كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”
بعد تقرير Bloomberg وتصريحات “مسعد بولس”… هل تستطيع ليبيا الوصول إلى مليوني برميل يومياً؟ أم أن الطريق إلى ذلك يبدأ من الدولة قبل الحقول؟
قد تختلف القراءات السياسية حول ليبيا، وقد تتباين المواقف تجاه تطورات المشهد الداخلي، إلا أن هناك حقيقة تكاد تجمع عليها الأوساط الاقتصادية ومراكز الدراسات المتخصصة في الطاقة، وهي أن ليبيا عادت تدريجياً إلى واجهة الاهتمام الدولي، ليس باعتبارها ملفاً سياسياً أو أمنياً فحسب، وإنما بوصفها واحدة من أهم الفرص الاستراتيجية في سوق الطاقة العالمي خلال العقد المقبل.
ولعل التقرير الذي نشرته Bloomberg News، وأعادت نشره Financial Post في السابع عشر من يونيو 2026، يعكس بوضوح هذا التحول في النظرة الدولية. فالتقرير لم يركز على تطورات المشهد الليبي التقليدية بقدر ما سلط الضوء على العلاقة بين الاستقرار، والاستثمار، والطاقة، وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه ليبيا في تعزيز أمن الطاقة الإقليمي والدولي إذا ما نجحت في استثمار إمكاناتها النفطية والغازية بصورة أكثر فاعلية.
كما أشار التقرير إلى تصريحات السيد “مسعد بولس”، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، والتي عكست اهتماماً أمريكياً متزايداً بتهيئة الظروف التي تسمح بعودة الشركات العالمية، ولا سيما الأمريكية، إلى الاستثمار في قطاع النفط الليبي، في إطار رؤية تربط بين الاستقرار الأمني، والنمو الاقتصادي، وأمن الطاقة.
في تقديري، لا ينبغي النظر إلى هذه التصريحات أو إلى التقرير ذاته باعتبارهما مجرد اهتمام مفاجئ بالنفط الليبي، فاحتياطيات ليبيا لم تُكتشف اليوم، كما أن جودة خامها وموقعها الجغرافي كانا معروفين منذ عقود. الجديد هو أن المتغيرات الدولية أعادت رسم أولويات الطاقة، وأعادت معها ليبيا إلى دائرة الاهتمام، في وقت تبحث فيه الأسواق عن مصادر موثوقة وقريبة للإمدادات، وتبحث الشركات العالمية عن فرص استثمارية ذات جدوى طويلة الأجل.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في زيادة إنتاج النفط الليبي، فهذا أمر مفهوم في سياق مصالحها ومصالح حلفائها، وإنما يتعلق بما إذا كانت ليبيا نفسها تمتلك اليوم المقومات التي تجعل هذا الهدف قابلاً للتحقق.
وهنا أعتقد أن من المهم التوقف عند نقطة أساسية، وهي أن الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً ليس فكرة جديدة، فقد طُرحت منذ سنوات ضمن رؤى تطوير القطاع، وتناولتها المؤسسة الوطنية للنفط في أكثر من مناسبة، كما وردت في العديد من الدراسات الفنية التي أعدتها مؤسسات دولية وشركات متخصصة.
لكن الجديد اليوم ليس الرقم في حد ذاته، وإنما عودة الظروف الدولية التي تجعل تحقيقه أكثر واقعية مما كان عليه قبل سنوات.
فالعالم تغيّر.
وأوروبا تغيّرت.
وأسواق الغاز تغيّرت.
والاستثمارات النفطية تغيّرت.
كما أن ليبيا نفسها بدأت تستعيد، ولو تدريجياً، اهتمام الشركات العالمية بعد إطلاق أول جولة تراخيص للاستكشاف منذ عام 2007، وعودة شركات كبرى مثل شيفرون، وتحرك إكسون موبيل، واستمرار توسع كونوكو فيليبس، إلى جانب المشاريع الكبيرة التي تقودها إيني وتوتال إنرجيز وقطر للطاقة وغيرها من الشركات الدولية.
هذه التطورات، إذا نظرنا إليها بصورة منفصلة، قد تبدو مجرد أخبار متفرقة، لكنها في الواقع تشكل أجزاءً من مشهد واحد، عنوانه أن ليبيا بدأت تستعيد مكانتها على خريطة الاستثمار الطاقوي العالمي.
غير أن التفاؤل، مهما كان مشروعاً، ينبغي ألا يحجب عنا حقيقة جوهرية.
فالاحتياطيات النفطية وحدها لا تنتج النفط.
والاتفاقيات وحدها لا ترفع الإنتاج.
والتصريحات السياسية، مهما كانت إيجابية، لا تكفي لتحقيق الأهداف ما لم تتحول إلى مشاريع تنفذ على الأرض، ضمن بيئة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية وطنية واضحة.
ولذلك، فإن السؤال الذي أرى أنه يستحق النقاش ليس:
هل تستطيع ليبيا الوصول إلى مليوني برميل يومياً؟
بل:
ما الذي ينبغي أن تفعله ليبيا حتى يصبح هذا الهدف مشروعاً وطنياً قابلاً للتحقيق، وليس مجرد رقم يتكرر في التقارير الدولية؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما يجري الخلط بينها في النقاش العام: الاحتياطي النفطي، والطاقة الإنتاجية، والإنتاج الفعلي.
فالاحتياطي يمثل الثروة التي تختزنها الطبيعة في باطن الأرض، أما الطاقة الإنتاجية فهي القدرة الفنية للحقول والمنشآت على الإنتاج، في حين أن الإنتاج الفعلي يظل رهينة لعوامل أخرى عديدة، تشمل الاستثمار، والبنية التحتية، والتمويل، والأمن، والاستقرار المؤسسي.
ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية.
يتبع ،،
