“الشلوي”: الشفافية في القطاع النفطي الليبي.. حين يكون الإنصاف جزءًا من النقد
كتب: عبد المنصف الشلوي- الخبير النفطي والاقتصادي
في خضم النقاش الاقتصادي الذي تشهده ليبيا اليوم، تتصاعد وبحق الدعوات إلى مزيد من الشفافية والإفصاح عن البيانات الاقتصادية والمالية، وهي دعوات أجد نفسي متفقًا مع جوهرها؛ فالشفافية في دولة ريعية يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على مورد ناضب ليست ترفًا إداريًا أو إعلاميًا، وإنما إحدى أدوات حماية المال العام وتعزيز الثقة والمساءلة الرشيدة..
ومع احترامي الكبير لكل الآراء التي يطرحها أساتذة الاقتصاد والخبراء والمتخصصون، فإن الإنصاف يقتضي، في تقديري، التوقف عند مسألة محددة: عندما نتحدث عن غياب الإفصاح والشفافية في مؤسسات الدولة، لا ينبغي أن نضع المؤسسة الوطنية للنفط ضمن تعميم واحد دون النظر إلى ما تقوم به فعليًا من إفصاح ونشر للبيانات..
لا أقول ذلك من باب الدفاع العاطفي عن مؤسسة أنتمي مهنيًا إلى قطاعها منذ عقود، ولا باعتبار أن المؤسسة الوطنية للنفط فوق النقد أو أنها بلغت المستوى المثالي الذي لا يحتاج إلى مزيد من التطوير؛ فكل مؤسسة عامة قابلة للنقد والمراجعة، وكل منظومة إفصاح مهما تطورت يمكن تحسينها..
ولكن النقد المهني، في اعتقادي، يكتسب قوته من الإنصاف بقدر ما يكتسبها من الصراحة..
وبحكم عملي الطويل في قطاع النفط والغاز، ومتابعتي المستمرة وبشكل يكاد يكون لحظيًا لشؤون هذا القطاع وبياناته وتطوراته، أرى أن من واجبي المهني التذكير بحقيقة تستحق أن تُسجل للمؤسسة الوطنية للنفط: أنها حافظت منذ بداية عام 2026 وبصورة دورية ومنتظمة، على نشر بيانات وتقارير تتعلق بالإنتاج والإيرادات وغيرها من المؤشرات المرتبطة بنشاط القطاع، واستمرت هذه الممارسة حتى أحدث البيانات المتعلقة بالشهر المنصرم يوليو، إلى جانب إصدار توضيحات وبيانات طارئة كلما استدعت الحاجة ذلك..
الإفصاح ليس حدثًا عابرًا
الأهمية هنا ليست في تقرير واحد أو بيان استثنائي، وإنما في تحول الإفصاح إلى ممارسة دورية.
فمن يتابع ما تنشره المؤسسة الوطنية للنفط يلاحظ وجود سلسلة من البيانات والتقارير التي تتناول الإنتاج والإيرادات النفطية والمبيعات والتحويلات والميزانيات المستلمة وبعض أوجه الإنفاق والبيانات الفنية والإحصائية، إلى جانب ما يصدر من توضيحات عند ظهور تساؤلات حول بعض الأرقام أو الآليات.
وهذا التمييز مهم جدًا.
فالشفافية لا تعني فقط نشر رقم الإنتاج اليومي أو الشهري، وإنما أن تتشكل بمرور الوقت قاعدة من البيانات يستطيع من خلالها الاقتصادي والباحث والإعلامي والمواطن متابعة أداء القطاع وفهم جانب مهم من حركة المورد الأساسي للاقتصاد الوطني.
والأهم أن المؤسسة لم تحصر الإفصاح في التقارير الدورية فقط..
فعندما أثيرت خلال العام تساؤلات حول بعض الأرقام المتعلقة بالإيرادات النفطية، أو آليات التحويل، أو تسوية قيمة المحروقات، صدرت عنها توضيحات إضافية خارج الإطار الدوري المعتاد لشرح ما يحتاج إلى تفسير.
وهنا يمكن التمييز بين مستويين مهمين من الشفافية:
إفصاح دوري منتظم، وإفصاح طارئ تفسيري عند الحاجة.
وهذه، في تقديري، ظاهرة مؤسسية حميدة تستحق التشجيع..
لا نقول إن التجربة مكتملة
القول بوجود مسار واضح للإفصاح لا يعني أن المطلوب قد تحقق بالكامل.
فالطموح يجب أن يكون دائمًا نحو مزيد من التفصيل، وتوحيد منهجية التقارير الشهرية، وتطوير طريقة عرض البيانات، والمحافظة على سلاسل زمنية متجانسة تسمح بالمقارنة، وزيادة الترابط بين أرقام الإنتاج والمبيعات والصادرات والإيرادات والتحويلات والميزانيات.
كما أن تطور القطاع نفسه، وضخامة الأرقام التي يديرها، وأهمية النفط والغاز للاقتصاد الليبي، تجعل سقف التوقعات من المؤسسة الوطنية للنفط مرتفعًا بطبيعته.
لذلك فإن من حق الجميع أن يطالبها دائمًا بالمزيد.. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين أن نقول:
إن الإفصاح القائم يحتاج إلى مزيد من التطوير،
وبين أن توضع المؤسسة، ولو من دون قصد، ضمن صورة عامة توحي بغياب الإفصاح والشفافية عنها.. وهنا تحديدًا تأتي ملاحظتي.
ليس الهدف المقارنة مع أحد
ولكي تكون الفكرة واضحة، فإنني لا أعقد هنا مقارنة بين المؤسسة الوطنية للنفط وبين مصرف ليبيا المركزي أو ديوان المحاسبة أو وزارة المالية أو أي مؤسسة نقدية أو مالية أو رقابية أو تنفيذية أخرى.
ولست بصدد تقييم مستوى الإفصاح لدى أي منها؛ فلكل مؤسسة اختصاصها وطبيعة بياناتها وآليات عملها، وهناك بلا شك تقارير وبيانات مهمة تصدر عن عدد من مؤسسات الدولة ويستفيد منها الاقتصاديون والباحثون.
كما أنني لا أتابع تفاصيل تلك المؤسسات بالدرجة نفسها التي أتابع بها القطاع النفطي والغازي، ولذلك فإن الإنصاف نفسه الذي أدعو إليه يمنعني من إصدار أحكام عامة بشأنها.
حديثي هنا عن المؤسسة الوطنية للنفط وحدها، وفي حدود ما أعرفه وأتابعه وأستطيع التحقق منه.
من هذا المنطلق أرى أن سجل المؤسسة في الإفصاح خلال الفترة الماضية ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عند تناول قضية الشفافية في ليبيا.
لماذا ينبغي أن نشجع من بدأ؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في الموضوع كله.
إذا كنا نريد بالفعل ترسيخ ثقافة الإفصاح داخل الدولة الليبية، فعلينا ألا نكتفي بمطالبة المؤسسات بالشفافية، وإنما علينا أيضًا أن نشجع الممارسة عندما تبدأ ونطالب بتطويرها واستدامتها.
لأن المؤسسة العامة عندما تعلم أن نشر بياناتها سيقابل بقراءة موضوعية، وأن النقص سيُنتقد، لكن التقدم سيُسجل لها أيضًا، فإننا نخلق حافزًا مؤسسيًا للاستمرار والتطوير.
أما إذا لم نفرق في خطابنا العام بين وجود الإفصاح وغيابه، فقد نفقد دون قصد أحد أهم الحوافز اللازمة لترسيخ هذه الثقافة.
وهذا لا يعني منح أي مؤسسة حصانة من النقد.. بل العكس تمامًا.
كلما ارتفع مستوى الإفصاح، أصبحت المؤسسة أكثر قابلية للمساءلة والتحليل، وأصبح الخبراء قادرين على قراءة أدائها ومناقشة أرقامها بصورة أكثر علمية.
فالشفافية ليست شهادة حسن أداء، وإنما أداة تسمح بقياس الأداء أصلًا.
خصوصية المؤسسة الوطنية للنفط
وهناك سبب آخر يجعلني أرى أهمية خاصة لهذا المسار.
ليبيا دولة يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة جدًا على النفط والغاز، والمؤسسة الوطنية للنفط تقف في قلب عملية إدارة المورد الذي يمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية وتمويل المالية العامة.
لذلك فإن البيانات الصادرة عنها لا تهم العاملين في القطاع وحدهم، وإنما تهم المصرفي والاقتصادي والباحث والمستثمر وصانع القرار والمواطن.
وعندما تنشر المؤسسة أرقام الإنتاج والإيرادات وغيرها من البيانات، فهي لا تقدم مجرد تقرير إداري عن نشاطها، بل توفر جزءًا أساسيًا من المعلومات اللازمة لفهم الاقتصاد الليبي بأكمله.
ولهذا ينبغي أن يكون المطلوب هو البناء على تجربة الإفصاح القائمة، وليس إغفالها.
نريد المزيد من التفاصيل.
نريد سلاسل بيانات أكثر اتساقًا.
نريد أن يصبح الوصول إلى المعلومة أسهل.
ونريد أن تتطور التقارير بما يسمح للمتخصص وغير المتخصص بفهم العلاقة بين الإنتاج والمبيعات والإيرادات والميزانيات وغيرها من المؤشرات.
لكن في الوقت نفسه ينبغي أن نقول بموضوعية إن هناك مسارًا بدأ، وإن هذا المسار مستمر، وإن الواجب هو دعمه وتطويره.
النقد والإنصاف لا يتعارضان
بحكم انتمائي المهني لهذا القطاع منذ عقود، قد يكون من الطبيعي أن تكون لدي غيرة مهنية عليه، لكنها لا تعني الدفاع عنه في كل الأحوال.
فقد انتقدنا وسننتقد عندما يستوجب الأمر النقد، ونطالب بالمزيد عندما يكون المزيد ممكنًا وضروريًا.
لكن بالمنطق نفسه، عندما تقوم المؤسسة بممارسة إيجابية، فمن واجبنا المهني أيضًا أن نسجلها لها.
فالإنصاف لا يقل أهمية عن النقد.
وأعتقد أن النخب الاقتصادية والأكاديمية والإعلامية تقع عليها مسؤولية كبيرة في هذا الجانب؛ لأن الكلمة الصادرة عن خبير أو أستاذ جامعي أو متخصص لا تُقرأ باعتبارها رأيًا عابرًا، وإنما قد تسهم في تشكيل تصور الرأي العام عن المؤسسات.
ومن هنا تأتي أهمية الدقة في التفريق بين مؤسسة نطالبها بزيادة مستوى الإفصاح، ومؤسسة لا تفصح أصلًا، ومؤسسة لديها بالفعل مسار دوري للإفصاح يحتاج إلى الاستمرار والتطوير.
من ممارسة مؤسسية إلى ثقافة دولة
الغاية في النهاية ليست الدفاع عن المؤسسة الوطنية للنفط.
الغاية أكبر من ذلك.
أتمنى أن يصبح الإفصاح المنتظم ثقافة مؤسسية ليبية راسخة، وأن تكون كل ممارسة ناجحة في هذا الاتجاه حافزًا لتوسيع دائرة الشفافية، بحيث يستطيع المواطن والباحث وصانع القرار الوصول إلى المعلومة الرسمية في وقتها وبالصورة التي تمكنه من فهمها وتحليلها.
وإذا كانت المؤسسة الوطنية للنفط قد حافظت خلال هذا العام على نهج الإفصاح الدوري، وأتبعت ذلك بتوضيحات طارئة عندما استدعت الحاجة، فإن المطلوب ليس أن نقول إنها وصلت إلى نهاية الطريق.
بل أن نقول لها:
استمري… وطوّري ما بدأته.
وأن نشجع كل مؤسسة عامة على ترسيخ الإفصاح باعتباره جزءًا أصيلًا من عملها، لا استجابة مؤقتة للضغط أو الجدل.
فالشفافية الحقيقية لا تتحقق بتقرير واحد، ولا ببيان استثنائي، وإنما تتحقق عندما يصبح الإفصاح عادة مؤسسية مستمرة، والمعلومة حقًا عامًا، والرقم الرسمي هو المرجع الأول للنقاش العام.
وعندما ننتقد، علينا أن ننتقد بموضوعية.
وعندما نطالب بالمزيد، علينا أن نطالب به دون تردد.
ولكن عندما نجد ممارسة صحيحة بدأت تترسخ، فإن من الإنصاف — ومن المصلحة الوطنية أيضًا — أن نشجعها حتى تصبح نموذجًا يُحتذى، لا استثناءً يحتاج في كل مرة إلى من يذكّر بوجوده.









