Skip to main content

الوسم: ليبيا

بدء التشغيل التجريبي لإصدار الرقم الاقتصادي الموحد إلكترونياً عبر منصة “دولتي”

اعتمد المجلس الوطني للرقم الاقتصادي الموحد بدء العمليات التجريبية لإصدار الرقم الاقتصادي الموحد إلكترونياً مجاناً عبر منصة «دولتي»، تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء رقم (348) لسنة 2026، وذلك في إطار التمهيد لإطلاق المرحلة الأولى من المشروع الهادف إلى توحيد هوية الكيانات والأنشطة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية في ليبيا.

و​ترتكز المرحلة الأولى على مطابقة الرقم الوطني بصاحب النشاط وربطه برقم هاتفه للتحقق من الهوية ورفع موثوقية البيانات. ويهدف المشروع إلى بناء قاعدة بيانات اقتصادية موحدة تعزز الحوكمة والشفافية، والحد من الرخص الورقية غير المحدثة ومزاولة الأنشطة بطرق غير قانونية، داعياً أصحاب الأنشطة إلى المشاركة في المرحلة التجريبية وتقييم الخدمة لاستكمال جاهزية المنظومة.

​”الشلوي”: أسعار النفط إلى أين حتى نهاية 2026؟ وما الذي ينبغي على ليبيا فعله؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي عبد المنصف الشلوي

تشهد أسواق النفط الدولية في هذه المرحلة حالة من عدم اليقين الاستثنائي، إذ لم تعد الأسعار تتحرك وفق معادلة العرض والطلب وحدها، بل أصبحت شديدة الارتباط بالتطورات العسكرية والجيوسياسية، وأمن الممرات البحرية، وقدرات التكرير، والسياسات النقدية العالمية، ومستوى النمو في الصين والاقتصادات الكبرى…

وقد اقترب خام برنت، خلال تعاملات 8 سبتمبر 2026، من مستوى 97 دولاراً للبرميل، مدفوعاً بتجدد الهجمات على منشآت الطاقة السعودية، واستمرار الاضطرابات في مضيق هرمز والبحر الأحمر، والمخاوف من امتداد الصراع إلى مزيد من منشآت الإنتاج والتصدير. وقبل اندلاع الأزمة الحالية كان نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، ولذلك فإن أي تهديد جدي ومستمر لهذا الممر يضيف علاوة مخاطر واضحة إلى السعر.

ومع ذلك، فإن بقاء برنت دون حاجز 100 دولار، رغم حجم المخاطر، يرجع إلى عدة عوامل موازنة؛ أهمها استمرار جزء من التدفقات النفطية عبر هرمز، واستخدام المنتجين الخليجيين مسارات وموانئ بديلة، وزيادة إنتاج دول من خارج أوبك، وعلى رأسها الولايات المتحدة وكندا وغيانا، بما يقارب 1.4 مليون برميل يومياً خلال هذا العام. كما أن ارتفاع الأسعار أدى إلى تراجع نسبي في الطلب، خصوصاً في الصين وقطاعات النقل والبتروكيماويات.

وبناءً على المعطيات الحالية، أرى أن المسار الأقرب لخام برنت حتى نهاية 2026 يمكن قراءته من خلال ثلاثة سيناريوهات:
​السيناريو المرجح: بقاء السعر في نطاق يتراوح تقريباً بين 85 و100 دولار للبرميل، مع تقلبات حادة مرتبطة بالأحداث الأمنية والسياسية. وهذا السيناريو يفترض استمرار التوتر دون وقوع توقف واسع وطويل للإمدادات.

السيناريو التصاعدي: ارتفاع برنت إلى نطاق 105–120 دولاراً، ولو لفترة مؤقتة، إذا اتسعت المواجهة أو تعرضت منشآت إنتاج وتصدير رئيسية لأضرار مؤثرة، أو تعطلت الملاحة بصورة أكبر في مضيق هرمز أو البحر الأحمر.

السيناريو الانخفاضي: تراجع السعر إلى نطاق 70–80 دولاراً إذا حدث انفراج سياسي حقيقي، وعادت الإمدادات الخليجية تدريجياً، وارتفع الإنتاج المتوقف، واستمرت مؤشرات ضعف الطلب العالمي. وكانت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قد توقعت، قبل التصعيد الأخير، متوسطاً يقارب 78 دولاراً لبرنت خلال الربع الرابع من 2026، بينما رفع بعض المصارف توقعاته لاحقاً؛ إذ يتوقع غولدمان ساكس نحو 85 دولاراً في ديسمبر، في حين يقدّر مورغان ستانلي متوسط الربع الأخير بحوالي 100 دولار. وهذا التباين يؤكد أن السوق تُسعّر المخاطر السياسية أكثر مما تُسعّر أساسيات العرض والطلب وحدها.

وعليه، فإن الحديث عن سعر واحد مؤكد في نهاية العام سيكون غير مهني. والأكثر واقعية هو اعتبار نطاق 85–100 دولار السيناريو الأساسي، مع بقاء احتمالات الصعود أو الهبوط مفتوحة بحسب مسار الصراعات والإمدادات والملاحة والطلب العالمي.

أما بالنسبة إلى ليبيا، فإن ارتفاع السعر يمثل فرصة مالية، لكنه لا يضمن تلقائياً تحسن الوضع الاقتصادي أو معيشة المواطن. فالعبرة ليست بسعر البرميل وحده، وإنما بعدد البراميل التي تستطيع البلاد إنتاجها وتصديرها بصورة مستقرة، وبقيمة ما يُستهلك أو يُستورد من وقود، وبكيفية إدارة الإيرادات وتوزيع الإنفاق العام.

ومن هذا المنطلق، أقترح أن تتعامل الدولة الليبية مع الفترة المتبقية من العام وفق الآتي:

أولاً: إعداد الموازنة والتقديرات المالية على سعر محافظ يتراوح بين 70 و75 دولاراً للبرميل، وليس على الأسعار المرتفعة الحالية. أما الإيرادات الناتجة عن تجاوز السعر الفعلي لهذا المستوى، فينبغي اعتبارها إيرادات استثنائية، لا أساساً لزيادة دائمة في المرتبات أو المصروفات الجارية.

ثانياً: تخصيص جزء واضح من الإيرادات الإضافية لسداد الالتزامات القائمة، وتكوين احتياطي مالي لمواجهة احتمالات انخفاض الأسعار أو توقف الإنتاج، وتمويل المشروعات النفطية ذات المردود السريع، وخاصة صيانة الآبار والمرافق وخطوط النقل والموانئ والخزانات.

ثالثاً: حماية استقرار الإنتاج والتصدير وإبعاد القطاع النفطي عن التجاذبات السياسية والإغلاقات. فخسارة مئة ألف برميل يومياً عند سعر 95 دولاراً تعني ضياع إيراد إجمالي يقترب من 9.5 ملايين دولار يومياً، قبل احتساب حصص الشركاء والتكاليف والالتزامات الأخرى.

رابعاً: منح المؤسسة الوطنية للنفط التمويل التشغيلي والاستثماري المنتظم الذي يمكّنها من المحافظة على الإنتاج وزيادته، مع إخضاع الإنفاق للرقابة والمراجعة المهنية. فمسؤولية المؤسسة فنية وتشغيلية وتجارية، بينما تبقى إدارة الموازنة والسيولة وسعر الصرف والإنفاق العام من مسؤوليات الحكومة ووزارة المالية والمصرف المركزي والجهات الرقابية المختصة.

خامساً: عدم النظر إلى ارتفاع الخام بمعزل عن ارتفاع أسعار المشتقات. فالأزمة الحالية أدت أيضاً إلى شح عالمي في الديزل وارتفاع تكاليف التكرير والنقل والتأمين؛ وبالتالي قد تحصل ليبيا على إيرادات أكبر من بيع الخام، لكنها في المقابل تدفع مبالغ أعلى لاستيراد البنزين والديزل وغيرهما من المنتجات… ولهذا فإن صافي الفائدة أقل من الانطباع الذي يعطيه ارتفاع سعر البرميل وحده.

سادساً: توجيه جزء من الإيرادات الاستثنائية إلى زيادة القدرة المحلية على التكرير والتخزين، واستكمال مشروعات الغاز وتقليل حرقه، والتوسع في إحلال الغاز محل الوقود السائل بمحطات الكهرباء، بما يقلل فاتورة الاستيراد ويحرر كميات أكبر للتصدير.

سابعاً: تجنب التوسع غير المنضبط في الإنفاق العام، لأن ضخ إيرادات نفطية كبيرة في اقتصاد محدود الإنتاج المحلي قد يؤدي إلى زيادة التضخم وارتفاع أسعار السلع والعقارات وتراجع القوة الشرائية، بدلاً من تحقيق تحسن حقيقي في مستوى معيشة المواطن.

أن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح ليبيا فرصة ثمينة لالتقاط الأنفاس، لكنه يظل ارتفاعاً ناتجاً بدرجة كبيرة عن المخاطر والحروب واضطراب الإمدادات، وليس عن نمو اقتصادي عالمي مستدام. ولذلك يجب ألا نبني عليه التزامات مالية دائمة.

الخيار الأكثر حكمة هو أن تدير ليبيا مواردها وفق سعر محافظ، وتحمي الإنتاج، وتضبط الإنفاق، وتستثمر الفوائض المؤقتة في الأصول والبنية التحتية والطاقة والتنويع الاقتصادي.

فالدول لا تستفيد من ارتفاع النفط بمجرد تحصيل إيراداته، وإنما عندما تحول هذه الإيرادات المتقلبة إلى استقرار مالي وقدرة إنتاجية وتنمية مستدامة.

“ميلاد حويو” يكتب: مفارقة غريبة بين المواطن والسياسة النقدية!

كتب: ميلاد احويو – مصرفي سابق ومتابع للشأن الاقتصادي​

المواطن يشري الدولار من المصرف بالسعر الرسمي ويمشي يبيعه للموازي بسعر السوق السوداء ويقول: “رزقي… وشن دخلكم؟!”

وبعدها يمشي يشري سلعة، يلقى التاجر رافع السعر فيقول: “السوق السوداء هي السبب!”.. ​يا أخي إنت قبل شوية كنت جزء من السوق السوداء، توا جيت تشكي منها؟!

لكن خلّونا نكونوا منصفين:

المواطن مش هو اللي خلق فرق السعر.. ولا هو اللي حط منظومة الصرف بالشكل هذا.. هو فقط يستغل فرصة صنعتها السياسة النقدية والمالية!!​

المشكلة الحقيقية:

ليش فيه دولار رسمي ودولار موازي؟ وليش الفرق بينهم كبير لدرجة يخلي المضاربة أربح من الإنتاج؟

بلاد فيها الدولار سلعة.. والسلعة مربوطة بالدولار والمواطن يدور على الفرق.. والتاجر يدور على التعويض.. والأسعار تدور على المواطن! ​وهكي ندوروا في حلقة مفرغة.. وكل واحد يشكي من الثاني!

الزبدة من الخرافة:​

الأغرب أن بعض الناس يطالبون بإلغاء السوق الموازي.. لكنهم في الوقت نفسه يعتبرون الاستفادة من فرق السعر “حقًا مكتسبًا”!!!

“الشلوي”: أرقام أغسطس تؤكد استقرار الإنتاج قرب 1.4 مليون برميل يومياً.. والإفصاح يحتاج أن يتطور إلى ميزان نفطي ومالي متكامل

قال الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” إن بيان المؤسسة الوطنية للنفط عن شهر أغسطس 2026 يمثل استمراراً إيجابياً في منهج الإفصاح، لأنه يضع أمام الرأي العام صورة مترابطة نسبياً تبدأ من الإنتاج، مروراً بحصص الدولة والشركاء والتكرير والتصدير، وصولاً إلى الإيرادات المحصلة.

وأوضح أن إنتاج أغسطس بلغ 43.306 مليون برميل، أي بمتوسط يقارب 1.397 مليون برميل يومياً. ومن المهم عند المقارنة عدم الاكتفاء بإجمالي الكمية الشهرية؛ فإنتاج يونيو بلغ 41.867 مليون برميل، لكن يونيو ثلاثون يوماً، ولذلك كان متوسطه اليومي أيضاً قريباً جداً من 1.396 مليون برميل. بمعنى أن الرقم الأهم هنا هو استمرار قدرة القطاع على تثبيت الإنتاج حول مستوى 1.4 مليون برميل يومياً، مع تحسن واضح مقارنة بيوليو الذي سجل نحو 41.7 مليون برميل خلال 31 يوماً.

وأضاف أن حصة الدولة بلغت 31.586 مليون برميل، وحصة الشركاء 11.323 مليوناً، فيما جرى تصدير 27.642 مليون برميل من حصة الدولة، وتحويل نحو 3.476 ملايين برميل للتكرير و468 ألف برميل تقريباً لمحطات الكهرباء. وهذا يعني أن نحو 87.5% من حصة الدولة اتجهت إلى التصدير، مقابل 11% تقريباً للتكرير.

وأشار “الشلوي” إلى وجود فرق حسابي يقارب 397 ألف برميل بين إجمالي الإنتاج ومجموع حصتي الدولة والشركاء، وهو لا يعني بالضرورة وجود فاقد، فقد يرتبط بالتسويات التعاقدية أو المخزنية أو توقيت القياس والاستحقاق، إلا أن الأفضل مستقبلاً إظهاره في بند مستقل؛ وهي الملاحظة ذاتها التي سبق تسجيلها عند قراءة بيان يونيو، عندما كان الفرق أكبر وتجاوز مليون برميل.

وعلى الجانب المالي، بلغت المتحصلات المحالة للحساب السيادي 2.555 مليار دولار، مقابل نحو 2.26 مليار دولار في يوليو، أي ارتفاع يقارب 13%، لكن لا يصح حساب سعر بيع البرميل بقسمة هذا المبلغ على صادرات أغسطس، لأن الإنتاج والشحن والتحصيل لا تحدث بالضرورة في الشهر نفسه، وهو ما توضحه أيضاً إشارة البيان إلى متوسط برنت لشهر يوليو وليس أغسطس. وسبق للمؤسسة نفسها أن أوضحت وجود فاصل زمني بين البيع والتحصيل.

وختم “الشلوي” قائلاً إن الشفافية لا تعني فقط نشر أرقام أكثر، بل ربط الأرقام ببعضها؛ والخطوة التالية التي أراها مهمة هي إظهار إجمالي المتحصلات، وقيمة اعتمادات توريد المحروقات المستقطعة، ثم صافي ما يحال فعلياً إلى مصرف ليبيا المركزي، حتى يصبح لدينا ميزان نفطي ومالي شهري كامل يمكن أن يبنى عليه النقاش الاقتصادي بعيداً عن التخمين والتجاذب.

“الوطنية للنفط” تنفي إنفاق 1.7 مليار دينار على “رفاهيات” وتؤكد إحالة ميزانيتها للرقابة

استنكرت المؤسسة الوطنية للنفط الأخبار المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي حول صرف 1.7 مليار دينار على بنود وصفت بـ”الرفاهية”، مؤكدة أن المبالغ المصروفة تدخل ضمن الميزانية التشغيلية المعتمدة للدفعة الأولى لسنة 2026، البالغة ملياري دينار.

​وأوضحت المؤسسة، في بيان رسمي، أن أكثر من 55.3% من هذه المصروفات وُجّهت مباشرة لدعم عمليات الإنتاج وصيانة الآبار النفطية والمعدات لضمان استمرار التدفق النفطي. وأضافت أن البنود المثارة تتعلق بمتطلبات تشغيلية والتزامات قانونية حتمية شملت تدريب الكوادر الوطنية، والتأمين على الأصول، ومزايا العاملين في الحقول النائية.

​وأكدت المؤسسة التزامها الكامل ببروتوكولات الشفافية والإفصاح المالي، مشيرة إلى إحالة تقرير تفصيلي وشامل بكافة المصروفات إلى ديوان المحاسبة واللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ الميزانية لمراجعته وفحصه. ودعت وسائل الإعلام إلى توخي الدقة واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، محتفظة بحقها القانوني في حماية سمعة القطاع.

“الدباشي” يطالب برفع الدعم عن الوقود ويصفه بـ “المنحة للمهربين والدعم للدول المجاورة”

قال سفير ليبيا السابق لدى مجلس الأمن “إبراهيم الدباشي” إن دعم الوقود منحةٌ للمهربين ودعمٌ للدول المجاورة، مشيرًا إلى أن الحديث عن دعم الوقود في ليبيا لم يعد له أي معنى.

وأوضح “الدباشي” بأنه على الرغم من أننا نستورد ما يقرب من ضعف استهلاكنا إلّا أن الوقود المدعوم أصبح حكرًا على سكان المدن الكبرى، أما خارجها فهو غير متاح في محطات التوزيع، ويضطر المواطنون لشرائه من على قارعة الطريق بسعر يقترب من سعره في بعض الدول المجاورة، التي أصبحت تغطي نسبة كبيرة من استهلاكها بنفطنا المهرب وبعملاتها المحلية.

وطالب “الدباشي” بإيقاف دعم الوقود قائلا: “أوقفوا استنزاف رصيد الدولة باسمنا، وارفعوا الدعم على الوقود، فالمساواة في الظلم والتعاسة نوع من العدالة يا من تعفسون على رقابنا”.

“حسني بي”: الرفع الجزئي لسعر المحروقات لا يصلح الدعم بل يعيد إنتاج الأزمة ويزداد الفقير فقرًا

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

الرفع الجزئي لسعر المحروقات لا يصلح الدعم… بل قد يعيد إنتاج الأزمة بكلفة أعلى على الميزانية العامة مع تمويل نقدي وتضخم وارتفاع الفجوة السعرية للعملة.

وفي ضوء ما يتداول عن التوجه إلى رفع جزئي لأسعار المحروقات، أحذر من الوقوع في نصف إصلاح قد يجمع أسوأ ما في النظام الحالي مع كلفة اجتماعية إضافية على المواطن.

المشكلة في ليبيا ليست أن سعر الوقود 150 درهماً ويجب أن يصبح 500 أو 700 درهم أو 2 دينار. المشكلة أن السلعة تباع بسعر لا يزال بعيداً جداً عن تكلفتها وقيمتها الاقتصادية والتي تتخطى الآن 4.500 د.ل/ليتر، وتتخطى 1.500 د.ل لكيلوواط الكهرباء.

فإذا رفعنا السعر وبقي، مثلاً، دون 80% من التكلفة الحقيقية، فإننا لم نلغِ الحافز على التهريب أو السرقة أو الإفراط في الاستهلاك؛ بل صغّرنا الفجوة قليلاً وأبقينا أصل التشوه قائماً مع احتمالية 90% للفشل.

والأخطر أن يصاحب ذلك بديل نقدي جزئي بدلاً من كلي وآنٍ وللجميع.

عندها قد تتحمل الخزانة في الوقت نفسه:

  • استمرار، بل نمو، جزء كبير من دعم سعر السلعة.
  • مع دفع تحويلات نقدية جديدة ترهق الإنفاق العام.
  • بينما يبقى التهريب والهدر والمضاربة قائمين بسبب استمرار الفجوة السعرية الواسعة.

وهذا قد يؤدي عملياً إلى زيادة الإنفاق العام بدلاً من تخفيضه.

موقفي واضح: أنا لا أدعو إلى مجرد رفع سعر المحروقات أو لدعم سعر المادة الذي ثبت فشله على مدى خمسة عقود، بل أدعو إلى استبدال الدعم السلعي كلياً وآنياً بدعم نقدي مباشر للمواطن (ندعم المواطن بدلاً من دعم السلعة)، مع انتقال سعري منظم ومعلن وتصحيح الهدف على مدى خمس سنوات.

والفرق جوهري.

الهدف من الإصلاح ليس أن تحصل الخزانة على بضعة دنانير إضافية عن كل لتر، بل أن نحقق مجموعة أهداف اقتصادية واجتماعية في وقت واحد:

  • أولاً: حماية المواطن وإخراج شرائح من دائرة الفقر بدلاً من تحميلها مباشرة تكلفة سعر الطاقة.
  • ثانياً: إعطاء المواطن حق تحديد أولوياته بنفسه. فمن لا يحتاج إلى استهلاك كميات كبيرة من الوقود لا ينبغي أن يحصل على دعم أقل من صاحب عدة سيارات أو من يستهلك أضعافه.
  • ثالثاً: ترشيد الاستهلاك. عندما تعكس السلعة تكلفتها الاقتصادية يبدأ الفرد والمؤسسة في اتخاذ قرارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود والطاقة.
  • رابعاً: تخفيض الكميات المستهلكة والمستوردة. وهذا يعني طلباً أقل على النقد الأجنبي وتوفيراً في الدولار ودعماً مباشراً لميزان المدفوعات.
  • خامساً: خفض الإنفاق العام. فالتحويل النقدي يمكن تحديده مسبقاً بسقف معلوم، بينما دعم السلعة المفتوح يرتفع كلما ارتفع الاستهلاك أو التهريب.
  • سادساً: ضرب اقتصاد التهريب في جذره.

إذا كان المهرب يحصل اليوم على سلعة مدعومة بجزء ضئيل من قيمتها ثم يبيعها خارج البلاد بالقيمة الاقتصادية، فإن الدولة هي التي تمول هامش ربحه.

أما عندما يدفع المهرب التكلفة الحقيقية للسلعة، فإن نقل الوقود عبر الحدود لا يعود نهباً للدعم العام؛ وإذا استمرت تجارة قانونية بعد ذلك فهي تصبح تجارة عادية يمكن تنظيمها وفرض الضرائب عليها بدلاً من أن تكون استنزافاً للاقتصاد الوطني.

وبحسب تقديراتنا، فإن الهدر والتهريب وسوء ترشيد استهلاك الغاز والطاقة والمحروقات قد يتجاوز 40% من الاستهلاك ذي الصلة. وبالتالي فإن أي إصلاح لا يغير الحافز الاقتصادي وراء هذه النسبة لن يكون إصلاحاً حقيقياً.

ولهذا أقول بوضوح:

  • رفع السعر جزئياً مع استمرار معظم الدعم لن يوقف التهريب.
  • والتعويض النقدي الجزئي مع استمرار الدعم السلعي قد يرفع كلفة الدولة.
  • ورفع السعر دون تعويض كامل وعادل سيزيد الفقر ويضغط على القوة الشرائية.

هذه ليست الخيارات التي نحتاجها. نحتاج إلى استبدال حقيقي، لا ترقيع سعري.

الدولة تدفع للمواطن حقه نقداً أولاً، ثم تنتقل السلعة إلى سعرها الاقتصادي ضمن برنامج واضح، ويُلغى بذلك ريع التهريب والهدر والمضاربة.

أما أن نرفع السعر قليلاً ونبقي السلعة شديدة الدعم، ثم نضيف تعويضاً جزئياً، فإننا قد نحصل على النتيجة الأسوأ: مواطن يدفع أكثر، وخزانة تستمر في الدفع، ومهرب يستمر في الربح.

وهذا ليس إصلاحاً. إنه إعادة تسعير للفشل.

أضف آلية خطة تنفيذ واضحة تُحدَّد من خلالها قيمة التحويل النقدي على ألا تكون ثابتة، بل مرتبطة بالإنتاج وسعر برميل النفط وسعر MMBtu للغاز، حتى نعمل جميعاً لتحقيق أفضل مردود اقتصادي خاص وعام على مستوى الأسرة والمجتمع.

مصرف ليبيا المركزي يعلن عن بدء صرف مرتبات شهر أغسطس عبر منظومة “راتبك لحظي”

أعلن مصرف ليبيا المركزي اليوم الثلاثاء، عن بدء صرف مرتبات شهر أغسطس عبر منظومة “راتبك لحظي”، بعد استلامه أذونات صرف المرتبات من وزارة المالية، حيث يتم الآن تحويلها إلى المصارف التجارية لبدء تنفيذها فوراً عبر منظومة “راتبك لحظي”.

وكشف المصرف المركزي بأن عدد موظفي القطاع العام المسجلين في المشروع بلغ حتى شهر أغسطس 1.75 مليون موظف، مُقارنةً بـ 2.2 مليون موظف مُحققاً بذلك نسبة مُشاركة 79%، داعيا القطاعات التي لم تنضم بعد إلى المشروع للانضمام، لما يوفره من سهولة في حصول الموظفين على مستحقاتهم وحمايةً للمال العام.

“الشحاتي”: معضلة المحروقات في ليبيا.. كيف نصلح الدعم دون إحداث أزمة اجتماعية؟

كتب: الخبير النفطي “د.محمد الشحاتي”

يشتد الحديث هذه الأيام عن قضية دعم المحروقات في ظل بيئة متفككة إلى حد بعيد. وهناك ثلاثة فرق واضحة في هذه المسألة:

الفريق الأول يقول:

إن مسألة الدعم هي قضية اقتصادية كلية يجب أن تتم معالجتها ضمن نظام إصلاحي متكامل، مخطط له ومتدرج، يستهدف تحقيق التوازن و”أمن تزويد الطاقة” للمجتمع بكلفة مالية مقدور عليها. ويقود هذا الفريق نخبة من الأكاديميين الاقتصاديين. وهنا يستند الأكاديميون إلى المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد، بالإضافة إلى المدرسة السلوكية. فمن ناحية الاقتصاد الكلاسيكي، فإن معالجة الاستهلاك تخضع لنظام دقيق يتعلق بالمرونة السعرية ومرونة الدخل.

ومن المعروف أن الطلب على الوقود يكون منخفض المرونة السعرية، خصوصاً في الأجل القصير، كما أن دخول الأسر في الاقتصاد الليبي منخفضة نسبياً، الأمر الذي يجعل رفع سعر الوقود قادراً على التأثير في الدخل الحقيقي للمستهلك بدرجة أكبر من قدرته على خفض الاستهلاك فوراً. وهذا يعني أن أي رفع حاد لسعر الوقود قد يؤدي إلى انخفاض في “فائض المستهلك” وارتفاع في تكلفة المعيشة، من دون أن يقابله بالضرورة انخفاض متناسب في الاستهلاك.

ولذلك يركز هذا الفريق على أن المطلوب في هذه المرحلة هو تعديل السلوك الاستهلاكي بما يشجع على الإصلاحات السعرية بطريقة متدرجة، من خلال التوسع في النقل العام، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتحقيق توازن في التسعير بين أنواع المحروقات المختلفة، وتنويع مصادر الطاقة، وربما الاستعانة تدريجياً بالمصادر المتجددة حيثما كان ذلك اقتصادياً ممكناً.

الفريق الثاني يقول:

إن مسألة الدعم هي إهدار تاريخي للموارد، ويرى أن جزءاً كبيراً من الكميات المدعومة إما يذهب إلى التهريب، أو يتم هدره نتيجة الإفراط في استهلاكه باعتباره مصدراً منخفض التكلفة. ويرى أن الفارق الكبير بين السعر المحلي والسعر الحقيقي للوقود يخلق حافزاً لاستمرار هذا الهدر والتهريب، وأن استمرار هذه الفجوة إلى ما لا نهاية ليس سياسة اقتصادية مستدامة.

ولا يرى هذا الفريق مبررات كبيرة للتدرج في الإصلاح، لاعتقادهم بشيئين: الأول أن الوفر الذي سيتم تحقيقه من تغيير سعر المنتج النفطي المباع للمستهلك يجب أن يذهب إلى المواطن في صورة دعم نقدي، بما يضمن استفادة حتى من لا يستهلك الوقود مباشرة؛ والثاني أن ارتفاع سعر الوقود سيجبر المستهلك على ترشيد استهلاكه، وبذلك سيتم تخفيض الكميات المستهلكة.

الفريق الثالث يقول:

إن مسألة الدعم تتعلق أساساً بالعجز المالي الحكومي، حيث إن الإنفاق الحكومي تضاعف إلى حدود أصبح معها اقتطاع قيمة المحروقات من الميزانية الحكومية سبباً في زيادة عجز الإنفاق. وفي هذا الصدد، فإن الحكومة مطالبة بإلغاء الدعم أو تخفيضه من خلال رفع سعر الوقود، لإعادة توجيه الوفر الذي سيحصل إلى أوجه إنفاق أخرى في الإعمار والخدمات التعليمية والصحية، وهذا التوجه هو ما حصل سابقاً في عملية إلغاء الدعم على المواد التموينية.

وبينما لكل فريق قاعدة معلومات وإحصائيات منفصلة يستعملها للتدليل على صحة موقفه، فإنه يجب الوصول مجتمعياً إلى أرضية مشتركة لحل هذه المعضلة العملية. وهذه الأرضية يجب أن تُبنى على تطوير القواسم المشتركة بينها ومعالجة الاختلافات الجذرية التي تؤخر العملية الإصلاحية.

القواسم المشتركة بين الفرق الثلاثة:

  • أولاً: هناك اعتراف بين الفرق الثلاثة بالأثر السلبي للعبء المالي لدعم المحروقات على الاقتصاد الكلي، ولكن هناك خلاف في توقيت بدء تفعيل حزمة الإصلاحات للتخفيف من هذا العبء.
  • ثانياً: هناك توافق على أن “أمن تزويد الطاقة” هو شرط لأي ترتيبات إصلاحية، ضمن حدود توفير تكلفة مقدور عليها لمستهلك الطاقة، ولكن يكمن الخلاف حول مدى هذه الحدود وكيفية تحديدها.
  • ثالثاً: هناك ميل للربط بين الاستقرار السياسي والأمان الاجتماعي اللذين ينتجان عن سوق طاقة مستقر ومصادر آمنة للتزويد، ولكن هناك خلاف على قدرة السلطة السياسية على فرض الاستقرار الاجتماعي في حال إحداث أي تغييرات على آليات وتكلفة التزود بالطاقة.

نحو مواءمة نظرية بين الفرق الثلاثة

إذا كان من الممكن الاتفاق على هذه القواسم المشتركة، فإن الخطوة التالية لا ينبغي أن تكون البحث عن انتصار فريق على آخر، وإنما عن صيغة تستوعب ما هو صحيح في كل رؤية، وتستبعد ما فيها من اختزال للمشكلة. فالخلاف الحقيقي ليس حول وجود مشكلة في دعم المحروقات، وإنما حول طبيعة المشكلة وترتيب معالجتها وتوقيت الإصلاح. ومن هنا يمكن بناء صيغة مواءمة بين الفرق الثلاثة.

الفريق الثاني محق في أن الفارق الكبير بين السعر المحلي والسعر الحقيقي للوقود يخلق حوافز قوية للتهريب والإفراط في الاستهلاك، وأن استمرار هذه الفجوة إلى ما لا نهاية ليس سياسة اقتصادية مستدامة. كما أن المواطن الذي لا يستهلك كميات كبيرة من الوقود ليس من المنطقي أن يتحمل، بصورة غير مباشرة، تكلفة دعم يستفيد منه مستهلكون أكثر منه. لكن هذا الاستنتاج لا يعني بالضرورة أن رفع السعر هو نقطة البداية الوحيدة. فالسعر ليس مجرد رقم في فاتورة الوقود، بل هو إشارة اقتصادية تنتقل آثارها إلى النقل، وأسعار السلع، والخدمات، وتكلفة الإنتاج، وربما إلى المستوى العام للأسعار. ولذلك فإن افتراض أن رفع السعر سيؤدي تلقائياً وبالسرعة نفسها إلى ترشيد الاستهلاك يتجاهل سؤالاً أكثر أهمية: هل توجد في الاقتصاد الليبي البدائل التي تمكن المستهلك من الاستجابة لهذا السعر؟ فإذا لم توجد وسائل نقل عام كافية، وإذا كانت المدن الليبية مصممة أساساً حول استخدام السيارة الخاصة، وإذا كان الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقل البري، فإن رفع سعر الوقود قد يخفض بعض الاستهلاك، ولكنه قد يفعل ذلك جزئياً من خلال رفع تكلفة المعيشة والإنتاج، وليس فقط من خلال تحسين الكفاءة الاقتصادية. وهذا ما يعنيه انخفاض مرونة الطلب السعرية، خصوصاً في الأجل القصير: أن المستهلك لا يستطيع بسهولة التخلي عن السلعة أو استبدالها عندما يرتفع سعرها، فيتحمل جزءاً كبيراً من الزيادة قبل أن يستطيع تغيير سلوكه. ولذلك فإن المشكلة ليست في مبدأ رفع السعر، وإنما في توقيت الرفع وتسلسله والبدائل التي تسبقه أو ترافقه. وهنا تظهر قوة موقف الفريق الأول.

أما الفريق الثالث فهو محق أيضاً في النظر إلى المسألة من زاوية المالية العامة. فالدعم الذي يستنزف موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى الصحة والتعليم والبنية التحتية يمثل تكلفة فرصة حقيقية. ولا يمكن للاقتصاد أن يستمر في تخصيص موارد ضخمة لدعم سلعة على حساب وظائف حكومية أخرى. لكن المشكلة في جعل العجز المالي هو نقطة الانطلاق الوحيدة للإصلاح هي أن ذلك قد يحول إصلاح دعم المحروقات إلى عملية مالية قصيرة الأجل: نرفع الأسعار، نوفر أموالاً في الميزانية، ثم نعتبر أن المشكلة انتهت. والواقع أن المشكلة لن تكون قد انتهت، بل على الأرجح بدأت بشكل مختلف. فإذا لم يتغير نمط الاستهلاك، ولم تتم معالجة التهريب، ولم تتوفر بدائل للنقل، ولم يتم إصلاح شبكة توزيع الوقود، ولم تتحسن كفاءة قطاع الكهرباء والطاقة، فإن جزءاً من الوفر المالي قد يعود في صورة أعباء اقتصادية واجتماعية جديدة، وقد تضطر الدولة لاحقاً إلى تقديم دعم آخر بصورة مختلفة. لذلك فإن الوفر المالي يجب أن يكون نتيجة من نتائج الإصلاح، وليس الهدف الوحيد منه. كما أن هناك خطراً حقيقياً في أن يتحول الوفر الناتج عن رفع أسعار الوقود إلى مورد إضافي لتغطية العجز الحكومي، ما لم تُنشأ مسبقاً آليات واضحة وشفافة لتخصيص جزء منه للأهداف التي يقال للمواطن إنه سيدفع من أجلها.

نحو مواءمة عملية للااختلافات: أين تلتقي الفرق الثلاثة؟

يمكن، في تقديري، بناء تسوية عملية بينها تقوم على أربع قواعد:

  • القاعدة الأولى: أن الإصلاح مطلوب فعلاً. ليس منطقياً الدفاع عن استمرار الوضع الحالي باعتباره نظاماً دائماً. فوجود دعم كبير ومفتوح وغير مرتبط بمنظومة واضحة للكميات والأسعار والكفاءة يخلق تشوهات اقتصادية ويستنزف الموارد العامة، كما يفتح الباب أمام التهريب والهدر.
  • القاعدة الثانية: أن الإصلاح لا يعني بالضرورة الصدمة السعرية. فهناك فرق جوهري بين القول إن الدعم يجب أن يُصلح، وبين القول إن سعر الوقود يجب أن يُرفع فوراً إلى مستوى معين. الأول يمكن الاتفاق عليه، أما الثاني فهو قرار يحتاج إلى دراسة مسبقة لآثاره الاقتصادية والاجتماعية وقدرة المجتمع على استيعابه. فالهدف ليس منع السعر من الارتفاع إلى الأبد، وإنما استخدام السعر في الوقت المناسب كأداة لتغيير السلوك وتحقيق الكفاءة.
  • القاعدة الثالثة: أن أي وفر مالي يتحقق من الإصلاح يجب أن تكون له وجهة معلنة. فإذا رفعت الدولة سعر الوقود وقالت للمواطن إن الأموال التيوفرتها ستذهب إلى تحسين الصحة والتعليم والنقل والكهرباء والبنية التحتية، أو إلى التحويل النقدي المباشر، فعليها أن تكون قادرة على إثبات ذلك. وإلا فإن المواطن لن يرى في الإصلاح سوى زيادة في تكاليف حياته، بينما تختفي الأموال في بنود الإنفاق العام الأخرى. ومن هنا فإن مسألة الثقة في الحكومة باعتبارها مديراً للمال العام لا تقل أهمية عن الحسابات الاقتصادية نفسها. ولذلك فإن أي نظام لتحويل جزء من الوفر إلى المواطنين يجب أن يقوم على قاعدة بيانات دقيقة وديناميكية، ومعايير واضحة للاستحقاق، وآليات مراجعة تمنع التلاعب أو استخدام التحويلات لأغراض سياسية.
  • القاعدة الرابعة، وهي الأهم: أن الإصلاح يجب أن يكون برنامجاً متكاملاً وليس قراراً منفرداً برفع الأسعار. وهنا تحديداً تقترب الفرق الثلاثة من بعضها، ويصبح موقف الفريق الأول أكثر اتساقاً من الناحية الاقتصادية، لأنه لا ينكر مشكلة الهدر التي يطرحها الفريق الثاني، ولا يتجاهل مشكلة المالية العامة التي يطرحها الفريق الثالث، ولكنه يضع القضيتين داخل إطار إصلاحي أوسع.

الإصلاح يبدأ من الخطة لا من السعر

المطلوب ليس أن تختار الدولة بين استمرار الدعم أو إلغائه، وإنما أن تنتقل من نظام دعم مفتوح وغير منضبط إلى نظام طاقة مخطط له. وهذا يتطلب أولاً معرفة ما الذي نريد الوصول إليه. كم يجب أن يستهلك الاقتصاد الليبي من البنزين والديزل؟ وما هي الكمية اللازمة فعلاً للنقل والإنتاج؟ وما هو الجزء الذي يذهب إلى التهريب؟ وما هو الجزء الذي ينتج عن انخفاض السعر؟ وما هي تكلفة الدعم الحقيقية؟ ومن المستفيد منه؟ وما هي تكلفة البدائل؟

وهنا يجب ألا نتعامل مع “دعم المحروقات” باعتباره كتلة واحدة. فالبنزين ليس كالديزل، والديزل ليس كوقود الطائرات، والغاز المستخدم في الطهي ليس كالوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء. لكل منتج طبيعة مختلفة من حيث المستخدمون، ومرونة الطلب عليه، وتأثيره في تكاليف الإنتاج والنقل، وبالتالي يجب أن يكون الإصلاح قائماً على تفكيك منظومة الدعم إلى مكوناتها وقياس آثار إصلاح كل مكون على حدة، بدلاً من تطبيق زيادة سعرية موحدة على جميع المنتجات.

ثم تأتي بعد ذلك مسألة الأسعار. يمكن، مثلاً، أن تبدأ الدولة بإعادة هيكلة أسعار المحروقات بصورة تدريجية ومتوقعة مسبقاً، بحيث يعرف المواطن والقطاع الخاص المسار الذي ستسلكه الأسعار خلال عدة سنوات، بدلاً من أن يستيقظ السوق على قرار مفاجئ. وفي الوقت نفسه يتم العمل على توسيع النقل العام، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتشديد الرقابة على منافذ التهريب، وإعادة تنظيم توزيع المحروقات، وربط الأسعار بصورة أكثر عقلانية بين أنواع الوقود المختلفة، وتحسين كفاءة قطاع الكهرباء، ودراسة الانتقال التدريجي نحو مصادر طاقة أكثر كفاءة وأقل اعتماداً على الوقود السائل، حيثما كان ذلك اقتصادياً ممكناً. وعندها يصبح ارتفاع السعر جزءاً من عملية تغيير السلوك وليس مجرد أداة لزيادة إيرادات الدولة.

ماذا عن الدعم النقدي؟

هنا أيضاً ينبغي الحذر من تقديم الدعم النقدي باعتباره بديلاً بسيطاً لدعم المحروقات. فالدعم النقدي، نظرياً، قد يكون أكثر عدالة من الدعم السلعي إذا صُمم بصورة صحيحة، لكنه لا يحل وحده مشكلة ارتفاع تكلفة الطاقة على الاقتصاد. كما أن تحديد قيمة الدعم النقدي وآلية استحقاقه ومراجعته دورياً مسائل تحتاج إلى نظام بيانات اجتماعية ومالية قادر على الوصول إلى المستحقين فعلاً. ولذلك يمكن أن يكون الدعم النقدي أحد مكونات النظام الجديد، وليس بالضرورة مجرد إجراء مؤقت. فقد يكون من المنطقي أن تتحول الدولة تدريجياً من دعم السلعة إلى دعم الفئات المستحقة، ولكن نجاح ذلك يتوقف على وجود نظام موثوق لتحديد المستحقين، وعلى قدرة التحويلات على الحفاظ على قوتها الشرائية، وعلى وجود آلية واضحة لمراجعتها مع تغير الأسعار والدخول. فالهدف في النهاية ليس نقل الدعم من محطة الوقود إلى الحساب المصرفي للمواطن فقط، وإنما بناء سوق طاقة أكثر كفاءة مع حماية الفئات التي لا تستطيع تحمل تكلفة الانتقال.

المشكلة السياسية أهم من المشكلة الحسابية

وهنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في المسألة. الإصلاح التدريجي لا يعني الإصلاح المتردد. هناك فرق كبير بين أن تقول الدولة: “سنرفع الأسعار عندما تسمح الظروف”، وبين أن تقول: “لدينا برنامج إصلاح يمتد لعدة سنوات، وهذه أهدافه ومراحله وتكاليفه، وسننفذه وفق جدول واضح”. الأول يعني تأجيل المشكلة، أما الثاني فيعني إدارة المشكلة. ولهذا فإن نجاح أي برنامج لإصلاح دعم المحروقات في ليبيا يحتاج إلى قيادة سياسية حازمة تمتلك القدرة على تنفيذ برنامج معلن ومتدرج، وليس إلى قرار إداري منفرد برفع الأسعار. فالبرنامج يجب أن يحدد منذ البداية ما الذي سيتم إصلاحه، ومتى، وبأي ترتيب، وما الذي سيحصل عليه المواطن مقابل تحمله تكلفة الإصلاح، وكيف سيتم قياس النتائج، ومن المسؤول عن التنفيذ، وكيف سيتم استخدام الوفر المالي الناتج عن الإصلاح. والأهم أن تكون هناك قدرة سياسية على مقاومة العودة إلى النظام القديم كلما ظهرت أولى الصعوبات. فالحزم السياسي لا يعني فقط القدرة على اتخاذ قرار رفع الأسعار، وإنما يعني أيضاً القدرة على الالتزام بخطة الإصلاح، والشفافية في عرض نتائجها، ومنع استخدام الدعم أو التحويلات النقدية كأداة للمساومات السياسية.

لا نحتاج إلى اختيار فريق وهزيمة فريق

في النهاية، لا أعتقد أن الحل يكمن في أن ينتصر الفريق الأول على الثاني أو الثالث. الفريق الثاني يقدم لنا التحذير من الهدر والتهريب والتشوهات السعرية، والفريق الثالث يذكرنا بأن الدولة لا تستطيع أن تنفق مواردها بلا حدود، وأن تكلفة الدعم لها انعكاس مباشر على المالية العامة. أما الفريق الأول فيقدم الإطار الذي يمكن أن يجمع هذين البعدين داخل سياسة اقتصادية متكاملة: الإصلاح يجب أن يحدث، ولكن ضمن خطة؛ والأسعار يجب أن تتغير، ولكن بالتدرج؛ والدعم يجب أن ينخفض، ولكن مع حماية اجتماعية؛ والوفر المالي يجب أن يتحقق، ولكن مع توجيهه إلى استخدامات أكثر إنتاجية؛ والاستهلاك يجب أن ينخفض، ولكن من خلال تغيير الخيارات المتاحة للمستهلك وليس فقط فرض تكلفة أعلى عليه.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل نلغي دعم المحروقات أم لا؟ بل: كيف ننتقل من نظام دعم غير مستدام إلى نظام طاقة مستدام دون أن نحول الإصلاح الاقتصادي نفسه إلى أزمة اجتماعية؟ وهنا يصبح موقف الفريق الأول، في تقديري، هو الأقرب إلى المنطق الاقتصادي، ليس لأنه يرفض الإصلاح، وإنما لأنه يفهم أن الإصلاح الناجح ليس قراراً برفع السعر، بل عملية لإعادة تشكيل سلوك الاقتصاد والمستهلك والدولة في آن واحد.

وليست المسألة في النهاية اختياراً بين “الدعم” و”رفع الأسعار”، وإنما اختيار بين إصلاح مخطط وإصلاح ارتجالي. رفع السعر قد يكون ضرورياً، وربما لا يمكن تجنبه على المدى الطويل، لكنه لا يصبح إصلاحاً اقتصادياً لمجرد أنه خفض قيمة الدعم في الميزانية. الإصلاح الحقيقي هو الذي يجعل الاقتصاد أقل اعتماداً على الدعم، والمستهلك أكثر قدرة على الاستجابة للأسعار، والدولة أكثر كفاءة في إدارة مواردها، والفئات الأقل دخلاً أكثر حماية، وسوق الطاقة أكثر أمناً واستقراراً.

وليبيا لا تحتاج في هذه المرحلة إلى قرار مفاجئ بقدر ما تحتاج إلى خطة واضحة، وجدول زمني معلن، وقيادة سياسية حازمة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ. فالخطر الحقيقي ليس في أن يتأخر إصلاح الدعم قليلاً، وإنما في أن تبدأ الدولة الإصلاح من دون أن تعرف إلى أين تريد الوصول، فتدفع المجتمع إلى تحمل تكلفة الإصلاح قبل أن توفر له أدوات الاستجابة له. وعندها قد يتحول إصلاح دعم المحروقات من إصلاح اقتصادي ضروري إلى أزمة اقتصادية واجتماعية جديدة. أما الإصلاح التدريجي المخطط، فهو لا يعني حماية الوضع القائم، بل يعني أن نمتلك الشجاعة الكافية لتغييره دون أن نهدم معه ما تبقى من قدرة الاقتصاد والمجتمع على الاحتمال.

“منذر الشحومي”: إصلاح الدعم في ليبيا.. بين فخ الاستحالة وكلفة عدم التغيير

كتب: منذر الشحومي / الخبير المصرفي والمالي

يُنسب إلى أينشتاين قوله إن التعليم ليس تعلّم الحقائق، بل تدريب العقل على التفكير. وأجد نفسي أعود إلى هذه العبارة كلما فُتح نقاش إصلاح الدعم في ليبيا، فيتحول سريعاً إلى جردٍ لأسباب الاستحالة.

في عام 1798 كتب توماس مالتوس، أحد أبرز رواد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، أن السكان يتزايدون بمتوالية هندسية والغذاء بمتوالية حسابية، وأن المجاعة قدرٌ حسابي لا مفر منه.

وعلى هذا الأساس دعا إلى إلغاء قوانين إعانة الفقراء في بلاده تدريجياً، لأن الإعانة في حسابه تزيد المشكلة ولا تحلها. وبعد قرن وسبعين عاماً، في 1968، أعاد عالم الأحياء بول إيرليك المعادلة نفسها في كتابه “القنبلة السكانية”، وتنبأ بأن مئات الملايين سيموتون جوعاً في السبعينيات، ورأى أن الهند تسير نحو مجاعة محتومة.

ما حدث فعلاً أن المعادلة لم تُدحض بحجة مضادة، بل تحرّك أحد طرفيها. عالم زراعة اسمه نورمان بورلوغ طوّر أصنافاً قصيرة من القمح كادت تضاعف إنتاج الهند وباكستان خلال سنوات قليلة، وتحولت الهند من بلد يعيش على شحنات الغذاء إلى بلد مكتفٍ ذاتياً ثم مصدّر. الطرف الذي افترض مالتوس وإيرليك أنه ثابت هو الذي تغيّر. وحين راهن الاقتصادي جوليان سايمون إيرليك عام 1980 على أن أسعار المعادن ستنخفض خلال عقد لا ترتفع، خسر إيرليك الرهان ودفع ثمنه بشيك عام 1990.

لم يكن خطأ مالتوس وإيرليك في الحساب، بل في افتراض أن قيود اللحظة قوانين ثابتة، وأن البشر لن يغيّروا شيئاً في المعادلة. حسبوا المستقبل بأدوات الحاضر، ونسوا أن التغيير هو المتغير الوحيد المؤكد.

النقاش حول استبدال دعم المحروقات في ليبيا يعيد المنطق نفسه بثوب جديد: لا إحصاء، لا دولة رقمية، لا ثقة، لا سيولة، إذن ننتظر. وكل قيد من هذه القيود حقيقي. لكن جمعها في معادلة واحدة والخروج منها بـ “لا يمكن” ليس تحليلاً، بل هو الفخ المالتوسي نفسه: تثبيت الحاضر ثم إثبات أن المستقبل مستحيل.

والأهم أن “عدم التغيير” ليس خياراً محايداً. هو قرار، له كلفة تُدفع كل يوم: وقود يُهرَّب عبر الحدود، دعم يذهب أكثره لمن لا يحتاجه، وخزينة تنزف لتمويل الاثنين. من يرفض الإصلاح لأن الظروف غير مكتملة لا يحمي المواطن من المخاطرة، بل يختار بالنيابة عنه أن يبقى الوضع كما هو.

التجربة السعودية في “حساب المواطن” لا يُستشهد بها لتُنسخ، بل لأنها تُظهر الطريقة: بدأ البرنامج ناقصاً، عُدّلت معاييره مراراً، صُرفت تعويضات لتصحيح أخطاء الاستهداف، وصُرفت الدفعة الأولى قبل رفع الأسعار لا بعده. لم يُبنَ النظام المثالي أولاً، بل بُني النظام الممكن ثم طُوِّر أثناء التشغيل. الثقة جاءت نتيجةً للدفع المنتظم، لا شرطاً مسبقاً له.

وأخيراً، ثمة عادة تستحق المراجعة: أن يُقابَل كل مقترح تغيير يأتي من خارج تخصص الاقتصاد بالرفض لأن صاحبه “ليس اقتصادياً”. التاريخ لا يسند هذه العادة. الفخ المالتوسي لم يُكسر بنقاش اقتصادي، بل بحقل قمح لم يكن في معادلة أحد. من ينظر من خارج التخصص قد يرى متغيراً لا تراه المعادلة، ومن ينظر من داخله قد يرى، كما رأى سايمون، أن زملاءه ثبّتوا ما لا يثبت. لم يكن التخصص هو ما فرّق بين من أصاب ومن أخطأ، بل من سأل “كيف” ومن انشغل بإثبات “لماذا لا”. التخصص ضروري لتصميم التغيير وإدارة مخاطره، لا لمنح حق النقض عليه.

ذلك هو الفرق بين تعلّم الحقائق وتدريب العقل على التفكير.