Skip to main content
|

“الهادي عبدالقادر”: إعادة إعمار المدينة القديمة بنغازي.. قراءة نقدية في نموذج التمويل خارج الميزانية واشتراطات الحوكمة المؤسسية

كتب: الهادي عبد القادر – خبير اقتصادي وباحث في السياسات النقدية والتنموية

الملخص التنفيذي

يتناول هذا المقال النموذج المقترح لإعادة إعمار المدينة القديمة ببنغازي عبر آلية شركة تنمية عقارية مساهمة (BOCDC) تعتمد على تحويل حقوق الملكية إلى أسهم رأسمالية، كبديل للتمويل الحكومي المباشر. يركز التحليل على خمس ركائز أساسية لضمان نجاح المشروع: حسم الإشكالات القانونية للملكية (خاصة تداعيات القانون رقم 4 لسنة 1978)، توثيق الحقوق العقارية رقمياً (باستخدام تقنية البلوك تشين)، توفير آليات تمويل متوافقة، إشراك الملاك الأصليين والورثة والمهجرين في هيكل الحوكمة، وضمان الشفافية المالية بعيداً عن التدخلات السياسية. يخلص المقال إلى أن المشروع قابل للتطبيق، شريطة أن يُسبق بمرحلة تأسيسية شاملة تعالج الثغرات الهيكلية والقانونية التي أوقفت مشاريع مماثلة سابقاً.

أولاً: أهمية النموذج – كسر هيمنة التمويل الحكومي

في ظل عجز الموازنة العامة المتكرر (الذي يقترب من 80 مليار دينار سنوياً) والضغوط التضخمية الناتجة عن التمويل النقدي للعجز، يُشكل نموذج الشركة المساهمة العقارية التي يملكها أهالي المنطقة والدولة والمستثمرون، نقلة نوعية في فلسفة إعادة الإعمار؛ فهو:

  • يُبعد عبء التمويل عن الخزانة العامة، التي تعاني أصلاً من عجز هيكلي.
  • يُحول العقارات المتضررة إلى أصول رأسمالية قابلة للتداول والرهن والاستثمار.
  • يَخلق سوقاً مالية محلية للأصول العقارية، مما يُسهم في تدوير النقود داخل الاقتصاد المحلي، بدلاً من هروبها نحو الاستيراد والتهريب.

هذا النموذج يتسق مع ما طرحته توصيات منتدى التطوير العقاري الليبي (الدورة الأولى) بضرورة تحويل العقود الإدارية إلى عقود استثمارية، وتفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإعادة هيكلة السجل العقاري ليكون رقماً محورياً في أي عملية تنموية.

ثانياً: المعضلة القانونية – من هو المالك الأصلي؟

تُشكل إشكالية الملكية العائق الأكبر أمام أي مشروع إعمار في ليبيا، وتتجلى في ثلاث طبقات متداخلة:

1. حق الرقبة (الملكية الأصلية)

يمثل الملاك الأصليين الذين امتلكوا الأراضي قبل صدور القانون رقم 4 لسنة 1978 (الذي أقر مبدأ “البيت لساكنه”)، وغالباً ما يكونون قد لجأوا إلى القضاء لاسترداد أملاكهم. في النموذج المقترح، يُمنح هؤلاء 5 أسهم عن كل متر مربع من أرضهم، مما يُحافظ على حقوقهم كملكية رأسمالية.

2. حق الانتفاع (بموجب القانون رقم 4)

هذه الفئة هم “الشاغلون القانونيون” الذين خصصت لهم الدولة مساكن بموجب قانون “البيت لساكنه”، أو من اشترى لاحقاً من هؤلاء. يُمنحون سهماً واحداً عن كل متر مربع مسقوف، مما يُقر بحقهم في الانتفاع، لكن دون مساواتهم بالملكية الأصلية الكاملة للرقبة.

3. الورثة المتعددون والمهجرون

مع مرور الزمن، تشعبت الملكيات عبر الوراثة، وتضاعفت النزاعات، كما أن هناك ملاكاً مهجرين (لأسباب سياسية أو أمنية) يجب أخذ مطالبهم بالاعتبار. يقترح النموذج تشكيل لجنة مستقلة تضم سكاناً قدامى لديهم دراية بالملكية الأصلية، وموظفي سجل عقاري قدامى (حتى لو متقاعدين) يُشهَد لهم بالمعرفة الدقيقة بالعائلات والملكيات، لتقييم الحصص وفق نصيب كل وارث.

ثالثاً: الرقمنة والبلوك تشين – الحل التقني للأزمة العقارية

تتفق الأبحاث الأكاديمية والتطبيقات العملية على أن تقنية البلوك تشين (Blockchain) هي الحل الأكثر فاعلية لإشكاليات السجل العقاري في ليبيا، وذلك للأسباب التالية:

1. الأمان وعدم القابلية للتلاعب

تعتمد البلوك تشين على دفتر حسابات موزع (Distributed Ledger) حيث تُسجل كل معاملة في كتلة مشفرة مرتبطة بالكتلة السابقة، مما يجعل تغيير أي معلومة مستحيلاً عملياً دون توافق جميع الأطراف، ويُنهي ظاهرة “السندات المزدوجة” والاحتيال العقاري.

2. الشفافية والسرعة

تُتيح العقود الذكية (Smart Contracts) تنفيذ المعاملات (بيع، شراء، رهن، توريث) تلقائياً عند استيفاء الشروط، دون حاجة لوسيط؛ مما يخفض التكاليف والوقت من أسابيع إلى دقائق، ويُتيح لأي جهة مخولة (دائرة التسجيل، البنوك، المستثمرين) الاطلاع على سجل الملكية بشفافية.

3. التكامل مع نظم المعلومات الجغرافية (GIS)

يُمكن ربط كل قطعة أرض برقم فريد يعتمد على إحداثياتها الجغرافية (خطوط الطول والعرض)، مما يُنهي النزاعات الحدودية التقليدية المبنية على معالم زائلة (كالمساجد أو المنازل المجاورة)، ويُوثق الملكيات بشكل دقيق لا يقبل الجدل.

4. تطبيقات محلية جاهزة

توجد دراسات تطبيقية من جامعات ليبية (بنغازي، مصراتة، سبها) اقترحت نماذج لتطبيق البلوك تشين في السجل العقاري الليبي، واختُبرت نماذج أولية على منصة “Hyperledger Fabric”، مما يعني أن البنية التقنية متاحة وقابلة للتطبيق فوراً، شريطة توفر الإرادة السياسية والتشريعية.

رابعاً: آليات التمويل – بين المصرفية التقليدية والإسلامية

يُمكن تمويل المشروع عبر مزيج من المصادر، مع مراعاة أن القانون رقم 1 لسنة 2013 (بشأن منع المعاملات الربوية) قد يُشكل عائقاً أمام التمويل المصرفي التقليدي إذا لم يُصمم وفق ضوابط شرعية:

  1. الاقتراض المصرفي بضمان الأصول (عقود مرابحة أو مشاركة).
  2. إصدار صكوك استثمارية (إسلامية) تغطي مراحل التطوير.
  3. سندات تنموية (تقليدية) تُطرح للاكتتاب العام، مع ضمانات سيادية.
  4. شراكات استراتيجية مع شركات إقليمية ودولية (كشركات مصرية وإيطالية وألمانية)، مع اشتراط الشفافية في العقود والمناقصات.
  5. إنشاء صناديق فرعية متخصصة (كصندوق الحفاظ على التراث، وصندوق أجيال المدينة القديمة) بنسبة 10% من الأسهم.

خامساً: ثغرات الحوكمة – دروس من تجارب سابقة

أشارت تقارير مستقلة إلى مخاطر تكرار سيناريوهات سابقة حيث تحولت مشاريع إعادة الإعمار إلى أدوات لتعزيز نفوذ سياسي وعسكري، مع غياب الشفافية في مصادر التمويل وعدم التزام الجهات المنفذة بالتعويض العادل للملاك. لذلك، يُشترط لنجاح النموذج المقترح:

  1. استقلالية الإدارة عن التدخلات السياسية، مع خضوعها لرقابة ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد.
  2. وضوح مصادر التمويل، مع الإفصاح الكامل عن أي قروض أو منح أو مساهمات، وعدم السماح بتمويل المشروع عبر عوائد غير مشروعة (كتهريب الوقود أو النفط).
  3. إشراك المجتمع المحلي (الملاك، الورثة، الشاغلون، وجهاء المنطقة) في الجمعية العمومية ومجلس الإدارة، مع تخصيص مقعد دائم لتمثيلهم.
  4. استكمال الإطار التشريعي بإصدار قوانين تنظم عمل شركات التطوير العقاري المساهمة، وتُحدد آليات التقاضي في حالات النزاع، وتُعفي العوائد الاستثمارية من الضرائب لفترة محددة كحافز.

التوصيات

بناءً على التحليل أعلاه، أوصي بما يلي:

  1. تشكيل لجنة وطنية عليا تضم ممثلين عن المصرف المركزي، ووزارة التخطيط، وديوان المحاسبة، وهيئة التسجيل العقاري، والمجلس البلدي، وممثلين عن الملاك والورثة، لوضع خارطة طريق تنفيذية للمشروع، على أن تكون مخرجاتها مُلزمة وليست استشارية.
  2. إطلاق مشروع رقمنة السجل العقاري بالاعتماد على تقنية البلوك تشين، كمرحلة أولى تستغرق عاماً واحداً، تتضمن مسحاً شاملاً للمنطقة وتوثيقاً رقمياً لكل قطعة أرض، بالاستعانة بخبراء ليبيين وأجانب في مجال GIS والبلوك تشين.
  3. إقرار تشريع خاص بالمناطق ذات الطبيعة الاقتصادية الخاصة (استناداً للقانون رقم 14 لسنة 2010) لمنطقة المدينة القديمة، يمنحها مزايا ضريبية وجمركية واستثمارية، ويُحدد آليات التعويض والانتزاع للضرورة العامة (مع ضمان التعويض العادل).
  4. إنشاء سوق مالي عقاري تجريبي، بحيث تكون أسهم الشركة قابلة للتداول في سوق الأوراق المالية الليبي (عند تفعيله)، مما يُتيح للملاك سيولة نقدية دون بيع عقاراتهم فعلياً.
  5. إلزام الجهات المنفذة بالإفصاح المالي الشهري عن الإيرادات والمصروفات وعقود المقاولات، مع إتاحة هذه المعلومات للجمهور عبر منصة إلكترونية شفافة، لكسب ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء.

الخاتمة

نموذج “شركة إعمار المدينة القديمة” الذي يملكها الملاك والورثة والدولة والمستثمرون، هو نموذج طموح وقابل للتطبيق، بل قد يكون السبيل الوحيد لكسر جمود إعادة الإعمار بعيداً عن الميزانية العامة المعطلة. لكن نجاحه يتوقف على معالجة ثلاث عُقد قبل وضع أي حجر أساس:

  • العقدة القانونية: حسم تداعيات القانون رقم 4 والاعتراف بحقوق الملاك الأصليين والمهجرين والورثة.
  • العقدة التقنية: إطلاق سجل عقاري رقمي بتقنية البلوك تشين، يضع حداً للنزاعات ويُتيح الشفافية.
  • العقدة المؤسسية: ضمان حوكمة رشيدة ومشاركة مجتمعية حقيقية، تمنع تحول المشروع إلى أداة نفوذ أو فساد.

إن تحويل المدينة القديمة من “منطقة مدمرة تنتظر التعويضات” إلى “شركة مساهمة عقارية يملكها أهلها” هو تحول ثوري في مفهوم الملكية والتنمية، لكنه يحتاج إلى صبر مؤسسي وإرادة وطنية تتجاوز التجاذبات السياسية، وتضع مصلحة المدينة وسكانها فوق كل اعتبار.

إخلاء مسؤولية منهجي: يعتمد هذا التحليل على المعلومات الواردة في المقترحات المقدمة حول مشروع إعادة إعمار المدينة القديمة بنغازي، والتوصيات الصادرة عن منتدى التطوير العقاري الليبي، بالإضافة إلى الدراسات الأكاديمية والتقارير المستقلة حول التحديات القانونية والتقنية والتمويلية. التوصيات هي آراء تحليلية تهدف إلى الإسهام في نقاش بناء، وتُطرح للنقاش العلمي والمؤسسي.

مشاركة الخبر