“حسني بي”: ثلاث قراءات لخطة مصرف ليبيا المركزي 2026.. أين أتفق مع الدكتوريْن “أيوب الفارسي وحلمي القماطي” وأين أختلف معهما؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
أثارت خطة مصرف ليبيا المركزي لاحتواء أزمة السيولة وتنظيم السياسة النقدية نقاشاً اقتصادياً مهماً، وبرزت ثلاث مقاربات مختلفة، لكنها تتقاطع في كثير من النقاط. يمكن تلخيصها على النحو التالي:
أولاً: طرح الدكتور أيوب الفارسي
ينظر الدكتور أيوب إلى الخطة من زاوية السياسة النقدية وأدوات البنك المركزي، ويرى أنها تمثل برنامجاً متكاملاً لإدارة السيولة، والتحول إلى الاقتصاد الرقمي، وتقليص الاكتناز، وتنظيم تداول النقد، بما يؤدي إلى استقرار نقدي تدريجي. هذه القراءة صحيحة من حيث وصف أدوات المصرف المركزي، وتنسجم مع ما تستخدمه معظم البنوك المركزية في العالم. إلا أن هذه الأدوات تفترض وجود بيئة اقتصادية مستقرة نسبياً، وتنسيقٍ كامل مع السياسة المالية، وهو ما لا يتوافر بالكامل في الحالة الليبية.
ثانياً: طرح الدكتور حلمي القماطي
يرى الدكتور حلمي أن الخطة تعالج أزمة السيولة لكنها لا تعالج أزمة الاقتصاد الكلي. وهنا أتفق معه بدرجة كبيرة. فالمشكلة الليبية لم تعد مجرد نقص أوراق نقدية أو ضعف وسائل الدفع، وإنما أصبحت أزمة مركبة تشمل:
- توسعاً كبيراً في الإنفاق العام.
- نمواً سريعاً في عرض النقود.
- اعتماداً شبه كامل على الواردات.
- ضعف الإنتاج المحلي.
- غياب التنسيق الكامل بين السياسة المالية والنقدية.
- اختلالات في الحوكمة والرقابة.
ولهذا فإن نجاح السياسة النقدية وحدها سيظل محدوداً إذا لم تصاحبها إصلاحات مالية وهيكلية.
ثالثاً: رؤيتي الاقتصادية
أتفق مع الدكتور أيوب في أن أدوات المصرف المركزي صحيحة ومطلوبة. وأتفق مع الدكتور حلمي في أن هذه الأدوات وحدها لا تكفي. لكنني أرى أن هناك قضية أكثر جوهرية لم تُطرح بوضوح، وهي آلية تحديد سعر الصرف نفسه. فالتجربة الليبية خلال أكثر من أربعين عاماً أثبتت أن المشكلة ليست في حجم الدولار المباع فقط، ولا في كمية الدينارات المطبوعة فقط، وإنما في استمرار الاعتماد على سعر صرف إداري يقل في كثير من الأحيان عن سعر التوازن الحقيقي الذي يفرضه العرض والطلب. وعندما يحدث ذلك، تظهر تلقائياً السوق الموازية.
أين يكمن جوهر الأزمة؟
من وجهة نظري، الأزمة تتكون من خمس حلقات مترابطة:
- ارتفاع الإنفاق العام.
- تمويل جزء منه بالتوسع النقدي.
- زيادة الطلب على الدولار لاقتصاد يعتمد على الاستيراد.
- عدم قدرة المصرف المركزي على تلبية جميع الطلبات بالسعر الرسمي.
- انتقال الطلب غير الملبى إلى السوق الموازية وارتفاع سعر الدولار.
وهذه الحلقة ستتكرر مهما توسعت وسائل الدفع الإلكتروني أو زادت طباعة العملة.
هل إعادة إصدار فئة الـ 50 ديناراً خطأ؟
ليس بالضرورة. إذا كانت الغاية استبدال أوراق تالفة أو تحسين جودة النقد، فهذا إجراء طبيعي. أما إذا كان الهدف معالجة أزمة السيولة فقط، فإن ذلك لا يغير الأسباب التي دفعت المواطنين إلى الاحتفاظ بالنقد خارج المصارف. فالناس لا تكتنز بسبب فئة الورقة، وإنما بسبب ضعف الثقة.
هل ضخ 90 مليار دينار يحل الأزمة؟
إذا كان الضخ إحلالاً لعملة قديمة فلا يمثل توسعاً نقدياً. أما إذا أدى إلى زيادة صافي الكتلة النقدية دون زيادة مماثلة في الإنتاج أو الإيرادات الدولارية، فإنه سيزيد الضغوط على التضخم وسعر الصرف. إذن ليس المهم عدد المليارات المطبوعة، بل أثرها على إجمالي عرض النقود.
هل بيع المزيد من الدولار هو الحل؟
ليس دائماً. فالسنوات الماضية شهدت بيع عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، ومع ذلك استمرت السوق الموازية. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في كمية الدولار المباعة فقط، وإنما في:
- سعر البيع.
- طريقة التخصيص.
- حجم الطلب الحقيقي.
- التوقعات المستقبلية.
- التوسع في الإنفاق العام.
هل الدفع الإلكتروني يحل الأزمة؟
الدفع الإلكتروني من أهم الإصلاحات المطلوبة، لكنه لا ينتج دولاراً واحداً إضافياً، ولا يزيد الإنتاج، ولا يخفض العجز المالي. إنه يرفع الكفاءة والشفافية، لكنه لا يعالج اختلالات الاقتصاد الكلي.
لماذا نجحت دول الخليج والأردن؟
لأنها لم تعتمد فقط على إعلان سعر رسمي. بل بنت منظومة كاملة تدافع عنه من خلال:
- انضباط المالية العامة.
- احتياطيات أجنبية قوية.
- ثقة مرتفعة بالعملة.
- تلبية جميع الطلبات المشروعة على النقد الأجنبي.
- استقرار المؤسسات والسياسات الاقتصادية.
أما في ليبيا، فإن الدفاع عن سعر إداري أقل من سعر التوازن الحقيقي يؤدي مع الوقت إلى ظهور سوق موازية مهما كانت قوة الرقابة.
الخلاصة:
إذا أردت تلخيص المواقف الثلاثة في جملة واحدة، فإنني أقول:
الدكتور أيوب الفارسي يشرح الأدوات التي يمتلكها المصرف المركزي.
الدكتور حلمي القماطي يشرح القيود التي تحد من فعالية هذه الأدوات.
أما رؤيتي فهي أن نجاح الأدوات أو فشلها يتوقف في النهاية على وجود سوق نقد أجنبي موحدة وشفافة، وسعر صرف قريب من سعر التوازن الحقيقي، وسياسة مالية منضبطة، وإنهاء التمويل بالعجز، وزيادة الإنتاج الحقيقي.
فالسيولة ليست المشكلة الأساسية، بل هي أحد أعراضها. وسعر الصرف ليس قراراً إدارياً، بل نتيجة مباشرة للتوازن بين عرض النقد، والإنتاج، والإيرادات الدولارية، وثقة المجتمع في الاقتصاد. ولذلك فإن الاستقرار النقدي المستدام لن يتحقق بطباعة المزيد من العملة، ولا ببيع المزيد من الدولار، ولا بالتوسع في الدفع الإلكتروني وحده، وإنما بتكامل السياسة النقدية، والسياسة المالية، والإصلاح الهيكلي، والحوكمة الرشيدة ضمن برنامج اقتصادي وطني واحد.



