Skip to main content
|

“صنع الله” يكتب: الحدود البحرية الليبية بين حماية السيادة وصون حقوق الأجيال القادمة

كتب: مصطفى صنع الله – رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط

يُعد ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية من أهم الملفات السيادية الشائكة بين الدول المتجاورة والمتشاطئة، لما يرتبط به من حقوق قانونية واقتصادية وإستراتيجية، خصوصًا في المناطق البحرية التي قد تحتوي على موارد طبيعية مهمة، وفي مقدمتها النفط والغاز، إلى جانب الإمكانات المعدنية والبيئية والاقتصادية الأخرى.

وقد أولت ليبيا هذا الملف اهتمامًا مبكرًا، خاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي، إدراكًا منها لأهمية حماية حقوقها السيادية في البحر المتوسط. وفي ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد، وما تشهده من تحديات سياسية وأمنية، تزداد الحاجة إلى إعادة تسليط الضوء على ملف الحدود البحرية، ولا سيما مع دولتي مالطا واليونان، باعتباره ملفًا لا يخص الحاضر فقط، بل يتعلق بحقوق الأجيال القادمة ومصالح الدولة الليبية العليا.

أولًا: خلفية عامة
منذ أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، ازداد الاهتمام بأعمال الاستكشاف والتنقيب عن المواد الهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط، بعد ظهور مؤشرات واكتشافات مهمة للغاز في عدد من المناطق البحرية. وقد دفع ذلك دولًا عدة في الإقليم، من بينها مصر وقبرص وإسرائيل، إلى تكثيف أنشطة الاستكشاف وإبرام اتفاقيات لترسيم أو تنظيم مناطقها البحرية، استنادًا إلى قواعد القانون الدولي للبحار ومبدأ التوصل إلى حلول منصفة بين الدول المتقابلة أو المتجاورة.

ونتيجة لهذه التطورات، تحولت منطقة شرق ووسط البحر المتوسط إلى مجال اهتمام كبير من قبل الدول والشركات العالمية العاملة في قطاع الطاقة، الأمر الذي جعل قضايا ترسيم الحدود البحرية أكثر حساسية وأهمية، خاصة للدول التي لم تُحسم حدودها البحرية بالكامل مع جيرانها.

ثانيًا: ليبيا ومالطا
شهد ملف الحدود البحرية بين ليبيا ومالطا خلافًا قديمًا حول الجرف القاري، وقد عُرض النزاع بين الدولتين على محكمة العدل الدولية، التي أصدرت حكمها في 3 يونيو 1985 بشأن ترسيم جزء من الجرف القاري بين البلدين، غير أن هذا الحكم لم يُنهِ جميع المسائل البحرية العالقة، إذ بقيت بعض المناطق محل خلاف، خاصة ما يتعلق بامتدادات الجرف القاري وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة لكل دولة. ولمن يرغب في الاطلاع على مزيد من المعلومات عن الحكم التحكيمي بإمكانه الاطلاع على كتاب أحد قامات القانون الليبي والذي كان له الدور الأكبر في كسب ليبيا للحكم التحكيمي، المرحوم الأستاذ الدكتور المرتضى عبد الرازق سليمان في كتابه “قضية الجرف القاري بين الجماهيرية العربية الليبية وجمهورية مالطا”.

وعودًا على بدء، فأبرز المناطق التي ظلت محل متابعة هي القطعة البحرية الليبية المعروفة بـ (م.ن. 146) التابعة لشركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز، في مقابل مناطق بحرية منحتها مالطا أو طرحتها للاستكشاف، من بينها المنطقتان المالطيتان رقم 5 ورقم 7.

المنطقة رقم 5
في يوليو 2001، منحت الحكومة المالطية المنطقة المصنفة لديها برقم 5 لشركة “بان كونتيننتال”، التي دخلت لاحقًا في ائتلاف مع شركة “أناداركو”. وفي 24 مايو 2005، وجّهت المؤسسة الوطنية للنفط تحذيرًا إلى الشركتين من القيام بأي نشاط استكشافي في المنطقة، باعتبار أن جزءًا كبيرًا منها يقع ضمن الجرف القاري الليبي. وقد اعتبرت المؤسسة الوطنية للنفط أن أي نشاط في تلك المنطقة يمثل مساسًا بالحقوق السيادية للدولة الليبية، وطالبت بوقف أي أعمال استكشافية، مع تحميل الشركات المسؤولية القانونية وفق القوانين الليبية وقواعد القانون الدولي.

وفي السياق نفسه، قامت السلطات المالطية سنة 2005 بمنع شركة (سي جي جي)، المتعاقدة مع المؤسسة الوطنية للنفط، من تنفيذ برنامج مسح سيزمي بحري داخل أجزاء من القطعة (م.ن. 146) التابعة لشركة سرت، كما وُجهت تحذيرات إلى شركة “نيبون” اليابانية بشأن المنطقة رقم 2، التي فازت بها ضمن جولة الإعلان العام الثانية، بحجة تداخلها مع المنطقة رقم 5 وفق المزاعم المالطية.

وفي 4 فبراير 2015، وقعت الحكومة المالطية اتفاقية مع شركة (Ratio Malta Limited)، التابعة لشركة (Ratio Oil Exploration Limited) المملوكة لشركة “ريشا لاستكشاف النفط المحدودة” الإسرائيلية، لإجراء دراسات استكشافية في المنطقة البحرية رقم 5 جنوب مالطا، وهي منطقة تقع أجزاء منها وتتداخل مع حقوق الدولة الليبية البحرية.

المنطقة رقم 7
في ديسمبر 2007، منحت الحكومة المالطية المنطقة رقم 7 لشركة (Heritage Oil)، وهي منطقة تشمل أجزاءً من الجرف القاري الليبي وتتداخل مع مساحة مهمة من القطعة (م.ن. 146) التابعة لشركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز.

وفي 27 فبراير 2008، وجهت المؤسسة الوطنية للنفط تحذيرًا إلى شركة (Heritage)، مؤكدة أن أي نشاط تقوم به في المنطقة رقم 7 يُعد انتهاكًا للحقوق السيادية الليبية. وردّت الشركة في 29 أبريل 2008 بأن على المؤسسة الوطنية للنفط مراجعة الأمر مع الحكومة المالطية، الأمر الذي دفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى إحالة الموضوع إلى الجهات الليبية المختصة آنذاك (اللجنة الشعبية للمكتب الشعبي للاتصال الخارجي).

وفي سنة 2010، أعدت شركة (Heritage) برنامجًا استكشافيًا في المنطقة رقم 7، تضمن مسحًا سيزميًا ثنائي الأبعاد وحفر بئر استكشافية، كما نُفذت خلال شهر يوليو 2011 عمليات مسح سيزمي في المنطقة.

وفي سنة 2015، منحت الحكومة المالطية شركة (TGS Nopec) حق تنفيذ أنشطة مرتبطة بالاستكشاف في المنطقة رقم 7. وقد خاطبت المؤسسة الوطنية للنفط بتاريخ 24 أغسطس 2015م الشركة محذرة إياها من القيام بأي نشاط في منطقة تعتبر جزءًا من حقوق ليبيا البحرية، مما أدى إلى تجميد النشاط والانسحاب من الاتفاقية.

ثالثًا: ليبيا واليونان
أما فيما يتعلق بدولة اليونان، فإن جوهر الخلاف يتمثل في كيفية احتساب الحدود البحرية، ومدى الأثر الذي تمنحه اليونان للجزر الواقعة جنوب جزيرة كريت في تحديد الامتدادات البحرية. فوفقًا لاتفاقية البحار والتي تحدد المسافات المتساوية بين الدول المتشاطئة، فإن هذا يعني أنه على دولة اليونان احتساب المسافة من جزيرة كريت وليس من جزر بعيدة جنوب كريت، الأمر الذي جعل دولة اليونان تنتزع ما يقارب من تسعة وثلاثين ألف كيلو متر مربع من المياه الليبية الاقتصادية وربما المياه الإقليمية الخالصة، وهي مساحة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة.

لذلك، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب قدرًا عاليًا من الحذر القانوني والفني، وعدم تركه للتقديرات السياسية المؤقتة أو التفاهمات غير المدروسة.

وفي هذا السياق، وعندما تعاقدت الحكومة اليونانية مع شركتي “توتال” و”إكسون موبيل” بشأن أنشطة استكشافية جنوب وجنوب غرب كريت، قامت المؤسسة الوطنية للنفط بمخاطبة الشركتين في 29 سبتمبر 2020، مطالبة بالتوقف عن أي أنشطة استكشافية في المناطق محل النزاع البحري، وقد استجابت شركة “توتال إنرجيز” إلى ذلك، كما أخطرت المؤسسة الوطنية للنفط الجهات السيادية الليبية المختصة (المجلس الرئاسي ووزارة الخارجية والتعاون الدولي) بفحوى مراسلات المؤسسة الوطنية للنفط.

رابعًا: أهمية الملف
إن ملف الحدود البحرية الليبية ليس ملفًا فنيًا محدودًا، بل هو ملف سيادي وقانوني وإستراتيجي يرتبط بمستقبل الدولة الليبية وحقوق الشعب الليبي في موارده الطبيعية. فالمياه البحرية لا تمثل فقط مجالًا للملاحة أو الصيد، بل قد تحتوي على احتياطات مهمة من النفط والغاز، فضلاً عن موارد بحرية واقتصادية أخرى أهمها المعادن النادرة، ويمكن أن تكون ذات أثر كبير في مستقبل الاقتصاد الوطني.

ومن هنا، فإن أي تفريط أو تهاون أو تأخير في إدارة هذا الملف قد يترتب عليه ضرر طويل المدى، لا يقتصر أثره على الجيل الحالي، بل يمتد إلى الأجيال القادمة.

التوصيات
أولًا: مراجعة جميع الخلفيات التاريخية والقانونية والفنية المتعلقة بملف الحدود البحرية مع دولتي مالطا واليونان، بما في ذلك المراسلات السابقة، والخرائط، والعقود، وأحكام المحاكم الدولية، ومواقف الشركات الأجنبية.

ثانيًا: تشكيل فريق وطني متخصص يضم المؤسسة الوطنية للنفط، ووزارة الخارجية والتعاون الدولي، والجهات الفنية والقانونية المختصة، إلى جانب مكتب محاماة دولي له خبرة مباشرة في قضايا ترسيم الحدود البحرية والنزاعات المتعلقة بالجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة.

ثالثًا: عدم الدخول في أي مفاوضات أو تفاهمات مع دولتي مالطا أو اليونان قبل إعداد ملف فني وقانوني متكامل، يستند إلى الخرائط والوثائق والحقوق التاريخية والقواعد المستقرة في القانون الدولي.

رابعًا: التعامل مع الملف باعتباره أولوية وطنية عليا، لا يجوز أن يكون محل مساومة سياسية أو تنازل مرحلي أو توظيف لخدمة مكاسب آنية لا تراعي مصالح الشعب الليبي وحقوقه السيادية.

إن حماية الحدود البحرية الليبية هي حماية للسيادة الوطنية، ولثروات البلاد، ولحقوق الأجيال القادمة.

مشاركة الخبر