Skip to main content

الوسم: ليبيا

“تكالة وناجي عيسى” يبحثان الأوضاع المالية ويتفقان على لجنة مشتركة للإصلاح الاقتصادي

بحث رئيس المجلس الأعلى للدولة “محمد تكالة” مع محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” خلال لقائهما اليوم الأربعاء بمقر المجلس بطرابلس، مستجدات الأوضاع المالية والنقدية في البلاد وتحديات إدارة الموارد والإنفاق وسعر الصرف وانعكاساتها على معيشة المواطنين.

​وأكد الطرفان خلال الاجتماع على ضرورة صون استقلالية المصرف المركزي والنأي به عن التجاذبات السياسية، مع تحقيق التوافق بين السياسات المالية والاقتصادية وترشيد الإنفاق العام ومكافحة الفساد.

​واختُتم اللقاء بالاتفاق على أهمية تشكيل لجنة فنية مشتركة بين مجلسي الدولة والنواب بالتنسيق مع المصرف المركزي، لتصميم ومتابعة حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية الشاملة القائمة على أسس علمية ومؤسسية لتجاوز الأزمة الراهنة.

“الشلوي”: تمويل المؤسسة الوطنية للنفط.. من الاعتماد السنوي المتقطع إلى نموذج مستدام لتمويل الثروة المنتجة

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

حين نتحدث عن تمويل المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، فإننا لا نتحدث عن تمويل مؤسسة عامة بالمعنى التقليدي، ولا عن بند إنفاق يمكن تأجيله أو تخفيضه بالطريقة ذاتها التي تُعامل بها بقية بنود الموازنة العامة. نحن نتحدث عن تمويل القطاع الذي يولّد المورد الرئيس للدولة الليبية، وعن المنظومة التي يتوقف عليها استمرار الإنتاج والتصدير وتدفق النقد الأجنبي وتمويل جانب كبير من الإنفاق العام.

ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة، في تقديري، ليس: كم نعطي المؤسسة الوطنية للنفط؟ وإنما: كيف نبني آلية تمويل مستقرة ومنضبطة تضمن استمرار الإنتاج وتطويره، وتحمي في الوقت نفسه المال العام، وتحقق أعلى مستوى ممكن من الشفافية والحوكمة؟

والفارق بين السؤالين كبير.

التمويل في قطاع النفط ليس مجرد إنفاق

سبق أن تناولت في مقالات وورقات سابقة ضرورة التمييز بين الإنفاق العام الاستهلاكي وبين الإنفاق الذي يحافظ على أصل منتج أو يوسع قدرته على توليد الإيراد، وهي مسألة تكتسب أهمية مضاعفة في دولة ريعية مثل ليبيا.

فالميزانية التشغيلية للمؤسسة وشركاتها OPEX تمول تشغيل الحقول والمنشآت، والصيانة، وقطع الغيار، والمواد الكيميائية، والخدمات النفطية، والسلامة، والآبار، والموانئ، وخطوط الأنابيب وغيرها.

أما الميزانية الرأسمالية CAPEX فتمول الحفر التطويري، وتطوير الحقول، وإزالة الاختناقات، وتجديد البنية التحتية، وزيادة الطاقة الإنتاجية، ومشروعات الغاز، وتقليل الحرق، وتطوير مرافق التخزين والنقل والتكرير.

وتأخير النوع الأول يهدد الإنتاج القائم، بينما يؤدي تأخير النوع الثاني إلى إضعاف القدرة الإنتاجية المستقبلية.

وقد أثبتت تجربة السنوات السابقة أن عدم انتظام التمويل يؤدي إلى تباطؤ تنفيذ البرامج، وتراكم الالتزامات على الشركات التابعة، وتأثر سلاسل التوريد، وصعوبة توفير قطع الغيار والخدمات في توقيتها المطلوب.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الليبية: نحاول أحيانًا حماية الخزانة العامة عن طريق تأخير تمويل الجهة التي تملأ هذه الخزانة.

كيف مُوّلت المؤسسة تاريخيًا؟

اعتمد النموذج الليبي التقليدي بدرجة كبيرة على الموازنة العامة والتحويلات الحكومية، وهو نهج قديم ارتبط منذ عقود بترتيبات تمويل المؤسسة وشركاتها من الاعتمادات العامة للدولة.

ففي موازنة عام 2013، على سبيل المثال، أُدرج للمؤسسة نحو 1.16 مليار دينار في الباب الأول و2.4 مليار دينار في الباب الثاني، بينما بلغت مخصصاتها في عام 2014 نحو 1.25 مليار و1.45 مليار دينار في البابين الأول والثاني على التوالي.

لكن السنوات اللاحقة شهدت توسعًا في استخدام ترتيبات مالية استثنائية نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية وعدم انتظام الموازنات.

وفي أبريل 2022 أُقرت ترتيبات مالية استثنائية للمؤسسة تجاوزت قيمتها 37.6 مليار دينار، تضمنت المرتبات والتشغيل وخطة التنمية وتسوية جانب من الالتزامات السابقة، على أن تُغطى من الإيرادات النفطية المتوقعة لذلك العام.

والدلالة هنا ليست في الرقم وحده، وإنما في أن الدولة اضطرت إلى الانتقال من التمويل الطبيعي المنتظم إلى التمويل الاستثنائي لمعالجة احتياجات تراكمت وكان يفترض أن تُمول بصورة منتظمة وفي توقيتاتها الفنية الصحيحة.

وفي عام 2025 برزت المشكلة بصورة أوضح؛ إذ أعلنت المؤسسة أن ما تسلمته من وزارة المالية منذ بداية السنة بلغ 18.2 مليار دينار، إلا أن 14.6 مليارًا منها كانت مخصصة لشراء الوقود لصالح الدولة، و2.6 مليار للمرتبات، بينما كان مليار دينار فقط مخصصًا للمصروفات التشغيلية عن عام 2024.

وهنا يجب التوقف عند نقطة شديدة الأهمية:

ميزانية استيراد المحروقات ليست هي ميزانية تشغيل وتطوير المؤسسة الوطنية للنفط.

خلط هذه البنود في النقاش العام قد يعطي انطباعًا بأن عشرات المليارات تُضخ في الاستثمار النفطي، بينما يرتبط الجزء الأكبر منها في أحيان كثيرة بتوفير الوقود للسوق المحلية، وهي مسألة مالية وسياساتية تختلف جذريًا عن تمويل الحفر والصيانة وتطوير الحقول ورفع القدرة الإنتاجية.

ماذا حدث في 2026؟

حتى عام 2026 ظلت فجوة الاعتماد مقابل التسييل الفعلي إحدى أبرز مشكلات التمويل.

ففي يوليو بلغ إجمالي الاعتماد المقرر للمؤسسة نحو 13.6 مليار دينار، بينما كان المفرج عنه في ذلك الوقت مليار دينار فقط، إلى جانب تسديد التزامات بقيمة 157 مليون دولار.

غير أن التطور اللافت يتمثل في توفير ميزانية تشغيلية تتجاوز 13 مليار دينار ضمن ترتيبات الإنفاق الموحدة، بالتوازي مع الإعلان عن اتفاق للحصول على قرض بقيمة مليار دولار من المصرف الليبي الخارجي لتمويل مشروعات تستهدف رفع الإنتاج إلى أكثر من 1.5 مليون برميل يوميًا بحلول منتصف عام 2027، مع إمكانية توفير تمويل إضافي بقيمة مليار دولار عند الوصول إلى ذلك المستهدف.

كما تُقدر الاحتياجات الاستثمارية اللازمة للوصول إلى إنتاج يقارب مليوني برميل يوميًا بحلول عام 2031 بنحو 36 مليار دولار، يُستهدف توفير جزء منها من خلال الشركاء الدوليين، على أن تتحمل المؤسسة جانبًا رئيسيًا من الاحتياجات المتبقية.

وهذه، في تقديري، نقطة تحول تستحق التوقف عندها.

فالدخول في تمويل مصرفي بهذا الحجم يعني بدء الانتقال، ولو جزئيًا، من مفهوم انتظار التخصيص الحكومي إلى مفهوم أكثر تطورًا هو تعبئة التمويل.

لكن القرض في حد ذاته لا يمثل إصلاحًا هيكليًا كاملًا؛ فهو أداة ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة تمويل متكاملة ومستدامة.

ما هو التمويل الضروري وما هو التمويل الممكن؟

أرى ضرورة الفصل بين مستويين رئيسيين.

التمويل الضروري هو التمويل الذي لا ينبغي أن يخضع للمساومات أو التأخير، ويشمل تشغيل الحقول والمنشآت، وسلامة الأصول، والصيانة الوقائية والعاجلة، والحفر الضروري لتعويض التناقص الطبيعي، وتأمين المواد وقطع الغيار، ومعالجة الاختناقات الحرجة، والوفاء بالالتزامات التعاقدية الأساسية.

فهذه الأموال لا تتعلق بترف استثماري، بل بالمحافظة على الإنتاج الموجود أصلًا.

أما التمويل الاستراتيجي أو الممكن تنويع مصادره فيشمل مشروعات زيادة الإنتاج، وتطوير الاكتشافات الجديدة، ومشروعات الغاز، والتكرير والبتروكيماويات، وخطوط الأنابيب الجديدة، ومرافق التخزين، وتقليل الحرق، وغيرها من المشروعات ذات التدفقات النقدية المستقبلية القابلة للقياس.

وهذه المشروعات لا يلزم بالضرورة أن تُمول جميعها من الخزانة العامة.

بل إن تحميل الموازنة العامة كامل متطلبات التوسع النفطي قد لا يكون اقتصاديًا، وربما لا يكون ممكنًا أصلًا مع ضخامة الاحتياجات الاستثمارية المطلوبة.

ماذا نستفيد من Aramco وADNOC وSonatrach؟

تصبح المقارنة الإقليمية مفيدة عندما نبحث عن المبادئ وليس عن النسخ الحرفي للتجارب.

فـ Saudi Aramco، رغم بقاء الدولة المالك الأكبر لها، تعمل ضمن بنية مالية ومؤسسية تمكنها من توليد تدفقات نقدية ضخمة، والاقتراض، والدخول إلى أسواق الدين، والاستفادة من السندات والصكوك إلى جانب التمويل الناتج عن عملياتها.

وفي الإمارات لا تعتمد ADNOC على أداة واحدة، بل تستخدم مزيجًا من التدفقات الذاتية، والشراكات، والتمويل المصرفي، والسندات والصكوك، وتمويل بعض الأصول والمشروعات وفق هياكل مالية مختلفة.

أما Sonatrach الجزائرية، وهي ربما الأقرب نسبيًا من حيث الملكية والدور السيادي، فتعمل وفق ميزانيات وبرامج تطوير تمتد لعدة سنوات، مع توجيه استثمارات كبيرة إلى الاستكشاف والتطوير والإنتاج، واستخدام الشراكات الدولية لتقاسم المخاطر وتسريع تنفيذ المشروعات.

إذن، القاسم المشترك ليس الخصخصة، وليس التخلي عن ملكية الدولة للثروة.

القاسم المشترك هو وجود شركة وطنية قادرة ماليًا، تخطط لعدة سنوات، وتملك مزيجًا من التدفقات الذاتية والشراكات والتمويل المصرفي وأسواق رأس المال.

فلماذا لا نفعل الشيء نفسه في ليبيا فورًا؟

لأن الوصول إلى أسواق التمويل ليس قرارًا إداريًا يصدر في يوم واحد.

المصارف والمؤسسات المالية لا تمول الاحتياطي النفطي الموجود تحت الأرض لمجرد ضخامته، وإنما تمول شركة أو مشروعًا له شخصية قانونية واضحة، وتدفقات نقدية قابلة للتنبؤ، وحسابات مالية مدققة، ونظام حوكمة، وقدرة على خدمة الدين، وعقود قابلة للتنفيذ، ومخاطر سياسية وتشغيلية يمكن تقييمها وتسعيرها.

وهنا يظهر مفهوم Bankability – القابلية للتمويل.

ولا ينبغي فهم هذا المفهوم وكأن المؤسسة الوطنية للنفط أو شركاتها لا تملك قيمة اقتصادية؛ فالعكس تمامًا. الاحتياطيات والأصول والخبرة والقدرات الفنية تمنح القطاع الليبي قيمة استثنائية، لكن تحويل هذه القيمة إلى قدرة على الاقتراض بشروط تنافسية يحتاج إلى إطار قانوني ومالي ومؤسسي واضح.

وهنا نصل إلى معادلة مهمة: لا استقلال مالي مطلق، ولا تبعية مالية كاملة، وإنما مرونة مالية منضبطة تحكمها الشفافية والمساءلة والنتائج.

النموذج الذي أراه مناسبًا لليبيا

لا أدعو إلى إخراج المؤسسة الوطنية للنفط من رقابة الدولة، كما لا أدعو إلى منحها شيكًا مفتوحًا على الإيرادات النفطية.

ما أقترحه هو نموذج تمويل هجين ومنضبط يقوم على ثلاث طبقات مترابطة.

أولًا: تمويل تشغيلي تلقائي ومحمي

تُعتمد موازنة تشغيلية سنوية قبل بداية السنة المالية، ضمن إطار مالي يمتد لثلاث إلى خمس سنوات، وتُحدد وفق معايير فنية تشمل حجم الإنتاج، وعدد الآبار والمنشآت، واحتياجات الصيانة والسلامة، والبرامج التشغيلية المخطط لها.

ثم تُحول المخصصات إلى المؤسسة بصورة شهرية أو ربع سنوية وفق جدول واضح وتلقائي، بدل الدخول في كل مرة في سلسلة طويلة من المراسلات والموافقات والإفراجات الاستثنائية.

ويمكن قانونًا تصميم آلية تربط هذه التدفقات بجزء محدد ومسبق من الإيرادات النفطية، ضمن سقف سنوي معتمد، دون أن يعني ذلك منح المؤسسة ملكية الإيرادات أو سلطة مفتوحة عليها.

ثانيًا: برنامج استثماري متعدد السنوات

لا يمكن إدارة تطوير الحقول النفطية بعقلية موازنة تبدأ في يناير وتنتهي في ديسمبر.

المشروعات النفطية الكبرى تمتد بطبيعتها لعدة سنوات.

ولهذا يجب اعتماد برنامج استثماري رأسمالي متعدد السنوات – Capital Investment Programme يمتد لثلاث أو خمس سنوات، ويحدد المشروعات حسب الأولوية الاقتصادية والفنية، مع بيان تكلفة كل مشروع، وأثره المتوقع في الإنتاج أو الاحتياطيات، وفترة تنفيذه، وعائده الاقتصادي، ومخاطره.

ويُصرف التمويل على مراحل مرتبطة بنسب الإنجاز والنتائج المحققة.

ثالثًا: التمويل التجاري وتمويل المشروعات

وهنا توجد، في تقديري، المساحة الأكبر التي يمكن تطويرها في ليبيا.

فبعد استكمال المتطلبات القانونية والمالية، يمكن للمؤسسة وشركاتها الاستفادة من القروض المصرفية المحلية والدولية، وتمويل المشروعات Project Finance، والشراكات مع الشركات النفطية الدولية، وترتيبات Carry Financing التي يتحمل فيها الشريك جزءًا من الإنفاق وفق شروط متفق عليها، إضافة إلى إمكانية إصدار السندات أو الصكوك مستقبلًا، وتأسيس شركات ذات غرض خاص SPVs لمشروعات محددة في خطوط الأنابيب أو التخزين أو الغاز أو التكرير.

كما يمكن الاستفادة من التمويل المرتبط بعقود شراء طويلة الأجل للمشروعات التي تنتج تدفقات نقدية مستقرة، ودراسة مساهمة المؤسسات الاستثمارية الوطنية والمصارف الليبية في مشروعات نفطية محددة على أسس تجارية واضحة.

والمطلوب في كل ذلك هو ألا تتحول هذه الالتزامات تلقائيًا إلى ديون سيادية غير معلنة تتحملها الدولة دون ضوابط.

قبل إصدار السندات… علينا بناء الجدارة الائتمانية

لا أعتقد أن البداية الصحيحة هي أن نقول غدًا: لتصدر المؤسسة سندات دولية.

البداية الصحيحة هي إعداد المؤسسة لتصبح قادرة على ذلك.

وهذا يتطلب حسابات مالية موحدة ومدققة وفق معايير معترف بها دوليًا، وتقييمًا مستقلًا للاحتياطيات والأصول، ووضوحًا قانونيًا بشأن قدرة المؤسسة وشركاتها على الاقتراض، وتحديد الجهة التي تملك صلاحية إنشاء الدين ومن يتحمل الالتزام.

كما يتطلب الأمر سياسة معلنة للدين وسقوف الاقتراض، وتصنيفًا ائتمانيًا مناسبًا، وحسابات مستقلة للمشروعات الممولة، وقواعد مشتريات وتعاقد شفافة، ولجان تدقيق ومخاطر فاعلة، وضوابط تمنع إنشاء ضمانات سيادية ضمنية أو التزامات غير معلنة على الدولة.

ومن المهم كذلك الفصل بين دين المؤسسة القائم على تدفقاتها التجارية وبين الدين السيادي للدولة.

فإذا كانت الدولة ستضمن كل قرض بصورة غير مشروطة، فإننا نكون قد غيرنا اسم التمويل فقط، ولم نغير طبيعته أو مخاطره.

الحوكمة والتمويل… لا تعارض بينهما

من الأخطاء التي تتكرر في النقاش العام وضع خيارين متعارضين: إما أن نمول المؤسسة، أو أن نطالب بالرقابة.

والصحيح أننا نحتاج الأمرين معًا.

كلما اتسعت المرونة التمويلية، وجب أن ترتفع معها درجة الشفافية والمساءلة.

لكن الرقابة التي نحتاج إليها ليست رقابة تعطل القرار التشغيلي والفني، وإنما رقابة تقيس النتائج.

ما تكلفة إنتاج البرميل؟

كم أُنفق على الصيانة؟

كم انخفضت التوقفات غير المخططة؟

ماذا أضاف كل مشروع إلى الإنتاج أو الاحتياطيات؟

هل نُفّذ في موعده؟

كم كانت التكلفة المعتمدة وكم أصبحت التكلفة النهائية؟

وما العائد الفعلي على الإنفاق الرأسمالي؟

هذه هي الحوكمة القائمة على الأداء، حيث يصبح التمويل مرتبطًا بمؤشرات كمية وفنية قابلة للقياس، من بينها تكلفة البرميل، وكفاءة الإنفاق الرأسمالي، ومعدلات التوقف غير المخطط، والاستدامة الإنتاجية.

الإيرادات النفطية ملك للدولة

من المهم هنا التأكيد على مبدأ سيادي لا ينبغي المساس به:

الإيرادات النفطية ملك للدولة الليبية، وليست ملكًا للمؤسسة الوطنية للنفط.

لكن هذا لا يتعارض مع إنشاء قاعدة قانونية تسمح بتمويل المؤسسة آليًا من جزء معلوم ومسبق من تلك الإيرادات وفق ميزانية معتمدة وضوابط واضحة.

والفرق جوهري.

ففي الحالة الأولى تصبح المؤسسة صاحبة الإيراد، وهذا ليس المقصود.

أما في الحالة الثانية فتبقى الإيرادات للدولة، لكن الدولة تقرر مسبقًا أن تكلفة حماية الأصل الذي يولد هذه الإيرادات وتطويره تتمتع بالأولوية ضمن قواعد واضحة وخاضعة للرقابة.

الأمر يشبه من يمتلك مصنعًا ناجحًا؛ فلا يمكنه سحب كامل إيرادات المصنع باستمرار، ثم مطالبته بالاستمرار في الإنتاج دون أن يترك له ما يكفي للصيانة والتجديد والاستثمار.

تمويل المؤسسة ليس امتيازًا لها… بل حماية للإيراد السيادي

في اقتصاد متنوع، يمكن أن يتعرض قطاع معين لنقص التمويل دون أن تتعرض المالية العامة للدولة كلها للخطر.

أما في ليبيا فالوضع مختلف.

فأي تراجع مستدام في إنتاج النفط ينعكس على تدفقات النقد الأجنبي، وعلى الموازنة العامة، والاحتياطيات، وسعر الصرف، وقدرة الدولة على تمويل المرتبات والدعم والتنمية والخدمات العامة.

لذلك فإن استقرار تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس شأنًا خاصًا بالمؤسسة، بل هو جزء من الأمن المالي والاقتصادي للدولة الليبية.

وقد أكدتُ في أكثر من مناسبة أن الإشكالية الليبية لا تكمن في ضعف الموارد الطبيعية، وإنما في كيفية إدارة عوائد هذه الموارد وتحويل جزء أكبر منها من الإنفاق الاستهلاكي إلى الاستثمار المنتج.

ومن المفارقات أن أول استثمار ينبغي حمايته هو الاستثمار في الأصل الذي يولد الريع ذاته.

القرض الأخير… بداية جيدة وليس نهاية الطريق

أرى أن الاتجاه نحو الاقتراض المصرفي لتمويل مشروعات إنتاجية يمثل تطورًا مهمًا؛ لأنه يفتح الباب أمام التفكير في التمويل التجاري وربط التمويل بمستهدفات إنتاجية واقتصادية واضحة.

لكن ينبغي أن يكون ذلك بداية لمسار مؤسسي متكامل، لا مجرد حالة استثنائية تُضاف إلى سلسلة الاستثناءات.

فإذا أثبتت المؤسسة قدرتها على اقتراض مليار دولار، وتوجيهه إلى مشروعات محددة، وتحقيق زيادة إنتاجية حقيقية، وخدمة الدين من العائد المتولد، والإفصاح عن النتائج بصورة واضحة، فإنها تكون قد بدأت في بناء سجل ائتماني Track Record.

ومن هذا السجل يمكن مستقبلًا الانتقال إلى تمويلات أكبر وأطول أجلًا، وربما بتكلفة أقل وشروط أفضل.

وهكذا تُبنى Bankability فعليًا، لا بالشعارات وإنما بالأداء والنتائج والثقة.

الخلاصة: لا موازنة مفتوحة… ولا تمويل بالقطارة

ما تحتاجه المؤسسة الوطنية للنفط ليس موازنة مفتوحة بلا رقابة، كما أنها لا تستطيع الاستمرار بمنطق الإفراج المتقطع عن الأموال ومعالجة كل أزمة بترتيب مالي استثنائي.

الحل بين الاثنين.

تمويل أساسي ثابت ومنتظم للتشغيل والصيانة، وبرنامج رأسمالي متعدد السنوات، وتمويل تجاري وشراكات للمشروعات القابلة لذلك، ضمن إطار قوي للحوكمة والتدقيق والإفصاح وربط الإنفاق بالنتائج.

بهذا فقط يمكن أن تنتقل المؤسسة تدريجيًا من مؤسسة تعتمد أساسًا على ما تفرج عنه الخزانة إلى شركة وطنية ذات قدرة مالية حقيقية، مملوكة للدولة وتعمل لصالحها، لكنها في الوقت نفسه قادرة على تعبئة رأس المال وإدارة استثماراتها وفق المعايير المهنية الحديثة.

والهدف ليس تقليد Aramco أو ADNOC أو Sonatrach لمجرد أنها نماذج ناجحة، فالظروف القانونية والسياسية والمؤسسية مختلفة.

ما يجب أن نستفيد منه هو المبدأ: الدولة تحتفظ بالثروة والسيادة، والشركة الوطنية تحصل على المساحة المالية والتشغيلية اللازمة لتنمية هذه الثروة، والرقابة تنتقل تدريجيًا من التحكم في كل حركة مالية إلى محاسبة المؤسسة على النتائج والكفاءة والعائد.

وأرى أن ليبيا اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى هذا النموذج.

فهدف الوصول إلى مليوني برميل يوميًا ليس مجرد مسألة فنية تتعلق بعدد الحفارات والآبار، وليس مجرد سؤال عن كيفية توفير 36 مليار دولار.

إنه، قبل ذلك كله، سؤال عن شكل المؤسسة التي ستدير هذه الأموال، وكيف ستمول نفسها، وكيف ستقاس نتائجها، وما إذا كنا نريدها مجرد وحدة إنفاق داخل الموازنة العامة، أم شركة وطنية حديثة وقوية وقابلة للتمويل، تستطيع المحافظة على أهم أصل اقتصادي تمتلكه الدولة الليبية وتنميته للأجيال القادمة.

وهنا، في تقديري، يبدأ الإصلاح الحقيقي.

المحافظ يرهن عدوله عن الاستقالة بتنفيذ حزمة إصلاحات مالية واقتصادية عاجلة

ربط محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” قرار العدول عن الاستقالة باشتراط التزام الأطراف المعنية بتنفيذ حزمة إصلاحات عاجلة، تهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني وضمان الاستقرار المالي وسعر الصرف.

​وتشمل الشروط المطروحة مراجعة شاملة للإنفاق العام والإيرادات، وتطبيق الاتفاق الموحد، إضافة إلى إقرار سياسات تجارية صارمة تحافظ على موارد الدولة واحتياطياتها النقدية، وتكافح تهريب السلع والمحروقات.

​وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع اتصالات مكثفة أجرتها عدة أطراف مع المحافظ لثنيه عن الاستقالة، حيث من المرتقب عقد اجتماعات رسمية لتحديد آليات تنفيذ هذه الإصلاحات لضمان استمرارية قيادة المصرف في أداء مهامها.

“علي الجهاني”: استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي: المواطن يدفع الثمن.. وتعرية “معادلة الاقتصاد غير المستدامة”

كتب: المستشار المصرفي “علي الجهاني”

شهدت الأروقة الاقتصادية والسياسية في ليبيا تطوراً مفصلياً بتقديم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى كتاب اعتذار عن الاستمرار في منصبه إلى رئيسي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بتاريخ 9 أغسطس 2026. ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تتصاعد المضاربات وتتراجع القدرة الشرائية للدينار، ليجد المواطن البسيط نفسه مجدداً الضحية الأولى لمعارك نفوذ وسوء إدارة لا يد له فيها.

والاستقالة لم تُحسم بعد: فقد رفضها المجلس الأعلى للدولة وطالب المحافظ بالاستمرار في مهامه كاملةً — بما فيها ضبط الإنفاق العام ومنع التجاوزات في استخدامات النقد الأجنبي — إلى حين البت فيها، بينما لم يحسم مجلس النواب موقفه. ونحن إذاً أمام وضع أخطر من الشغور لا أقل منه: محافظ يمارس صلاحيات كاملة برصيد شرعية متآكل. وقد سعّر السوق هذا الغموض فوراً؛ إذ تجاوز الدولار في السوق الموازية حاجز التسعة دنانير بعد استقرار عند حدود 8.40.

وقد وضع تحليل رجل الأعمال حسني بي الأزمة في نصابها الصحيح؛ فالاستقالة ليست حدثاً إدارياً، بل إعلان عن وصول نموذج إدارة الاقتصاد الليبي إلى حدود قدرته القصوى على الاستمرار. ومع ذلك يجب التحفظ: فالكتاب لم يذكر الأسباب، ومن غير المهني الجزم بأن ملفاً بعينه هو السبب المباشر. لكن ما يمكن قوله بثقة إن البيئة التي عمل فيها المحافظ جعلت المهمة غير قابلة للأداء بالأدوات المتاحة.

أولاً: المواطن في مرمى النيران.. كلفة الأزمات المتتالية

في كل جولة من جولات الصراع السياسي أو التخبط المؤسسي، تتحول القرارات المالية فوراً إلى أعباء معيشية يكتوي بنارها الشارع الليبي:

تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. بمجرد انتشار شائعات الاستقالة والتجاذبات، تشتعل الأسعار في السوق الموازية. ونتيجة لغياب الرقابة وتراجع قيمة الدينار، تنعكس الفروق فوراً في شكل موجات غلاء تضرب السلع الأساسية والمواد الغذائية والدواء — لأن الجزء الأكبر من استهلاك الليبي مستورد.

أزمة السيولة وتجميد الحياة المعيشية. يدفع الغموض الإداري واضطراب السياسات النقدية إلى تعقيد إجراءات فتح الاعتمادات وتدفقات النقد الأجنبي، مما يعيد طوابير المصارف إلى الواجهة، ويحرم المواطن من الوصول إلى مرتبه أو مدخراته لقضاء حاجياته الضرورية.

تحمل فاتورة الفجوة السعرية. عندما يُطلب من المصرف المركزي تثبيت سعر صرف غير قادر على تحمّله، ينشأ “ريع اقتصادي” يستفيد منه المضاربون وأصحاب الاعتمادات الرخيصة، بينما يدفع المواطن الثمن تضخماً في الأسواق العامة. وحجم هذا الريع ليس تقديرياً: فقد بلغت استخدامات المصارف من النقد الأجنبي في الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 12.9 مليار دولار وفق تقرير المصرف المركزي. أي أن إدارة سعر الصرف ليست قراراً تقنياً بشأن رقم، بل آلية لتوزيع عشرات المليارات سنوياً — وكل دينار من الفارق بين السعرين تحويل صافٍ من حامل الدينار إلى من يملك حق الوصول إلى الدولار الرسمي.

ثانياً: الصراع الحقيقي.. هل الأزمة نقدية أم مالية؟

كما أوضح تحليل حسني بي، يكمن جوهر المشكلة في صراعين اقتصاديين متداخلين يصنعان معاً حلقة مفرغة:

  1. الصراع الأول (مالي): الاتفاق المنفلت

ليبيا تحصل على معظم إيراداتها بالدولار من النفط والغاز، وتنفق بالدينار: نحو 73 ملياراً للمرتبات، و37 ملياراً للدعم، وتم الاتفاق على إنفاق موحد على مستوى كامل التراب الليبي منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً وفق بيان المصرف المركزي. لكنه وحّد الأرقام ولم يوحّد الانضباط: أقرّ سقوفاً دون آلية تلقائية تعيد ضبطها عند تغيّر الإيرادات النفطية الفعلية، ودون جهة تنفيذية واحدة تتحمل مسؤولية التجاوز. والمفارقة أن بيان المصرف عند التوقيع وصف الإطار بأنه قائم على “القدرة المالية الفعلية للدولة” — وهو المبدأ الذي لم تُرفق به أداة تنفيذ واحدة.

وهنا يصبح الاتفاق منفلتاً: التزامات بالدينار مُقرّة سياسياً ومحمية بتوافق بين مجلسين، في مقابل إيرادات بالدولار خاضعة لتقلبات الإنتاج والأسعار والإغلاقات. وقد ظهر ذلك عملياً في يونيو 2026، حين وجّه رئيس لجنة الإنفاق الموحد بمجلس النواب رسالة إلى المحافظ حذّر فيها من أن المجلس قد يعتبر نفسه في حلّ من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق إذا استمر ما وصفه بتعطيل تنفيذه — أي أن الاتفاق كان قابلاً للتنصل منه من طرف واحد بعد شهرين فقط من توقيعه.

وبذلك تحوّل المصرف المركزي إلى نقطة تصادم: السلطة السياسية تطالبه بتوفير الدينارات والسيولة، بينما يحذر هو وصندوق النقد الدولي من أن كل مليار دينار إضافي ينقلب خلال أسابيع إلى طلب إضافي على الدولار والسلع المستوردة. وقد حذّر الصندوق في مشاورات 2026 من أن استمرار الإنفاق المرتفع يبقي الضغط على سعر الصرف ويستنزف الاحتياطيات، وأن السياسات القائمة غير مستدامة على المدى المتوسط.

  1. ثقب المحروقات الأسود

الدولة لا تدعم البنزين والديزل بالدينار فقط، بل تدفع جزءاً ضخماً من الفاتورة بالدولار لاستيراد وقود يُباع محلياً بأسعار شبه مجانية، ثم يتسرب جانب كبير منه إلى التهريب.

والمحصلة معادلة تستنزف نفسها بنفسها: تبيع الدولة الطاقة بالدولار، ثم تعيد شراءها بالدولار، بينما يُقيَّد المقابل بالدينار في اتفاق إنفاق لا سقف فعلياً له. وهي دائرة لا تستطيع أي سياسة نقدية بمفردها إغلاقها، لأن أدواتها تعالج الطلب على النقد الأجنبي ولا تمس مصدره.

  1. الصراع الثاني (نقدي): الدفاع عن سعر الصرف أم حماية الاحتياطيات؟

عندما تتجاوز الالتزامات بالدينار الموارد الدولارية المتاحة، يقع المركزي بين خيارات أحلاها مر: إما استنزاف الاحتياطيات، أو فرض قيود على الدولار، أو خفض قيمة الدينار، أو ترك السوق الموازية تتسع. والامتناع عن الاختيار هو في ذاته اختيار للمسار الأخير — وهو أسوأها توزيعاً للعدالة، لأنه يسلّم تسعير الاقتصاد كله للمضاربة.

ثالثاً: ما تقوله تجارب الدول

توضح التجارب الدولية أن تغيير الأشخاص دون معالجة الخلل المالي لا يحل المشكلة. ففي تركيا (2019–2021) أدت الإقالات والاستقالات المتتالية لمحافظي البنك المركزي بضغط سياسي إلى فقدان الليرة جانباً كبيراً من قيمتها وارتفاع التضخم، نتيجة عدم احترام استقلالية المؤسسة النقدية. وفي لبنان (2019–2023) أدى تمويل عجز الحكومة بأدوات نقدية، مع تجاذب إداري ممتد، إلى انهيار العملة وتآكل مدخرات المواطنين. أما مصر، التي تُقدَّم أحياناً نموذجاً لسرعة حسم الفراغ الإداري بعد استقالة محافظها في أغسطس 2022، فقد اتسعت فيها الفجوة بين السعر الرسمي والموازي بعد التغيير لا قبله، ولم تُغلق إلا بتصحيح شامل لسعر الصرف في مارس 2024 اقترن بضبط مالي وتدفقات خارجية. والخلاصة واحدة: قيمة العملة تستقر حين يُضبط الإنفاق، لا حين يتغيّر المسؤول عن المصرف المركزي — فالمحافظ لا يملك أدوات تصنع الدولار؛ يملك فقط أدوات توزّع الموجود منه.

رابعاً: من يتحمل كلفة التصحيح؟ والقرارات الواجب اتخاذها

كما أورد حسني بي، لا يوجد خيار بلا تكلفة؛ والسؤال الحقيقي: هل تُوزَّع كلفة الإصلاح بصورة واعية وعادلة، أم تُترك لتتوزع عشوائياً عبر التضخم وتآكل مدخرات الشارع؟

  1. قرارات عاجلة لطمأنة الشارع والسوق

حسم المسار الإداري للمصرف خلال مدة قصيرة ومعلنة، بقرار موحد من المجلسين: إما قبول الاستقالة مع تكليف قيادة تكنوقراطية بصلاحيات كاملة، أو رفضها مع ضمانات مكتوبة لاستقلالية القرار النقدي. والأسوأ من الخيارين هو تركهما معلقين.

ضمان استمرار ضخ العملة الأجنبية بإصدار تعاميم وتدابير عملية تؤكد استمرار فتح الاعتمادات للسلع الأساسية والأغراض الشخصية، لقطع الطريق على شائعات السوق الموازية.

نشر التقرير الفني الذي أرفقه المحافظ بكتابه المؤرخ في 2 أغسطس عن أداء مجلس الإدارة وتشخيص المخاطر، أو نشر ملخصه — فالسوق يسعّر الغموض بأعلى مما يسعّر الأخبار السيئة.

تفعيل التداول الجماعي لمجلس الإدارة بكامل صلاحياته التكنوقراطية، لتفادي رهن القرارات السيادية بشخص واحد.

  1. قرارات إصلاحية هيكلية (إيقاف النزيف)

ربط سقف الإنفاق بالإيراد الفعلي بآلية تلقائية: مراجعة ربع سنوية معلنة تعدّل الاعتمادات صعوداً وهبوطاً وفق الحصيلة النفطية المحققة لا وفق التقديرات. هذا هو الفارق بين اتفاق منضبط واتفاق منفلت.

إصلاح ملف دعم المحروقات: البدء الجاد في استبدال الدعم العيني للوقود بدعم نقدي مباشر للمواطنين، بجدول زمني معلن وتعويض محدد للفئات الأدنى دخلاً، لإغلاق باب التهريب وتوفير المليارات من النقد الأجنبي.

التنسيق بين السياسة النقدية والمالية: تشكيل لجنة دائمة تضم المصرف المركزي ووزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط، لموازنة الالتزامات بالدينار مع التدفقات بالدولار قبل الإقرار لا بعده.

قاعدة إفصاح شهرية عن الإيرادات والاحتياطي ومبيعات النقد الأجنبي وحجم الاعتمادات المفتوحة. الشفافية هنا ليست ترفاً حوكمياً؛ إنها أرخص أداة متاحة لخفض علاوة المخاطر في السوق الموازية.

خاتمة

إن استقالة المحافظ ناجي عيسى تؤكد أن السياسة قد تستطيع تأجيل الإصلاح، لكنها لا تستطيع إلغاء الفاتورة. والاتفاق الذي وحّد أرقام الإنفاق دون أن يوحّد قواعد انضباطه لم يُنهِ الانقسام المالي؛ بل حوّله من انقسام معلن بين حكومتين إلى ضغط صامت على مؤسسة واحدة.

وإذا لم تتحمل المالية العامة مسؤوليتها اليوم بتعديل الإنفاق والدعم، فسيدفع الفاتورة غداً الاحتياطي، أو الدينار، والنتيجة النهائية سيدفعها المواطن من قوته اليومي.

البريقة لتسويق النفط: وضع الإمدادات مطمئن وازدحام طرابلس ناتج عن ضغط مؤقت

أكد المتحدث الرسمي باسم شركة البريقة لتسويق النفط أن الازدحام المسجل في عدد من محطات الوقود بالعاصمة طرابلس، ولا سيما المناطق الممتدة من جنزور إلى الكريمية والسواني، يعود إلى ارتفاع استثنائي ومؤقت في الطلب عقب الحريق الذي تعرض له الخزان رقم (402)، وما ترتب عليه من توقف جزئي للعمليات بمستودع الزاوية النفطي وتأثر مؤقت في وتيرة تزويد عدد من محطات الوقود بالمنطقة الغربية.

​وأضاف أنه بالتنسيق مع المؤسسة الوطنية للنفط، صدرت التوجيهات بتسخير الإمكانات الفنية والتشغيلية اللازمة للتعامل مع تداعيات الحادث، وتعزيز إمدادات الوقود للمناطق المتأثرة، وضمان استمرارية عمليات التزويد وفق أعلى معايير السلامة والكفاءة التشغيلية. كما تم تفعيل خطة تشغيلية استثنائية لإعادة توزيع الإمدادات وتغطية الاحتياجات الناتجة عن التوقف الجزئي للعمليات بمستودع الزاوية، من خلال زيادة الكميات المخصصة للمحطات الواقعة غرب طرابلس وجنوبها، ورفع وتيرة عمليات الاستلام والتحميل والتوزيع عبر مستودع طرابلس النفطي وميناء طرابلس البحري، وفق متابعة مباشرة لحركة الطلب والاحتياج الفعلي في كل منطقة.

​كما أكد أن وضع الإمدادات مطمئن في ظل توافر كميات كبيرة من البنزين بمستودع طرابلس النفطي، بالتزامن مع استمرار الناقلة (Avanti) في تفريغ شحنتها بميناء طرابلس، ووجود الناقلة (Easterly Symphony) على المخطاف محمّلة بشحنة إضافية من البنزين، بما يعزز المخزون ويدعم استمرارية عمليات التزويد.

​وأشار إلى أن ما تشهده بعض المحطات لا يعكس نقصًا في الوقود، إنما يمثل ضغطًا مؤقتًا على منظومة التوزيع نتيجة الظروف الاستثنائية التي شهدتها مدينة الزاوية، مؤكدًا أن فرق الشركة تعمل على مدار الساعة لتسريع حركة الإمداد وتعزيز الكميات الموجهة إلى المناطق الأكثر طلبًا، وصولًا إلى استعادة الانسيابية المعتادة بالمحطات.

مصرف ليبيا المركزي ينفي إيقاف بيع النقد الأجنبي ويؤكد استمرار تغطية الاعتمادات

نفى مسؤول بمصرف ليبيا المركزي لـ”تبادل” الشائعات المتداولة بشأن توقف أو عرقلة معاملات النقد الأجنبي، مؤكداً أن عمليات بيع العملة الأجنبية للأغراض الشخصية وتغطية الاعتمادات المستندية تسير بشكل طبيعي ودون انقطاع.

​وأوضح المصدر أن إدارات القطاعات المعنية داخل المصرف المركزي تواصل تقديم موافقاتها وتنفيذ المعاملات المالية المعتادة وفق الضوابط المعمول بها، داعياً المواطنين ووسائل الإعلام إلى توخي الدقة واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية للحد من الشائعات التي تستهدف الاستقرار المالي والتجاري في البلاد.

“عبد الحميد الفضيل”: استقالة المحافظ.. الوضع أكثر كارثية مما نتخيل!

كتب: عبد الحميد الفضيل – أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة

إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي استقالته صراحةً ودون ذكر الأسباب “لحساسيتها” ليس مجرد انسحاب إداري، بل هو جرس إنذار صريح بالدخول في النفق المظلم الذي حذرنا منه مراراً وتكراراً.

وحسب تقديري، فإن هذه الاستقالة تقف خلفها أسباب مباشرة وخطيرة، من أهمها:

▪️ انفلات الإنفاق المزدوج والانهيار الكامل لوعود توحيد الإنفاق العام.

▪️ النزيف الحاد للإيرادات النفطية جراء القفزات القياسية لتكلفة واردات المحروقات (1.41 مليار دولار في يونيو فقط)، بالتوازي مع تهريب وتصدير النفط الخام عبر قنوات غير رسمية.

▪️ التآكل المتسارع للاحتياطيات بتفاقم عجز النقد الأجنبي ليتجاوز 24.8 مليار دولار خلال عامين ونصف فقط.

▪️ ارتهان جانب من السياسة النقدية للضغوط والتعليمات السياسية والأمنية.

وصل المحافظ أخيراً إلى قناعة بأن استمرار هذا الوضع يجعل “السماء هي الحد الوحيد” لارتفاع سعر الصرف، وانخفاض القوة الشرائية للدينار، وتدني الاحتياطيات!

أخيراً… رغم أن قرار الاستقالة يُحسب للمحافظ، إلا أن ما يُؤخذ عليه عدم ذكر الأسباب، فضلاً عن بقاء المصرف المركزي طيلة الفترة الماضية صامتاً دون تبيان حقيقة المؤشرات الاقتصادية والوضع المالي الحرج للدولة.

“حسني بي”: استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي.. خلاف على من يتحمل كلفة تصحيح الاقتصاد “الخزانة أم الاحتياطي أم الدينار”؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

أعادت استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى، المقدمة إلى رئيس مجلس النواب بتاريخ 9 أغسطس 2026، فتح السؤال الأكثر حساسية في الاقتصاد الليبي: هل كانت المشكلة في إدارة السياسة النقدية، أم أن المصرف المركزي وصل إلى مرحلة لم يعد يستطيع فيها معالجة اختلالات مصدرها أساسًا المالية العامة، ودعم الطاقة، وطريقة التصرف في الإيرادات النفطية؟

خطاب الاستقالة نفسه لا يذكر الأسباب. فهو يكتفي بالاعتذار عن الاستمرار في منصب المحافظ «دون ذكر الأسباب». لذلك سيكون من غير المهني الجزم بأن ملفًا اقتصاديًا بعينه هو السبب المباشر للاستقالة. لكن قراءة التطورات التي سبقتها، ومراسلات الخلاف حول الإنفاق الموحد، ومواقف المحافظ المعلنة، وتحذيرات صندوق النقد الدولي، تكشف صراعين اقتصاديين متداخلين يفسران البيئة التي أصبحت فيها مهمة المحافظ شديدة الصعوبة.

والاستقالة، بهذا المعنى، قد تكون أقل تعبيرًا عن خلاف شخصي وأكثر تعبيرًا عن وصول نموذج إدارة الاقتصاد الليبي نفسه إلى حدود قدرته على الاستمرار.

الصراع الأول: من يضبط الإنفاق… ومن يمول ما لا تستطيع الدولة تحمله؟

المشكلة الأولى مالية قبل أن تكون نقدية.

ليبيا تحصل على معظم إيراداتها العامة من النفط والغاز، أي بالنقد الأجنبي، بينما معظم الإنفاق الحكومي يجري بالدينار. ومن هنا يصبح مصرف ليبيا المركزي نقطة الالتقاء الإلزامية بين الاثنين: النفط يولّد الدولار، والمصرف يحوله إلى دينارات تستطيع الحكومة إنفاقها.

وفي أبريل 2026 جرى الإعلان عن اتفاق على إنفاق موحد قدره نحو 190 مليار دينار، يتضمن قرابة 73 مليارًا للمرتبات، و37 مليارًا للدعم، و40 مليارًا للتنمية، و18 مليارًا للعلاوات الأسرية، و10 مليارات للنفقات التشغيلية، إضافة إلى 12 مليارًا للمؤسسة الوطنية للنفط.

لكن الاتفاق لم يُنه الخلاف. ففي يونيو وجّه رئيس لجنة الإنفاق الموحد في مجلس النواب رسالة إلى المحافظ حذر فيها من أن المجلس قد يعتبر نفسه في حل من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق إذا استمر ما وصفه بتعطيل تنفيذه.

وهنا تظهر طبيعة الصراع الأول بوضوح: السلطة السياسية تنظر إلى المصرف باعتباره الجهة التي يجب أن توفر التمويل، بينما ينظر المصرف إلى نفسه باعتباره الجهة التي يجب أن تمنع تحول الإنفاق إلى استنزاف دائم للنقد الأجنبي والاحتياطيات.

فالإنفاق لا ينتهي بمجرد إصدار شيك بالدينار. في اقتصاد يستورد معظم احتياجاته، يعود جزء كبير من هذا الدينار بعد فترة قصيرة إلى المصرف المركزي على هيئة طلب على الدولار.

وبالتالي فإن كل مليار دينار إضافي تنفقه الدولة ليس مجرد قيد في حسابات الخزانة؛ بل يمكن أن يتحول إلى طلب إضافي على السلع المستوردة والنقد الأجنبي.

وهذا تحديدًا ما حذر منه صندوق النقد الدولي في مشاورات 2026، عندما اعتبر أن استمرار الإنفاق المالي المرتفع سيبقي الضغط على سعر الصرف وسيؤدي إلى مزيد من تراجع الاحتياطيات، وأن استمرار السياسات الحالية غير قابل للاستدامة على المدى المتوسط.

إذن ليست القضية: «هل يملك المركزي دولارات؟» بل: كم يستطيع أن يبيع منها سنويًا دون أن يبدأ في تمويل مستوى معيشة وإنفاق عام يفوق بصورة مستمرة ما يولده الاقتصاد من موارد؟

المحروقات: الثقب الذي يربط أزمة المالية العامة بأزمة الدولار

تأتي المحروقات في قلب هذا الخلاف.

الدولة الليبية لا تدعم البنزين والديزل والكهرباء بالدينار فقط. جزء ضخم من الدعم يُدفع عمليًا بالدولار من خلال استيراد الوقود أو استخدام منتجات كان يمكن بيعها وتحصيل إيراداتها.

لذلك فإن تكلفة المحروقات لها وجهان: كلفة مالية تظهر في الإنفاق والدعم، وكلفة خارجية تظهر في استنزاف النقد الأجنبي.

وكلما اتسعت الفجوة بين السعر المحلي شبه المجاني والسعر الاقتصادي الحقيقي للطاقة، أصبح التهريب والبيع خارج القنوات الرسمية أكثر جاذبية.

وقد خلص صندوق النقد في تحليله الخاص بليبيا إلى أن فروق الأسعار الكبيرة والتهريب الواسع يجعلان الدعم الحالي مكلفًا للغاية، وأن المواطن الليبي يتحمل تكلفة دعم لا يحصل على كامل منفعته، كما رأى أن التدرج البطيء جدًا في تعديل أسعار الطاقة قد لا يكون فعالًا في الحالة الليبية.

ومن هنا يصبح إصلاح المحروقات ليس مجرد قرار بشأن سعر لتر البنزين. إنه قرار يتعلق بـ: الدولار، والاحتياطيات، والإنفاق العام، والتهريب، وسعر الصرف في الوقت نفسه.

ويمكن تصور المعضلة التي تواجه المصرف المركزي بهذه الصورة: الدولة تبيع النفط وتحصل على الدولار، ثم تستخدم جزءًا كبيرًا من هذا الدولار لاستيراد محروقات تُباع محليًا بأسعار بعيدة جدًا عن تكلفتها، ثم يتسرب جزء منها إلى التهريب، وفي الوقت نفسه تحتاج الخزانة إلى مزيد من الدينارات لتمويل المرتبات والدعم والإنفاق العام.

أي أن الدولة قد تجد نفسها تبيع الطاقة بالدولار ثم تعيد شراء الطاقة بالدولار، بينما تطبع المقابل بالدينار لتمويل بقية الإنفاق.

هذه دائرة لا يمكن للسياسة النقدية وحدها إغلاقها.

الصراع الثاني: هل نحمي السعر الرسمي… أم نحمي الاحتياطيات؟

الصراع الثاني نقدي، لكنه في الحقيقة نتيجة للصراع الأول.

السؤال هو: ماذا يفعل المصرف المركزي عندما يصبح حجم الدينارات التي تطارد الدولار أكبر من كمية الدولار التي يستطيع توفيرها بصورة مستدامة؟

أمامه عمليًا مجموعة محدودة من الخيارات: يستنزف الاحتياطيات، أو يفرض قيودًا على الحصول على الدولار، أو يسمح باتساع السوق الموازية، أو يعدل سعر الصرف، أو يضغط باتجاه خفض الإنفاق.

وكل خيار له كلفة سياسية واجتماعية.

وهنا يمكن فهم الصراع حول سعر الصرف.

هناك اتجاه يرى أن قيمة الدينار يجب أن تُربط أساسًا بمؤشرات مثل الكتلة النقدية وصافي الأصول الأجنبية والاحتياطيات، وأن على المصرف استخدام أدواته للدفاع عن سعر مستقر وعدم السماح لسوق موازية مضاربية بأن تصبح مرجعًا للتسعير.

وهذا رأي له أساس اقتصادي معتبر.

لكن الاتجاه الآخر يقول إن أي سعر لا يستطيع المصرف عنده تلبية الطلب المشروع والمستدام على النقد الأجنبي دون قيود متزايدة أو استنزاف للاحتياطيات ليس سعرًا متوازنًا مهما كان مبرره المحاسبي.

وهذا أيضًا رأي اقتصادي معتبر.

الخلاف إذًا ليس بين من يؤمن بالعلم ومن يؤمن بالسوق السوداء.

الخلاف الحقيقي هو حول السؤال التالي: هل تكون الأولوية للدفاع عن رقم معين لسعر الصرف، أم للدفاع عن قدرة الدولة على تمويل هذا السعر بصورة مستدامة؟

الفجوة السعرية ليست مجرد نتيجة… بل تبدأ في إنتاج الأزمة بنفسها

عندما يصبح الدولار الرسمي أرخص بكثير من السعر الذي يستطيع السوق استيعابه، يتغير سلوك المتعاملين.

فالحصول على الدولار الرسمي يصبح في حد ذاته أصلاً ذا قيمة.

ومن ثم يظهر نوعان من الطلب: طلب حقيقي للاستيراد أو السفر أو العلاج أو الدراسة، وطلب على الدولار فقط لأن الحصول عليه بالسعر الرسمي يحقق ربحًا فوريًا عند إعادة بيعه أو تقييمه بسعر آخر.

وهنا تتحول الفجوة السعرية من نتيجة للاختلال إلى سبب إضافي له.

بيانات المصرف المركزي توضح ضخامة سوق النقد الأجنبي نفسها؛ فقد بلغت استخدامات المصارف من النقد الأجنبي في الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 12.9 مليار دولار وفق تقرير المصرف.

ولهذا فإن إدارة سعر الصرف في ليبيا ليست قرارًا تقنيًا صغيرًا يتعلق بسعر الدولار؛ إنها إدارة لتوزيع عشرات المليارات من الدولارات سنويًا.

ومن يحصل على الدولار الأرخص يحصل عمليًا على ريع اقتصادي ما دامت هناك فجوة كبيرة بين الأسعار.

أين تلتقي المحروقات وسعر الصرف؟

هنا تظهر أهم نقطة في الأزمة كلها.

المحروقات وسعر الصرف ليسا ملفين منفصلين.

عندما تستخدم الدولة مليارات الدولارات لتمويل الوقود الرخيص، تقل كمية الدولار المتاحة لتمويل بقية الاقتصاد.

وعندما تقل كمية الدولار بينما يستمر الإنفاق بالدينار، يزداد الضغط على سعر الصرف.

وعندما تتسع الفجوة السعرية، يزداد الطلب المضاربي على الدولار.

ثم يحتاج المركزي إلى ضخ مزيد من الدولار لمحاولة السيطرة على السوق.

أي أننا نعود إلى البداية.

يمكن اختصار الحلقة في المعادلة التالية: إنفاق عام مرتفع – دينارات أكثر – طلب أكبر على الواردات والدولار – استيراد محروقات ودعم ضخم – انخفاض صافي موارد النقد الأجنبي – ضغط على سعر الصرف – فجوة سعرية ومضاربة – طلب أكبر على الدولار – استنزاف أكبر للاحتياطيات.

هذه هي الحلقة التي لا يستطيع محافظ مصرف مركزي كسرها وحده.

الصراع الحقيقي: من يتحمل «التصحيح»؟

عند هذه النقطة يصبح فهم الاستقالة اقتصاديًا أكثر وضوحًا.

أي اقتصاد وصل إلى هذا الوضع لا يستطيع تجنب التصحيح. يستطيع فقط تحديد من يتحمل تكلفته.

إذا رفضت السلطة المالية خفض الإنفاق، ينتقل التصحيح إلى سعر الصرف.

إذا رفضت تعديل سعر الصرف، ينتقل التصحيح إلى الاحتياطيات.

إذا رفضت الاثنين، تظهر القيود والطوابير والسوق الموازية.

وإذا استمر دعم المحروقات بلا إصلاح، تتحمل الخزانة والاحتياطيات فاتورة الطاقة والتهريب.

أما إذا جرى تخفيض عرض النقود بعنف للدفاع عن الدينار، فقد يتحمل الاقتصاد الحقيقي الكلفة من خلال نقص السيولة والائتمان والطلب والاستثمار.

إذًا لا يوجد خيار بلا تكلفة.

السؤال فقط هو: هل يتم توزيع كلفة الإصلاح بصورة واعية وعادلة، أم تُترك لتتوزع عشوائيًا عبر التضخم وانخفاض الدينار واستنزاف الاحتياطيات؟

لماذا قد يصبح منصب المحافظ غير قابل للاستمرار؟

من هنا يمكن قراءة استقالة ناجي عيسى – مع التأكيد مجددًا أن رسالته لم تفصح عن الأسباب – باعتبارها مؤشرًا على مأزق مؤسسي أعمق.

فالمصرف المركزي يُطلب منه في الوقت نفسه أن: يمول إنفاقًا عامًا ضخمًا، ويحافظ على قيمة الدينار، ويوفر النقد الأجنبي للتجارة، ويمول فاتورة محروقات ثقيلة، ويحافظ على الاحتياطيات، ويغلق السوق الموازية، ويمتنع عن تخفيض قيمة العملة.

اقتصاديًا، لا يمكن تحقيق هذه الأهداف كلها في وقت واحد إذا لم تتغير المالية العامة.

ولهذا فإن جوهر الأزمة ليس اختيار محافظ أكثر تشددًا أو أكثر مرونة.

إنها معادلة تسمى في الاقتصاد أحيانًا قيود الاتساق: لا تستطيع السلطة تثبيت جميع المتغيرات عندما تتحرك الأساسيات في الاتجاه المعاكس.

استقالة أم رسالة اقتصادية؟

إذا ثبت لاحقًا أن الاستقالة مرتبطة فعلاً بالخلاف حول إدارة الإنفاق العام والسياسة الاقتصادية، فإن أهميتها ستكون أكبر من تغيير شخص في رأس المصرف المركزي.

ستكون الرسالة أن ليبيا وصلت إلى المرحلة التي لم يعد فيها ممكنًا مطالبة السياسة النقدية بإخفاء نتائج السياسة المالية.

المصرف المركزي يستطيع إدارة الاختلال، لكنه لا يستطيع إلغاءه.

ولا يستطيع خلق نفط إضافي، ولا يستطيع إلغاء تكلفة المحروقات، ولا يستطيع إجبار الاحتياطيات على النمو، ولا يستطيع تثبيت قيمة الدينار إلى الأبد إذا كان الإنفاق بالدينار ينمو أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.

وهذه هي في تقديري نقطة التقاء الصراعين اللذين كشفهما النقاش الاقتصادي الأخير:

الصراع الأول مالي: هل يبدأ الإصلاح من ضبط الإنفاق وإعادة هيكلة دعم المحروقات وإدارة الإيرادات النفطية، أم يستمر الإنفاق ويُطلب من المركزي توفير التمويل؟

والصراع الثاني نقدي: عندما لا يحدث الإصلاح المالي، هل تُمتص النتيجة من الاحتياطيات والدفاع عن سعر إداري، أم يُسمح بتعديل سعر الصرف وتقليص الفجوة وإزالة ريع الحصول على الدولار؟

وهما في الحقيقة ليسا صراعين منفصلين، بل وجهان للسؤال نفسه: من سيدفع ثمن الفرق بين ما تكسبه ليبيا من النفط وما تنفقه فعليًا؟

إما أن تدفعه الدولة بإصلاح الإنفاق والدعم، أو يدفعه الاحتياطي، أو يدفعه الدينار، أو يدفعه المواطن عبر التضخم وانخفاض القوة الشرائية.

ولا يستطيع محافظ مصرف مركزي، أيًا كان اسمه، أن يلغي هذه المعادلة.

الخلاصة

لذلك قد يكون الخطأ الأكبر هو قراءة استقالة المحافظ باعتبارها أزمة مصرف ليبيا المركزي وحده.

الأقرب اقتصاديًا أنها تكشف أزمة نموذج إدارة المال العام: دولة تكسب أساسًا بالدولار، وتنفق أساسًا بالدينار، وتستهلك جزءًا كبيرًا من مواردها الدولارية في منظومة طاقة مدعومة وقابلة للتسرب والتهريب، ثم تطلب من المصرف المركزي أن يحافظ في الوقت نفسه على الاحتياطي وعلى سعر صرف منخفض ومستقر.

هذه المعادلة لا تُحل بتغيير المحافظ. تُحل بتغيير المعادلة نفسها.

وهنا ربما تكتسب العبارة التي دار حولها النقاش معناها الكامل: السياسة تستطيع تأجيل الإصلاح… لكنها لا تستطيع اختيار إلغاء الفاتورة.

وإذا لم تدفعها المالية العامة اليوم، سيدفعها غدًا الاحتياطي أو الدينار أو المواطن.

“زلّاف ليبيا” تستعرض خططها لعام 2027 وتستعد لإنجاز بئر جديدة بحقل الشادار

عقدت الإدارات الفنية والمالية بالمؤسسة الوطنية للنفط الاجتماع الفني لشركة “زلّاف ليبيا” للعام 2026، بحضور أعضاء مجلس الإدارة وممثلين عن شركات نفطية ومراكز بحثية، لمناقشة مؤشرات الأداء، ومعدلات الإنتاج، واستعراض الميزانية والمشاريع المستهدفة لعام 2027.

وشهد الاجتماع استعراض أبرز منجزات الشركة للعام الحالي، وفي مقدمتها مستجدات تطوير حقل “العطشان”، إلى جانب القرب من استكمال حفر البئر (A-6-C126) بحقل “الشادار”، المتوقع أن تبلغ طاقته الإنتاجية 1,400 برميل يوميًا.

من جانبها، شددت إدارة المؤسسة الوطنية للنفط على ضرورة تسريع وتيرة العمل لاستكمال المشاريع المتبقية، بما يدعم الاستراتيجية الوطنية لرفع معدلات إنتاج النفط والغاز وتعزيز القدرات الإنتاجية للقطاع.

مسؤول بالمصرف المركزي: التسريبات باستقالة المحافظ وراء صعود الدولار أمام الدينار و”المركزي” لن يتحمل تبعات فشل غيره

عزا مسؤول بمصرف ليبيا المركزي الارتفاع الأخير في سعر صرف الدولار مقابل الدينار إلى تسريبات متداولة بشأن اعتزام المحافظ “ناجي عيسى” تقديم اعتذار عن عدم الاستمرار في مهامه.

وأوضح أن هذه الخطوة تأتي احتجاجًا على تعطل جهود إصلاح المالية العامة والسياسة التجارية، واستمرار هدر الأموال العامة، إلى جانب هيمنة أصحاب النفوذ على القرار السياسي والمالي والإداري، والتدخل في عمل مؤسسات الدولة.

​وأكد المصدر أن المصرف المركزي بذل جهودًا حثيثة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية خلال الفترة الماضية، مشددًا على أن إدارته ترفض تحمل تبعات فشل الأطراف الأخرى في الالتزام بالإصلاحات اللازمة.