كتب : الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”
الجزء الثاني
ليبيا لا ينقصها المورد… بل المنظومة
حين نتحدث عن مستقبل الطاقة المتجددة في ليبيا، فإن أول ما ينبغي تصحيحه هو الفكرة السائدة بأن المشكلة تكمن في نقص الإمكانات الطبيعية.
فالواقع يقول العكس تماماً.
ليبيا ليست دولة تبحث عن الشمس أو الرياح أو الأراضي المناسبة أو الموقع الجغرافي، بل هي دولة تمتلك كل هذه العناصر بدرجات استثنائية. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل تستطيع ليبيا إنتاج الكهرباء النظيفة؟ وإنما: كيف يمكن تحويل هذه الإمكانات إلى صناعة وطنية مستدامة؟
وهنا يكمن الفرق بين امتلاك الموارد وامتلاك الرؤية.
لقد أثبت التاريخ الاقتصادي أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع النهضة، وإنما تصنعها الإدارة الرشيدة، والاستقرار المؤسسي، والتشريعات الجاذبة، والقدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى وفق خطط طويلة الأجل.
الميزة الجغرافية التي لا تحظى بما تستحقه من الاهتمام
من وجهة نظري، لم يحظَ الموقع الجغرافي الليبي بالدراسة التي يستحقها في سياق الطاقة المتجددة.
فغالبية النقاشات تركز على الإنتاج، بينما تهمل عنصر القرب من الأسواق، وهو أحد أهم عناصر نجاح أي مشروع للطاقة.
فعلى سبيل المثال:
- طرابلس تمثل أقرب نقطة ليبية إلى مالطا، وهي مسافة بحرية قصيرة نسبياً مقارنة بالعديد من مشاريع الربط الكهربائي القائمة حول العالم.
- درنة تقع في مواجهة مباشرة تقريباً لجنوب اليونان (جزيرة كريت)، وهي من أقرب المدن الليبية إلى الأراضي الأوروبية، وهو ما يجعلها ذات أهمية خاصة عند دراسة أي سيناريو مستقبلي للربط الكهربائي البحري.
- كما أن أمساعد، في أقصى الشرق الليبي، تُعد من أقرب النقاط الليبية إلى قبرص، وهو معطى جغرافي يستحق أن يكون جزءاً من الدراسات المستقبلية، حتى وإن لم يكن الخيار الأول فنياً.
هذه الحقائق لا تعني أن خطوط الربط ستُنفذ من هذه المواقع بالضرورة، فذلك تحدده الدراسات الهندسية والاقتصادية والبيئية، لكنها تؤكد أن ليبيا تتمتع بمرونة جغرافية لا تتوفر لكثير من الدول المنافسة.
درنة… أكثر من مدينة ساحلية
عندما تُذكر درنة في وسائل الإعلام، غالباً ما يرتبط اسمها بالكوارث الطبيعية أو بالأحداث السياسية، بينما تغيب حقيقة أنها قد تكون إحدى أهم المدن الليبية من منظور الطاقة المستقبلية.
فالمنطقة الممتدة من درنة إلى الجبل الأخضر تتميز بعدة خصائص فريدة:
- سرعات رياح مناسبة لإنتاج الكهرباء.
- تضاريس تساعد على استقرار حركة الرياح في مواقع محددة.
- قرب مباشر من البحر المتوسط.
- مسافة بحرية قصيرة نسبياً باتجاه جنوب أوروبا.
- وجود مساحات قابلة لتطوير مشاريع الرياح دون تعارض كبير مع الأنشطة العمرانية.
ومن هنا، فإن إعادة إحياء مشروع مزرعة الرياح في سيدي عون – درنة ينبغي ألا تُفهم على أنها إعادة لمشروع قديم فقط، بل باعتبارها خطوة تأسيسية لقطاع جديد يمكن أن يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الليبي مستقبلاً.
ولعل من المناسب أن تتولى الجهات المختصة إعادة تقييم المشروع وفق المعايير والتقنيات الحديثة، بعد أن شهدت صناعة توربينات الرياح تطوراً كبيراً وانخفاضاً ملحوظاً في تكاليفها خلال العقد الأخير.
الصحراء الليبية… أكبر محطة شمسية لم تُبنَ بعد
إذا كانت درنة والجبل الأخضر يمثلان بوابة ليبيا لطاقة الرياح، فإن الصحراء الليبية تمثل بلا شك أعظم كنوزها في مجال الطاقة الشمسية.
فالمساحات الشاسعة، والإشعاع الشمسي المرتفع، والانخفاض النسبي في الكثافة السكانية، كلها عوامل تجعل الجنوب الليبي مؤهلاً لاستضافة مجمعات شمسية عملاقة يمكن أن تنافس أكبر المشاريع العالمية.
غير أن النجاح لا يُقاس بعدد الألواح الشمسية التي تُركّب، وإنما بقدرة الدولة على دمج هذه المشاريع ضمن شبكة كهربائية حديثة، وربطها بمراكز الاستهلاك، ثم الانتقال تدريجياً إلى إنتاج فائض يسمح بالتصدير.
الغاز… ليس منافساً للطاقة المتجددة
من أكثر المفاهيم التي أراها بحاجة إلى تصحيح، الاعتقاد بأن التوسع في الطاقة الشمسية والرياح يعني تقليص دور الغاز الطبيعي.
والحقيقة أن التجارب العالمية تثبت العكس.
فالغاز الطبيعي سيظل، خلال العقود المقبلة، الوقود الأكثر قدرة على تحقيق التوازن في الشبكات الكهربائية؛ لأنه يوفر المرونة اللازمة لتعويض التذبذب الطبيعي في إنتاج الطاقة الشمسية والرياح.
ولهذا، فإن ليبيا تمتلك ميزة إضافية لا تحظى بها كثير من الدول، وهي إمكانية بناء نموذج يقوم على التكامل بين الغاز والطاقة المتجددة، بحيث يدعم كل منهما الآخر بدلاً من أن يحل محله.
إن تطوير مشاريع الغاز، وتقليل حرقه، وزيادة كفاءة استغلاله، لا يتعارض مع التوسع في الطاقة المتجددة، بل يمثل القاعدة التي سيُبنى عليها هذا التوسع.
من أين نبدأ؟
في رأيي، ينبغي أن تكون الأولويات واضحة ومتدرجة:
- إنهاء أزمة طرح الأحمال بصورة مستدامة.
- استكمال مشاريع تطوير الغاز وتخفيض حرقه.
- تحديث شبكات النقل والتوزيع.
- إطلاق مشاريع شمسية ورياح على مراحل.
- إعادة إحياء مشروع سيدي عون – درنة كمشروع وطني رائد لطاقة الرياح.
- إعداد الدراسات الفنية والاقتصادية لمشاريع الربط الكهربائي البحري مع أوروبا.
- بناء صناعة وطنية مساندة تشمل الكوابل، والمحولات، والهياكل المعدنية، وخدمات التشغيل والصيانة.
فالتسرع في الحديث عن التصدير قبل بناء منظومة داخلية قوية سيكون خطأ استراتيجياً، أما بناء هذه المنظومة أولاً فسيجعل التصدير نتيجة طبيعية وليس هدفاً بحد ذاته.
خاتمة
إن ما يميز ليبيا عن كثير من الدول ليس امتلاكها النفط أو الغاز فقط، بل اجتماع عناصر نادرة في مكان واحد: الشمس، والرياح، والغاز، والساحل الطويل، والقرب من أوروبا.
ويبقى العنصر الوحيد الذي لا تمنحه الجغرافيا ولا توفره الطبيعة، هو الإدارة الرشيدة والرؤية بعيدة المدى.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد:
هل تستطيع ليبيا أن تصبح مركزاً للطاقة في جنوب المتوسط؟
بل أصبح:
هل نبدأ اليوم في بناء هذا المستقبل، أم نترك الآخرين يسبقوننا إليه؟
يتبع في الجزء الثالث والأخير…
عنوان الجزء الثالث:
من أزمة الكهرباء إلى تصدير الطاقة… خارطة طريق ليبية حتى عام 2050.
رابط الجزء الأول من المقال:
“الشلوي”: حين تتغير خريطة الطاقة العالمية.. لماذا ينبغي أن تلتفت ليبيا الآن؟





