Skip to main content

الوسم: ليبيا

“حلمي القماطي”: من أزمة الديون العالمية إلى الاقتصاد الليبي.. كلفة تأجيل الإصلاح في عالم يتغير

كتب: د. حلمي القماطي/ رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي

منذ عام 1971م، عندما أنهت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب، دخل العالم مرحلة جديدة من النظام النقدي القائم على العملات الورقية؛ حيث أصبحت قدرة المصارف المركزية على خلق السيولة أكبر من أي وقت مضى.

لم يكن ذلك القرار مجرد تغيير فني في السياسة النقدية، بل نقطة تحول تاريخية أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي.

مع مرور الوقت توسع الائتمان بوتيرة متسارعة؛ فالأفراد اقترضوا، والشركات اقترضت، والحكومات اقترضت أكثر. تدفقت الأموال عبر المصارف والأسواق المالية، وارتفع الإنفاق ونمت الاقتصادات، لكن بالتوازي تضخم حجم الديون العالمية بشكل غير مسبوق.

واليوم، تجاوز إجمالي الدين العالمي 300 تريليون دولار، في وقت يقترب فيه الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 100 تريليون دولار فقط. بمعنى آخر، أصبح العالم مديناً بأكثر من ثلاثة أضعاف ما ينتجه سنوياً.

المشكلة لا تكمن في وجود الديون بحد ذاتها، فالديون أداة اقتصادية طبيعية، لكنها تتحول إلى مصدر للمخاطر عندما تنمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصادات الحقيقية على توليد الدخل اللازم لخدمتها. ومع ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد أعباء خدمة الدين، أصبحت العديد من الحكومات تواجه معضلة معقدة:

  • إما التوسع في خلق السيولة، بما قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملات والمدخرات.
  • أو زيادة الضرائب والرسوم، بما يرفع الأعباء على المواطنين والشركات.
  • أو الاستمرار في الاقتراض، وهو خيار يزداد صعوبة وكلفة مع مرور الوقت.

التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن فترات تراكم الديون المفرطة غالباً ما تترافق مع اضطرابات مالية وتوترات جيوسياسية وإعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي. ولعل ما يلفت الانتباه اليوم هو الزيادة الملحوظة في مشتريات المصارف المركزية من الذهب؛ فالذهب لا يدر عائداً، ولكنه يحتفظ بقيمته عندما تتراجع الثقة في العملات والأصول المالية التقليدية. هذه ليست إشارة إلى انهيار وشيك، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً لحجم المخاطر الكامنة داخل النظام المالي العالمي.

السؤال لم يعد: ما إذا كانت الاختلالات موجودة؟ فهي موجودة بالفعل، السؤال الحقيقي هو: كيف ستتم معالجتها؟ وهل سيكون العالم قادراً على إدارة هذا التحول بهدوء، أم أن التكلفة الاقتصادية ستكون أعلى مما نتوقع؟

وإذا كانت أزمة الديون العالمية تمثل تحدياً للدول الكبرى ذات الاقتصادات المتنوعة والمؤسسات المستقرة، فإن المخاطر بالنسبة لليبيا أكبر بكثير. فليبيا لا تواجه أزمة اقتصادية تقليدية فحسب، بل تعيش مزيجاً معقداً من الانقسام السياسي والمؤسسي، والتوسع غير المنضبط في الإنفاق العام، والسياسات النقدية قصيرة الأجل.

يعتمد الاقتصاد الليبي بصورة شبه كاملة على النفط، الذي يشكل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والنقد الأجنبي. لكن في المقابل، يتسع الإنفاق العام بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد الحقيقي على الإنتاج، بينما تستمر فاتورة المرتبات والدعم والإنفاق الموازي في الارتفاع عاماً بعد عام.

وفي ظل غياب التنسيق الكامل بين السياسات المالية والنقدية، أصبحت الحلول المؤقتة تحل محل الإصلاحات الهيكلية. وتأجيل الإصلاح لا يلغي التكلفة بل يضاعفها؛ فاستمرار التوسع في الإنفاق دون زيادة حقيقية في الإنتاج، واستمرار الاعتماد على إيرادات نفطية متقلبة، يعني مزيداً من الضغوط على سعر الصرف ومزيداً من التآكل في القوة الشرائية للمواطن.

ومع استمرار الانقسام المؤسسي، تتراجع قدرة الدولة على ضبط الإنفاق، وتضعف كفاءة إدارة الموارد العامة، وتزداد صعوبة بناء سياسة اقتصادية موحدة قادرة على مواجهة الصدمات.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انخفاض أسعار النفط، بل في تزامن أي تراجع نفطي مستقبلي مع استمرار مستويات الإنفاق الحالية؛ حينها ستصبح الخيارات أكثر صعوبة:

  • إما اللجوء إلى تخفيض قيمة العملة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
  • أو فرض رسوم وضرائب إضافية لتعويض تراجع الإيرادات.
  • أو استنزاف الاحتياطيات الأجنبية لتغطية فجوة متزايدة بين الإيرادات والمصروفات.

وفي جميع الحالات، سيدفع المواطن التكلفة النهائية عبر ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الدخل الحقيقي، وتآكل المدخرات.

كل عام يمر دون إصلاحات اقتصادية حقيقية يعني اقتصاداً أكثر هشاشة، واعتماداً أكبر على الإيرادات النفطية، واحتياطيات تُستهلك في معالجة الأزمات بدلاً من توظيفها في بناء المستقبل. وكل تأخير في توحيد المؤسسات، وضبط الإنفاق العام، وإصلاح منظومة الدعم، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية، يرفع من كلفة التصحيح عندما يصبح الإصلاح أمراً لا مفر منه.

فالاقتصادات لا تنهار عادة بسبب نقص الموارد، بل بسبب سوء إدارتها وتأجيل القرارات الصعبة والاعتماد المستمر على الحلول المؤقتة. وفي حالة ليبيا، لا تكمن المشكلة في محدودية الإمكانات، بل في اتساع الفجوة بين ما تنفقه الدولة وما ينتجه الاقتصاد الحقيقي؛ فلا يمكن لأي احتياطي نقدي مهما بلغ حجمه أن يعوض غياب الانضباط المالي إلى الأبد، ولا يمكن لأي ارتفاع مؤقت في أسعار النفط أن يخفي الاختلالات الهيكلية أو يؤجل آثارها إلى ما لا نهاية.

(( فالوقت في الاقتصاد ليس عاملاً محايداً ))؛ إما أن يعمل لصالح الإصلاح، أو يتحول إلى عنصر يفاقم الأزمة.

السؤال لم يعد: هل يحتاج الاقتصاد الليبي إلى إصلاح؟ السؤال الحقيقي هو: كم ستكون تكلفة تأجيله؟ وهل ما زلنا نمتلك رفاهية الانتظار في ظل انقسام مؤسسي وإنفاق متسارع وسياسات قصيرة النظر؟ أم أن نافذة الإصلاح تضيق يوماً بعد يوم؟

Screenshot

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثاني

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

مليونا برميل يومياً.. لماذا هذا الرقم تحديداً؟

قد يبدو الرقم الذي تناوله تقرير Bloomberg، والمتمثل في الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً، مجرد هدف إنتاجي طموح، لكنه في الواقع يحمل أبعاداً فنية واقتصادية أعمق من مجرد كونه رقماً مستهدفاً.

فهذا المستوى من الإنتاج لا يمثل الحد الأقصى لقدرات ليبيا الجيولوجية، كما أنه ليس رقماً رمزياً اختير لأغراض إعلامية، بل يعكس تقديراً لما يمكن أن تصل إليه البلاد إذا توافرت ثلاثة عناصر في الوقت ذاته: الاستثمار، والاستقرار، والإدارة الرشيدة.

ومن الناحية الفنية، فإن ليبيا تمتلك ما يكفي من الاحتياطيات المؤكدة، وما تزال مناطق واسعة من أحواضها الرسوبية، سواء في اليابسة أو البحر، بحاجة إلى المزيد من أعمال الاستكشاف والتقييم. كما أن عدداً كبيراً من الحقول المنتجة ما زال يمتلك إمكانات إضافية يمكن استثمارها عبر برامج التطوير والاستخلاص المعزز وإعادة تأهيل البنية التحتية.

لكن من المهم أن ندرك أن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لن يتحقق نتيجة اكتشاف حقل عملاق جديد، بل سيكون ثمرة عشرات المشاريع التي تعمل في وقت واحد، بدءاً من تطوير الحقول القائمة، ومروراً بحفر آبار جديدة، وانتهاءً بتوسعة مرافق المعالجة والتخزين والتصدير.

بعبارة أخرى، فإن مليوني برميل يومياً ليسا مشروعاً واحداً، وإنما برنامج وطني متكامل يمتد لعدة سنوات، ويتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الدولة، والمؤسسة الوطنية للنفط، والشركات الوطنية، والشركاء الدوليين.

من أين ستأتي الزيادة؟

إذا افترضنا أن متوسط الإنتاج يدور حالياً حول 1.3 مليون برميل يومياً، فإن الوصول إلى مليوني برميل يعني إضافة نحو 700 ألف برميل يومياً.

وهذه الزيادة، في تقديري، لن تأتي من مصدر واحد، وإنما من أربعة محاور رئيسية:

  • المحور الأول: يتمثل في رفع كفاءة الحقول المنتجة حالياً، وهو الخيار الأسرع والأقل مخاطرة. فالعديد من الحقول الليبية ما زال يمتلك طاقات إنتاجية يمكن استعادتها من خلال برامج التطوير، وحفر آبار إضافية، وتطبيق تقنيات الاستخلاص المعزز، وتحديث مرافق الإنتاج التي تأثرت بتأخر أعمال الصيانة أو محدودية الإنفاق الرأسمالي خلال السنوات الماضية.
  • المحور الثاني: يرتبط بالمشاريع التطويرية الكبرى التي أطلقتها المؤسسة الوطنية للنفط بالتعاون مع شركائها، وفي مقدمتها برامج شركة الواحة، ومشروعات مليتة، والهروج، والزويتينة، وغيرها من الشركات التي تمتلك فرصاً حقيقية لزيادة الإنتاج خلال فترة زمنية معقولة.
  • المحور الثالث: يأتي من خلال جولة التراخيص الجديدة، التي تمثل نقطة تحول مهمة بعد توقف دام ما يقارب عقدين. فعودة شركات بحجم شيفرون، وتحرك إكسون موبيل، واستمرار توسع كونوكو فيليبس، إلى جانب اهتمام إيني وتوتال إنرجيز وقطر للطاقة، لا يعني فقط ضخ استثمارات جديدة، بل يعني أيضاً إدخال تقنيات حديثة، وخبرات تشغيلية، وبرامج استكشاف يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة أمام القطاع خلال السنوات المقبلة.
  • المحور الرابع: وربما الأقل ظهوراً في النقاش العام، فهو إزالة الاختناقات التشغيلية التي تحد من القدرة الإنتاجية، سواء في خطوط الأنابيب، أو مرافق التخزين، أو محطات الضخ، أو الموانئ النفطية. فالقدرة على إنتاج النفط لا تنفصل عن القدرة على معالجته ونقله وتصديره، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات ينعكس مباشرة على الإنتاج.

الاستثمار وحده لا يكفي

وهنا أصل إلى نقطة أعتبرها من أهم ما ينبغي إضافته إلى النقاش الدائر حالياً.

فالاستثمارات، مهما بلغ حجمها، لا تحقق نتائجها تلقائياً.

لقد أشار التقرير إلى تقديرات تتحدث عن استثمارات قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار لرفع الإنتاج، وهو رقم يمكن اعتباره منطقياً بالنظر إلى حجم المشاريع المطلوبة، لكنه يظل جزءاً من المعادلة، وليس المعادلة كلها.

فالاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة حتى يحقق أهدافه.

والشركة العالمية، عندما تقرر ضخ مليارات الدولارات في مشروع نفطي، فإنها لا تنظر إلى السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة، بل تبني حساباتها على أفق يمتد إلى عشرين أو ثلاثين عاماً.

ولهذا، فإنها تطرح أسئلة تختلف تماماً عن الأسئلة التي يطرحها الرأي العام.

فهي لا تبدأ بالسؤال عن حجم الاحتياطيات، بل تسأل:

  • هل المؤسسات مستقرة؟
  • هل العقود تحظى بالحماية القانونية؟
  • هل القرارات الاقتصادية يمكن التنبؤ بها؟
  • هل البنية التحتية قادرة على استيعاب التوسع؟
  • وهل تستطيع الدولة حماية استثمارات بهذا الحجم طوال عمر المشروع؟

وهنا يظهر مفهوم يعرف في صناعة الطاقة باسم “المخاطر فوق سطح الأرض” (Above-Ground Risk)، وهو اليوم أحد أهم المعايير التي تعتمد عليها شركات النفط العالمية عند تقييم أي فرصة استثمارية.

وفي كثير من الأحيان، تكون هذه المخاطر أكثر تأثيراً في قرار الاستثمار من المخاطر الجيولوجية نفسها.

ولهذا، فإنني أعتقد أن أكبر مشروع تحتاجه ليبيا اليوم ليس مشروعاً نفطياً بالمعنى التقليدي، وإنما مشروع وطني لتقليل المخاطر الاستثمارية.

فكلما انخفضت هذه المخاطر، ازدادت المنافسة بين الشركات، وانخفضت تكلفة التمويل، وتحسنت شروط التعاقد، وارتفعت القيمة الاقتصادية لكل برميل تنتجه ليبيا.

وهنا، في رأيي، يبدأ الطريق الحقيقي إلى مليوني برميل يومياً.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

“الساروي”: ليبيا بين تفكيك المؤسسات ومأزق التشظي.. قراءة استراتيجية في كتاب “إصلاح الدول الفاشلة”

كتب: أبوعجيلة الساروي – المتابع للشأن الاقتصادي والسياسي الليبي

الإطار النظري: جدلية “الكفاءة المؤسسية” و”السيادة”

شغل سؤال “بناء الدولة” الفكر السياسي الحديث لعقود، لكنه تحول في القرن الحادي والعشرين من ترف نظري إلى ضرورة وجودية ملحة، خاصة مع تزايد رقعة “الدول الهشة والفاشلة” عقب نهاية الحرب الباردة. في هذا السياق، يأتي كتاب “إصلاح الدول الفاشلة: إطار عملي لإعادة بناء عالم منقسم” (2008) لمؤلفيه؛ الاقتصادي والرئيس الأفغاني الأسبق أشرف غني، والباحثة البريطانية كلير لوكهارت، كدليل عملي يستند إلى التجربة الميدانية لا التأمل المجرد.

وينطلق الكتاب من فرضية مركزية: أن فشل الدول ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج مباشر لعجز النظم السياسية عن مأسسة وظائفها الجوهرية، وتحول المجتمع الدولي من شريك في “بناء القدرات” إلى وكيل “إغاثة مؤقتة”. وعند نقل هذه العدسة التحليلية إلى الفضاء الليبي، تبرز الدولة كواحدة من أكثر الحالات إلحاحاً للدراسة؛ حيث تنقلت ليبيا عبر خمسة عقود بين طورين من الهشاشة: طور “التفكيك الممنهج للمؤسسات”، وطور “التشظي والسيادات المتوازية”.

وإن أخطر ما يواجه الدول التي تمر بمراحل انتقالية مطولة هو اعتياد الفوضى وتحول الجمود السياسي إلى بيئة استثمارية لطبقات ريعية مستفيدة. في الحالة الليبية، يتجاوز تشخيص الأزمة مجرد الخلاف على السلطة بين النخب، إلى أزمة وجودية أعمق تتعلق بـ”مفهوم الدولة” ذاته وجدلية كفاءتها المؤسسية.

يأتي هذا المقال ليشرح كيف تنقلت ليبيا طيلة العقود الخمسة الماضية من طور “الجمهورية اللامؤسساتية” إلى طور “التشظي والسيادات المتوازية”. لا يكتفي المقال برصد مظاهر الفشل البنيوي والاقتصادي المتمثل في ريعية الدولة وتسييس مؤسساتها المالية، بل يغوص في العمق السلوكي والسوسيولوجي للصراع، مستشرفاً السيناريوهات المستقبلية ومقدماً بدائل استراتيجية قادرة على كسر مأزق الانسداد السياسي الراهن.

الهندسة العكسية للدولة: تشريح خمسة عقود من الهدم البنيوي في ليبيا

يرى غني ولوكهارت أن الدولة تصبح فاشلة عندما تفقد “احتكارها المشروع لوسائل العنف” وتعجز عن أداء وظائفها الجوهرية. بتطبيق هذا المنظور على التاريخ الليبي المعاصر، نجد أننا أمام “هندسة عكسية” أدت لتآكل الدولة عبر مرحلتين تراكميتين:

أ. مرحلة “اللا دولة” وجماهيرية الفراغ المؤسسي (1969 – 2011)

على مدى أربعة عقود، تبنى نظام معمر القذافي فلسفة سياسية تقوم على إلغاء مؤسسات الدولة التقليدية (الدستور، البرلمان، الجيش النظامي العقائدي، والجهاز الإداري المستقل) واستبدالها بهياكل مرنة ولجان شعبية. كان هذا التطبيق عملياً هو إلغاء لـ”مؤسسات الدولة” وصهرها في سلطة الفرد والقبيلة والأجهزة الأمنية الموازية. ونتيجة لذلك، دخلت ليبيا عام 2011 وهي تعاني من “أنيميا مؤسسية” حادة، دون تقاليد إدارية راسخة يمكن البناء عليها.

ب. مرحلة “التشظي والسيادات المتوازية” (2011 – 2026)بعد سقوط النظام، تحول الفراغ المؤسساتي إلى انفجار أمني. فقدت الدولة احتكار العنف لصالح الميليشيات والتشكيلات الجهوية والمناطقية. غياب “الهوية القانونية الموحدة” وسيادة القانون أدى إلى نشوء حكومتين ومصرفين مركزيين ومؤسسات موازية، وهو ما يطابق تشخيص الكتاب لـ”دائرة الفشل المفرغة” الناتجة عن النزاعات المسلحة والانقسام الاجتماعي.

التحليل السلوكي والسوسيولوجي للاستعصاء الليبي

لفهم سبب استمرار هذا الانسداد طيلة السنوات الماضية، يجب تجاوز التشخيص السطحي والولوج إلى عمقين استراتيجيين:

أ. مأزق السجين والانسداد السياسي (منظور توماس شيلينغ)

تُظهر نظرية الألعاب (Game Theory)، وتحديداً “مأزق السجين” الذي طوره المفكر الاستراتيجي توماس شيلينغ، تفسيراً دقيقاً لفشل الاتفاقيات السياسية الليبية المتعاقبة. تدرك الأطراف المتصارعة نظرياً أن السلام والاستقرار هما الخيار الأفضل للجميع، لكن غياب الثقة المتبادلة وعدم وجود ضمانات مؤسسية صارمة يدفع كل طرف إلى اختيار سلوك عقلاني من منظور فردي، ولكنه كارثي من منظور جماعي، وهو: الاستمرار في التحشيد المسلح والسيطرة على المقدرات خوفاً من غدر الطرف الآخر. بناءً على ذلك، فإن التسويات الفوقية المبنية على حسن النوايا محكومة بالفشل ما لم تُصمم آليات إلزام مؤسسية خارقة تجعل تكلفة خرق الاتفاق أعلى بكثير من تكلفة الالتزام به.

ب. الخلدونية الجديدة وتحالف عصبية المال والسلاح

عند دمج رؤية الكتاب السوسيولوجية بالواقع الليبي، نجد تجلياً واضحاً لـ”الخلدونية الجديدة”. لقد تحولت العصبية التقليدية (القبلية أو الجهوية) في ليبيا المعاصرة إلى عصبية مصلحية مركبة هجينة، تدمج بين سلطة السلاح (الميليشيات) وسلطة المال (الوصول إلى اعتمادات المصرف المركزي، والإنفاق العام، والتهريب). تشكلت على إثر ذلك طبقة ريعية مصلحية وجودها مرتبط باستدامة الفوضى؛ إذ إن قيام دولة مؤسسات فعالة وشفافة يعني تلقائياً تجفيف منابع تمويل هذه العصبيات المركبة وتفكيك نفوذها.

نقد المقاربات الدولية: متلازمة “إسقاط الأنظمة دون بناء الدول”

يوجه مؤلفا الكتاب نقداً لاذعاً للمجتمع الدولي، مؤكدين أن إسقاط الأنظمة لا يعني بناء دول جديدة. هذا النقد ينطبق بدقة متناهية على التدخل الدولي في ليبيا عام 2011 وما تلاه:

أ-عقدة اليوم التالي: ركز حلف الناتو والمجتمع الدولي على الشق العسكري (إسقاط النظام)، ثم انسحب تاركاً البلاد دون استراتيجية حقيقية لنزع سلاح الميليشيات وتسريحها وإعادة دمجها.

ب- نهج إدارة الأزمة لا حلها: تعاملت البعثات الدولية والمانحون مع الأزمة الليبية عبر مسارات سياسية فوقية (تقاسم السلطة بين النخب) أو إغاثية مؤقتة، متجاهلين جذور المشكلة المتمثلة في إعادة بناء الجهاز الإداري والقضائي والأمني للدولة. تحولت ليبيا في نظر المجتمع الدولي إلى مجرد ملف ديمغرافي وأمني (مكافحة إرهاب، هجرة غير شرعية، تأمين تدفق النفط) بدلاً من التعامل معها كمجتمع سياسي يحتاج إلى إعادة بناء شاملة.

اختبار “الوظائف العشر” في البيئة الريعية والمالية الليبية

يقدم الكتاب (عشر وظائف أساسية) للدولة الحديثة، يرتبط الفشل في إحداها بانهيار البقية. وفي الحالة الليبية، تبرز أزمة الاقتصاد الريعي وغياب الحوكمة المالية كعائق بنيوي عطّل هذه الوظائف:

على سبيل المثال، يوضح الكتاب أن التنمية تتطلب اقتصاداً منتجاً ومؤسسات مالية شفافة. وفي ليبيا، طيلة العقود الضائعة، اعتمدت الدولة كلياً على ريع النفط، مما حوّلها من خادم للمواطن عبر الضرائب إلى موزع للمكافآت والرواتب. وإن انقسام المصرف المركزي والتشوه في السياسات النقدية وأسعار الصرف، وغياب تفعيل معايير الحوكمة الرشيدة وإدارة المخاطر، أدى إلى تفاقم الدين العام الموازي وهدر الأصول. بالتعاون مع غياب الإدارة المالية القائمة على معايير التدقيق الدولية الصارمة حوّل المؤسسات السيادية المالية (المصرف المركزي، المؤسسة الوطنية للنفط، المصرف الخارجي) من أدوات استقرار اقتصادي إلى ساحات صراع مسلح وسياسي للسيطرة على العوائد.

كما تحول الصراع السياسي إلى صراع على غنائم النفط بدلاً من التنافس على تقديم الخدمات (التعليم، الصحة، البنية التحتية). هذا الأمر دمر وظيفة تحفيز الاقتصاد وخلق فرص العمل، وجعل التوظيف الحكومي المقنع أداة لشراء الولاءات، مما أفرغ وظيفة المواطنة من معناها القانوني والتنموي.

مصفوفة الإسقاط الاستراتيجي: وظائف الدولة بين الأطروحة النظرية والواقع الليبي

لتسهيل فهم هذا التداخل البنيوي، تلخص مصفوفة المقاربة التالية الفجوة بين النموذج المثالي للكتاب والواقع المرير أو المتأزم في ليبيا:وظائف الدولة العشر (غني & لوكهارت)

واقع الدولة الليبية خلال (خمسة عقود)

النتيجة والمخرجات الاستراتيجية
1- توفير الأمن واحتكار العنف
تآكل الجيش النظامي سابقاً، وانتشار التشكيلات المسلحة والميليشيات حالياً
غياب مفهوم الأمن القومي الموحد، وتعدد مراكز القرار الأمني
2- سيادة القانون والعدالة
تسييس القضاء في مراحل، وعجزه عن ملاحقة قادة المجموعات المسلحة حالياً
غياب الثقة في المنظومة القضائية، واللجوء للحلول العرفية والقبلية
3- إدارة المال العام والضرائب
اعتماد مطلق على النفط (اقتصاد ريعي)، وغياب الجباية والمنظومة الشفافة والمعايير الدولية
انقسام السياسة النقدية، تشوه أسعار الصرف، وتحول المركزي لساحة صراع نفوذ
4- بناء الشرعية والمشاركة
تغييب الدستور والمؤسسات السياسية الراسخة، وحالياً انقسام تشريعي وتنفيذي
أزمة شرعية مزمنة لكل الحكومات المتعاقبة وتأجيل مستمر للانتخابات
5- الهوية القانونية والمواطنة
استخدام الهوية الوطنية كأداة إقصاء أو منح سياسي، وتشظي مجتمعي
ضعف الولاء للدولة المركزية لصالح الولاءات القبلية، الجهوية، أو الأيديولوجية
6- البنية التحتية وإدارة الموارد
تهالك شبكات الكهرباء، الطرق، والمياه رغم الضخ المالي الضخم عبر العقود
هدر مالي ضخم نتيجة الفساد الإداري وغياب الرؤية الهندسية المستدامة
7- تحفيز الاقتصاد وخلق العمل
تضخم القطاع العام (بطالة مقنعة) وشلل القطاع الخاص المستقل
عجز عن خلق اقتصاد معرفي أو صناعي بديل للنفط، وتبعية تامة للمواطن للدولة
8- الخدمات (التعليم والصحة)
تراجع مخيف في جودة التعليم والمنظومة الصحية والاضطرار للعلاج بالخارج
انهيار رأس المال البشري الليبي وزيادة الأعباء الاقتصادية على المواطن
9- الإدارة البيئية المستدامة
إهمال أزمات المياه والتصحر والتغير المناخي، وغياب الأمن الاستباقي للكوارث
تهديدات وجودية مستقبلية تتعلق بالأمن المائي والغذائي (كارثة درنة كمثال)
10- التمثيل الدولي والسيادة
تدخلات إقليمية ودولية سافرة، وارتهان القرار الوطني للمحاور الخارجية
تحول ليبيا من “فاعل” في السياسة الدولية إلى “ساحة لتصفية الحسابات”

الاستشراف الاستراتيجي: تداعيات الاستمرار في الوضع الراهن

إن بقاء ليبيا في حالة اللا حرب واللا سلم الحالية ليس استقراراً مؤقتاً، بل هو حالة من “التعفن المؤسسي الديناميكي” التي تضع مستندات الدولة أمام ثلاثة سيناريوهات مستقبلية:

أ. السيناريو الأول: “الصوملة التدريجية” والتحلل البنيوي (الأكثر ترجيحاً)
لا ينطوي هذا المسار على انهيار عسكري شامل مفاجئ، بل على تآكل بطيء مستمر لهيكل الدولة، حيث تتحول الأطراف المتصارعة إلى سلطات “أمر واقع” محلية، تكرس اللامركزية السلبية (الفدرالية غير المعلنة)، مع تدنٍ خطير في الخدمات الأساسية وتفشي الفساد الإداري.أما اقتصادياً وأمنياً فيشتد الانقسام المالي والتضخم وتآكل قيمة العملة، بينما تترسخ عصبية السلاح والمال، ليصبح الانخراط في التشكيلات المسلحة أو الاقتصاد الجنائي الموازي (التهريب) هو الخيار التوظيفي الأكثر ربحية للشباب على حساب الإنتاج المعرفي والصناعي.
ب. السيناريو الثاني: “الانفجار الكبير” وحافة الهاويةيتحقق هذا السيناريو عند حدوث صدمة حادة تكسر قواعد التوازن المالي أو الأمني الهش (مثل تراجع حاد ومفاجئ في أسعار النفط، أو انسداد تام لتدفقات الإيرادات، أو تحول صراع النفوذ على المصرف المركزي إلى مجابهة صفرية مسلحة). هذا الانهيار يدفع “مأزق السجين” نحو الصدام الشامل، مما يفتح الباب لتدويل كامل للملف وتدخل عسكري خارجي مباشر لتأمين مصالح القوى الإقليمية، مما يهدد الوحدة الترابية للدولة بشكل حتمي.
ج. السيناريو الثالث: “الصحوة المؤسسية” (العقد السيادي)وهو الخيار الإصلاحي القائم على تنامي كتلة تكنوقراطية وطنية مدعومة بوعي شعبي وضغط دولي يفرض آليات إلزام خارقة للعبة تفكك مصالح النخبة المعرقلة عبر عقوبات وحوافز ذكية، للذهاب مباشرة نحو اعتماد قاعدة دستورية دائمة تعقبها انتخابات وطنية توحد شرعية وبنية مؤسسات الدولة وعقيدتها الاقتصادية والأمنية.

ملحق استراتيجي: خارطة الطريق التنفيذية لإعادة بناء الدولة الليبية بمعنى العقد السيادي الليبي

بناءً على مفهوم العقد السيادي الذي يقترحه الكتاب، والحلول النظرية للألعاب الاقتصادية والكلية، يمكننا طرح خارطة طريق تنفيذية ثلاثية الأبعاد للخروج من الانسداد الليبي الحالي:

أولاً: مسار هندسة الأمن الاستراتيجي وحل معضلة الميليشيات

1-تأسيس المجلس الأعلى للأمن القومي: هيكل تكنوقراطي موحد يضم القيادات العسكرية من كافة الأقاليم (بناءً على مخرجات لجنة 5+5) لوضع عقيدة عسكرية لحماية الحدود لا المدن.
2-نموذج القوة الاحتياطية القانونية الذكية (الحرس الوطني): التوقف عن النهج التقليدي للدمج الجماعي العشوائي للكتل المسلحة. بدلاً من ذلك، يُقترح فرز فردي بناءً على الكفاءة والقيود الجنائية، وتحويل المجموعات التي يصعب دمجها حالياً إلى قوة احتياطية مدربة قانونياً (حرس وطني أو حرس حدود) تخضع لقيادة تكنوقراطية موحدة وتكلف بمهام تأمين الحدود الشاسعة وحماية المنشآت الحيوية، مع ربط مزاياهم المالية بالانضباط الفردي وتفكيك الهياكل الموازية.

ثانياً: مسار الإصلاح الهيكلي والمالي الشامل

1-إخضاع المؤسسات المالية لمعايير التدقيق الدولية المستقلة: توحيد المصرف المركزي بشكل كامل عبر إنهاء السياسات النقدية المتوازية، وإخضاع ميزانياته وإنفاقه لمعايير الحوكمة الدولية وإدارة المخاطر للتخلص من تشوهات أسعار الصرف والدين العام.
2-تأسيس الصندوق السيادي للتنمية والإعمار (خارج التجاذبات): تودع فيه نسبة ثابتة من عوائد النفط، ويُدار عبر مجلس حوكمة مستقل بمراقبة دولية (ديوان المحاسبة الليبي + بيوت خبرة عالمية) لتمويل البنية التحتية والتحول الرقمي.
3-لامركزية الإدارة المالية: تفعيل دور المحافظات والبلديات في تقديم الخدمات المباشرة، مع ربط ميزانياتها بمؤشرات الأداء والكفاءة، لتخفيف الضغط والتصارع على العاصمة طرابلس وتفكيك عصبية المال المركبة.

ثالثاً: مسار “الشرعية الدستورية والمواطنة”

1-كسر مأزق السجين بآليات إلزام دولية وطنية: صياغة قاعدة دستورية دائمة تحدد شكل الدولة ونظام الحكم، مع وجود ضمانات وعقوبات صارمة (محلية ودولية) تُفرض على أي طرف يحاول الانقلاب على النتائج أو عرقلة الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
2-إعادة هيكلة الوظيفة العامة: إطلاق مشروع وطني لتطهير وإصلاح الجهاز الإداري وتفعيل قانون منظم للقطاع الخاص ليكون الشريك الأساسي في التنمية، مما يرفع عن كاهل الدولة عبء التوظيف السياسي والريعي.

خاتمة استراتيجية: العبرة التاريخية

إن المغزى الفكري النهائي الذي يخرج به قارئ كتاب “إصلاح الدول الفاشلة” والمتابع المتبصر والواعي للمشهد الليبي هو أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية أو التسويات المؤقتة، بل بقدرة الدولة على كسب ثقة مواطنيها من خلال الكفاءة والشرعية والمساءلة.

لقد دفعت ليبيا طيلة العقود الخمسة الماضية ضريبة غياب “المؤسسة”؛ تارة باسم الثورة المستمرة، وتارة باسم الصراع على الغنائم. واليوم، يتضح أن الخروج من التيه الليبي هو سباق استراتيجي مع الزمن لإنقاذ مفهوم الدولة ذاته، قبل أن يتحول التآكل الحالي والتشظي المؤسسي إلى واقع جيوسياسي دائم ومكتمل الأركان لا يمكن الفكاك منه.

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

بعد تقرير Bloomberg وتصريحات “مسعد بولس”… هل تستطيع ليبيا الوصول إلى مليوني برميل يومياً؟ أم أن الطريق إلى ذلك يبدأ من الدولة قبل الحقول؟

قد تختلف القراءات السياسية حول ليبيا، وقد تتباين المواقف تجاه تطورات المشهد الداخلي، إلا أن هناك حقيقة تكاد تجمع عليها الأوساط الاقتصادية ومراكز الدراسات المتخصصة في الطاقة، وهي أن ليبيا عادت تدريجياً إلى واجهة الاهتمام الدولي، ليس باعتبارها ملفاً سياسياً أو أمنياً فحسب، وإنما بوصفها واحدة من أهم الفرص الاستراتيجية في سوق الطاقة العالمي خلال العقد المقبل.

ولعل التقرير الذي نشرته Bloomberg News، وأعادت نشره Financial Post في السابع عشر من يونيو 2026، يعكس بوضوح هذا التحول في النظرة الدولية. فالتقرير لم يركز على تطورات المشهد الليبي التقليدية بقدر ما سلط الضوء على العلاقة بين الاستقرار، والاستثمار، والطاقة، وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه ليبيا في تعزيز أمن الطاقة الإقليمي والدولي إذا ما نجحت في استثمار إمكاناتها النفطية والغازية بصورة أكثر فاعلية.

كما أشار التقرير إلى تصريحات السيد “مسعد بولس”، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، والتي عكست اهتماماً أمريكياً متزايداً بتهيئة الظروف التي تسمح بعودة الشركات العالمية، ولا سيما الأمريكية، إلى الاستثمار في قطاع النفط الليبي، في إطار رؤية تربط بين الاستقرار الأمني، والنمو الاقتصادي، وأمن الطاقة.

في تقديري، لا ينبغي النظر إلى هذه التصريحات أو إلى التقرير ذاته باعتبارهما مجرد اهتمام مفاجئ بالنفط الليبي، فاحتياطيات ليبيا لم تُكتشف اليوم، كما أن جودة خامها وموقعها الجغرافي كانا معروفين منذ عقود. الجديد هو أن المتغيرات الدولية أعادت رسم أولويات الطاقة، وأعادت معها ليبيا إلى دائرة الاهتمام، في وقت تبحث فيه الأسواق عن مصادر موثوقة وقريبة للإمدادات، وتبحث الشركات العالمية عن فرص استثمارية ذات جدوى طويلة الأجل.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في زيادة إنتاج النفط الليبي، فهذا أمر مفهوم في سياق مصالحها ومصالح حلفائها، وإنما يتعلق بما إذا كانت ليبيا نفسها تمتلك اليوم المقومات التي تجعل هذا الهدف قابلاً للتحقق.

وهنا أعتقد أن من المهم التوقف عند نقطة أساسية، وهي أن الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً ليس فكرة جديدة، فقد طُرحت منذ سنوات ضمن رؤى تطوير القطاع، وتناولتها المؤسسة الوطنية للنفط في أكثر من مناسبة، كما وردت في العديد من الدراسات الفنية التي أعدتها مؤسسات دولية وشركات متخصصة.

لكن الجديد اليوم ليس الرقم في حد ذاته، وإنما عودة الظروف الدولية التي تجعل تحقيقه أكثر واقعية مما كان عليه قبل سنوات.

فالعالم تغيّر.

وأوروبا تغيّرت.

وأسواق الغاز تغيّرت.

والاستثمارات النفطية تغيّرت.

كما أن ليبيا نفسها بدأت تستعيد، ولو تدريجياً، اهتمام الشركات العالمية بعد إطلاق أول جولة تراخيص للاستكشاف منذ عام 2007، وعودة شركات كبرى مثل شيفرون، وتحرك إكسون موبيل، واستمرار توسع كونوكو فيليبس، إلى جانب المشاريع الكبيرة التي تقودها إيني وتوتال إنرجيز وقطر للطاقة وغيرها من الشركات الدولية.

هذه التطورات، إذا نظرنا إليها بصورة منفصلة، قد تبدو مجرد أخبار متفرقة، لكنها في الواقع تشكل أجزاءً من مشهد واحد، عنوانه أن ليبيا بدأت تستعيد مكانتها على خريطة الاستثمار الطاقوي العالمي.

غير أن التفاؤل، مهما كان مشروعاً، ينبغي ألا يحجب عنا حقيقة جوهرية.

فالاحتياطيات النفطية وحدها لا تنتج النفط.

والاتفاقيات وحدها لا ترفع الإنتاج.

والتصريحات السياسية، مهما كانت إيجابية، لا تكفي لتحقيق الأهداف ما لم تتحول إلى مشاريع تنفذ على الأرض، ضمن بيئة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية وطنية واضحة.

ولذلك، فإن السؤال الذي أرى أنه يستحق النقاش ليس:

هل تستطيع ليبيا الوصول إلى مليوني برميل يومياً؟

بل:

ما الذي ينبغي أن تفعله ليبيا حتى يصبح هذا الهدف مشروعاً وطنياً قابلاً للتحقيق، وليس مجرد رقم يتكرر في التقارير الدولية؟

وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما يجري الخلط بينها في النقاش العام: الاحتياطي النفطي، والطاقة الإنتاجية، والإنتاج الفعلي.

فالاحتياطي يمثل الثروة التي تختزنها الطبيعة في باطن الأرض، أما الطاقة الإنتاجية فهي القدرة الفنية للحقول والمنشآت على الإنتاج، في حين أن الإنتاج الفعلي يظل رهينة لعوامل أخرى عديدة، تشمل الاستثمار، والبنية التحتية، والتمويل، والأمن، والاستقرار المؤسسي.

ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية.

يتبع ،،

“حسني بي”: لماذا يضطر المصرف المركزي شراء الدينار وبيع الدولار؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

يثور كثير من الجدل حول العلاقة بين سعر الصرف والإنفاق العام بالدينار الليبي، وحول الأسباب التي تدفع مصرف ليبيا المركزي إلى بيع العملات الأجنبية بصورة مستمرة. والحقيقة أن فهم هذه العلاقة يعد مفتاحاً لفهم أسباب التضخم واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية وتراجع قيمة الدينار.

من الناحية المحاسبية والنقدية، لا تنفق الدولة أو الحكومة بالدولار داخل الاقتصاد المحلي، العملة المحلية دينارات ليبية، لذلك الحكومة ملزمة أن تنفق بالدينار الليبي. وعندما تتحصل الدولة أو الحكومة على إيرادات النفط والغاز بالدولار، فإنها تحتاج إلى تحويل جزء من هذه الإيرادات إلى دنانير حتى تتمكن من دفع المرتبات والمصروفات التسييرية والدعم والمشروعات العامة.

وهنا يبرز السؤال الأساسي:

من أين تحصل الدولة على الدنانير التي تنفقها؟

هناك حالتان مختلفتان:

الحالة الأولى: أن يقوم المصرف المركزي ببيع الدولار لتغطية الطلب الحقيقي على النقد الأجنبي، سواء لتمويل الاعتمادات المستندية أو الحوالات أو الأغراض الشخصية أو غيرها من الاحتياج المرتبطة بالاستيراد والتعاملات الخارجية. في هذه الحالة يكون بيع الدولار استجابة لطلب السوق على العملة الأجنبية، وهي وظيفة طبيعية لأي مصرف مركزي.

الحالة الثانية: أن يكون بيع الدولار مرتبطاً أيضاً بحاجة الدولة للحصول على الدنانير اللازمة للإنفاق العام. ففي هذه الحالة يصبح المصرف المركزي عملياً مضطراً إلى بيع الدولار وشراء الدينار من المواطنين والشركات حتى يتمكن من تمويل الإنفاق الحكومي.

فالدنانير التي يدفعها المواطنون مقابل الحصول على الدولار للأغراض الشخصية، أو التي تدفعها الشركات مقابل فتح الاعتمادات وتمويل الواردات، تعود في النهاية إلى المصرف المركزي، ثم يعاد ضخها في الاقتصاد على شكل مرتبات ومصروفات حكومية وإنفاق عام.

ومن هنا تنشأ معادلة أساسية كثيراً ما يتم تجاهلها:

كل دينار تنفقه الدولة يجب أن يقابله سحب مماثل للدينار من السوق عبر بيع العملات الأجنبية.

فإذا توسع الإنفاق العام بالدينار دون أن يقابله بيع كافٍ للدولار وسحب مكافئ للدينار من السوق، فإن النتيجة تكون زيادة الكتلة النقدية المحلية بصورة تفوق قدرة الاقتصاد على استيعابها.

وعندها تظهر ثلاثة آثار مباشرة:

1- ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة كمية الدنانير المتداولة مقارنة بالسلع والخدمات المتاحة. 2- اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية بسبب زيادة الطلب على الدولار كملاذ لحفظ القيمة. 3- تراجع قيمة الدينار الليبي نتيجة اختلال التوازن بين عرض وطلب العملات الأجنبية.

لذلك فإن استقرار سعر الصرف لا يتحقق فقط بإدارة سوق النقد الأجنبي، بل يرتبط بالدرجة الأولى بانضباط الإنفاق العام. فكل زيادة في الإنفاق بالدينار يجب أن يقابلها تدفق حقيقي من إيرادات النقد الأجنبي يسمح للمصرف المركزي ببيع ما يكفي من الدولار وسحب ما يكفي من الدنانير من السوق.

وبعبارة أخرى، فإن العلاقة بين الإنفاق العام وسعر الصرف ليست علاقة غير مباشرة، بل هي علاقة محاسبية ونقدية جوهرية وأساسية. فكل دينار يتم إنفاقه دون وجود ما يقابله من شراء دينارات مقابل بيع إيرادات دولارية حقيقية يجري تحويلها إلى دينار عبر المصرف المركزي، يتحول تدريجياً إلى ضغط تضخمي، ويزيد الطلب على الدولار، ويضعف قيمة العملة الوطنية.

إن الحفاظ على استقرار الدينار الليبي يتطلب ربط الإنفاق العام بحجم الإيرادات الدولارية الفعلية، وضمان أن يكون كل دينار يتم ضخه في الاقتصاد مغطى بعملية مقابلة لسحب الدينار من السوق عبر بيع العملات الأجنبية، وإلا فإن التضخم والفجوة السعرية سيبقيان النتيجة الحتمية لأي توسع مالي غير منضبط.

“الشحاتي”: بين السيادة والفساد.. ماذا يمكن أن تتعلم ليبيا من مشروع مارشال؟

كتب: الخبير الاقتصادي “محمد الشحاتي”

يُطرح النقاش حول الفساد وإدارة الثروة النفطية في ليبيا عادةً ضمن معادلة تبدو وكأنها لا تقبل حلاً وسطاً. فمن جهة، هناك من يتمسك بمبدأ السيادة الوطنية باعتباره خطاً أحمر يمنع أي دور خارجي في إدارة الموارد العامة. ومن جهة أخرى، هناك من يرى أن حجم الفساد والانقسام المؤسسي بلغ مستوى يجعل أي حديث عن إصلاح داخلي مجرد أمنية يصعب تحقيقها في المدى المنظور. وبين هذين الموقفين تضيع مساحة واسعة من الحلول الممكنة.

والوضع الليبي اليوم يحمل قدراً كبيراً من الاستثنائية. فاستمرار الأوضاع الحالية بالوتيرة نفسها يكشف البلاد لمخاطر اقتصادية متزايدة على المدى الطويل. فقد أثبتت السنوات الماضية أن تدفق الإيرادات النفطية إلى مؤسسات منقسمة وضعيفة الحوكمة لم يؤد إلى بناء دولة أكثر كفاءة، ولا إلى تحسين ملموس في الخدمات العامة أو تعزيز التنمية المستدامة، بل ساهم في كثير من الأحيان في توسيع شبكات المحسوبية والفساد والصراع على الريع. وفي المقابل، فإن أي دعوة إلى إدارة دولية مباشرة للموارد الليبية تصطدم بحقوق السيادة الوطنية وترفضها غالبية الليبيين.

لكن التاريخ يقدم نموذجاً مختلفاً يستحق التأمل، يقوم على الجمع بين السيادة الوطنية ووضع ضوابط ومعايير مؤسسية دولية تحد من فرص الفساد وتحمي الموارد العامة في الدول المعرضة للمخاطر الجيوسياسية. فعندما أطلقت الولايات المتحدة مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن التحدي مقتصراً على توفير الأموال أو معالجة الدمار المادي، بل شمل أيضاً كيفية ضمان استخدام الموارد بصورة فعالة وتحقيق الأهداف الاقتصادية والسياسية المرجوة منها.

ولم يكن الحل في مصادرة سيادة الدول الأوروبية أو إدارة اقتصاداتها مباشرة من واشنطن، وإنما في إنشاء منظومة من القواعد والإجراءات والرقابة المشتركة ربطت الاستفادة من الموارد بالتخطيط والشفافية والإفصاح والمراجعة والتعاون المؤسسي. وقد بقيت الحكومات الأوروبية صاحبة القرار والسيادة، لكنها عملت ضمن إطار مؤسسي فرض درجات مرتفعة من المتابعة والتدقيق والمساءلة. وكان نجاح التجربة مرتبطاً بوجود قواعد موحدة تنطبق على جميع الأطراف المشاركة، لا على الدول المستفيدة وحدها.

ورغم أن مشروع مارشال لم يُصمم أساساً بوصفه مشروعاً لمكافحة الفساد، فإن البنية المؤسسية التي رافقته ساهمت في الحد من الهدر وسوء استخدام الموارد، ووفرت بيئة أكثر انضباطاً لإدارة عملية إعادة الإعمار. وربما يفسر ذلك جانباً من النجاح الاقتصادي الذي حققته أوروبا الغربية خلال العقود اللاحقة.

غير أن ليبيا تختلف عن أوروبا ما بعد الحرب في نقطة جوهرية؛ فهي ليست دولة تبحث عن التمويل الخارجي لإعادة البناء، بل دولة تمتلك موارد مالية كافية وتولد إيراداتها بنفسها من خلال صادرات النفط والغاز. ومع ذلك فإن هذا الاختلاف لا يمنع الاستفادة من الدرس الأهم في تجربة مارشال: وهو أن حماية الموارد لا تتطلب بالضرورة التخلي عن السيادة، بل قد تتطلب بناء إطار مؤسسي يجعل ممارسة السيادة أكثر انضباطاً وشفافية.

فالمشكلة الليبية لا تتمثل فقط في فساد بعض المسؤولين المحليين، كما أنها لا تتمثل فقط في التدخلات الخارجية المتنافسة، بل في التفاعل بين الطرفين. فالفساد الكبير في الدول الريعية لا ينشأ عادة من الداخل وحده، وإنما من شبكة معقدة من العلاقات التي تجمع مسؤولين محليين وشركات أجنبية ووسطاء ماليين ومكاتب قانونية ومصالح سياسية وتجارية خارجية. ولذلك فإن أي حل جاد يجب أن يخضع له الطرفان معاً: الليبي والدولي.

ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد الانتقال من فكرة الإدارة الدولية للثروة الليبية إلى فكرة إنشاء إطار أخلاقي ومؤسسي دولي لتنظيم التعامل معها. يقوم هذا الإطار على مبدأ بسيط: تبقى السيادة والملكية والقرار النهائي ليبية بالكامل، لكن الوصول إلى النظام المالي العالمي، وإلى العقود الدولية الكبرى، وإلى الخدمات المصرفية والاستثمارية العابرة للحدود، يصبح مشروطاً بالامتثال لمعايير محددة للشفافية والحوكمة.

ويمكن أن يبدأ ذلك بإنشاء سجل دولي للعقود السيادية الكبرى، بحيث لا تكتسب العقود النفطية والاستثمارية والتمويلية الرئيسية حماية قانونية أو مالية دولية ما لم تُسجل فيه وتُفصح عن أطرافها وشروطها الأساسية. وفي المقابل تلتزم الدول والمؤسسات المالية الكبرى بعدم تمويل أو حماية العقود غير المسجلة أو غير المستوفية لمتطلبات الإفصاح.

كما يمكن إلزام الشركات الأجنبية الراغبة في العمل في ليبيا بالإفصاح الكامل عن الملاك المستفيدين الحقيقيين والوسطاء والوكلاء المرتبطين بها، مع حرمان الشركات المخالفة من الوصول إلى التمويل والتأمين والتحكيم الدولي. وفي الوقت نفسه تلتزم المصارف الدولية بعدم تنفيذ التحويلات المرتبطة بعقود أو ترتيبات لا تستوفي معايير الشفافية المعتمدة.

أما الاحتياطيات والأصول السيادية الليبية، فيمكن أن تبقى مملوكة ومدارة بالكامل من قبل المؤسسات الليبية، لكن مع إخضاعها لتدقيق دوري مستقل ونشر قوائم مالية سنوية مفصلة وفق معايير محاسبية دولية معترف بها، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات الإعلامية أو الإفصاحات الجزئية. فالمقصود هنا ليس نقل الإدارة إلى الخارج، بل رفع مستوى الثقة والمساءلة حول كيفية إدارة هذه الأصول.

غير أن العنصر الأكثر أهمية يتمثل في منع المنافسة الدولية على الفساد. فالكثير من المبادرات الإصلاحية تفشل لأن بعض الأطراف الخارجية تلتزم بالقواعد، بينما تستفيد أطراف أخرى من غيابها للحصول على مزايا سياسية أو تجارية. ولذلك فإن نجاح أي إطار جديد يتطلب التزاماً متبادلاً من الدول والمؤسسات المالية الكبرى بعدم الاعتراف أو تمويل أو حماية الصفقات التي لا تستوفي معايير الحوكمة المعتمدة.

إن الفكرة الجوهرية هنا ليست نقل السيادة من ليبيا إلى الخارج، وإنما نقل تكلفة الفساد من المجتمع الليبي إلى الأطراف التي تمارسه أو تستفيد منه. فعندما يصبح الفساد غير قابل للمرور عبر النظام المالي العالمي، وغير قابل للتمويل من المصارف الدولية، وغير قابل للحماية أمام المحاكم وهيئات التحكيم، فإن جاذبيته الاقتصادية تتراجع بصورة كبيرة.

لقد نجحت أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية لأنها تمكنت من الجمع بين السيادة الوطنية والانضباط المؤسسي. وربما تكمن المعضلة الليبية اليوم في الاعتقاد الخاطئ بأن الخيار الوحيد هو المفاضلة بين السيادة والحوكمة، أو بين الاستقلال الوطني والرقابة المؤسسية. بينما تشير التجارب التاريخية إلى أن النجاح الحقيقي يبدأ عندما تُستخدم الحوكمة لحماية السيادة وتعزيزها، لا لإلغائها أو الانتقاص منها.

وقد يذهب البعض إلى افتراض أن الأمم المتحدة يمكن أن تكون الإطار الطبيعي لمثل هذه الترتيبات، إلا أن التجارب السابقة لا تقدم ما يكفي من الأدلة على قدرتها على أداء هذا الدور بكفاءة. فالأمم المتحدة مؤسسة سياسية بالدرجة الأولى، صُممت لإدارة العلاقات بين الدول وحفظ السلم والأمن الدوليين، وليست مؤسسة متخصصة في إدارة الثروات السيادية أو مراقبة الأنظمة المالية المعقدة. كما أن بنيتها الإدارية وآليات اتخاذ القرار فيها تخضع لتوازنات سياسية بين الدول الأعضاء أكثر مما تخضع لمعايير الكفاءة الاقتصادية والمالية.

ويكفي التذكير بتجربة برنامج “النفط مقابل الغذاء” في العراق، الذي أُنشئ بهدف ضمان توجيه عائدات النفط العراقي إلى الاحتياجات الإنسانية تحت إشراف دولي. ورغم النوايا المعلنة للبرنامج، فقد كشفت التحقيقات اللاحقة عن تجاوزات وعمولات غير مشروعة ومواطن ضعف رقابية واسعة، الأمر الذي جعل التجربة مثالاً على الصعوبات التي تواجه المنظمات السياسية الدولية عندما توكل إليها مهام تتعلق بإدارة الموارد الاقتصادية والمالية.

ولذلك فإن أي إطار مستقبلي لحوكمة التعامل مع الثروة الليبية ينبغي ألا يقوم على نموذج الوصاية الأممية أو الإدارة الدولية المباشرة، بل على شبكة من المعايير المهنية والمؤسسات المتخصصة في المحاسبة والتدقيق والإفصاح والرقابة المالية، بحيث تكون المرجعية الأساسية هي الكفاءة والشفافية وقابلية التحقق، لا التوازنات السياسية الدولية.

وقد يكون الوقت قد حان للانتقال من النقاش التقليدي حول من يملك الثروة الليبية ــ وهي مسألة حُسمت قانونياً وسياسياً منذ عقود ــ إلى نقاش أكثر أهمية: ما هي القواعد التي تضمن أن تُدار هذه الثروة لصالح الليبيين، وأن يخضع لها كل من يتعامل معها في الداخل والخارج على حد سواء؟

مصرف ليبيا المركزي: منظومة الأغراض الشخصية تعمل بشكل سلس والحجوزات بلغت 35 مليون دولار خلال ساعتين

​أكد مسؤول بمصرف ليبيا المركزي في تصريح لمنصة “تبادل”، أن منظومة الأغراض الشخصية تعمل بشكل سلس، حيث بلغت قيمة الحجوزات خلال ساعتين فقط 35 مليون دولار مقسمة بين “الكاش” والبطاقات.

وأشار المسؤول إلى أن عملية الحجز مستمرة اليوم الخميس حتى الساعة السابعة مساءً، على أن تُستأنف صباح الأحد القادم وتتواصل طيلة أيام الأسبوع، مؤكداً في الوقت ذاته أن عملية بيع الدولار نقداً مستمرة بكافة المصارف وبوتيرة سريعة جداً.

استبدال دعم الوقود والتأمين الصحي على طاولة اجتماع مدير عام المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي مع نخبة من الخبراء

بحث المدير العام للمجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي “محمود الفطيسي” اليوم الخميس، خلال اجتماع موسع مع نخبة من الخبراء والمتخصصين، آليات إصلاح ملفين استراتيجيين يمسّان الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمواطن وهما “دعم الوقود والتأمين الصحي”.

وشهد الاجتماع مناقشة الخطط والبدائل المقترحة لملف استبدال دعم الوقود، بهدف ترشيد الإنفاق العام وضمان وصول الدعم لمستحقيه مع توفير الحماية الكاملة للفئات الهشة. كما استعرض الحاضرون استراتيجية تطوير منظومة التأمين الصحي الشامل لتوسيع مظلة التغطية وتحسين جودة الخدمات الطبية المقدمة.

وجرى خلال الاجتماع كذلك استعراض كافة الخطط التنفيذية والتفصيلية اللازمة لهذه الإصلاحات، تمهيداً لرفعها إلى مجلس الوزراء لاعتمادها، وذلك ضمن جهود المجلس لرسم سياسات مستدامة تعزز الاستقرار المالي للدولة وتخدم المصلحة العامة.

“اسميو”: بين فزاعات المطالبين بالكمال وواقع الوطن.. تأجيل استبدال الدعم مخاطرة بحق الأمن الاقتصادي

كتب : رجل الأعمال “عبدالحميد اسميو”

كلما اقتربنا من حسم ملف استبدال الدعم وتحرير الاقتصاد الليبي من تشوهاته، يخرج علينا البعض بذات الأطروحات المستهلكة منذ ثمانينيات القرن الماضي مطالبين بالتريث وواضعين شروطاً تعجيزية.

يرى هؤلاء المطالبون بالكمال أنه يجب أولاً إصلاح مؤسسات الدولة كاملة، وتأمين الحدود المطلق، وبناء شبكات نقل عمومية مثالية قبل اتخاذ أي خطوة في ملف الدعم. وهذه الأطروحات، في ظاهرها حرص ونظريات أكاديمية، لكنها في الواقع تفصل النظرية عن الواقع المعاش وتؤجل الإصلاح إلى ما لا نهاية.

إن هذا الفكر يقع في مغالطة وضع العربة أمام الحصان؛ فهو يتجاهل أن منظومة الدعم العيني الحالية هي العائق الأساسي والأول الذي يمنع الدولة من بناء بنية تحتية قوية. الدعم العيني اليوم هو نزيف مستمر يلتهم ميزانية الوطن ليذهب في النهاية إلى جيوب المهربين وشبكات الجريمة المنظمة، بدلاً من أن يذهب لتنمية البلاد.

والخطورة الأكبر التي يغفل عنها المطالبون بتأجيل الحلول حتى اكتمال الشروط هي البعد الجيوسياسي؛ فالإبقاء على الدعم العيني بصورته الحالية يعني ببساطة تقديم وقود وسلع شبه مجانية تستغلها شبكات التهريب الدولية لتخفيض تكلفتها اللوجستية إلى الصفر، ومضاعفة أرباحها على حساب قوت المواطن الليبي.

إن استبدال الدعم العيني وتحويله فوراً إلى دعم نقدي (كاش) في جيب المواطن ليس مجرد إجراء حسابي لتوفير الأموال، بل هو خطوة استراتيجية حتمية لتجفيف منابع تمويل الجريمة المنظمة، ورفع تكلفة اختراق حدودنا، وإعادة الثروة لأصحابها الحقيقيين.

الاقتصاد لا يدار بانتظار حلول كاملة في واقع معقد، بل بقرارات شجاعة ومرحلية تحمي أمن الوطن وقوت يوم المواطن.

“صنع الله” يكتب: الحدود البحرية الليبية بين حماية السيادة وصون حقوق الأجيال القادمة

كتب: مصطفى صنع الله – رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط

يُعد ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية من أهم الملفات السيادية الشائكة بين الدول المتجاورة والمتشاطئة، لما يرتبط به من حقوق قانونية واقتصادية وإستراتيجية، خصوصًا في المناطق البحرية التي قد تحتوي على موارد طبيعية مهمة، وفي مقدمتها النفط والغاز، إلى جانب الإمكانات المعدنية والبيئية والاقتصادية الأخرى.

وقد أولت ليبيا هذا الملف اهتمامًا مبكرًا، خاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي، إدراكًا منها لأهمية حماية حقوقها السيادية في البحر المتوسط. وفي ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد، وما تشهده من تحديات سياسية وأمنية، تزداد الحاجة إلى إعادة تسليط الضوء على ملف الحدود البحرية، ولا سيما مع دولتي مالطا واليونان، باعتباره ملفًا لا يخص الحاضر فقط، بل يتعلق بحقوق الأجيال القادمة ومصالح الدولة الليبية العليا.

أولًا: خلفية عامة
منذ أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، ازداد الاهتمام بأعمال الاستكشاف والتنقيب عن المواد الهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط، بعد ظهور مؤشرات واكتشافات مهمة للغاز في عدد من المناطق البحرية. وقد دفع ذلك دولًا عدة في الإقليم، من بينها مصر وقبرص وإسرائيل، إلى تكثيف أنشطة الاستكشاف وإبرام اتفاقيات لترسيم أو تنظيم مناطقها البحرية، استنادًا إلى قواعد القانون الدولي للبحار ومبدأ التوصل إلى حلول منصفة بين الدول المتقابلة أو المتجاورة.

ونتيجة لهذه التطورات، تحولت منطقة شرق ووسط البحر المتوسط إلى مجال اهتمام كبير من قبل الدول والشركات العالمية العاملة في قطاع الطاقة، الأمر الذي جعل قضايا ترسيم الحدود البحرية أكثر حساسية وأهمية، خاصة للدول التي لم تُحسم حدودها البحرية بالكامل مع جيرانها.

ثانيًا: ليبيا ومالطا
شهد ملف الحدود البحرية بين ليبيا ومالطا خلافًا قديمًا حول الجرف القاري، وقد عُرض النزاع بين الدولتين على محكمة العدل الدولية، التي أصدرت حكمها في 3 يونيو 1985 بشأن ترسيم جزء من الجرف القاري بين البلدين، غير أن هذا الحكم لم يُنهِ جميع المسائل البحرية العالقة، إذ بقيت بعض المناطق محل خلاف، خاصة ما يتعلق بامتدادات الجرف القاري وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة لكل دولة. ولمن يرغب في الاطلاع على مزيد من المعلومات عن الحكم التحكيمي بإمكانه الاطلاع على كتاب أحد قامات القانون الليبي والذي كان له الدور الأكبر في كسب ليبيا للحكم التحكيمي، المرحوم الأستاذ الدكتور المرتضى عبد الرازق سليمان في كتابه “قضية الجرف القاري بين الجماهيرية العربية الليبية وجمهورية مالطا”.

وعودًا على بدء، فأبرز المناطق التي ظلت محل متابعة هي القطعة البحرية الليبية المعروفة بـ (م.ن. 146) التابعة لشركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز، في مقابل مناطق بحرية منحتها مالطا أو طرحتها للاستكشاف، من بينها المنطقتان المالطيتان رقم 5 ورقم 7.

المنطقة رقم 5
في يوليو 2001، منحت الحكومة المالطية المنطقة المصنفة لديها برقم 5 لشركة “بان كونتيننتال”، التي دخلت لاحقًا في ائتلاف مع شركة “أناداركو”. وفي 24 مايو 2005، وجّهت المؤسسة الوطنية للنفط تحذيرًا إلى الشركتين من القيام بأي نشاط استكشافي في المنطقة، باعتبار أن جزءًا كبيرًا منها يقع ضمن الجرف القاري الليبي. وقد اعتبرت المؤسسة الوطنية للنفط أن أي نشاط في تلك المنطقة يمثل مساسًا بالحقوق السيادية للدولة الليبية، وطالبت بوقف أي أعمال استكشافية، مع تحميل الشركات المسؤولية القانونية وفق القوانين الليبية وقواعد القانون الدولي.

وفي السياق نفسه، قامت السلطات المالطية سنة 2005 بمنع شركة (سي جي جي)، المتعاقدة مع المؤسسة الوطنية للنفط، من تنفيذ برنامج مسح سيزمي بحري داخل أجزاء من القطعة (م.ن. 146) التابعة لشركة سرت، كما وُجهت تحذيرات إلى شركة “نيبون” اليابانية بشأن المنطقة رقم 2، التي فازت بها ضمن جولة الإعلان العام الثانية، بحجة تداخلها مع المنطقة رقم 5 وفق المزاعم المالطية.

وفي 4 فبراير 2015، وقعت الحكومة المالطية اتفاقية مع شركة (Ratio Malta Limited)، التابعة لشركة (Ratio Oil Exploration Limited) المملوكة لشركة “ريشا لاستكشاف النفط المحدودة” الإسرائيلية، لإجراء دراسات استكشافية في المنطقة البحرية رقم 5 جنوب مالطا، وهي منطقة تقع أجزاء منها وتتداخل مع حقوق الدولة الليبية البحرية.

المنطقة رقم 7
في ديسمبر 2007، منحت الحكومة المالطية المنطقة رقم 7 لشركة (Heritage Oil)، وهي منطقة تشمل أجزاءً من الجرف القاري الليبي وتتداخل مع مساحة مهمة من القطعة (م.ن. 146) التابعة لشركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز.

وفي 27 فبراير 2008، وجهت المؤسسة الوطنية للنفط تحذيرًا إلى شركة (Heritage)، مؤكدة أن أي نشاط تقوم به في المنطقة رقم 7 يُعد انتهاكًا للحقوق السيادية الليبية. وردّت الشركة في 29 أبريل 2008 بأن على المؤسسة الوطنية للنفط مراجعة الأمر مع الحكومة المالطية، الأمر الذي دفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى إحالة الموضوع إلى الجهات الليبية المختصة آنذاك (اللجنة الشعبية للمكتب الشعبي للاتصال الخارجي).

وفي سنة 2010، أعدت شركة (Heritage) برنامجًا استكشافيًا في المنطقة رقم 7، تضمن مسحًا سيزميًا ثنائي الأبعاد وحفر بئر استكشافية، كما نُفذت خلال شهر يوليو 2011 عمليات مسح سيزمي في المنطقة.

وفي سنة 2015، منحت الحكومة المالطية شركة (TGS Nopec) حق تنفيذ أنشطة مرتبطة بالاستكشاف في المنطقة رقم 7. وقد خاطبت المؤسسة الوطنية للنفط بتاريخ 24 أغسطس 2015م الشركة محذرة إياها من القيام بأي نشاط في منطقة تعتبر جزءًا من حقوق ليبيا البحرية، مما أدى إلى تجميد النشاط والانسحاب من الاتفاقية.

ثالثًا: ليبيا واليونان
أما فيما يتعلق بدولة اليونان، فإن جوهر الخلاف يتمثل في كيفية احتساب الحدود البحرية، ومدى الأثر الذي تمنحه اليونان للجزر الواقعة جنوب جزيرة كريت في تحديد الامتدادات البحرية. فوفقًا لاتفاقية البحار والتي تحدد المسافات المتساوية بين الدول المتشاطئة، فإن هذا يعني أنه على دولة اليونان احتساب المسافة من جزيرة كريت وليس من جزر بعيدة جنوب كريت، الأمر الذي جعل دولة اليونان تنتزع ما يقارب من تسعة وثلاثين ألف كيلو متر مربع من المياه الليبية الاقتصادية وربما المياه الإقليمية الخالصة، وهي مساحة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة.

لذلك، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب قدرًا عاليًا من الحذر القانوني والفني، وعدم تركه للتقديرات السياسية المؤقتة أو التفاهمات غير المدروسة.

وفي هذا السياق، وعندما تعاقدت الحكومة اليونانية مع شركتي “توتال” و”إكسون موبيل” بشأن أنشطة استكشافية جنوب وجنوب غرب كريت، قامت المؤسسة الوطنية للنفط بمخاطبة الشركتين في 29 سبتمبر 2020، مطالبة بالتوقف عن أي أنشطة استكشافية في المناطق محل النزاع البحري، وقد استجابت شركة “توتال إنرجيز” إلى ذلك، كما أخطرت المؤسسة الوطنية للنفط الجهات السيادية الليبية المختصة (المجلس الرئاسي ووزارة الخارجية والتعاون الدولي) بفحوى مراسلات المؤسسة الوطنية للنفط.

رابعًا: أهمية الملف
إن ملف الحدود البحرية الليبية ليس ملفًا فنيًا محدودًا، بل هو ملف سيادي وقانوني وإستراتيجي يرتبط بمستقبل الدولة الليبية وحقوق الشعب الليبي في موارده الطبيعية. فالمياه البحرية لا تمثل فقط مجالًا للملاحة أو الصيد، بل قد تحتوي على احتياطات مهمة من النفط والغاز، فضلاً عن موارد بحرية واقتصادية أخرى أهمها المعادن النادرة، ويمكن أن تكون ذات أثر كبير في مستقبل الاقتصاد الوطني.

ومن هنا، فإن أي تفريط أو تهاون أو تأخير في إدارة هذا الملف قد يترتب عليه ضرر طويل المدى، لا يقتصر أثره على الجيل الحالي، بل يمتد إلى الأجيال القادمة.

التوصيات
أولًا: مراجعة جميع الخلفيات التاريخية والقانونية والفنية المتعلقة بملف الحدود البحرية مع دولتي مالطا واليونان، بما في ذلك المراسلات السابقة، والخرائط، والعقود، وأحكام المحاكم الدولية، ومواقف الشركات الأجنبية.

ثانيًا: تشكيل فريق وطني متخصص يضم المؤسسة الوطنية للنفط، ووزارة الخارجية والتعاون الدولي، والجهات الفنية والقانونية المختصة، إلى جانب مكتب محاماة دولي له خبرة مباشرة في قضايا ترسيم الحدود البحرية والنزاعات المتعلقة بالجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة.

ثالثًا: عدم الدخول في أي مفاوضات أو تفاهمات مع دولتي مالطا أو اليونان قبل إعداد ملف فني وقانوني متكامل، يستند إلى الخرائط والوثائق والحقوق التاريخية والقواعد المستقرة في القانون الدولي.

رابعًا: التعامل مع الملف باعتباره أولوية وطنية عليا، لا يجوز أن يكون محل مساومة سياسية أو تنازل مرحلي أو توظيف لخدمة مكاسب آنية لا تراعي مصالح الشعب الليبي وحقوقه السيادية.

إن حماية الحدود البحرية الليبية هي حماية للسيادة الوطنية، ولثروات البلاد، ولحقوق الأجيال القادمة.