كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”
مليونا برميل يومياً.. لماذا هذا الرقم تحديداً؟
قد يبدو الرقم الذي تناوله تقرير Bloomberg، والمتمثل في الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً، مجرد هدف إنتاجي طموح، لكنه في الواقع يحمل أبعاداً فنية واقتصادية أعمق من مجرد كونه رقماً مستهدفاً.
فهذا المستوى من الإنتاج لا يمثل الحد الأقصى لقدرات ليبيا الجيولوجية، كما أنه ليس رقماً رمزياً اختير لأغراض إعلامية، بل يعكس تقديراً لما يمكن أن تصل إليه البلاد إذا توافرت ثلاثة عناصر في الوقت ذاته: الاستثمار، والاستقرار، والإدارة الرشيدة.
ومن الناحية الفنية، فإن ليبيا تمتلك ما يكفي من الاحتياطيات المؤكدة، وما تزال مناطق واسعة من أحواضها الرسوبية، سواء في اليابسة أو البحر، بحاجة إلى المزيد من أعمال الاستكشاف والتقييم. كما أن عدداً كبيراً من الحقول المنتجة ما زال يمتلك إمكانات إضافية يمكن استثمارها عبر برامج التطوير والاستخلاص المعزز وإعادة تأهيل البنية التحتية.
لكن من المهم أن ندرك أن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لن يتحقق نتيجة اكتشاف حقل عملاق جديد، بل سيكون ثمرة عشرات المشاريع التي تعمل في وقت واحد، بدءاً من تطوير الحقول القائمة، ومروراً بحفر آبار جديدة، وانتهاءً بتوسعة مرافق المعالجة والتخزين والتصدير.
بعبارة أخرى، فإن مليوني برميل يومياً ليسا مشروعاً واحداً، وإنما برنامج وطني متكامل يمتد لعدة سنوات، ويتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الدولة، والمؤسسة الوطنية للنفط، والشركات الوطنية، والشركاء الدوليين.
من أين ستأتي الزيادة؟
إذا افترضنا أن متوسط الإنتاج يدور حالياً حول 1.3 مليون برميل يومياً، فإن الوصول إلى مليوني برميل يعني إضافة نحو 700 ألف برميل يومياً.
وهذه الزيادة، في تقديري، لن تأتي من مصدر واحد، وإنما من أربعة محاور رئيسية:
- المحور الأول: يتمثل في رفع كفاءة الحقول المنتجة حالياً، وهو الخيار الأسرع والأقل مخاطرة. فالعديد من الحقول الليبية ما زال يمتلك طاقات إنتاجية يمكن استعادتها من خلال برامج التطوير، وحفر آبار إضافية، وتطبيق تقنيات الاستخلاص المعزز، وتحديث مرافق الإنتاج التي تأثرت بتأخر أعمال الصيانة أو محدودية الإنفاق الرأسمالي خلال السنوات الماضية.
- المحور الثاني: يرتبط بالمشاريع التطويرية الكبرى التي أطلقتها المؤسسة الوطنية للنفط بالتعاون مع شركائها، وفي مقدمتها برامج شركة الواحة، ومشروعات مليتة، والهروج، والزويتينة، وغيرها من الشركات التي تمتلك فرصاً حقيقية لزيادة الإنتاج خلال فترة زمنية معقولة.
- المحور الثالث: يأتي من خلال جولة التراخيص الجديدة، التي تمثل نقطة تحول مهمة بعد توقف دام ما يقارب عقدين. فعودة شركات بحجم شيفرون، وتحرك إكسون موبيل، واستمرار توسع كونوكو فيليبس، إلى جانب اهتمام إيني وتوتال إنرجيز وقطر للطاقة، لا يعني فقط ضخ استثمارات جديدة، بل يعني أيضاً إدخال تقنيات حديثة، وخبرات تشغيلية، وبرامج استكشاف يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة أمام القطاع خلال السنوات المقبلة.
- المحور الرابع: وربما الأقل ظهوراً في النقاش العام، فهو إزالة الاختناقات التشغيلية التي تحد من القدرة الإنتاجية، سواء في خطوط الأنابيب، أو مرافق التخزين، أو محطات الضخ، أو الموانئ النفطية. فالقدرة على إنتاج النفط لا تنفصل عن القدرة على معالجته ونقله وتصديره، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات ينعكس مباشرة على الإنتاج.
الاستثمار وحده لا يكفي
وهنا أصل إلى نقطة أعتبرها من أهم ما ينبغي إضافته إلى النقاش الدائر حالياً.
فالاستثمارات، مهما بلغ حجمها، لا تحقق نتائجها تلقائياً.
لقد أشار التقرير إلى تقديرات تتحدث عن استثمارات قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار لرفع الإنتاج، وهو رقم يمكن اعتباره منطقياً بالنظر إلى حجم المشاريع المطلوبة، لكنه يظل جزءاً من المعادلة، وليس المعادلة كلها.
فالاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة حتى يحقق أهدافه.
والشركة العالمية، عندما تقرر ضخ مليارات الدولارات في مشروع نفطي، فإنها لا تنظر إلى السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة، بل تبني حساباتها على أفق يمتد إلى عشرين أو ثلاثين عاماً.
ولهذا، فإنها تطرح أسئلة تختلف تماماً عن الأسئلة التي يطرحها الرأي العام.
فهي لا تبدأ بالسؤال عن حجم الاحتياطيات، بل تسأل:
- هل المؤسسات مستقرة؟
- هل العقود تحظى بالحماية القانونية؟
- هل القرارات الاقتصادية يمكن التنبؤ بها؟
- هل البنية التحتية قادرة على استيعاب التوسع؟
- وهل تستطيع الدولة حماية استثمارات بهذا الحجم طوال عمر المشروع؟
وهنا يظهر مفهوم يعرف في صناعة الطاقة باسم “المخاطر فوق سطح الأرض” (Above-Ground Risk)، وهو اليوم أحد أهم المعايير التي تعتمد عليها شركات النفط العالمية عند تقييم أي فرصة استثمارية.
وفي كثير من الأحيان، تكون هذه المخاطر أكثر تأثيراً في قرار الاستثمار من المخاطر الجيولوجية نفسها.
ولهذا، فإنني أعتقد أن أكبر مشروع تحتاجه ليبيا اليوم ليس مشروعاً نفطياً بالمعنى التقليدي، وإنما مشروع وطني لتقليل المخاطر الاستثمارية.
فكلما انخفضت هذه المخاطر، ازدادت المنافسة بين الشركات، وانخفضت تكلفة التمويل، وتحسنت شروط التعاقد، وارتفعت القيمة الاقتصادية لكل برميل تنتجه ليبيا.
وهنا، في رأيي، يبدأ الطريق الحقيقي إلى مليوني برميل يومياً.
يتبع ،،
رابط الجزء الأول من المقال :
“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول
