Skip to main content

الوسم: رئيسي

“عمران الشائبي”: مجموعة “Qilin” تعلن مسؤوليتها عن الهجمة التي استهدفت مصرف ليبيا المركزي

كتب: عمران الشائبي – المدير السابق لإدارة تقنية المعلومات بمصرف ليبيا المركزي

أعلنت مجموعة “Qilin” مسؤوليتها عن الهجمة التي استهدفت مصرف ليبيا المركزي.

في 9 يونيو، أعلن مصرف ليبيا المركزي عن تعرّضه لهجوم سيبراني طال جزءاً من أنظمته؛ حيث بادر المصرف إلى عزل الأنظمة المتأثرة، وتفعيل خطط الاستجابة للحوادث واستمرارية الأعمال، والاستعانة بخبراء تحقيق جنائي رقمي دوليين.

وبحسب ما أُعلن، ظلّت الخدمات الأساسية تعمل، مثل: البطاقات، ومنظومة (LYPAY)، والخدمات المصرفية للعملاء. وفي 22 يونيو، أدرجت مجموعة (Qilin) المصرفَ على موقعها للتسريبات في الدارك ويب، ورصدت منصات الاستخبارات السيبرانية هذا الإعلان منذ ذلك الحين.

إن مجموعة (Qilin) عادة ما تتفاوض على مطالبها بشكل سري ونادراً ما تنشر الأرقام، وأي رقم يُتداول الآن بخصوص المصرف المركزي تحديداً هو تخمين، وليس معلومة استخباراتية.

لماذا يتجاوز هذا الحدث حدود ليبيا؟

يُعدّ المصرف المركزي بنية تحتية وطنية حرجة، والمخاطر على السمعة وعلى استقرار المنظومة المالية تبقى مرتفعة حتى عندما يبدو الضرر التقني محدوداً. إن المؤشرات المبكرة هنا، مثل أسلوب الابتزاز المزدوج المرجّح، وعزل الأنظمة، والتحقيق الهادئ، هي اللحظات الحاسمة التي تحدد ما إذا كان الحادث سيتحول إلى أزمة.

فالمؤسسات التي تصمد أمام هجمات كهذه ليست صاحبة أكبر الميزانيات، بل تلك التي تدرّبت على الاستجابة قبل أن تحتاج إليها.

مصير البيانات واهتمامات الجهات الاستخباراتية

غالباً ما يستغرق ظهور حالات سرقة البيانات أو سرقة الهوية للعلن بعض الوقت إذا ما اعتبر المهاجمون تلك البيانات ذات قيمة عالية؛ إذ يسعون غالباً لاستخدامها في شن هجمات لاحقة، أو العثور على مشترين مستعدين لدفع مبالغ كبيرة مقابلها. بل إن البيانات المتاحة علناً على شبكة الإنترنت قد تكون خضعت لعمليات إعادة بيع متعددة بالفعل.

وعلاوة على ذلك، فإن الجهات الاستخباراتية (سواء التابعة للشركات أو الحكومات) والجهات العسكرية لا ترغب عادة في بيع هذه البيانات، بل تفضل الاحتفاظ بها لنفسها لإجراء المزيد من التحليلات، وربما توظيفها كسلاح.

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الرابع

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

هل يمكن الوصول إلى مليوني برميل يومياً؟… نعم، ولكن وفق شروط واضحة

بعد استعراض الجوانب الفنية والاستثمارية والمؤسسية، أعتقد أن الإجابة عن السؤال الذي طرحه تقرير Bloomberg يمكن أن تكون أكثر وضوحاً.

نعم… تستطيع ليبيا الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً.

لكن ليس لأن الاحتياطيات موجودة، ولا لأن الشركات العالمية أبدت اهتماماً متزايداً، ولا لأن الظروف الدولية أصبحت أكثر ملاءمة. بل لأن هذه العناصر جميعها، إذا اجتمعت مع الاستقرار والإدارة الرشيدة، يمكن أن تنتج واقعاً جديداً لقطاع الطاقة الليبي.

وفي المقابل، فإن غياب أي عنصر من هذه العناصر قد يؤخر هذا الهدف سنوات إضافية، مهما بلغت جودة الخام الليبي أو حجم الاحتياطيات.

ومن هنا، فإنني أرى أن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره هدفاً قصير الأجل، وإنما مشروع وطني يمتد على عدة سنوات؛ يبدأ من تعزيز الاستقرار، ويتواصل عبر تنفيذ المشاريع التطويرية، وتوسيع أعمال الاستكشاف، وتحديث البنية التحتية، وبناء شراكات استثمارية مستدامة.

وإذا سارت هذه المسارات بصورة متوازية، فإن الوصول إلى هذا المستوى من الإنتاج خلال الفترة الممتدة بين نهاية هذا العقد وبداية العقد القادم يبدو، في تقديري، هدفاً واقعياً أكثر من كونه حلماً بعيد المنال.

أما إذا عادت الإغلاقات، أو تعثرت الاستثمارات، أو بقيت البيئة المؤسسية تعاني من حالة عدم اليقين، فإن تحقيق هذا الهدف سيصبح أكثر صعوبة وربما يتأجل، رغم أن الإمكانات الطبيعية ستظل قائمة كما هي.

العالم يرى فرصة… فهل نراها نحن أيضاً؟

ما استوقفني في تقرير Bloomberg ليس حديثه عن النفط، بل الطريقة التي أصبح ينظر بها العالم إلى ليبيا. فبعد سنوات طويلة كانت فيها ليبيا تُذكر في التقارير الدولية باعتبارها مصدر قلق أمني أو سياسي، بدأ الخطاب يتغير تدريجياً نحو الحديث عن الفرص، والاستثمار، والطاقة، والشراكات الاقتصادية.

وهذا التحول، في حد ذاته، يمثل فرصة لا تقل أهمية عن أي اكتشاف نفطي جديد؛ فالسمعة الاستثمارية لأي دولة تُبنى ببطء، لكنها قد تتغير بسرعة إذا أحسنت استثمار اللحظة المناسبة.

واليوم، تبدو ليبيا أمام لحظة كهذه:

  • الشركات العالمية تعود.
  • الاستثمارات تتحرك.
  • الأسواق الأوروبية تبحث عن مصادر قريبة وآمنة.
  • الغاز الليبي يكتسب أهمية متزايدة.
  • جولة التراخيص أعادت فتح أبواب كانت مغلقة منذ ما يقارب عقدين.

لكن كل هذه المؤشرات الإيجابية لن تتحول إلى إنجاز اقتصادي تلقائياً؛ فالتاريخ مليء بدول امتلكت فرصاً أكبر من هذه، لكنها لم تستطع تحويلها إلى تنمية لأنها لم تنجح في بناء المؤسسات القادرة على إدارتها.

رسالة إلى صناع القرار

إذا كان لي أن أختصر هذه المقالة في رسالة واحدة، فسأقول: إن مشروع الوصول إلى مليوني برميل يومياً يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مشروعاً لزيادة الإنتاج فقط، بل باعتباره فرصة لإعادة بناء الاقتصاد الليبي على أسس أكثر قوة واستدامة.

فالزيادة في الإنتاج ينبغي أن تترافق مع:

  • إصلاحات اقتصادية وهيكلية.
  • تطوير قطاع الغاز.
  • زيادة الطاقة التكريرية.
  • التوسع في الصناعات البتروكيماوية.
  • تقليل استيراد الوقود.
  • رفع كفاءة الإنفاق العام.
  • تعزيز المحتوى المحلي.
  • الاستثمار في الإنسان الليبي.

فكل برميل إضافي ينبغي أن يتحول إلى مدرسة، أو مستشفى، أو طريق، أو محطة كهرباء، أو فرصة عمل، أو مشروع إنتاجي جديد. وهنا فقط يصبح النفط وسيلة للتنمية، وليس مجرد مصدر للإيرادات.

الخاتمة

لقد أثبت النفط الليبي، على مدى أكثر من ستين عاماً، أنه قادر على الصمود أمام أصعب الظروف، وأنه يظل الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني. واليوم، ومع عودة الاهتمام الدولي، وعودة الشركات العالمية، وتغير خريطة الطاقة العالمية، تمتلك ليبيا فرصة تاريخية قد لا تتكرر بسهولة.

لكن هذه الفرصة لن يحددها حجم الاحتياطيات، ولا عدد الشركات، ولا قيمة الاستثمارات وحدها، بل سيحددها شيء أكثر أهمية… قدرة الدولة الليبية على إدارة هذه المرحلة برؤية استراتيجية، ومؤسسات مستقرة، وإرادة وطنية تضع مصلحة البلاد فوق أي اعتبار آخر.

وعندها فقط، لن يكون الوصول إلى مليوني برميل يومياً هو الإنجاز الحقيقي؛ فالإنجاز الحقيقي هو أن تتحول هذه البراميل إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، وتنمية أكثر استدامة، ودولة أكثر قوة، ومواطن أكثر ازدهاراً.

ولعل أفضل ما يمكن أن نختم به هذه القراءة هو أن نقول: إن العالم يرى في ليبيا فرصة طاقة كبرى… أما التحدي الحقيقي، فهو أن يرى الليبيون في هذه الفرصة مشروعاً وطنياً لبناء المستقبل، لا مجرد مشروع لزيادة الإنتاج.

ففي نهاية المطاف… لن يصنع مليونا برميل يومياً مستقبل ليبيا، لكن الطريقة التي ستدير بها ليبيا هذين المليونين هي التي ستحدد شكل هذا المستقبل، ومكانة الدولة، وجودة حياة المواطن، لعقود قادمة.

رابط الجزء الأول من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثاني

رابط الجزء الثالث من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثالث

“أبوشيحة” يتابع مع رئيسي جهاز الحرس البلدي ومصلحة السجل التجاري تنفيذ قرارات تنظيم السوق والرقابة التجارية

تابع وزير الاقتصاد والتجارة “سهيل أبوشيحة” مع رئيس جهاز الحرس البلدي اللواء “رجب قطوسة” ورئيس مصلحة السجل التجاري “محمد بن كثير”، في اجتماع موسع اليوم الاثنين، تنفيذ قرارات تنظيم السوق والرقابة التجارية.

​وتركز الاجتماع على وضع خطة عمل مشتركة بين الوزارة وجهاز الحرس البلدي ومصلحة السجل التجاري، لتطبيق القرار رقم (295) لسنة 2026 بشأن إلزام إشهار أسعار السلع الأساسية، والقرار رقم (254) لسنة 2026 الخاص بتنظيم القنوات القانونية للتوزيع.

وشدد “أبوشيحة” خلال الاجتماع على أهمية تكثيف التفتيش الميداني والتنسيق بين الجهات الضبطية والتنفيذية لضمان استقرار الأسواق وحماية المستهلك.

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثالث

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

الطريق إلى مليوني برميل… لا يبدأ من الحقول بل من الدولة

على مدى أكثر من ستين عاماً، أثبت قطاع النفط الليبي قدرة لافتة على التعافي كلما توافرت له الظروف المناسبة. فعلى الرغم من الحروب، والإغلاقات، والانقسامات المؤسسية، والتقلبات السياسية، ظل القطاع قادراً على استعادة جزء كبير من إنتاجه في كل مرة، وهو ما يعكس جودة المكامن، وكفاءة الكوادر الوطنية، والخبرة المتراكمة التي اكتسبتها المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها.

لكن التجربة نفسها تقدم درساً لا يقل أهمية.

فكل مرة ارتفع فيها الإنتاج، لم يكن السبب اكتشاف احتياطيات جديدة، وإنما تحسن الظروف التي سمحت للقطاع بالعمل.

وهذا يعني أن العامل الحاسم في مستقبل النفط الليبي لم يعد جيولوجياً، بل أصبح مؤسسياً.

فالنفط موجود منذ ملايين السنين، لكن الاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة، والتمويل يحتاج إلى ثقة، والشركات تحتاج إلى وضوح في الرؤية، والأسواق تحتاج إلى مورد يمكن الاعتماد عليه.

ولهذا فإنني أرى أن الحديث عن مليوني برميل يومياً يجب ألا يُختزل في عدد الآبار التي ستُحفر أو حجم الاستثمارات التي ستُضخ، بل يجب أن يبدأ بسؤال أكثر جوهرية:

هل تمتلك ليبيا اليوم البيئة المؤسسية التي تسمح بإدارة مشروع بهذا الحجم؟

المؤسسة الوطنية للنفط… ركيزة النجاح وليست البديل عن الدولة

من الإنصاف القول إن المؤسسة الوطنية للنفط كانت، طوال السنوات الماضية، صمام الأمان الحقيقي لهذا القطاع.

فعلى الرغم من الظروف المعقدة، استطاعت المحافظة على استمرارية الإنتاج، وإدارة علاقاتها مع الشركاء الدوليين، وإعادة تشغيل الحقول والموانئ بعد كل أزمة تقريباً، كما نجحت في إطلاق مشاريع تطويرية وجولة تراخيص جديدة أعادت ليبيا إلى خريطة الاستثمار العالمي في الاستكشاف والإنتاج.

وهذا النجاح يستحق الإشادة.

لكن من الظلم أيضاً تحميل المؤسسة الوطنية للنفط وحدها مسؤولية تحقيق مليوني برميل يومياً.

فالقطاع النفطي، بطبيعته، لا يعمل بمعزل عن بقية مؤسسات الدولة.

إن نجاح المؤسسة يحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ باستقرار القرار السياسي، وتمر بوضوح السياسات المالية، وتصل إلى كفاءة الأجهزة القضائية والتنظيمية، وسرعة الإجراءات الإدارية، واستقرار البيئة الأمنية، وتكامل البنية التحتية.

فلا يمكن لأي مؤسسة نفطية في العالم، مهما بلغت كفاءتها، أن تحقق أهدافاً استراتيجية إذا كانت تعمل في بيئة تفتقر إلى الانسجام المؤسسي أو تعاني من تغيرات متمتالية في قواعد العمل.

ومن هنا، فإن نجاح المؤسسة الوطنية للنفط في المرحلة المقبلة يجب أن يُنظر إليه باعتباره نجاحاً للدولة الليبية بأكملها، وليس لمؤسسة واحدة.

المشكلة ليست في النفط… بل في إدارة النفط

في اعتقادي، هذه هي القضية الجوهرية التي ينبغي أن تشغل النقاش الوطني خلال السنوات القادمة.

فليبيا لا تعاني من نقص في الموارد الطبيعية، ولا من ضعف في جودة خامها، ولا من محدودية احتياطياتها، بل تمتلك، بشهادة الأسواق العالمية، واحداً من أفضل الخامات النفطية، وأكبر الاحتياطيات في أفريقيا، وإمكانات غازية واعدة لم تُستغل بعد بالشكل الأمثل.

لكن السؤال الحقيقي هو: كيف تُدار هذه الثروة؟

إن الدول لا تتقدم لأنها تنتج النفط، وإنما لأنها تحسن إدارة عائداته.

ولذلك فإن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لن يكون إنجازاً حقيقياً إذا استمرت أنماط الإدارة الاقتصادية نفسها، أو بقيت العوائد تُستهلك في الإنفاق الجاري دون أن تتحول إلى استثمارات منتجة ترفع من قدرة الاقتصاد على النمو والاستدامة.

إن المطلوب اليوم ليس فقط زيادة الإنتاج، بل زيادة القيمة الاقتصادية لكل برميل يتم إنتاجه. وهذا لا يتحقق إلا عبر منظومة متكاملة تشمل:

  • رفع الطاقة التكريرية المحلية، بما يقلل الاعتماد على استيراد الوقود.
  • التوسع في الصناعات البتروكيماوية والأسمدة والصناعات التحويلية.
  • استثمار الغاز الطبيعي بصورة أكثر كفاءة، والحد من حرق الغاز المصاحب.
  • تطوير الخدمات النفطية المحلية، وتمكين الشركات الوطنية من المشاركة بصورة أكبر في المشاريع.
  • رفع نسبة المحتوى المحلي، بما يخلق فرص عمل ويعزز نقل التكنولوجيا.
  • الاستثمار في البحث العلمي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات النفطية.

فالقيمة المضافة لا تُقاس بعدد البراميل المنتجة فقط، بل بما تحققه تلك البراميل من نشاط اقتصادي داخل الدولة.

النفط يجب أن يمول التحول الاقتصادي… لا أن يؤجل الإصلاح

لقد اعتمد الاقتصاد الليبي، لعقود طويلة، على النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات، وهو ما جعل أداء الاقتصاد يرتبط بصورة مباشرة بأسعار النفط ومستويات الإنتاج.

لكن المرحلة المقبلة تفرض رؤية مختلفة.

فالزيادة المتوقعة في الإيرادات، إذا تحقق هدف مليوني برميل يومياً، يجب ألا تؤدي إلى توسيع الاقتصاد الريعي، بل ينبغي أن تمثل فرصة تاريخية لتمويل إصلاحات اقتصادية طال انتظارها، ومن أهمها:

  • تنويع مصادر الدخل.
  • تمكين القطاع الخاص.
  • تحسين كفاءة الإنفاق العام.
  • الاستثمار في رأس المال البشري.
  • تحديث البنية التحتية.
  • دعم الاقتصاد الرقمي والصناعات الجديدة.

فأفضل استخدام لعائدات النفط هو أن تُستثمر في بناء اقتصاد يستطيع، مستقبلاً، أن يحقق النمو حتى عندما تتراجع أسعار النفط أو تنخفض معدلات الإنتاج.

وهذه، في تقديري، هي الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية، وهي أيضاً المعيار الذي يجب أن نقيس به نجاح أي استراتيجية نفطية في ليبيا، وليس فقط عدد البراميل التي تخرج يومياً من الحقول.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثاني

“مسعود سليمان”: إنتاج ليبيا النفطي يسجل أعلى مستوى منذ 2013 باقترابه من 1.5 مليون برميل يومياً

أعلن رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان” اليوم الأحد، تحقيق طفرة إنتاجية هي الأعلى منذ عام 2013؛ حيث بلغ إجمالي إنتاج النفط الخام والمكثفات مليون و487 ألف برميل يومياً (منها مليون و438 ألف برميل نفط خام، و49 ألف برميل مكثفات).

​وأشاد رئيس المؤسسة بالجهود الاستثنائية للكوادر والعاملين في مختلف الحقول والموانئ النفطية التي قادت إلى هذا “الإنجاز التاريخي”، مؤكداً أن القطاع يسير بخطى ثابتة واقترب من بلوغ حاجز 1.5 مليون برميل يومياً، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي ويعزز مكانة النفط الليبي عالمياً.

“حلمي القماطي”: من أزمة الديون العالمية إلى الاقتصاد الليبي.. كلفة تأجيل الإصلاح في عالم يتغير

كتب: د. حلمي القماطي/ رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي

منذ عام 1971م، عندما أنهت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب، دخل العالم مرحلة جديدة من النظام النقدي القائم على العملات الورقية؛ حيث أصبحت قدرة المصارف المركزية على خلق السيولة أكبر من أي وقت مضى.

لم يكن ذلك القرار مجرد تغيير فني في السياسة النقدية، بل نقطة تحول تاريخية أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي.

مع مرور الوقت توسع الائتمان بوتيرة متسارعة؛ فالأفراد اقترضوا، والشركات اقترضت، والحكومات اقترضت أكثر. تدفقت الأموال عبر المصارف والأسواق المالية، وارتفع الإنفاق ونمت الاقتصادات، لكن بالتوازي تضخم حجم الديون العالمية بشكل غير مسبوق.

واليوم، تجاوز إجمالي الدين العالمي 300 تريليون دولار، في وقت يقترب فيه الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 100 تريليون دولار فقط. بمعنى آخر، أصبح العالم مديناً بأكثر من ثلاثة أضعاف ما ينتجه سنوياً.

المشكلة لا تكمن في وجود الديون بحد ذاتها، فالديون أداة اقتصادية طبيعية، لكنها تتحول إلى مصدر للمخاطر عندما تنمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصادات الحقيقية على توليد الدخل اللازم لخدمتها. ومع ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد أعباء خدمة الدين، أصبحت العديد من الحكومات تواجه معضلة معقدة:

  • إما التوسع في خلق السيولة، بما قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملات والمدخرات.
  • أو زيادة الضرائب والرسوم، بما يرفع الأعباء على المواطنين والشركات.
  • أو الاستمرار في الاقتراض، وهو خيار يزداد صعوبة وكلفة مع مرور الوقت.

التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن فترات تراكم الديون المفرطة غالباً ما تترافق مع اضطرابات مالية وتوترات جيوسياسية وإعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي. ولعل ما يلفت الانتباه اليوم هو الزيادة الملحوظة في مشتريات المصارف المركزية من الذهب؛ فالذهب لا يدر عائداً، ولكنه يحتفظ بقيمته عندما تتراجع الثقة في العملات والأصول المالية التقليدية. هذه ليست إشارة إلى انهيار وشيك، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً لحجم المخاطر الكامنة داخل النظام المالي العالمي.

السؤال لم يعد: ما إذا كانت الاختلالات موجودة؟ فهي موجودة بالفعل، السؤال الحقيقي هو: كيف ستتم معالجتها؟ وهل سيكون العالم قادراً على إدارة هذا التحول بهدوء، أم أن التكلفة الاقتصادية ستكون أعلى مما نتوقع؟

وإذا كانت أزمة الديون العالمية تمثل تحدياً للدول الكبرى ذات الاقتصادات المتنوعة والمؤسسات المستقرة، فإن المخاطر بالنسبة لليبيا أكبر بكثير. فليبيا لا تواجه أزمة اقتصادية تقليدية فحسب، بل تعيش مزيجاً معقداً من الانقسام السياسي والمؤسسي، والتوسع غير المنضبط في الإنفاق العام، والسياسات النقدية قصيرة الأجل.

يعتمد الاقتصاد الليبي بصورة شبه كاملة على النفط، الذي يشكل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والنقد الأجنبي. لكن في المقابل، يتسع الإنفاق العام بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد الحقيقي على الإنتاج، بينما تستمر فاتورة المرتبات والدعم والإنفاق الموازي في الارتفاع عاماً بعد عام.

وفي ظل غياب التنسيق الكامل بين السياسات المالية والنقدية، أصبحت الحلول المؤقتة تحل محل الإصلاحات الهيكلية. وتأجيل الإصلاح لا يلغي التكلفة بل يضاعفها؛ فاستمرار التوسع في الإنفاق دون زيادة حقيقية في الإنتاج، واستمرار الاعتماد على إيرادات نفطية متقلبة، يعني مزيداً من الضغوط على سعر الصرف ومزيداً من التآكل في القوة الشرائية للمواطن.

ومع استمرار الانقسام المؤسسي، تتراجع قدرة الدولة على ضبط الإنفاق، وتضعف كفاءة إدارة الموارد العامة، وتزداد صعوبة بناء سياسة اقتصادية موحدة قادرة على مواجهة الصدمات.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انخفاض أسعار النفط، بل في تزامن أي تراجع نفطي مستقبلي مع استمرار مستويات الإنفاق الحالية؛ حينها ستصبح الخيارات أكثر صعوبة:

  • إما اللجوء إلى تخفيض قيمة العملة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
  • أو فرض رسوم وضرائب إضافية لتعويض تراجع الإيرادات.
  • أو استنزاف الاحتياطيات الأجنبية لتغطية فجوة متزايدة بين الإيرادات والمصروفات.

وفي جميع الحالات، سيدفع المواطن التكلفة النهائية عبر ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الدخل الحقيقي، وتآكل المدخرات.

كل عام يمر دون إصلاحات اقتصادية حقيقية يعني اقتصاداً أكثر هشاشة، واعتماداً أكبر على الإيرادات النفطية، واحتياطيات تُستهلك في معالجة الأزمات بدلاً من توظيفها في بناء المستقبل. وكل تأخير في توحيد المؤسسات، وضبط الإنفاق العام، وإصلاح منظومة الدعم، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية، يرفع من كلفة التصحيح عندما يصبح الإصلاح أمراً لا مفر منه.

فالاقتصادات لا تنهار عادة بسبب نقص الموارد، بل بسبب سوء إدارتها وتأجيل القرارات الصعبة والاعتماد المستمر على الحلول المؤقتة. وفي حالة ليبيا، لا تكمن المشكلة في محدودية الإمكانات، بل في اتساع الفجوة بين ما تنفقه الدولة وما ينتجه الاقتصاد الحقيقي؛ فلا يمكن لأي احتياطي نقدي مهما بلغ حجمه أن يعوض غياب الانضباط المالي إلى الأبد، ولا يمكن لأي ارتفاع مؤقت في أسعار النفط أن يخفي الاختلالات الهيكلية أو يؤجل آثارها إلى ما لا نهاية.

(( فالوقت في الاقتصاد ليس عاملاً محايداً ))؛ إما أن يعمل لصالح الإصلاح، أو يتحول إلى عنصر يفاقم الأزمة.

السؤال لم يعد: هل يحتاج الاقتصاد الليبي إلى إصلاح؟ السؤال الحقيقي هو: كم ستكون تكلفة تأجيله؟ وهل ما زلنا نمتلك رفاهية الانتظار في ظل انقسام مؤسسي وإنفاق متسارع وسياسات قصيرة النظر؟ أم أن نافذة الإصلاح تضيق يوماً بعد يوم؟

Screenshot

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثاني

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

مليونا برميل يومياً.. لماذا هذا الرقم تحديداً؟

قد يبدو الرقم الذي تناوله تقرير Bloomberg، والمتمثل في الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً، مجرد هدف إنتاجي طموح، لكنه في الواقع يحمل أبعاداً فنية واقتصادية أعمق من مجرد كونه رقماً مستهدفاً.

فهذا المستوى من الإنتاج لا يمثل الحد الأقصى لقدرات ليبيا الجيولوجية، كما أنه ليس رقماً رمزياً اختير لأغراض إعلامية، بل يعكس تقديراً لما يمكن أن تصل إليه البلاد إذا توافرت ثلاثة عناصر في الوقت ذاته: الاستثمار، والاستقرار، والإدارة الرشيدة.

ومن الناحية الفنية، فإن ليبيا تمتلك ما يكفي من الاحتياطيات المؤكدة، وما تزال مناطق واسعة من أحواضها الرسوبية، سواء في اليابسة أو البحر، بحاجة إلى المزيد من أعمال الاستكشاف والتقييم. كما أن عدداً كبيراً من الحقول المنتجة ما زال يمتلك إمكانات إضافية يمكن استثمارها عبر برامج التطوير والاستخلاص المعزز وإعادة تأهيل البنية التحتية.

لكن من المهم أن ندرك أن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لن يتحقق نتيجة اكتشاف حقل عملاق جديد، بل سيكون ثمرة عشرات المشاريع التي تعمل في وقت واحد، بدءاً من تطوير الحقول القائمة، ومروراً بحفر آبار جديدة، وانتهاءً بتوسعة مرافق المعالجة والتخزين والتصدير.

بعبارة أخرى، فإن مليوني برميل يومياً ليسا مشروعاً واحداً، وإنما برنامج وطني متكامل يمتد لعدة سنوات، ويتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الدولة، والمؤسسة الوطنية للنفط، والشركات الوطنية، والشركاء الدوليين.

من أين ستأتي الزيادة؟

إذا افترضنا أن متوسط الإنتاج يدور حالياً حول 1.3 مليون برميل يومياً، فإن الوصول إلى مليوني برميل يعني إضافة نحو 700 ألف برميل يومياً.

وهذه الزيادة، في تقديري، لن تأتي من مصدر واحد، وإنما من أربعة محاور رئيسية:

  • المحور الأول: يتمثل في رفع كفاءة الحقول المنتجة حالياً، وهو الخيار الأسرع والأقل مخاطرة. فالعديد من الحقول الليبية ما زال يمتلك طاقات إنتاجية يمكن استعادتها من خلال برامج التطوير، وحفر آبار إضافية، وتطبيق تقنيات الاستخلاص المعزز، وتحديث مرافق الإنتاج التي تأثرت بتأخر أعمال الصيانة أو محدودية الإنفاق الرأسمالي خلال السنوات الماضية.
  • المحور الثاني: يرتبط بالمشاريع التطويرية الكبرى التي أطلقتها المؤسسة الوطنية للنفط بالتعاون مع شركائها، وفي مقدمتها برامج شركة الواحة، ومشروعات مليتة، والهروج، والزويتينة، وغيرها من الشركات التي تمتلك فرصاً حقيقية لزيادة الإنتاج خلال فترة زمنية معقولة.
  • المحور الثالث: يأتي من خلال جولة التراخيص الجديدة، التي تمثل نقطة تحول مهمة بعد توقف دام ما يقارب عقدين. فعودة شركات بحجم شيفرون، وتحرك إكسون موبيل، واستمرار توسع كونوكو فيليبس، إلى جانب اهتمام إيني وتوتال إنرجيز وقطر للطاقة، لا يعني فقط ضخ استثمارات جديدة، بل يعني أيضاً إدخال تقنيات حديثة، وخبرات تشغيلية، وبرامج استكشاف يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة أمام القطاع خلال السنوات المقبلة.
  • المحور الرابع: وربما الأقل ظهوراً في النقاش العام، فهو إزالة الاختناقات التشغيلية التي تحد من القدرة الإنتاجية، سواء في خطوط الأنابيب، أو مرافق التخزين، أو محطات الضخ، أو الموانئ النفطية. فالقدرة على إنتاج النفط لا تنفصل عن القدرة على معالجته ونقله وتصديره، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات ينعكس مباشرة على الإنتاج.

الاستثمار وحده لا يكفي

وهنا أصل إلى نقطة أعتبرها من أهم ما ينبغي إضافته إلى النقاش الدائر حالياً.

فالاستثمارات، مهما بلغ حجمها، لا تحقق نتائجها تلقائياً.

لقد أشار التقرير إلى تقديرات تتحدث عن استثمارات قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار لرفع الإنتاج، وهو رقم يمكن اعتباره منطقياً بالنظر إلى حجم المشاريع المطلوبة، لكنه يظل جزءاً من المعادلة، وليس المعادلة كلها.

فالاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة حتى يحقق أهدافه.

والشركة العالمية، عندما تقرر ضخ مليارات الدولارات في مشروع نفطي، فإنها لا تنظر إلى السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة، بل تبني حساباتها على أفق يمتد إلى عشرين أو ثلاثين عاماً.

ولهذا، فإنها تطرح أسئلة تختلف تماماً عن الأسئلة التي يطرحها الرأي العام.

فهي لا تبدأ بالسؤال عن حجم الاحتياطيات، بل تسأل:

  • هل المؤسسات مستقرة؟
  • هل العقود تحظى بالحماية القانونية؟
  • هل القرارات الاقتصادية يمكن التنبؤ بها؟
  • هل البنية التحتية قادرة على استيعاب التوسع؟
  • وهل تستطيع الدولة حماية استثمارات بهذا الحجم طوال عمر المشروع؟

وهنا يظهر مفهوم يعرف في صناعة الطاقة باسم “المخاطر فوق سطح الأرض” (Above-Ground Risk)، وهو اليوم أحد أهم المعايير التي تعتمد عليها شركات النفط العالمية عند تقييم أي فرصة استثمارية.

وفي كثير من الأحيان، تكون هذه المخاطر أكثر تأثيراً في قرار الاستثمار من المخاطر الجيولوجية نفسها.

ولهذا، فإنني أعتقد أن أكبر مشروع تحتاجه ليبيا اليوم ليس مشروعاً نفطياً بالمعنى التقليدي، وإنما مشروع وطني لتقليل المخاطر الاستثمارية.

فكلما انخفضت هذه المخاطر، ازدادت المنافسة بين الشركات، وانخفضت تكلفة التمويل، وتحسنت شروط التعاقد، وارتفعت القيمة الاقتصادية لكل برميل تنتجه ليبيا.

وهنا، في رأيي، يبدأ الطريق الحقيقي إلى مليوني برميل يومياً.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

“الساروي”: ليبيا بين تفكيك المؤسسات ومأزق التشظي.. قراءة استراتيجية في كتاب “إصلاح الدول الفاشلة”

كتب: أبوعجيلة الساروي – المتابع للشأن الاقتصادي والسياسي الليبي

الإطار النظري: جدلية “الكفاءة المؤسسية” و”السيادة”

شغل سؤال “بناء الدولة” الفكر السياسي الحديث لعقود، لكنه تحول في القرن الحادي والعشرين من ترف نظري إلى ضرورة وجودية ملحة، خاصة مع تزايد رقعة “الدول الهشة والفاشلة” عقب نهاية الحرب الباردة. في هذا السياق، يأتي كتاب “إصلاح الدول الفاشلة: إطار عملي لإعادة بناء عالم منقسم” (2008) لمؤلفيه؛ الاقتصادي والرئيس الأفغاني الأسبق أشرف غني، والباحثة البريطانية كلير لوكهارت، كدليل عملي يستند إلى التجربة الميدانية لا التأمل المجرد.

وينطلق الكتاب من فرضية مركزية: أن فشل الدول ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج مباشر لعجز النظم السياسية عن مأسسة وظائفها الجوهرية، وتحول المجتمع الدولي من شريك في “بناء القدرات” إلى وكيل “إغاثة مؤقتة”. وعند نقل هذه العدسة التحليلية إلى الفضاء الليبي، تبرز الدولة كواحدة من أكثر الحالات إلحاحاً للدراسة؛ حيث تنقلت ليبيا عبر خمسة عقود بين طورين من الهشاشة: طور “التفكيك الممنهج للمؤسسات”، وطور “التشظي والسيادات المتوازية”.

وإن أخطر ما يواجه الدول التي تمر بمراحل انتقالية مطولة هو اعتياد الفوضى وتحول الجمود السياسي إلى بيئة استثمارية لطبقات ريعية مستفيدة. في الحالة الليبية، يتجاوز تشخيص الأزمة مجرد الخلاف على السلطة بين النخب، إلى أزمة وجودية أعمق تتعلق بـ”مفهوم الدولة” ذاته وجدلية كفاءتها المؤسسية.

يأتي هذا المقال ليشرح كيف تنقلت ليبيا طيلة العقود الخمسة الماضية من طور “الجمهورية اللامؤسساتية” إلى طور “التشظي والسيادات المتوازية”. لا يكتفي المقال برصد مظاهر الفشل البنيوي والاقتصادي المتمثل في ريعية الدولة وتسييس مؤسساتها المالية، بل يغوص في العمق السلوكي والسوسيولوجي للصراع، مستشرفاً السيناريوهات المستقبلية ومقدماً بدائل استراتيجية قادرة على كسر مأزق الانسداد السياسي الراهن.

الهندسة العكسية للدولة: تشريح خمسة عقود من الهدم البنيوي في ليبيا

يرى غني ولوكهارت أن الدولة تصبح فاشلة عندما تفقد “احتكارها المشروع لوسائل العنف” وتعجز عن أداء وظائفها الجوهرية. بتطبيق هذا المنظور على التاريخ الليبي المعاصر، نجد أننا أمام “هندسة عكسية” أدت لتآكل الدولة عبر مرحلتين تراكميتين:

أ. مرحلة “اللا دولة” وجماهيرية الفراغ المؤسسي (1969 – 2011)

على مدى أربعة عقود، تبنى نظام معمر القذافي فلسفة سياسية تقوم على إلغاء مؤسسات الدولة التقليدية (الدستور، البرلمان، الجيش النظامي العقائدي، والجهاز الإداري المستقل) واستبدالها بهياكل مرنة ولجان شعبية. كان هذا التطبيق عملياً هو إلغاء لـ”مؤسسات الدولة” وصهرها في سلطة الفرد والقبيلة والأجهزة الأمنية الموازية. ونتيجة لذلك، دخلت ليبيا عام 2011 وهي تعاني من “أنيميا مؤسسية” حادة، دون تقاليد إدارية راسخة يمكن البناء عليها.

ب. مرحلة “التشظي والسيادات المتوازية” (2011 – 2026)بعد سقوط النظام، تحول الفراغ المؤسساتي إلى انفجار أمني. فقدت الدولة احتكار العنف لصالح الميليشيات والتشكيلات الجهوية والمناطقية. غياب “الهوية القانونية الموحدة” وسيادة القانون أدى إلى نشوء حكومتين ومصرفين مركزيين ومؤسسات موازية، وهو ما يطابق تشخيص الكتاب لـ”دائرة الفشل المفرغة” الناتجة عن النزاعات المسلحة والانقسام الاجتماعي.

التحليل السلوكي والسوسيولوجي للاستعصاء الليبي

لفهم سبب استمرار هذا الانسداد طيلة السنوات الماضية، يجب تجاوز التشخيص السطحي والولوج إلى عمقين استراتيجيين:

أ. مأزق السجين والانسداد السياسي (منظور توماس شيلينغ)

تُظهر نظرية الألعاب (Game Theory)، وتحديداً “مأزق السجين” الذي طوره المفكر الاستراتيجي توماس شيلينغ، تفسيراً دقيقاً لفشل الاتفاقيات السياسية الليبية المتعاقبة. تدرك الأطراف المتصارعة نظرياً أن السلام والاستقرار هما الخيار الأفضل للجميع، لكن غياب الثقة المتبادلة وعدم وجود ضمانات مؤسسية صارمة يدفع كل طرف إلى اختيار سلوك عقلاني من منظور فردي، ولكنه كارثي من منظور جماعي، وهو: الاستمرار في التحشيد المسلح والسيطرة على المقدرات خوفاً من غدر الطرف الآخر. بناءً على ذلك، فإن التسويات الفوقية المبنية على حسن النوايا محكومة بالفشل ما لم تُصمم آليات إلزام مؤسسية خارقة تجعل تكلفة خرق الاتفاق أعلى بكثير من تكلفة الالتزام به.

ب. الخلدونية الجديدة وتحالف عصبية المال والسلاح

عند دمج رؤية الكتاب السوسيولوجية بالواقع الليبي، نجد تجلياً واضحاً لـ”الخلدونية الجديدة”. لقد تحولت العصبية التقليدية (القبلية أو الجهوية) في ليبيا المعاصرة إلى عصبية مصلحية مركبة هجينة، تدمج بين سلطة السلاح (الميليشيات) وسلطة المال (الوصول إلى اعتمادات المصرف المركزي، والإنفاق العام، والتهريب). تشكلت على إثر ذلك طبقة ريعية مصلحية وجودها مرتبط باستدامة الفوضى؛ إذ إن قيام دولة مؤسسات فعالة وشفافة يعني تلقائياً تجفيف منابع تمويل هذه العصبيات المركبة وتفكيك نفوذها.

نقد المقاربات الدولية: متلازمة “إسقاط الأنظمة دون بناء الدول”

يوجه مؤلفا الكتاب نقداً لاذعاً للمجتمع الدولي، مؤكدين أن إسقاط الأنظمة لا يعني بناء دول جديدة. هذا النقد ينطبق بدقة متناهية على التدخل الدولي في ليبيا عام 2011 وما تلاه:

أ-عقدة اليوم التالي: ركز حلف الناتو والمجتمع الدولي على الشق العسكري (إسقاط النظام)، ثم انسحب تاركاً البلاد دون استراتيجية حقيقية لنزع سلاح الميليشيات وتسريحها وإعادة دمجها.

ب- نهج إدارة الأزمة لا حلها: تعاملت البعثات الدولية والمانحون مع الأزمة الليبية عبر مسارات سياسية فوقية (تقاسم السلطة بين النخب) أو إغاثية مؤقتة، متجاهلين جذور المشكلة المتمثلة في إعادة بناء الجهاز الإداري والقضائي والأمني للدولة. تحولت ليبيا في نظر المجتمع الدولي إلى مجرد ملف ديمغرافي وأمني (مكافحة إرهاب، هجرة غير شرعية، تأمين تدفق النفط) بدلاً من التعامل معها كمجتمع سياسي يحتاج إلى إعادة بناء شاملة.

اختبار “الوظائف العشر” في البيئة الريعية والمالية الليبية

يقدم الكتاب (عشر وظائف أساسية) للدولة الحديثة، يرتبط الفشل في إحداها بانهيار البقية. وفي الحالة الليبية، تبرز أزمة الاقتصاد الريعي وغياب الحوكمة المالية كعائق بنيوي عطّل هذه الوظائف:

على سبيل المثال، يوضح الكتاب أن التنمية تتطلب اقتصاداً منتجاً ومؤسسات مالية شفافة. وفي ليبيا، طيلة العقود الضائعة، اعتمدت الدولة كلياً على ريع النفط، مما حوّلها من خادم للمواطن عبر الضرائب إلى موزع للمكافآت والرواتب. وإن انقسام المصرف المركزي والتشوه في السياسات النقدية وأسعار الصرف، وغياب تفعيل معايير الحوكمة الرشيدة وإدارة المخاطر، أدى إلى تفاقم الدين العام الموازي وهدر الأصول. بالتعاون مع غياب الإدارة المالية القائمة على معايير التدقيق الدولية الصارمة حوّل المؤسسات السيادية المالية (المصرف المركزي، المؤسسة الوطنية للنفط، المصرف الخارجي) من أدوات استقرار اقتصادي إلى ساحات صراع مسلح وسياسي للسيطرة على العوائد.

كما تحول الصراع السياسي إلى صراع على غنائم النفط بدلاً من التنافس على تقديم الخدمات (التعليم، الصحة، البنية التحتية). هذا الأمر دمر وظيفة تحفيز الاقتصاد وخلق فرص العمل، وجعل التوظيف الحكومي المقنع أداة لشراء الولاءات، مما أفرغ وظيفة المواطنة من معناها القانوني والتنموي.

مصفوفة الإسقاط الاستراتيجي: وظائف الدولة بين الأطروحة النظرية والواقع الليبي

لتسهيل فهم هذا التداخل البنيوي، تلخص مصفوفة المقاربة التالية الفجوة بين النموذج المثالي للكتاب والواقع المرير أو المتأزم في ليبيا:وظائف الدولة العشر (غني & لوكهارت)

واقع الدولة الليبية خلال (خمسة عقود)

النتيجة والمخرجات الاستراتيجية
1- توفير الأمن واحتكار العنف
تآكل الجيش النظامي سابقاً، وانتشار التشكيلات المسلحة والميليشيات حالياً
غياب مفهوم الأمن القومي الموحد، وتعدد مراكز القرار الأمني
2- سيادة القانون والعدالة
تسييس القضاء في مراحل، وعجزه عن ملاحقة قادة المجموعات المسلحة حالياً
غياب الثقة في المنظومة القضائية، واللجوء للحلول العرفية والقبلية
3- إدارة المال العام والضرائب
اعتماد مطلق على النفط (اقتصاد ريعي)، وغياب الجباية والمنظومة الشفافة والمعايير الدولية
انقسام السياسة النقدية، تشوه أسعار الصرف، وتحول المركزي لساحة صراع نفوذ
4- بناء الشرعية والمشاركة
تغييب الدستور والمؤسسات السياسية الراسخة، وحالياً انقسام تشريعي وتنفيذي
أزمة شرعية مزمنة لكل الحكومات المتعاقبة وتأجيل مستمر للانتخابات
5- الهوية القانونية والمواطنة
استخدام الهوية الوطنية كأداة إقصاء أو منح سياسي، وتشظي مجتمعي
ضعف الولاء للدولة المركزية لصالح الولاءات القبلية، الجهوية، أو الأيديولوجية
6- البنية التحتية وإدارة الموارد
تهالك شبكات الكهرباء، الطرق، والمياه رغم الضخ المالي الضخم عبر العقود
هدر مالي ضخم نتيجة الفساد الإداري وغياب الرؤية الهندسية المستدامة
7- تحفيز الاقتصاد وخلق العمل
تضخم القطاع العام (بطالة مقنعة) وشلل القطاع الخاص المستقل
عجز عن خلق اقتصاد معرفي أو صناعي بديل للنفط، وتبعية تامة للمواطن للدولة
8- الخدمات (التعليم والصحة)
تراجع مخيف في جودة التعليم والمنظومة الصحية والاضطرار للعلاج بالخارج
انهيار رأس المال البشري الليبي وزيادة الأعباء الاقتصادية على المواطن
9- الإدارة البيئية المستدامة
إهمال أزمات المياه والتصحر والتغير المناخي، وغياب الأمن الاستباقي للكوارث
تهديدات وجودية مستقبلية تتعلق بالأمن المائي والغذائي (كارثة درنة كمثال)
10- التمثيل الدولي والسيادة
تدخلات إقليمية ودولية سافرة، وارتهان القرار الوطني للمحاور الخارجية
تحول ليبيا من “فاعل” في السياسة الدولية إلى “ساحة لتصفية الحسابات”

الاستشراف الاستراتيجي: تداعيات الاستمرار في الوضع الراهن

إن بقاء ليبيا في حالة اللا حرب واللا سلم الحالية ليس استقراراً مؤقتاً، بل هو حالة من “التعفن المؤسسي الديناميكي” التي تضع مستندات الدولة أمام ثلاثة سيناريوهات مستقبلية:

أ. السيناريو الأول: “الصوملة التدريجية” والتحلل البنيوي (الأكثر ترجيحاً)
لا ينطوي هذا المسار على انهيار عسكري شامل مفاجئ، بل على تآكل بطيء مستمر لهيكل الدولة، حيث تتحول الأطراف المتصارعة إلى سلطات “أمر واقع” محلية، تكرس اللامركزية السلبية (الفدرالية غير المعلنة)، مع تدنٍ خطير في الخدمات الأساسية وتفشي الفساد الإداري.أما اقتصادياً وأمنياً فيشتد الانقسام المالي والتضخم وتآكل قيمة العملة، بينما تترسخ عصبية السلاح والمال، ليصبح الانخراط في التشكيلات المسلحة أو الاقتصاد الجنائي الموازي (التهريب) هو الخيار التوظيفي الأكثر ربحية للشباب على حساب الإنتاج المعرفي والصناعي.
ب. السيناريو الثاني: “الانفجار الكبير” وحافة الهاويةيتحقق هذا السيناريو عند حدوث صدمة حادة تكسر قواعد التوازن المالي أو الأمني الهش (مثل تراجع حاد ومفاجئ في أسعار النفط، أو انسداد تام لتدفقات الإيرادات، أو تحول صراع النفوذ على المصرف المركزي إلى مجابهة صفرية مسلحة). هذا الانهيار يدفع “مأزق السجين” نحو الصدام الشامل، مما يفتح الباب لتدويل كامل للملف وتدخل عسكري خارجي مباشر لتأمين مصالح القوى الإقليمية، مما يهدد الوحدة الترابية للدولة بشكل حتمي.
ج. السيناريو الثالث: “الصحوة المؤسسية” (العقد السيادي)وهو الخيار الإصلاحي القائم على تنامي كتلة تكنوقراطية وطنية مدعومة بوعي شعبي وضغط دولي يفرض آليات إلزام خارقة للعبة تفكك مصالح النخبة المعرقلة عبر عقوبات وحوافز ذكية، للذهاب مباشرة نحو اعتماد قاعدة دستورية دائمة تعقبها انتخابات وطنية توحد شرعية وبنية مؤسسات الدولة وعقيدتها الاقتصادية والأمنية.

ملحق استراتيجي: خارطة الطريق التنفيذية لإعادة بناء الدولة الليبية بمعنى العقد السيادي الليبي

بناءً على مفهوم العقد السيادي الذي يقترحه الكتاب، والحلول النظرية للألعاب الاقتصادية والكلية، يمكننا طرح خارطة طريق تنفيذية ثلاثية الأبعاد للخروج من الانسداد الليبي الحالي:

أولاً: مسار هندسة الأمن الاستراتيجي وحل معضلة الميليشيات

1-تأسيس المجلس الأعلى للأمن القومي: هيكل تكنوقراطي موحد يضم القيادات العسكرية من كافة الأقاليم (بناءً على مخرجات لجنة 5+5) لوضع عقيدة عسكرية لحماية الحدود لا المدن.
2-نموذج القوة الاحتياطية القانونية الذكية (الحرس الوطني): التوقف عن النهج التقليدي للدمج الجماعي العشوائي للكتل المسلحة. بدلاً من ذلك، يُقترح فرز فردي بناءً على الكفاءة والقيود الجنائية، وتحويل المجموعات التي يصعب دمجها حالياً إلى قوة احتياطية مدربة قانونياً (حرس وطني أو حرس حدود) تخضع لقيادة تكنوقراطية موحدة وتكلف بمهام تأمين الحدود الشاسعة وحماية المنشآت الحيوية، مع ربط مزاياهم المالية بالانضباط الفردي وتفكيك الهياكل الموازية.

ثانياً: مسار الإصلاح الهيكلي والمالي الشامل

1-إخضاع المؤسسات المالية لمعايير التدقيق الدولية المستقلة: توحيد المصرف المركزي بشكل كامل عبر إنهاء السياسات النقدية المتوازية، وإخضاع ميزانياته وإنفاقه لمعايير الحوكمة الدولية وإدارة المخاطر للتخلص من تشوهات أسعار الصرف والدين العام.
2-تأسيس الصندوق السيادي للتنمية والإعمار (خارج التجاذبات): تودع فيه نسبة ثابتة من عوائد النفط، ويُدار عبر مجلس حوكمة مستقل بمراقبة دولية (ديوان المحاسبة الليبي + بيوت خبرة عالمية) لتمويل البنية التحتية والتحول الرقمي.
3-لامركزية الإدارة المالية: تفعيل دور المحافظات والبلديات في تقديم الخدمات المباشرة، مع ربط ميزانياتها بمؤشرات الأداء والكفاءة، لتخفيف الضغط والتصارع على العاصمة طرابلس وتفكيك عصبية المال المركبة.

ثالثاً: مسار “الشرعية الدستورية والمواطنة”

1-كسر مأزق السجين بآليات إلزام دولية وطنية: صياغة قاعدة دستورية دائمة تحدد شكل الدولة ونظام الحكم، مع وجود ضمانات وعقوبات صارمة (محلية ودولية) تُفرض على أي طرف يحاول الانقلاب على النتائج أو عرقلة الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
2-إعادة هيكلة الوظيفة العامة: إطلاق مشروع وطني لتطهير وإصلاح الجهاز الإداري وتفعيل قانون منظم للقطاع الخاص ليكون الشريك الأساسي في التنمية، مما يرفع عن كاهل الدولة عبء التوظيف السياسي والريعي.

خاتمة استراتيجية: العبرة التاريخية

إن المغزى الفكري النهائي الذي يخرج به قارئ كتاب “إصلاح الدول الفاشلة” والمتابع المتبصر والواعي للمشهد الليبي هو أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية أو التسويات المؤقتة، بل بقدرة الدولة على كسب ثقة مواطنيها من خلال الكفاءة والشرعية والمساءلة.

لقد دفعت ليبيا طيلة العقود الخمسة الماضية ضريبة غياب “المؤسسة”؛ تارة باسم الثورة المستمرة، وتارة باسم الصراع على الغنائم. واليوم، يتضح أن الخروج من التيه الليبي هو سباق استراتيجي مع الزمن لإنقاذ مفهوم الدولة ذاته، قبل أن يتحول التآكل الحالي والتشظي المؤسسي إلى واقع جيوسياسي دائم ومكتمل الأركان لا يمكن الفكاك منه.

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

بعد تقرير Bloomberg وتصريحات “مسعد بولس”… هل تستطيع ليبيا الوصول إلى مليوني برميل يومياً؟ أم أن الطريق إلى ذلك يبدأ من الدولة قبل الحقول؟

قد تختلف القراءات السياسية حول ليبيا، وقد تتباين المواقف تجاه تطورات المشهد الداخلي، إلا أن هناك حقيقة تكاد تجمع عليها الأوساط الاقتصادية ومراكز الدراسات المتخصصة في الطاقة، وهي أن ليبيا عادت تدريجياً إلى واجهة الاهتمام الدولي، ليس باعتبارها ملفاً سياسياً أو أمنياً فحسب، وإنما بوصفها واحدة من أهم الفرص الاستراتيجية في سوق الطاقة العالمي خلال العقد المقبل.

ولعل التقرير الذي نشرته Bloomberg News، وأعادت نشره Financial Post في السابع عشر من يونيو 2026، يعكس بوضوح هذا التحول في النظرة الدولية. فالتقرير لم يركز على تطورات المشهد الليبي التقليدية بقدر ما سلط الضوء على العلاقة بين الاستقرار، والاستثمار، والطاقة، وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه ليبيا في تعزيز أمن الطاقة الإقليمي والدولي إذا ما نجحت في استثمار إمكاناتها النفطية والغازية بصورة أكثر فاعلية.

كما أشار التقرير إلى تصريحات السيد “مسعد بولس”، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، والتي عكست اهتماماً أمريكياً متزايداً بتهيئة الظروف التي تسمح بعودة الشركات العالمية، ولا سيما الأمريكية، إلى الاستثمار في قطاع النفط الليبي، في إطار رؤية تربط بين الاستقرار الأمني، والنمو الاقتصادي، وأمن الطاقة.

في تقديري، لا ينبغي النظر إلى هذه التصريحات أو إلى التقرير ذاته باعتبارهما مجرد اهتمام مفاجئ بالنفط الليبي، فاحتياطيات ليبيا لم تُكتشف اليوم، كما أن جودة خامها وموقعها الجغرافي كانا معروفين منذ عقود. الجديد هو أن المتغيرات الدولية أعادت رسم أولويات الطاقة، وأعادت معها ليبيا إلى دائرة الاهتمام، في وقت تبحث فيه الأسواق عن مصادر موثوقة وقريبة للإمدادات، وتبحث الشركات العالمية عن فرص استثمارية ذات جدوى طويلة الأجل.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في زيادة إنتاج النفط الليبي، فهذا أمر مفهوم في سياق مصالحها ومصالح حلفائها، وإنما يتعلق بما إذا كانت ليبيا نفسها تمتلك اليوم المقومات التي تجعل هذا الهدف قابلاً للتحقق.

وهنا أعتقد أن من المهم التوقف عند نقطة أساسية، وهي أن الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً ليس فكرة جديدة، فقد طُرحت منذ سنوات ضمن رؤى تطوير القطاع، وتناولتها المؤسسة الوطنية للنفط في أكثر من مناسبة، كما وردت في العديد من الدراسات الفنية التي أعدتها مؤسسات دولية وشركات متخصصة.

لكن الجديد اليوم ليس الرقم في حد ذاته، وإنما عودة الظروف الدولية التي تجعل تحقيقه أكثر واقعية مما كان عليه قبل سنوات.

فالعالم تغيّر.

وأوروبا تغيّرت.

وأسواق الغاز تغيّرت.

والاستثمارات النفطية تغيّرت.

كما أن ليبيا نفسها بدأت تستعيد، ولو تدريجياً، اهتمام الشركات العالمية بعد إطلاق أول جولة تراخيص للاستكشاف منذ عام 2007، وعودة شركات كبرى مثل شيفرون، وتحرك إكسون موبيل، واستمرار توسع كونوكو فيليبس، إلى جانب المشاريع الكبيرة التي تقودها إيني وتوتال إنرجيز وقطر للطاقة وغيرها من الشركات الدولية.

هذه التطورات، إذا نظرنا إليها بصورة منفصلة، قد تبدو مجرد أخبار متفرقة، لكنها في الواقع تشكل أجزاءً من مشهد واحد، عنوانه أن ليبيا بدأت تستعيد مكانتها على خريطة الاستثمار الطاقوي العالمي.

غير أن التفاؤل، مهما كان مشروعاً، ينبغي ألا يحجب عنا حقيقة جوهرية.

فالاحتياطيات النفطية وحدها لا تنتج النفط.

والاتفاقيات وحدها لا ترفع الإنتاج.

والتصريحات السياسية، مهما كانت إيجابية، لا تكفي لتحقيق الأهداف ما لم تتحول إلى مشاريع تنفذ على الأرض، ضمن بيئة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية وطنية واضحة.

ولذلك، فإن السؤال الذي أرى أنه يستحق النقاش ليس:

هل تستطيع ليبيا الوصول إلى مليوني برميل يومياً؟

بل:

ما الذي ينبغي أن تفعله ليبيا حتى يصبح هذا الهدف مشروعاً وطنياً قابلاً للتحقيق، وليس مجرد رقم يتكرر في التقارير الدولية؟

وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما يجري الخلط بينها في النقاش العام: الاحتياطي النفطي، والطاقة الإنتاجية، والإنتاج الفعلي.

فالاحتياطي يمثل الثروة التي تختزنها الطبيعة في باطن الأرض، أما الطاقة الإنتاجية فهي القدرة الفنية للحقول والمنشآت على الإنتاج، في حين أن الإنتاج الفعلي يظل رهينة لعوامل أخرى عديدة، تشمل الاستثمار، والبنية التحتية، والتمويل، والأمن، والاستقرار المؤسسي.

ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية.

يتبع ،،

“حسني بي”: لماذا يضطر المصرف المركزي شراء الدينار وبيع الدولار؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

يثور كثير من الجدل حول العلاقة بين سعر الصرف والإنفاق العام بالدينار الليبي، وحول الأسباب التي تدفع مصرف ليبيا المركزي إلى بيع العملات الأجنبية بصورة مستمرة. والحقيقة أن فهم هذه العلاقة يعد مفتاحاً لفهم أسباب التضخم واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية وتراجع قيمة الدينار.

من الناحية المحاسبية والنقدية، لا تنفق الدولة أو الحكومة بالدولار داخل الاقتصاد المحلي، العملة المحلية دينارات ليبية، لذلك الحكومة ملزمة أن تنفق بالدينار الليبي. وعندما تتحصل الدولة أو الحكومة على إيرادات النفط والغاز بالدولار، فإنها تحتاج إلى تحويل جزء من هذه الإيرادات إلى دنانير حتى تتمكن من دفع المرتبات والمصروفات التسييرية والدعم والمشروعات العامة.

وهنا يبرز السؤال الأساسي:

من أين تحصل الدولة على الدنانير التي تنفقها؟

هناك حالتان مختلفتان:

الحالة الأولى: أن يقوم المصرف المركزي ببيع الدولار لتغطية الطلب الحقيقي على النقد الأجنبي، سواء لتمويل الاعتمادات المستندية أو الحوالات أو الأغراض الشخصية أو غيرها من الاحتياج المرتبطة بالاستيراد والتعاملات الخارجية. في هذه الحالة يكون بيع الدولار استجابة لطلب السوق على العملة الأجنبية، وهي وظيفة طبيعية لأي مصرف مركزي.

الحالة الثانية: أن يكون بيع الدولار مرتبطاً أيضاً بحاجة الدولة للحصول على الدنانير اللازمة للإنفاق العام. ففي هذه الحالة يصبح المصرف المركزي عملياً مضطراً إلى بيع الدولار وشراء الدينار من المواطنين والشركات حتى يتمكن من تمويل الإنفاق الحكومي.

فالدنانير التي يدفعها المواطنون مقابل الحصول على الدولار للأغراض الشخصية، أو التي تدفعها الشركات مقابل فتح الاعتمادات وتمويل الواردات، تعود في النهاية إلى المصرف المركزي، ثم يعاد ضخها في الاقتصاد على شكل مرتبات ومصروفات حكومية وإنفاق عام.

ومن هنا تنشأ معادلة أساسية كثيراً ما يتم تجاهلها:

كل دينار تنفقه الدولة يجب أن يقابله سحب مماثل للدينار من السوق عبر بيع العملات الأجنبية.

فإذا توسع الإنفاق العام بالدينار دون أن يقابله بيع كافٍ للدولار وسحب مكافئ للدينار من السوق، فإن النتيجة تكون زيادة الكتلة النقدية المحلية بصورة تفوق قدرة الاقتصاد على استيعابها.

وعندها تظهر ثلاثة آثار مباشرة:

1- ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة كمية الدنانير المتداولة مقارنة بالسلع والخدمات المتاحة. 2- اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية بسبب زيادة الطلب على الدولار كملاذ لحفظ القيمة. 3- تراجع قيمة الدينار الليبي نتيجة اختلال التوازن بين عرض وطلب العملات الأجنبية.

لذلك فإن استقرار سعر الصرف لا يتحقق فقط بإدارة سوق النقد الأجنبي، بل يرتبط بالدرجة الأولى بانضباط الإنفاق العام. فكل زيادة في الإنفاق بالدينار يجب أن يقابلها تدفق حقيقي من إيرادات النقد الأجنبي يسمح للمصرف المركزي ببيع ما يكفي من الدولار وسحب ما يكفي من الدنانير من السوق.

وبعبارة أخرى، فإن العلاقة بين الإنفاق العام وسعر الصرف ليست علاقة غير مباشرة، بل هي علاقة محاسبية ونقدية جوهرية وأساسية. فكل دينار يتم إنفاقه دون وجود ما يقابله من شراء دينارات مقابل بيع إيرادات دولارية حقيقية يجري تحويلها إلى دينار عبر المصرف المركزي، يتحول تدريجياً إلى ضغط تضخمي، ويزيد الطلب على الدولار، ويضعف قيمة العملة الوطنية.

إن الحفاظ على استقرار الدينار الليبي يتطلب ربط الإنفاق العام بحجم الإيرادات الدولارية الفعلية، وضمان أن يكون كل دينار يتم ضخه في الاقتصاد مغطى بعملية مقابلة لسحب الدينار من السوق عبر بيع العملات الأجنبية، وإلا فإن التضخم والفجوة السعرية سيبقيان النتيجة الحتمية لأي توسع مالي غير منضبط.