“الشلوي”: البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط تعكس حجم الجهود المبذولة لتأمين احتياجات قطاع الكهرباء
تعليقاً على الكتاب الصادر عن الشركة العامة للكهرباء بشأن إمدادات الغاز لمحطات التوليد، صرّح الخبير النفطي والاقتصادي عبد المنصف الشلوي لقناة تبادل بأن هذا النوع من المكاتبات الإدارية يُعد ممارسة مؤسسية طبيعية تهدف إلى إحاطة الجهات ذات العلاقة بالتحديات التشغيلية التي تواجهها، وهو أمر إيجابي يسهم في تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة. غير أن تقييم مثل هذه القضايا تقييماً موضوعياً يستوجب النظر إلى منظومة الطاقة الليبية بصورة متكاملة، والاستناد إلى البيانات الرسمية والحقائق الفنية، حتى تكتمل الصورة أمام الرأي العام وصانع القرار.
وأضاف الشلوي أن العلاقة بين المؤسسة الوطنية للنفط والشركة العامة للكهرباء ليست علاقة مورد ومستهلك فحسب، بل هي علاقة تكامل استراتيجي، إذ يعتمد قطاع الكهرباء بصورة رئيسية على الغاز الطبيعي الذي تنتجه المؤسسة الوطنية للنفط، فيما تمثل الكهرباء أحد أهم أوجه الاستفادة الوطنية من هذه الثروة، الأمر الذي يجعل نجاح أي من المؤسستين مرتبطاً، بدرجات متفاوتة، بنجاح الأخرى، ويجعل التعاون والتنسيق بينهما ضرورة وطنية وليست خياراً.
وأوضح أن البيانات الرسمية الواردة في التقرير الفني السنوي للمؤسسة الوطنية للنفط لعام 2025 تعكس بوضوح حجم الأولوية التي يحظى بها قطاع الكهرباء، حيث بلغ متوسط إنتاج الغاز التجاري نحو 1.03 مليار قدم مكعبة يومياً، في حين استهلكت الشركة العامة للكهرباء نحو 828 مليون قدم مكعبة يومياً، أي ما يقارب 80% من إجمالي الغاز التجاري المنتج محلياً، بينما لم يتجاوز متوسط الكميات المخصصة للتصدير حوالي 83 مليون قدم مكعبة يومياً.
وأكد أن هذه الأرقام تدل بصورة واضحة على أن الأولوية الفعلية للغاز المنتج كانت وما تزال لتلبية احتياجات السوق المحلية، وفي مقدمتها محطات توليد الكهرباء، وهو ما يعكس النهج الذي اتبعته المؤسسة الوطنية للنفط في إدارة موارد الغاز بما يخدم المصلحة الوطنية ويحقق أعلى منفعة ممكنة للاقتصاد الليبي.
وأشار الشلوي إلى أن الكميات المخصصة للتصدير لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن الالتزامات التعاقدية والدولية التي ترتبط بها الدولة الليبية، فصادرات الغاز إلى إيطاليا تتم في إطار اتفاقيات وعقود طويلة الأجل أبرمتها الدولة الليبية وشركاؤها، ويترتب على الإخلال بها آثار قانونية وتجارية ومالية قد تكون كبيرة، فضلاً عن تأثيرها على سمعة ليبيا كمورد موثوق للطاقة في الأسواق الدولية. ولذلك فإن أي تعديل في برامج التصدير لا يُعد قراراً فنياً أو إدارياً بسيطاً، وإنما يخضع لاعتبارات تعاقدية وقانونية وتجارية واستثمارية معقدة، تتطلب الموازنة بين الالتزامات الدولية واحتياجات السوق المحلية.
وأضاف أن جانباً من إنتاج الغاز يتم في إطار مشاريع مشتركة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركات عالمية، تحكمها اتفاقيات مشاركة واستثمار نافذة، الأمر الذي يجعل إدارة الإنتاج والتسويق والتصدير تتم وفق أطر قانونية وتعاقدية واضحة، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف ويصون مصالح الدولة الليبية.
وأوضح أن من الناحية الفنية، فإن منظومة الغاز الليبية تُدار كوحدة متكاملة، ولا يعني وقف التصدير بالضرورة توافر كميات إضافية يمكن ضخها مباشرة إلى جميع محطات الكهرباء، إذ إن الغاز يمر بمراحل متعددة تشمل الإنتاج والمعالجة وإزالة الشوائب والضغط والنقل عبر شبكة خطوط الأنابيب، كما أن نوعية الغاز ومواصفات بعض المحطات والقدرات الاستيعابية لمنظومة النقل تمثل جميعها عوامل فنية مؤثرة. كما أن جزءاً مهماً من الغاز المنتج هو غاز مصاحب لإنتاج النفط، وترتبط كمياته بطبيعة تشغيل الحقول النفطية، الأمر الذي يجعل إدارة منظومة الغاز أكثر تعقيداً من مجرد إعادة توجيه الكميات بين التصدير والاستهلاك المحلي.
وأضاف أن المؤسسة الوطنية للنفط لم يقتصر دورها على توفير إمدادات الغاز اليومية، بل واصلت خلال السنوات الأخيرة تنفيذ مشاريع استراتيجية لتطوير إنتاج الغاز، واسترجاع الغاز المصاحب، وخفض حرق الغاز، وتطوير مرافق المعالجة والضغط، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة وتطوير لخطوط نقل الغاز، وهي مشاريع من شأنها تعزيز أمن الطاقة، وزيادة كميات الغاز المتاحة للسوق المحلية، وتحسين كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، وتقليل الانبعاثات، بما يعود بالنفع المباشر على قطاع الكهرباء والاقتصاد الوطني.
وأكد الشلوي أن التجارب الدولية تثبت أن استقرار منظومات الكهرباء لا يرتبط بتوافر الوقود وحده، وإنما يعتمد أيضاً على جاهزية وحدات التوليد، وكفاءة برامج الصيانة، وقدرات شبكات النقل والتوزيع، وإدارة الأحمال، وتوفر الوقود الاحتياطي، والتخطيط الاستثماري طويل الأجل، وهو ما يجعل أي قراءة فنية موضوعية تستوجب النظر إلى جميع مكونات منظومة الطاقة مجتمعة، وليس إلى أحد عناصرها بصورة منفردة.
واختتم الشلوي تصريحه بالتأكيد على أن البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط تعكس بوضوح حجم الجهود المبذولة لتأمين احتياجات قطاع الكهرباء من الغاز، بالتوازي مع الوفاء بالالتزامات التعاقدية للدولة الليبية، والاستمرار في تنفيذ مشاريع تطوير قطاع الغاز بما يعزز أمن الطاقة على المدى المتوسط والطويل، مضيفا أن معالجة أي تحديات تشغيلية تستوجب استمرار التنسيق المؤسسي والفني بين جميع الجهات المعنية، وأن الاحتكام إلى الأرقام والبيانات الرسمية والتحليل العلمي المتخصص يظل الأساس الأمثل لتقييم الأداء ودعم مؤسسات الدولة في أداء رسالتها، بما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز استدامة قطاعي النفط والكهرباء معاً.

