“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثالث
كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”
لماذا لم يُحل النزاع إلى محكمة العدل الدولية؟
لا توجد قرينة رسمية قاطعة تبرر الجزم بأن اليونان أعلنت رفضها المطلق اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي؛ والأدق أن المسار المعلن حتى الآن هو التفاوض الثنائي، لا الإحالة القضائية.
كما أن محكمة العدل الدولية لا تستطيع نظر النزاع تلقائياً، بل يجب أن تقبل الدولتان اختصاصها، عادة من خلال اتفاق خاص يحدد موضوع النزاع والمسائل المطلوب من المحكمة الفصل فيها.
وقد يتحفظ أي طرف على الذهاب إلى المحكمة بسبب عدم القدرة على ضمان النتيجة مسبقاً، واحتمال تقليص أثر بعض الجزر مقارنة بالمطالبات اليونانية، أو احتمال منح كريت أثراً أكبر مما تتوقعه بعض التصورات الليبية، إلى جانب فقدان المرونة المتاحة في التفاوض السياسي وإلزامية الحكم النهائي وصعوبة التراجع عنه.
وقد تكون المخاطرة بالنسبة لليونان في أن تعترف المحكمة بحقوق كريت، لكنها تقلص أثر غافدوس والجزر الأصغر أو تعدل خط التساوي في الأبعاد بسبب طول الساحل الليبي وعدم التناسب.
وفي المقابل، تتمثل المخاطرة الليبية في أن تمنح المحكمة كريت أثراً معتبراً بحكم حجمها وسكانها وطول ساحلها.
لذلك فإن اللجوء إلى القضاء ليس ضماناً لانتصار كامل لأي طرف، بل طريق إلى حكم ملزم يُرجح أن يقوم على تسوية قانونية بين الحدين الأقصيين للمطالبتين.
من الدراسات العامة إلى صناعة الأمر الواقع الاستكشافي
لم يقتصر التحرك اليوناني جنوب كريت على نشر الخرائط أو إعلان المواقف السياسية، بل انتقل منذ عام 2011 إلى خطوات استكشافية متدرجة.
ففي سبتمبر 2011 أعلنت وزارة الطاقة اليونانية عن طرح عطاء لأعمال مسح سيزمي في نطاق بحري واسع امتد إلى جنوب كريت، وزادت مساحته المعلنة عن 220 ألف كيلومتر مربع. ثم جرى تركيز المسح على مناطق اعتبرت أكثر احتمالاً، ومنها جنوب غرب كريت، وشملت أعمال المسح ثنائي الأبعاد نحو 12.5 ألف كيلومتر مربع وفق الدراسة الليبية المرفقة.
وتبعت ذلك معالجة للبيانات وتقسيم مناطق إلى رقع استكشافية وطرحها أمام الشركات الدولية، ثم ازداد اهتمام الشركات بعد اكتشاف حقل ظهر المصري سنة 2015.
وهذا التسلسل يوضح أن الخرائط والمسوح والتراخيص ليست أعمالاً منفصلة، بل أدوات متراكمة قد تُستخدم لترسيخ تصور معين للحدود وجذب استثمارات على أساسه، بما يجعل التصدي القانوني والفني المبكر أكثر أهمية من انتظار مرحلة الحفر.
لماذا هذه المنطقة تحديداً؟
ترجع أهمية المنطقة الواقعة شمال درنة وجنوب كريت إلى اجتماع عدة عوامل في نطاق واحد.
- أولها: وقوعها في امتداد أحواض رسوبية بحرية عميقة يُعتقد أنها قد تحتوي على نظم بترولية واعدة.
- ثانيها: وجود مؤشرات على تراكيب كربوناتية وطبقات ملحية ومتبخرات قد توفر مكامن وأغطية مناسبة لحجز الهيدروكربونات.
- ثالثها: قربها من نطاقات في شرق المتوسط أثبتت فيها أعمال الاستكشاف وجود اكتشافات غازية كبيرة.
- رابعها: قربها النسبي من الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنح أي اكتشاف غازي محتمل قيمة إضافية من زاوية أمن الطاقة ومسارات التصدير.
ولهذا انتقل النشاط جنوب كريت من مرحلة الدراسات العامة إلى المسوحات السيزمية ومنح التراخيص ودخول شركات دولية كبرى، دون أن يعني ذلك أن احتياطيات تجارية قد ثبتت بالفعل.
هل المؤملات نفط أم غاز؟
الاحتمالات تشمل النفط والغاز معاً، لكن الترجيح الفني الحالي يميل بدرجة أكبر إلى الغاز الطبيعي، مع احتمال وجود مكثفات وسوائل غازية، ومن دون استبعاد النفط.
ويرجع ذلك إلى طبيعة الأحواض العميقة، واحتمال وجود صخور مصدر ناضجة، وتراكيب كربوناتية، وأغطية ملحية جيدة، إضافة إلى ما أثبتته اكتشافات شرق المتوسط من إمكان وجود تجمعات غازية ضخمة في المكامن الكربوناتية البحرية العميقة.
لكن يجب التمييز بوضوح بين المؤملات الجيولوجية، والموارد المحتملة، والاكتشاف الذي تؤكده بئر استكشافية، والاحتياطيات القابلة للإنتاج التجاري.
فالمسح السيزمي يستطيع تحديد تركيب جيولوجي وشكله وحجمه المحتمل، لكنه لا يثبت وحده أنه مشبع بالنفط أو الغاز، ولا يحدد قابلية إنتاجه أو جدواه الاقتصادية.
ولذلك لا ينبغي التعامل مع أرقام بمليارات البراميل أو عشرات التريليونات من الأقدام المكعبة باعتبارها احتياطيات مؤكدة قبل الحفر والاختبار والتقييم.
ماذا تضيف المقارنة بحقل ظهر المصري؟
من المفيد، لفهم أهمية المنطقة، الاستئناس بتجربة حقل ظهر المصري، على أن تكون المقارنة توضيحية وليست دليلاً على وجود حقل مماثل شمال درنة.
اكتُشف حقل ظهر سنة 2015 في المياه العميقة المصرية، وقدرت موارده الأولية بنحو 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز الموجود في المكان، أي ما يقارب 850 مليار متر مكعب، ووُصف عند اكتشافه بأنه أكبر اكتشاف غازي في البحر المتوسط.
كما جاء الغاز في مكمن كربوناتي، وهو ما غيّر جانباً مهماً من التفكير الاستكشافي في الإقليم.
فقبل اكتشاف ظهر كان جانب كبير من الاستكشاف في شرق المتوسط يركز على المكامن الرملية، ثم أثبت الحقل أن التراكيب الكربوناتية العميقة قد تستوعب تجمعات غازية عملاقة.
ومن هنا زاد الاهتمام بالتراكيب التي قد تحمل بعض السمات الجيولوجية العامة نفسها في مناطق أخرى من المتوسط، ومنها جنوب كريت وشمال شرق ليبيا.
ولم تأت المقارنة الفنية بحقل ظهر من الانطباعات الإعلامية وحدها؛ فقد ظهرت منذ عام 2016 تحليلات متخصصة لبيانات سيزمية من المنطقة الواقعة بين شمال شرق ليبيا وجنوب كريت، أشارت إلى وجود تراكيب كربوناتية تحمل أوجه تشابه عامة مع النموذج الجيولوجي لحقل ظهر.
غير أن قيمة هذه الدراسات تكمن في توجيه الاهتمام الاستكشافي وترتيب الأولويات، لا في إثبات وجود احتياطيات أو تقدير أحجام تجارية قبل الحفر.
فالتشابه في نوع التركيب أو البيئة الجيولوجية لا يعني تطابق صخور المصدر أو المكمن أو حجم الموارد، ولا يمكن الحديث عن «ظهر آخر» شمال درنة إلا بعد المسوحات الدقيقة وحفر الآبار وإجراء الاختبارات.
والدلالة الأهم للمقارنة أن اكتشافاً واحداً بالحجم الذي مثله حقل ظهر يمكن أن يغير معادلة الطاقة والاقتصاد والأمن الاستراتيجي لدولة كاملة؛ وهذا وحده يفسر لماذا تستحق المنطقة الواقعة شمال درنة وجنوب كريت المتابعة الفنية والقانونية والسيادية المبكرة.
لماذا تصنع الكيلومترات القليلة فارقاً كبيراً؟
في الأحواض البحرية لا يجوز التقليل من أثر تحريك خط الحدود بضعة كيلومترات؛ إذ قد يمتد تركيب جيولوجي أو مكمن واحد عبر جانبي الخط، وقد تقع قمة التركيب أو الجزء الأعلى جودة من المكمن داخل مساحة تختلف تبعيتها باخلاف منهج الترسيم.
وقد أظهرت تجارب شرق المتوسط أن بعض الحقول الكبرى تقع على مسافات محدودة من حدود مناطق بحرية متجاورة.
ولهذا فإن الخلاف على خط بعرض عشرات الكيلومترات لا يمثل فرقاً هندسياً بسيطاً، بل قد يترتب عليه اختلاف جوهري في فرص الاستكشاف، وفي ملكية الموارد، وفي شروط أي تطوير مشترك مستقبلاً.
الأهمية الاقتصادية
إذا أثبت الحفر مستقبلاً وجود موارد تجارية، فقد تتيح المنطقة لليبيا فرصاً واسعة، منها إضافة قاعدة موارد بحرية جديدة إلى الأحواض البرية القائمة، وتنويع مصادر ومواقع الإنتاج، وتوفير الغاز لتوليد الكهرباء والصناعات المحلية، وتقليل استخدام الوقود السائل الأعلى كلفة.
كما قد تدعم الصناعات البتروكيماوية والأسمدة، وتطوير الموانئ وقواعد الخدمات والإمداد البحري في شرق ليبيا، وخلق فرص عمل وتدريب ونقل تكنولوجيا، وفتح إمكانات مستقبلية لتصدير الغاز إلى جنوب أوروبا.
غير أن المياه العميقة تتطلب تقنيات متقدمة واستثمارات ضخمة، وقد تمر سنوات طويلة بين بدء المسح والوصول إلى الإنتاج.
كما أن الجدوى الاقتصادية تعتمد على حجم المورد، وعمق المياه، ونوعية المكمن، وبُعده عن الساحل، وكلفة خطوط النقل، وأسعار الطاقة، والاستقرار القانوني والأمني.
الترسيم ليس الخيار العملي الوحيد
إذا ثبت مستقبلاً وجود تركيب جيولوجي أو مكمن يمتد عبر المنطقة محل النزاع، فقد يكون من الممكن، إلى حين حسم الحدود أو بالتوازي معه، التفاوض على منطقة تطوير مشترك أو اتفاق لتوحيد استغلال المكمن، بحيث تُحدد حصص الطرفين وفق البيانات الفنية.
ويجب أن ينص أي ترتيب من هذا النوع صراحة على أنه لا يشكل تنازلاً عن المواقف القانونية لكل دولة، ولا يحسم السيادة أو خط الترسيم النهائي.
وقد استخدمت ترتيبات التطوير المشترك وتوحيد المكامن في مناطق بحرية متنازع عليها حول العالم؛ لأنها تمنع تجميد المورد لسنوات طويلة، وتوفر إطاراً للاستثمار، مع إبقاء مسألة السيادة منفصلة عن الإدارة التجارية المؤقتة.
لكن هذا الخيار لا ينبغي أن يكون بديلاً عن تثبيت الحقوق الليبية، بل أداة محتملة تُستخدم من موقع قانوني وفني قوي.
الحدود الاقتصادية ليست شأناً اقتصادياً فقط
قد يوحي تعبير «المنطقة الاقتصادية الخالصة» بأن المسألة اقتصادية بالدرجة الأولى، لكن الحقوق البحرية أوسع من قيمة النفط والغاز.
فالمنطقة الاقتصادية الخالصة تمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية واختصاصات محددة في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، سواء كانت حية أو غير حية، وفي إنشاء المنشآت والجزر الاصطناعية، وتنظيم البحث العلمي البحري، وحماية البيئة البحرية.
كما يرتبط المجال البحري بمصالح تتعلق بالثروة السمكية، وخطوط الأنابيب والكابلات، والملاحة، وحماية المنشآت، ومراقبة الأنشطة غير المرخصة، والبنية التحتية الرقمية.
ومن المهم هنا التمييز بين السيادة الكاملة التي تمارسها الدولة في بحرها الإقليمي، والحقوق السيادية والاختصاصات الوظيفية التي تمارسها في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
كذلك فإن البحث والإنقاذ، والهجرة، والتهريب، والملاحة الدولية تخضع لأطر قانونية واتفاقات مختلفة، ولا تنشأ جميعها تلقائياً عن المنطقة الاقتصادية الخالصة، لكنها تتقاطع عملياً مع إدارة المجال البحري وأمنه.
يتبع ،،
رابط الجزء الأول من المقال:
رابط الجزء الثاني من المقال:
