كتب: د.عبد المنصف الشلوي – خبير نفطي واقتصادي
الجزء الثالث..
ليس المطلوب أن ننافس… بل أن نستعد.
بعد استعراض التحولات العالمية في أسواق الطاقة، وما تمتلكه ليبيا من مقومات طبيعية واستراتيجية، قد يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع: هل ينبغي أن يكون هدف ليبيا هو منافسة المغرب أو مصر أو غيرهما في تصدير الكهرباء إلى أوروبا؟
في تقديري، الإجابة هي: لا؛ فالدول لا تُبنى بالمنافسة الإعلامية، وإنما ببناء قدراتها الوطنية وفق أولوياتها الخاصة.
إن نجاح أي دولة في تنفيذ مشروع معين لا ينبغي أن يدفعنا إلى تقليده، بل إلى فهم الدروس المستفادة منه، ثم صياغة نموذج ليبي يتناسب مع ظروفنا ومواردنا واحتياجاتنا.
ولذلك، فإن الأولوية الليبية يجب أن تبقى واضحة: تأمين احتياجات المواطن الليبي من الكهرباء بصورة مستقرة، قبل التفكير في تصدير أي كيلوواط/ساعة إلى الخارج.
الكهرباء… قضية أمن قومي
لم تعد الكهرباء خدمة عامة فحسب، بل أصبحت أحد أهم عناصر الأمن القومي والاقتصادي؛ فكل مصنع يتوقف، وكل مستشفى يتعطل، وكل مشروع استثماري يتأخر بسبب انقطاع الكهرباء، يمثل خسارة مباشرة للاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الكهرباء لا ينبغي النظر إليه باعتباره تكلفة، وإنما استثماراً في الإنتاج، وفي الاستقرار، وفي تحسين جودة الحياة.
وعندما تصبح الشبكة الكهربائية مستقرة، يصبح الحديث عن التوسع في الطاقة المتجددة والربط الإقليمي أكثر واقعية وجدوى.
المؤسسة الوطنية للنفط… شريك في التحول وليس بديلاً عنه
خلال السنوات الماضية، أثبتت المؤسسة الوطنية للنفط قدرتها على المحافظة على الإنتاج وزيادته تدريجياً رغم الظروف الاستثنائية. كما أولت اهتماماً متزايداً بتطوير مشاريع الغاز، والحد من حرقه، وتحسين الاستفادة منه، وهي خطوات تمثل في الواقع جزءاً من التحول الطاقي، حتى وإن لم تُصنف ضمن مشاريع الطاقة المتجددة.
فالغاز الطبيعي سيظل خلال العقود المقبلة الوقود الانتقالي الذي يضمن استقرار الشبكة الكهربائية، ويكمل إنتاج الطاقة الشمسية والرياح، ولا يتعارض معهما.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح مشاريع الغاز اليوم هو استثمار مباشر في نجاح مشاريع الطاقة المتجددة غداً.
خارطة طريق حتى عام 2050
إذا أرادت ليبيا أن تتحول تدريجياً إلى مركز إقليمي للطاقة، فإن ذلك يتطلب رؤية متدرجة، يمكن تلخيصها في سبع مراحل:
2026 – 2030:
- إنهاء أزمة طرح الأحمال بصورة مستدامة.
- استكمال مشاريع تطوير الغاز.
- تقليل حرق الغاز إلى أدنى مستوى ممكن.
- تحديث شبكات النقل والتوزيع.
- إطلاق مشاريع شمسية ورياح تجريبية في عدة مناطق.
2030 – 2035:
- التوسع في محطات الطاقة الشمسية في الجنوب.
- إعادة إطلاق مشروع سيدي عون – درنة لطاقة الرياح، وإنشاء مشاريع إضافية في الجبل الأخضر.
- إدخال أنظمة تخزين الطاقة على نطاق تجاري.
- تعزيز الربط الكهربائي مع دول الجوار.
2035 – 2040:
- رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني.
- توطين بعض الصناعات المرتبطة بالطاقة، مثل الهياكل المعدنية، والكابلات، والمحولات، ومراكز الصيانة.
- إعداد الدراسات النهائية للربط الكهربائي البحري مع أوروبا.
2040 – 2050:
- تشغيل خطوط الربط الإقليمية والدولية إذا أثبتت الدراسات جدواها.
- إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء على نطاق تجاري.
- تصدير فائض الكهرباء النظيفة بعد ضمان الاكتفاء المحلي.
- ترسيخ مكانة ليبيا كمركز للطاقة التقليدية والنظيفة في جنوب المتوسط.
الهيدروجين الأخضر… الفرصة القادمة
قد يكون الحديث اليوم منصباً على الكهرباء، لكن العالم بدأ بالفعل ينظر إلى ما بعدها؛ فالكهرباء المتجددة ستكون وسيلة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يُتوقع أن يلعب دوراً محورياً في إزالة الانبعاثات من الصناعات الثقيلة، والنقل البحري، والطيران، وغيرها من القطاعات التي يصعب كهربتها مباشرة.
وبالنسبة لليبيا، فإن الجمع بين الطاقة الشمسية والغاز والخبرة الصناعية والموقع الجغرافي يمنحها فرصة حقيقية لدخول هذا السوق مستقبلاً، شريطة أن تبدأ من الآن في بناء الأطر التشريعية والمؤسسية اللازمة.
رسالة إلى صانع القرار
إن الاستثمار في الطاقة المتجددة ليس مشروع وزارة بعينها، ولا مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هو مشروع دولة، ويتطلب تنسيقاً بين:
- المؤسسة الوطنية للنفط.
- وزارة النفط والغاز.
- الشركة العامة للكهرباء.
- وزارة التخطيط.
- وزارة الاقتصاد.
- الجهات التشريعية.
- الجامعات ومراكز البحوث.
- القطاع الخاص.
- الشركاء الدوليين.
فالتحول الطاقي الناجح لا يقوم على القرارات الفردية، بل على تكامل السياسات.
الخاتمة
لقد منحت الطبيعة ليبيا ثروات استثنائية؛ فالنفط منحها مكانة في أسواق الطاقة التقليدية، والغاز منحها القدرة على دعم أمنها الكهربائي، والشمس والرياح يمنحانها اليوم فرصة للدخول إلى أسواق الطاقة النظيفة.
ويبقى السؤال الحقيقي: هل نستثمر هذه الموارد كلٌ على حدة، أم نبني بينها جسوراً تجعلها منظومة واحدة تخدم الاقتصاد الوطني لعقود مقبلة؟
في تقديري، فإن المستقبل لن يكون للدول التي تمتلك مورداً واحداً، بل للدول التي تنجح في إدارة جميع مواردها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة. ولعل هذا هو التحدي الأكبر، والفرصة الأكبر، أمام ليبيا في القرن الحادي والعشرين.
لقد منحت الطبيعة ليبيا النفط تحت الأرض، والغاز بين الصخور، والشمس فوق الرمال، والرياح على السواحل. أما الثروة الخامسة، وهي الإدارة الرشيدة، فهي وحدها القادرة على تحويل هذه النعم إلى مستقبل مزدهر للأجيال القادمة.
رابط الجزء الأول من المقال:
“الشلوي”: حين تتغير خريطة الطاقة العالمية.. لماذا ينبغي أن تلتفت ليبيا الآن؟
رابط الجزء الثاني من المقال:
“الشلوي”: ليبيا الدولة الأقرب إلى أوروبا والأغنى بالطاقة.. لماذا لم تبدأ بعد؟





