقنا مليار دولار، يجب أن نعرف:
كم برميلاً إضافياً أنتج؟
وكم سنة سيستمر هذا الإنتاج؟
وما تكلفة البرميل الإضافي؟
وكم أضاف المشروع إلى الاحتياطيات القابلة للاستخراج؟
وما صافي التدفقات النقدية؟
وما معدل العائد على رأس المال؟
وكم سنة يحتاج المشروع لاسترداد تكلفته؟
فليس كل دولار يصرف على قطاع النفط استثماراً ناجحاً لمجرد أنه صُرف على النفط.

السؤال ليس: كم نعطي المؤسسة؟
النقاش المالي التقليدي يضع الدولة والمؤسسة في مواجهة سنوية:
المؤسسة تطلب التمويل.
والحكومة أو الجهات المالية تناقش الرقم.
والجهات الرقابية تراجع المصروفات.
ثم يبدأ التفاوض حول حجم الميزانية.
لكن المستثمر أو الممول لا يفكر بهذه الطريقة.
هو لا يسأل:
كم تريد المؤسسة؟
بل يسأل:
ما المشروع؟ وكم يكلف؟ وكم سيولد من تدفقات نقدية؟
وهذا اختلاف جوهري في التفكير.

نحن بحاجة إلى الانتقال من:
Budget Financing
إلى:
Project & Corporate Finance.
أي من تمويل الميزانية إلى تمويل المشروع والاستثمار.
لماذا يجب أن ينتظر مشروع نفطي مربح الميزانية العامة؟
لنفترض أن لدينا مشروع غاز يحتاج إلى مليار دولار، ويستطيع بعد اكتماله توليد تدفقات نقدية قوية ومستقرة لسنوات طويلة.
لماذا يجب أن ينافس هذا المشروع المرتبات والدعم والمصروفات الحكومية على مخصصات الميزانية العامة؟
إذا كان المشروع مجدياً اقتصادياً، فيجب أن يكون من الممكن بناء هيكل مالي حوله.

يمكن، بحسب طبيعة المشروع وإطاره القانوني، تأسيس شركة مشروع مستقلة SPV تكون لها عقودها وتدفقاتها وحساباتها وقوائمها المالية.
وقد يدخل فيها:
المؤسسة الوطنية للنفط،
والشركة المشغلة،
وشريك نفطي دولي،
ومؤسسات تمويل،
ومستثمرون.
ويتم سداد التمويل من التدفقات النقدية التي يولدها المشروع نفسه.
عندها لا يصبح السؤال:
هل لدى الخزانة مليار دولار هذا العام؟
بل:
هل المشروع قادر اقتصادياً على تمويل نفسه؟
وهذا هو التحول المطلوب.
أرامكو وغيرها لا تنجح لأنها تحصل على أموال أكثر
الدرس الأهم من الشركات النفطية الوطنية الناجحة ليس أن حكوماتها أكثر سخاء معها.
الدرس الحقيقي هو أن الدولة بنت حولها نموذجاً اقتصادياً ومؤسسياً قابلاً للاستثمار والتمويل.

المؤسسة التي تستطيع إثبات أصولها وتدفقاتها النقدية وأرباحها ومخاطرها تستطيع الوصول إلى رأس المال.
أما المؤسسة التي تعتمد في كل دورة مالية على قرار إداري بتخصيص الأموال، فستظل استثماراتها مرتبطة بالميزانية والسياسة والسيولة الحكومية، مهما كانت الثروة الطبيعية التي تديرها ضخمة.
وهنا يكمن الفرق.

المطلوب ليس خصخصة النفط
هذا الطرح لا يعني بيع النفط أو التخلي عن ملكية الدولة للثروة النفطية.
هناك فرق كبير بين:
ملكية الدولة للثروة
وبين:
طريقة تمويل استغلال هذه الثروة.
يمكن أن تبقى الثروة النفطية مملوكة بالكامل للشعب الليبي، وفي الوقت نفسه نبني شركات ومشروعات وهياكل تمويل تستطيع جذب رأس المال لتنميتها.
بل إن الهدف هو العكس تماماً:
تعظيم قيمة ما تملكه الدولة بدلاً من إبقائه رهينة قدرتها السنوية على الإنفاق.

يجب الفصل بين ثلاثة أنواع من التمويل
أرى ضرورة إعادة بناء العلاقة المالية بين الدولة وقطاع النفط على ثلاثة مستويات واضحة.

أولاً: التشغيل والمحافظة على الإنتاج.
يجب أن تكون له آلية تمويل مستقرة وتلقائية قدر الإمكان، لأن وقف الصيانة أو التشغيل بسبب تأخر الميزانية قد يكلف الدولة أكثر بكثير من قيمة التمويل.

ثانياً: الإنفاق الرأسمالي للمحافظة على الطاقة الإنتاجية.
يجب ربطه بمؤشرات واضحة للتكلفة والإنتاج والأداء.

ثالثاً: المشروعات الجديدة وزيادة الإنتاج والغاز والبتروكيماويات والبنية التحتية.
وهذه يجب ألا تبقى كلها رهينة الميزانية العامة.
المشروع القادر على توليد عائد يجب، كلما كان ذلك ممكناً، أن يتحول إلى مشروع قابل للتمويل.
من «كم أنفقنا؟» إلى «كم حققنا؟»

نحتاج أيضاً إلى تغيير ثقافة تقييم أداء القطاع.
المعيار ليس حجم الميزانية التي تم اعتمادها أو إنفاقها.
المعيار الحقيقي هو:
كم كلفنا البرميل؟
كم كلفتنا المحافظة على مليون برميل من الطاقة الإنتاجية؟
كم كلفنا إضافة 100 ألف برميل يومياً؟
كم كلفنا تطوير وحدة إضافية من احتياطيات الغاز؟
كم خفضنا من حرق الغاز؟
وكم دولاراً عاد على الدولة مقابل كل دولار تم استثماره؟
عندها فقط يمكن التفريق بين مشروع ناجح ومشروع متعثر، وبين استثمار وإنفاق.

الإصلاح الحقيقي: اجعلوا النفط قابلاً للتمويل
ليبيا لا تحتاج فقط إلى زيادة ميزانية المؤسسة الوطنية للنفط.
تحتاج إلى إعادة تصميم النموذج المالي للقطاع.
نحتاج إلى إطار يسمح بفصل المشروعات، وقياس عوائدها، وتأسيس شركات مشروعات، وبناء تدفقات نقدية مستقلة، وإدخال التمويل المؤسسي والاستثماري، والشراكة مع القطاع الخاص والشركات الدولية، مع رقابة الدولة الكاملة على الثروة وحقوقها.
وفي الوقت نفسه نحتاج إلى قوائم مالية أكثر تفصيلاً وشفافية، وحوكمة، وتدقيق مستقل، ومؤشرات أداء لكل مشروع واستثمار.

الهدف النهائي يجب أن يكون بسيطاً:
أن تتحول المؤسسة من جهة تحتاج إلى تمويل الميزانية إلى منظومة تستطيع تمويل جزء متزايد من استثماراتها اعتماداً على اقتصاديات مشاريعها نفسها.
النفط يجب أن يمول الدولة… لا أن تصبح الدولة هي التي تمول النفط إلى الأبد
هذه هي المفارقة الكبرى في النموذج الحالي.
لدينا قطاع يمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية ويمول الجزء الأكبر من قدرة الدولة على الإنفاق، ومع ذلك فإن تطوير هذا القطاع نفسه يبقى رهينة دورة الميزانية العامة.
وهذا نموذج يصعب أن يكون مستداماً.
الحل ليس في حجب الأموال عن المؤسسة، بل العكس: يجب حماية التمويل الضروري للتشغيل والصيانة والإنتاج.
ولكن بالتوازي يجب أن نتوقف عن اعتبار زيادة المخصصات السنوية هي الحل الهيكلي.
فالمشكلة أعمق.

أزمة تمويل النفط في ليبيا ليست أزمة عدم وجود المال؛ إنها أزمة نموذج لم يُبنَ بعد ليكون قابلاً للتمويل.
والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال بدلاً من:
«كم نخصص للمؤسسة من الميزانية؟»
هو:
«كيف نبني قطاعاً نفطياً يستطيع تمويل استثماراته، وتعظيم قيمة أصول الدولة، ثم تحويل العائد إلى الخزانة؟»
عندها نكون قد انتقلنا فعلاً من الإنفاق على النفط إلى الاستثمار في النفط، ومن إدارة مورد طبيعي إلى بناء صناعة وطنية قابلة للاستمرار والتمويل والنمو.

“الشلوي”: بين الإنفاق والاستثمار.. لماذا تختلف ميزانية المؤسسة الوطنية للنفط عن بقية ميزانيات الدولة؟

كتب: عبدالمنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

في كل مرة يُثار فيها الحديث عن الميزانيات العامة في ليبيا، تتجه الأنظار إلى أرقام الإنفاق وحجم الاعتمادات المخصصة للقطاعات المختلفة، ويحتدم النقاش حول أولويات الصرف، ومدى عدالته، وشفافيته، وجدواه. وهو نقاش مشروع وصحي في أي دولة تسعى إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة والمساءلة.

غير أن هذا النقاش، على أهميته، يخلط أحياناً بين نوعين مختلفين تماماً من الإنفاق؛ الأول هو الإنفاق الحكومي الذي يهدف إلى تقديم الخدمات العامة، والثاني هو الإنفاق الاستثماري والتشغيلي الذي يهدف إلى إنتاج الثروة نفسها.

وهنا تكمن خصوصية المؤسسة الوطنية للنفط.

فميزانية المؤسسة الوطنية للنفط ليست مجرد بند مالي يُضاف إلى بقية أبواب الإنفاق العام، بل تمثل في حقيقتها الاستثمار الذي يُمكّن الدولة من توليد معظم إيراداتها. ولذلك فإن النظر إليها بالمنظار ذاته الذي يُنظر به إلى ميزانيات الجهات الحكومية الأخرى قد يقود إلى استنتاجات غير دقيقة، بل وربما إلى قرارات تكون كلفتها الاقتصادية أكبر بكثير من حجم الوفر المالي الذي يُعتقد أنه تحقق.

اقتصاد ريعي.. ومحركه النفط

لا تزال ليبيا تُصنف ضمن الاقتصادات الريعية، إذ يعتمد اقتصادها بصورة رئيسية على النفط والغاز، اللذين يشكلان النسبة الساحقة من الصادرات، ويؤمنان أكثر من 90% من الإيرادات العامة للدولة، كما يمثلان المصدر الأساسي للنقد الأجنبي الذي تعتمد عليه البلاد في تمويل الواردات، والمحافظة على احتياطياتها، واستقرار سعر صرف عملتها.

وبالتالي فإن أي خلل يصيب القطاع النفطي لا يقتصر أثره على المؤسسة الوطنية للنفط أو الشركات التابعة لها، بل يمتد مباشرة إلى المالية العامة، والقطاع المصرفي، وسوق النقد، والكهرباء، والدعم، والخدمات، والمرتبات، والاستثمار، بل وحتى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هنا، فإن تمويل هذا القطاع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إنفاقاً على مؤسسة، وإنما باعتباره استثماراً في استدامة الاقتصاد الوطني بأكمله.

ليست ميزانية استهلاكية.. بل ميزانية إنتاج

من المهم أن يميز الرأي العام بين نوعين من الإنفاق:

فهناك إنفاق استهلاكي لا ينتج دخلاً مباشراً للدولة، بينما توجد ميزانيات تشغيلية ورأسمالية تؤدي إلى إنتاج النفط والغاز اللذين تعتمد عليهما الدولة في تمويل جميع التزاماتها.

فالميزانية التشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط تمول أعمال التشغيل اليومية، وصيانة الحقول، والمحطات، وخطوط الأنابيب، والموانئ، وأنظمة التحكم، والسلامة الصناعية، والمختبرات، وأجور شركات الخدمات، وقطع الغيار، والمواد الكيميائية، والنقل البحري والجوي، وغيرها من الأنشطة التي تضمن استمرار الإنتاج دون انقطاع.

أما الميزانية الاستثمارية (الرأسمالية)، فهي تمثل الاستثمار الحقيقي في المستقبل؛ إذ تمول تطوير الحقول، وحفر الآبار الجديدة، وإنشاء خطوط الأنابيب، وتوسعة مرافق الإنتاج، ومشروعات الغاز، والبنية التحتية، وبرامج تقليل حرق الغاز، ومشروعات التحول الرقمي، ورفع كفاءة العمليات، بما يضمن المحافظة على الطاقة الإنتاجية الحالية وزيادتها مستقبلاً.

بعبارة أخرى، فإن هذه الميزانيات لا تُستهلك، وإنما تتحول إلى أصول إنتاجية تدر إيرادات لعقود قادمة.

التأخير.. ليس أقل خطورة من الحجب

يعتقد البعض أن المشكلة تبدأ فقط عندما لا تعتمد الميزانية، بينما الواقع أكثر تعقيداً.

ففي صناعة النفط والغاز، يُعد الوقت عنصراً اقتصادياً بحد ذاته.

إن تأخر اعتماد الميزانيات، حتى وإن كان مؤقتاً أو مبرراً بإجراءات مالية أو قانونية، قد يؤدي إلى تأجيل برامج الصيانة الوقائية، وتأخير توريد المعدات وقطع الغيار، وإرجاء أعمال الحفر والتطوير، وإعادة جدولة العقود، وارتفاع تكاليف التنفيذ نتيجة تغير الأسعار العالمية، فضلاً عن فقدان بعض الفرص الاستثمارية التي لا تنتظر المترددين.

وفي كثير من الحالات، تكون تكلفة التأخير أكبر من قيمة الاعتماد نفسه، لأن إعادة تشغيل المشاريع أو تعويض التراجع في الإنتاج تتطلب استثمارات إضافية، ووقتاً أطول، وجهداً أكبر.

ولهذا فإن الدول النفطية المتقدمة لا تتعامل مع تمويل قطاعها النفطي باعتباره ملفاً مالياً فقط، بل باعتباره ملفاً استراتيجياً يرتبط بالأمن الاقتصادي للدولة.

النفط لا ينتظر أحداً

العالم اليوم يشهد منافسة غير مسبوقة على أسواق الطاقة.

فهناك دول توسع طاقاتها الإنتاجية، وأخرى تطور بنيتها التحتية، وثالثة تستثمر مليارات الدولارات في الغاز الطبيعي، والبتروكيماويات، والطاقة منخفضة الانبعاثات، وتقنيات الاستخلاص المعزز، والتحول الرقمي.

وفي المقابل، تمتلك ليبيا ميزات تنافسية يصعب تعويضها؛ احتياطيات ضخمة، ونفطاً عالي الجودة، وغازاً قريباً من الأسواق الأوروبية، وموقعاً جغرافياً استثنائياً، وبنية تحتية قابلة للتطوير، وخبرات وطنية متراكمة.

لكن هذه المزايا وحدها لا تكفي.

فأي فرصة لا تُستثمر في وقتها قد تتحول إلى فرصة لدولة أخرى أكثر جاهزية، وأكثر سرعة في اتخاذ القرار.

ولهذا فإن استقرار التمويل يمثل أحد أهم عناصر المحافظة على القدرة التنافسية للقطاع النفطي الليبي.

تجارب الدول المنتجة.. الدرس المشترك

عند النظر إلى تجارب الدول النفطية الرائدة، نجد أن الحكومات تنظر إلى شركاتها الوطنية باعتبارها محركات للنمو الاقتصادي.

فالشركات الوطنية الكبرى، مثل أرامكو السعودية، وأدنوك الإماراتية، وقطر للطاقة، وسوناطراك الجزائرية، وإكوينور النرويجية، وبتروبراس البرازيلية، تحظى ببرامج تمويل مستقرة تتيح لها تنفيذ خططها التشغيلية والاستثمارية وفق جداول زمنية واضحة، لأن هذه الدول تدرك أن كل دولار يُستثمر في تطوير القطاع يمكن أن يعود بأضعافه على الاقتصاد الوطني.

ولا يعني ذلك غياب الرقابة، بل على العكس، فإن تلك الشركات تخضع لمنظومات صارمة من الحوكمة والإفصاح والتدقيق والمراجعة، وهو ما يحقق التوازن بين سرعة الإنجاز وحماية المال العام.

الشفافية والحوكمة.. وجهان لا ينفصلان عن التمويل

إن المطالبة بتوفير التمويل اللازم لقطاع النفط لا تعني بأي حال المطالبة بفتح أبواب الإنفاق دون ضوابط.

فالتمويل الرشيد يجب أن يقترن دائماً بالشفافية، والإفصاح، والحوكمة، والرقابة، وإدارة المخاطر، والمراجعة المستقلة، والامتثال للقوانين واللوائح النافذة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما شهدته المؤسسة الوطنية للنفط خلال السنوات الأخيرة من تطور ملحوظ في مستوى الإفصاح المؤسسي؛ إذ أصبحت تصدر تقارير شهرية ودورية عن الإنتاج والإيرادات والأنشطة، إلى جانب بيانات توضيحية عند الحاجة، وهو نهج عزز ثقة المتابعين، ورسخ ثقافة التواصل مع الرأي العام، ووضع المؤسسة في موقع متقدم مقارنة بالعديد من المؤسسات العامة في ليبيا.

ولا يعني ذلك أن مسيرة التطوير قد اكتملت، فالحوكمة عملية مستمرة، لكن من الإنصاف الإقرار بما تحقق والبناء عليه.

مسؤولية جماعية.. لا مسؤولية مؤسسة وحدها

قد يظن البعض أن الدفاع عن استقرار تمويل قطاع النفط هو شأن يخص المؤسسة الوطنية للنفط وحدها، بينما الحقيقة أنه مسؤولية وطنية مشتركة.

فالدولة مطالبة بتوفير البيئة التشريعية والمالية المناسبة، والجهات الرقابية مطالبة بضمان سلامة الإنفاق، والمؤسسة مطالبة بمواصلة تطوير الأداء والشفافية، أما الرأي العام فهو مطالب أيضاً بفهم طبيعة هذا القطاع وعدم التعامل معه بمنطق المقارنات التقليدية مع بقية الجهات العامة.

فميزانية قطاع النفط ليست امتيازاً لمؤسسة، وإنما هي استثمار في استمرار المورد الذي يمول الدولة بأكملها.

كلمة أخيرة

إن السؤال الحقيقي ليس: كم تنفق الدولة على المؤسسة الوطنية للنفط؟

بل ينبغي أن يكون: كم ستخسر الدولة إذا لم توفر للمؤسسة التمويل التشغيلي والاستثماري في الوقت المناسب؟

فالنفط والغاز ليسا مجرد سلعتين للتصدير، بل هما العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وأساس الاستقرار المالي، والمصدر الرئيس للنقد الأجنبي، والرافعة التي تعتمد عليها الموازنة العامة، والخدمات، والمرتبات، والتنمية، والأمن الاقتصادي.

ومن هنا، فإن الميزانيات التشغيلية والرأسمالية للمؤسسة الوطنية للنفط ينبغي أن تُفهم باعتبارها استثماراً وطنياً عالي العائد، لا بنداً من بنود الإنفاق الحكومي التقليدي.

وعندما يدرك الرأي العام هذه الحقيقة، سيصبح أكثر قدرة على التمييز بين الإنفاق الذي يستهلك الموارد، والإنفاق الذي يصنعها، وبين المصروف الذي ينتهي أثره بانتهاء السنة المالية، والاستثمار الذي يحافظ على مصدر رزق الدولة لعقود مقبلة.

وفي النهاية، فإن حماية قطاع النفط والغاز ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مسؤولية دولة ومجتمع، لأن قوة هذا القطاع تعني قوة الاقتصاد، واستقراره يعني استقرار ليبيا، وأي تعثر فيه — ولو كان ناجماً عن تأخير في التمويل — لن ينعكس على الحقول والمنشآت فحسب، بل سيمتد أثره إلى كل بيت ليبي، وكل مؤسسة، وكل مشروع تنموي، وكل مواطن ينتظر مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً.

“الشلوي”: الخام الليبي إلى جورجيا.. لماذا يتجاوز هذا الخبر حدود صفقة نفطية عادية؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي عبد المنصف الشلوي

في أسواق النفط العالمية، لا تُقاس أهمية الأخبار دائماً بعدد البراميل أو قيمة الشحنات، بل كثيراً ما تُقاس بالرسائل التي تحملها، وبالاتجاهات التي تعكسها في حركة الأسواق وتحولات الجغرافيا السياسية للطاقة. ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان عن اعتماد الخام الليبي لتزويد مصفاة كوليفي، المصفاة الوحيدة في جورجيا، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد عقد تجاري جديد، بل باعتباره مؤشراً على تحول أوسع في خريطة تدفقات النفط نحو أوروبا ومنطقة البحر الأسود.

وتقع جورجيا في منطقة القوقاز، عند ملتقى أوروبا الشرقية وغرب آسيا، وتطل على الساحل الشرقي للبحر الأسود، وتشكل ممراً استراتيجياً يربط منطقة بحر قزوين والأسواق الآسيوية بأوروبا. كما تمر عبر أراضيها أهم خطوط نقل النفط والغاز القادمة من أذربيجان إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما منحها خلال السنوات الأخيرة مكانة متقدمة ضمن منظومة أمن الطاقة الإقليمي.

ويأتي الاتفاق في وقت تشهد فيه الأسواق الأوروبية إعادة هيكلة غير مسبوقة لمصادر إمدادات الطاقة، على خلفية العقوبات المفروضة على النفط الروسي. فقد أعلنت الشركة المالكة للمصفاة اعتماد الخام الليبي إلى جانب الخام الكازاخستاني بديلاً عن النفط الروسي، ضمن خطة تهدف إلى الامتثال للمتطلبات الأوروبية وضمان استمرار نشاط المصفاة بعيداً عن العقوبات.

ورغم أن حجم الشحنات الأولى قد لا يكون كبيراً مقارنة إجمالي صادرات ليبيا، فإن أهمية الخبر لا تكمن في الكمية، وإنما في نوعية السوق التي يدخلها الخام الليبي، وفي الرسالة التي يبعث بها إلى الأسواق الدولية. فدخول مصفاة جديدة إلى قائمة عملاء النفط الليبي يعني توسيع قاعدة المشترين، وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الأسواق، وهو ما يمثل أحد أهم عناصر الأمن التسويقي لأي دولة منتجة للنفط.

كما أن العقد يمتد حتى نهاية عام 2027 مع إمكانية التمديد، وهو ما يمنح العلاقة التجارية بعداً يتجاوز الصفقات الفورية إلى شراكة أكثر استقراراً، ويعزز ثقة المشترين في قدرة ليبيا على الالتزام بتوريد النفط بصورة منتظمة.

ومن الناحية الفنية، يتمتع الخام الليبي بميزات تنافسية معروفة عالمياً، أهمها انخفاض نسبة الكبريت وخفة الخام، وهي خصائص تجعله مناسباً للعديد من المصافي الأوروبية، وتخفض كلفة المعالجة، كما تساعد على إنتاج مشتقات نفطية تتوافق مع المواصفات البيئية الأوروبية. ولهذا فإن اختيار الخام الليبي لم يكن خياراً سياسياً فقط، بل يستند أيضاً إلى اعتبارات تشغيلية واقتصادية واضحة.

أما من الناحية الجيوسياسية، فإن أهمية الاتفاق تتجاوز حدود جورجيا نفسها. فما يحدث اليوم هو جزء من عملية أوسع لإعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تتجه العديد من المصافي الأوروبية والإقليمية إلى تنويع مصادر الإمداد وتقليص الاعتماد على النفط الروسي. وفي هذا السياق، تبرز ليبيا باعتبارها أحد أقرب المنتجين إلى الأسواق الأوروبية، وتمتلك احتياطيات كبيرة، وخاماً عالي الجودة، وموقعاً جغرافياً يمنحها ميزة تنافسية يصعب تجاهلها.

ولا يعني ذلك أن ليبيا تحل محل روسيا في الأسواق العالمية، فالفارق في أحجام الإنتاج والصادرات كبير، لكن من المؤكد أن التحولات الحالية تفتح أمامها فرصاً حقيقية لتعزيز حضورها في أسواق جديدة، إذا ما تمكنت من الحفاظ على استقرار الإنتاج واستمرارية الصادرات والالتزام بالعقود.

ومن الجانب الاقتصادي، فإن تنويع الأسواق لا يقل أهمية عن زيادة الإنتاج نفسه. فكلما اتسعت قاعدة العملاء، ازدادت مرونة المؤسسة الوطنية للنفط في تسويق خامها، وارتفعت قدرتها التفاوضية، وانخفضت مخاطر الاعتماد على عدد محدود من المشترين أو الممرات التجارية.

كما يحمل هذا التطور رسالة إيجابية بشأن سمعة الخام الليبي في الأسواق الدولية. فالأسواق لا تبحث فقط عن النفط، بل تبحث عن المورد القادر على الالتزام، وعن المؤسسة التي تستطيع الحفاظ على استقرار الإمدادات، وهي عوامل أصبحت اليوم لا تقل أهمية عن جودة الخام نفسه.

وفي تقديري، فإن هذه التطورات تضع أمام الدولة الليبية والمؤسسة الوطنية للنفط فرصة ينبغي البناء عليها، ليس فقط من خلال الحفاظ على مستويات الإنتاج، وإنما أيضاً عبر توسيع قاعدة العملاء، وتعزيز الحضور في أسواق أوروبا الشرقية والبحر الأسود، والعمل على استثمار الموقع الجغرافي لليبيا وقربها من أوروبا كميزة استراتيجية طويلة الأجل.

إن هذا الخبر قد يبدو للوهلة الأولى مجرد إعلان عن توريد شحنة نفط إلى مصفاة جديدة، لكنه في الواقع يحمل دلالات أعمق بكثير. فهو يعكس تغيراً في خريطة تجارة النفط العالمية، ويؤكد أن الخام الليبي لا يزال يحظى بثقة الأسواق الدولية، وأن أمام ليبيا فرصة لتعزيز مكانتها كمورد موثوق للطاقة في مرحلة يشهد فيها العالم إعادة تشكيل لموازين الإمدادات وأسواق الطاقة.

وبقدر ما تمثل هذه الخطوة نجاحاً تسويقياً مهماً، فإن نجاحها الحقيقي سيقاس بقدرة ليبيا على تحويل مثل هذه العقود إلى سياسة مستدامة تقوم على استقرار الإنتاج، والانضباط في التصدير، واستمرار الحياد المهني للمؤسسة الوطنية للنفط، بما يعزز مكانة البلاد في أسواق الطاقة العالمية، ويخدم في نهاية المطاف الاقتصاد الوطني ومصالح الأجيال القادمة.

مصرف ليبيا المركزي: مبيعات الدولار النقدي تتجاوز 220 مليوناً خلال أسبوع

أعلن مصرف ليبيا المركزي أن مبيعات الدولار النقدي (الكاش) تجاوزت 72 مليون دولار خلال اليوم، ليرتفع إجمالي المبيعات خلال الأسبوع الأول من شهر أغسطس إلى 220 مليون دولار

وأكد المصرف المركزي أن الأسبوع القادم سيشهد وترة أسرع في توزيع العملة الأجنبية، إضافة إلى زيادة عدد الفروع المصرفية المقدمة للخدمة لتلبية الطلب وتسهيل المعاملات.