Skip to main content
|

“الشلوي”: قراءة في أبعاد كشف الغاز الجديد بالصحراء الغربية المصرية

في تعليقه على إعلان وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن تحقيق شركة خالدة للبترول كشفاً جديداً للغاز الطبيعي في الصحراء الغربية، بمعدل إنتاج أولي يبلغ نحو 40 مليون قدم مكعبة يومياً، قال الخبير النفطي والاقتصادي الليبي “عبد المنصف الشلوي” إن هذا الكشف يمثل تطوراً إيجابياً في نشاط الاستكشاف والإنتاج البري في مصر، ويستحق قراءة فنية واقتصادية هادئة تتجاوز الرقم المعلن إلى دلالاته التشغيلية والاستثمارية.

وأوضح “الشلوي” أن معدل إنتاج يبلغ 40 مليون قدم مكعبة يومياً لا يضع الكشف ضمن فئة الحقول العملاقة، إلا أنه يعد نتيجة جيدة ومهمة لبئر برية منفردة، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن القيمة الحقيقية لأي كشف لا تقاس بحجم التدفق فقط، بل أيضاً بسرعة ربطه بالبنية التحتية القائمة وتحويله إلى إنتاج فعلي يصل إلى الشبكة والسوق.

وأضاف أن هذه الكمية تعادل نظرياً نحو 14.6 مليار قدم مكعبة سنوياً، أو ما يقارب 0.41 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وهي كمية يمكن أن تسهم في دعم إمدادات محطات الكهرباء والقطاع الصناعي، وتخفيف جزء محدود من احتياجات السوق المصرية، دون أن تمثل بمفردها تحولاً جذرياً في ميزان الغاز المصري أو الإقليمي.

وأشار إلى أن القيمة الاقتصادية الإجمالية النظرية لهذه الكمية قد تتراوح، بحسب أسعار الغاز وآليات التسعير، بين عشرات الملايين وما يزيد على مئة مليون دولار سنوياً، قبل احتساب تكاليف التشغيل والمعالجة وحصص الشركاء والالتزامات المالية والضريبية، وهو ما يؤكد أن حتى الاكتشافات المتوسطة يمكن أن تحقق أثراً اقتصادياً مهماً إذا جرى تطويرها بكفاءة وفي توقيت مناسب.

مدى صلة هذا الكشف النفطي بالحدود الليبية

وفيما يتعلق بموقع الكشف وصلته بالحدود الليبية، أكد “الشلوي” أن الإحداثيات الدقيقة للبئر لم تُنشر بصورة رسمية حتى الآن، ومن ثم لا يجوز فنياً أو مهنياً ربط هذا الكشف بأي امتداد داخل الأراضي الليبية أو القول إنه يقع بمحاذاة الحدود دون بيانات موثقة.

وأوضح أن من المهم التمييز بين مفهوم الحدود الاقتصادية البحرية وبين الحدود البرية الدولية؛ فالمنطقة الاقتصادية الخالصة ترتبط بالمجالات البحرية، أما في الصحراء بين ليبيا ومصر فهناك حدود برية دولية، وتخضع الموارد الطبيعية الواقعة داخل كل دولة لسيادتها، ما لم تثبت الدراسات الجيولوجية والفنية وجود مكمن هيدروكربوني واحد ممتد عبر الحدود.

وأضاف أن مجرد وجود أحواض رسوبية أو تراكيب جيولوجية متشابهة على جانبي الحدود لا يعني تلقائياً وجود مكمن مشترك أو أن إنتاج بئر في إحدى الدول يؤثر في موارد الدولة الأخرى، إذ إن إثبات ذلك يتطلب بيانات سيزمية، وسجلات آبار، ودراسات ضغط، وتحليلات بتروفيزيائية، وقرائن على وجود اتصال هيدروديناميكي مباشر داخل المكمن نفسه.

وأكد “الشلوي” أن الكشف لا يحمل أثراً مالياً مباشراً على الدولة الليبية، ولا يمثل تهديداً لمواردها أو حقوقها، لكنه يقدم في المقابل مجموعة من الدروس الفنية والاقتصادية المهمة التي تستحق الاهتمام من النخب الليبية وصناع القرار في قطاع الطاقة.

وبيّن أن أول هذه الدروس يتمثل في أن الأحواض الرسوبية الناضجة لا تزال قادرة على تقديم اكتشافات تجارية جديدة، خصوصاً عند إعادة معالجة البيانات الزلزالية القديمة، واستخدام تقنيات تفسير أكثر تطوراً، واستهداف طبقات أعمق لم تكن محل اهتمام كافٍ في مراحل سابقة.

وأضاف أن الدرس الثاني يتعلق بأهمية البنية التحتية القائمة، لأن قرب الكشف من خطوط التجميع والمعالجة والنقل يختصر زمن التطوير ويخفض التكلفة، ويجعل الانتقال من مرحلة الاكتشاف إلى الإنتاج أسرع وأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.

وأشار إلى أن الدرس الثالث يتمثل في أن نجاح صناعة الغاز لا يعتمد فقط على انتظار الحقول العملاقة، وإنما على تراكم سلسلة من الاكتشافات الصغيرة والمتوسطة، وربطها بالتسهيلات القائمة، بما يسهم في تعويض التناقص الطبيعي في الحقول المنتجة والمحافظة على استقرار الإمدادات.

ليبيا تمتلك إمكانات واعدة تحتاج إلى تحويلها لآبار منتجة

وأوضح “الشلوي” أن ليبيا تمتلك بدورها إمكانات واعدة في أحواض سرت ومرزق وغدامس، فضلاً عن المناطق البحرية، كما تمتلك فرصاً مهمة في تطوير الغاز الحر والغاز المصاحب، وخفض معدلات حرق الغاز، ورفع كفاءة عمليات التجميع والمعالجة والاستفادة من الموارد القريبة من البنية التحتية الحالية.

وأكد أن ليبيا لا تحتاج فقط إلى الإعلان عن حجم احتياطياتها أو إمكاناتها الجيولوجية، بل إلى تحويل هذه الإمكانات إلى احتياطيات مثبتة، ثم إلى مشروعات ممولة وآبار منتجة وكميات تصل فعلياً إلى محطات الكهرباء والمصانع وشبكات التصدير.

وأضاف أن الكمية المصرية المعلنة، رغم محدوديتها على مستوى دولة، يمكنها نظرياً دعم قدرة كهربائية تقدر بمئات الميغاوات بحسب كفاءة محطات التوليد والقيمة الحرارية للغاز، وهو ما يبرز أهمية كل قدم مكعبة من الغاز عندما تُوظف بكفاءة في قطاع الكهرباء بدلاً من فقدانها أو تأخير الاستفادة منها.

واختتم “الشلوي” تصريحه بالقول: “إن هذا الكشف لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية المقارنة أو القلق، بل من زاوية فنية واقتصادية موضوعية. فنجاح أي دولة مجاورة في تحويل كشف غازي إلى إنتاج سريع هو مؤشر إيجابي لصناعة الطاقة في المنطقة، كما أنه يذكرنا بأن القيمة الحقيقية للموارد لا تتحقق بوجودها في باطن الأرض فقط، وإنما بقدرة المؤسسات على استكشافها وتطويرها وربطها بالسوق بكفاءة وسرعة واستمرارية. وهذه رسالة مهمة لليبيا، التي تمتلك إمكانات كبيرة وتحتاج إلى مواصلة الاستثمار في الاستكشاف وتطوير الغاز والبنية التحتية وتعظيم الاستفادة من كل مورد متاح“.

مشاركة الخبر