Skip to main content

الوسم: المؤسسة الوطنية للنفط

“مسعود سليمان”: المؤسسة الوطنية للنفط مستمرة في إمداد محطات الكهرباء بالوقود بشكل طبيعي

أكد رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان” حرص المؤسسة على تعزيز التعاون والتنسيق الكامل مع الشركة العامة للكهرباء، بما يضمن تأمين احتياجات محطات التوليد من الوقود والغاز بصورة منتظمة ومستدامة، دعماً لاستقرار الشبكة الكهربائية في مختلف مناطق البلاد.

وأوضح “مسعود سليمان” بأن المؤسسة الوطنية للنفط مستمرة في تنفيذ عمليات الإمداد بشكل طبيعي ودون أي نقص، وأنها على أتم الاستعداد لزيادة معدلات الإمداد وفق احتياجات وطلبات الشركة العامة للكهرباء، بما يسهم في استقرار الشبكة الكهربائية وتقديم أفضل الخدمات للمواطنين.

“الدبيبة” يستدعي رئيسيْ مجلسيْ مؤسسة النفط وشركة الكهرباء لاجتماع طارئ بشأن أزمة الوقود

وجه رئيس مجلس الوزراء بحكومة الوحدة الوطنية “عبدالحميد الدبيبة” تعليمات عاجلة باستدعاء رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان”، ورئيس مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء “محمد المشاي”، لحضور اجتماع طارئ وهام بمقر ديوان مجلس الوزراء.

وحدد ديوان مجلس الوزراء موعد الاجتماع الطارئ يوم غدٍ الأحد، لمناقشة تزويدات الوقود وتشغيل محطات إنتاج الطاقة الكهربائية خلال فصل الصيف الحالي، وذلك بناءً على الكتاب المحال من المدير العام لشركة الكهرباء والمتعلق بالمطالبة العاجلة بتوفير احتياجات محطات الإنتاج من الوقود اللازم لتفادي تراجع التوليد.

“الشلوي”: البوري يكتب مرحلة جديدة للطاقة في ليبيا.. مليتة والمؤسسة الوطنية للنفط تقودان التحول نحو “صفر حرق للغاز”

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في خطوة تُعد من أهم التحولات الفنية والبيئية التي يشهدها قطاع النفط والغاز الليبي خلال السنوات الأخيرة، تواصل شركة مليتة للنفط والغاز، بالشراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط، تنفيذ مشروع استغلال غاز حقل البوري البحري، ضمن رؤية استراتيجية تتجاوز البعد الإنتاجي التقليدي نحو ترسيخ مفهوم الاستدامة وتقليل الانبعاثات المصاحبة لعمليات الإنتاج النفطي.

ولا يمثل إعلان شركة سايبم الإيطالية عن استكمال وتركيب وحدة استخلاص ومعالجة الغاز في حقل البوري مجرد إنجاز هندسي أو عملية رفع بحرية معقدة، بل يعكس تحولاً نوعياً في فلسفة إدارة الثروات الهيدروكربونية في ليبيا، خاصة فيما يتعلق بالغاز المصاحب الذي ظل لعقود يُهدر عبر عمليات الحرق التقليدية.

إن استرجاع الغاز المصاحب ونقله إلى مجمع مليتة للاستفادة منه محلياً أو توجيهه للتصدير، يمثل خطوة اقتصادية ذات أبعاد استراتيجية؛ فالعالم اليوم لم يعد يقيس نجاح الدول النفطية فقط بحجم إنتاجها، بل بمدى قدرتها على تقليل الانبعاثات الكربونية وتحويل الفاقد إلى قيمة مضافة.

ومن هذا المنطلق، فإن مشروع البوري يُعد عملياً أحد المشاريع الليبية القريبة من فلسفة صفر حرق للغاز، أو الوصول إلى الحد الأدنى من الانبعاثات، وهو المفهوم الذي أصبح محوراً رئيسياً في سياسات الطاقة العالمية الحديثة، خاصة في ظل التحولات المناخية والالتزامات البيئية الدولية.

ولعل ما يبعث على التفاؤل أن المؤسسة الوطنية للنفط وشركة مليتة باتتا تتحركان بخطوات أكثر وضوحاً نحو هذا المسار، ليس فقط من خلال تطوير البنية التحتية البحرية، بل عبر تبني مشاريع تعزز كفاءة استغلال الموارد وتقليل الانبعاثات وتحقيق الاستفادة القصوى من الغاز المصاحب.

لقد أصبح واضحاً أن ليبيا تمتلك الإمكانيات الفنية والاحتياطيات التي تؤهلها لأن تكون لاعباً مهماً في سوق الغاز الإقليمي والمتوسطي، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تطوير المشاريع التي تواكب المعايير البيئية العالمية وتمنح الاقتصاد الليبي قيمة مضافة مستدامة.

وبصفتي ممن تشرفوا سابقاً برئاسة أول لجنة لمبادرة 2030 المعنية بالوصول إلى صفر انبعاثات في القطاع النفطي الليبي، إلى جانب نخبة من خبراء النفط والطاقة، أرى أن ما يحدث اليوم في مشروع البوري يؤكد أن الرؤية التي طُرحت منذ سنوات لم تعد مجرد طموح نظري، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى واقع ميداني ملموس داخل القطاع.

إن نجاح هذا النوع من المشاريع لا يُحسب فقط كشهادة تقنية للشركات المنفذة، بل يُسجل كمكسب وطني للمؤسسة الوطنية للنفط ولكل الكفاءات الليبية التي آمنت مبكراً بأن مستقبل الصناعة النفطية لن يكون بالإنتاج وحده، وإنما بالإنتاج المسؤول والمستدام.

إن مشروع البوري اليوم ليس مجرد منصة بحرية جديدة، بل رسالة واضحة بأن ليبيا قادرة على دخول مرحلة جديدة من إدارة الطاقة، مرحلة يكون فيها الغاز المحروق بالأمس مورداً اقتصادياً واعداً يدعم التنمية ويعزز مكانة البلاد ضمن منظومة الطاقة المستدامة إقليمياً ودولياً.

“الوطنية للنفط”: إجمالي الإيرادات المحصلة والمحالة للمصرف الخارجي خلال شهر مايو الماضي بلغت قرابة 4 مليارات دولار

كشفت المؤسسة الوطنية للنفط، في بيان لها، عن إجمالي الإيرادات النفطية المحصلة والمحالة للحساب السيادي بالمصرف الليبي الخارجي خلال شهر مايو 2026، والذي أظهر أن إجمالي الإيرادات النفطية الشهر الماضي ناهز 4 مليارات دولار.

وأوضحت المؤسسة أن إجمالي المبلغ المحول للحساب السيادي بلغ 3 مليارات و406 ملايين دولار، إضافة إلى شحنات تأخر تحصيلها بسبب عطلة عيد الأضحى بقيمة تجاوزت 354 مليون دولار، وإتاوات وضرائب عقود الامتياز بقيمة مليار و252 مليون دينار.

وأشارت المؤسسة إلى أنه وفقا للاتفاقات المبرمة يتم استقطاع قيمة اعتمادات توريد المحروقات عبر المصرف الليبي الخارجي، على أن يحال الرصيد المتبقي إلى مصرف ليبيا المركزي، كاشفة بأن قيمة شحنات المحروقات خلال شهر مايو تجاوزت المليار دولار.

“مسعود سليمان”: هناك زيادة “دراماتيكية” في الطلب وتوزيع البنزين بطرابلس قفز لـ11 مليون لتر يوم “الوقفة”

أكد رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان” استمرار إمدادات الوقود وتوفره بشكل كامل، مشيراً إلى أن عمليات التوزيع تواجه أحياناً بعض العوائق اللوجستية المرتبطة بطول سلسلة العمل بين موانئ الشحن والتفريغ.

​وكشف “سليمان” عن تسجيل معدلات توزيع “غير مسبوقة” في طرابلس خلال فترة عيد الأضحى؛ حيث تم ضخ حوالي 11 مليون لتر من البنزين في يوم “الوقفة” وحده، مقارنة بنحو 5 ملايين لتر فقط خلال المواسم في السنوات السابقة.

وأوضح رئيس المؤسسة أن معدلات التوزيع استمرت عند مستويات قياسية في الأيام التالية للعيد، متراوحة بين 9 ملايين و9.5 مليون لتر يومياً، في حين أن المعدل المعتاد للاستهلاك لا يتجاوز 6.5 مليون لتر.

وأشار “سليمان” إلى أن الكميات الموردة خلال شهر مايو 2026 تجاوزت الكميات الموردة في الشهر ذاته من العام الماضي 2025 بفارق “ناقلة كاملة”، مؤكداً وجود قفزة وزيادة “دراماتيكية” في حجم الطلب على الوقود.

“قادربوه” يبحث مع رئيس مؤسسة النفط ملف المحروقات المستعجل وآليات تمويل القطاع

بحث رئيس هيئة الرقابة الإدارية “عبدالله قادربوه” خلال اجتماع موسع مع رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان”، ملف المحروقات المستعجل، وآليات تمويل القطاع، وتحديات استدامة الإمدادات النفطية.

وكشف الاجتماع عن أرقام ضخمة لإنفاق واستهلاك الوقود؛ إذ بلغت مخصصات توفير المحروقات ملياراً و100 مليون و800 ألف دولار شهرياً (نحو 12 مليار دولار سنوياً). وسجلت مستويات استهلاك البنزين اليومي ما بين 6 إلى 8 ملايين لتر، وصلت في ذروتها إلى 11 مليون لتر، وسط قفزة غير مبررة في كميات التوزيع المخصصة لمدينة طرابلس من 5 ملايين لتر إلى نحو 9 ملايين لتر يومياً.

واتفق الجانبان على حزمة من الإجراءات التنفيذية لمعالجة مظاهر الاستهلاك غير المبرر وتجفيف منابع التهريب، من بينها حظر استئجار محطات الوقود بشكل كامل، ومراجعة تراخيصها للتأكد من سلامة إجراءاتها، والاتفاق على تشكيل لجنة مختصة لضبط منظومة التوزيع ومكافحة تهريب الوقود، اضافة إلى إلزام شركات النفط بتحديد الاحتياجات الفعلية للمحطات بناءً على الكثافة السكانية وحركة الطرق.

كما ناقش “قادربوه” مع رئيس مؤسسة النفط ضعف الإنفاق الفعلي المخصص للمؤسسة مقارنة باحتياجاتها، بالإضافة إلى الأعباء اللوجستية المترتبة على نقل المحروقات بالشاحنات نتيجة نقص السعات التخزينية والخزانات، وتحديات الصيانة والتفريغ بمينائي طرابلس والشعاب، مؤكدا تقديم الدعم الكامل للمؤسسة لتجاوز الإشكاليات القانونية، وتوفير التمويل اللازم لتحقيق قفزة في معدلات الإنتاج النفطي واستقرار الإمدادات.

“الشلوي”: مصفاة رأس لانوف بين خيار التصدير الخام والتكرير المحلي.. قراءة اقتصادية نفطية موضوعية لصنّاع القرار في ليبيا

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

تشهد ليبيا في المرحلة الراهنة عودة أحد أهم الأصول النفطية الاستراتيجية إلى دائرة العمل الوطني الكامل، والمتمثلة في مصفاة ومجمع رأس لانوف الصناعي، بعد سنوات طويلة من التوقف والتحديات الفنية والأمنية والتشغيلية. ومع الإعلان عن عودة المصفاة إلى حضن المؤسسة الوطنية للنفط والإدارة السيادية الكاملة، عاد إلى الواجهة سؤال اقتصادي وفني بالغ الأهمية، يتكرر كثيراً في الأوساط النفطية والاقتصادية وصنع القرار:

هل من الأفضل اقتصادياً لليبيا تشغيل مصفاة رأس لانوف وتكرير النفط محلياً، أم أن تصدير الخام مباشرة سيكون أكثر جدوى وربحية للدولة؟

الإجابة العلمية على هذا السؤال ليست بسيطة أو أحادية الاتجاه، بل تعتمد على مجموعة معقدة من المتغيرات الفنية والاقتصادية والمالية والاستراتيجية، فضلاً عن طبيعة المصفاة نفسها، وتركيبة المنتجات، ومستقبل أسعار النفط، وسياسات الدعم المحلي، ونمو الطلب الداخلي على الطاقة.

ومن هنا، فإن المقاربة الموضوعية تقتضي دراسة السيناريوهين معاً، بعيداً عن الانطباعات أو القناعات الشخصية، ومن منظور يخدم المصلحة الوطنية الليبية على المدى القصير والمتوسط والطويل.

أولاً: الخصائص الفنية والاقتصادية لمصفاة رأس لانوف
مصفاة رأس لانوف ليست مجرد وحدة تكرير تقليدية، بل هي جزء من مجمع صناعي متكامل يرتبط بالصناعات البتروكيميائية وإنتاج المشتقات الوسيطة والثقيلة، وقد صُممت تقنياً لتغذية عدد من الأنشطة الصناعية اللاحقة، وليس فقط لإنتاج الوقود المحلي.

وتتبوأ الطاقة التصميمية المستهدفة للتكرير نحو 220 ألف برميل يومياً، وهي كمية كبيرة نسبياً قياساً بحجم السوق المحلي الليبي، كما أن جزءاً مهماً من مخرجاتها، وخاصة الديزل، سيكون موجهاً إلى مسارين:

السوق المحلي لتغطية الطلب المتزايد على المحروقات.

الصناعات البتروكيميائية والمجمعات الصناعية المرتبطة بالمصفاة.

وهذا يعني أن تقييم جدوى تشغيل المصفاة لا يمكن أن يُبنى فقط على هامش الربح المباشر من بيع الوقود، بل يجب أن يشمل أيضاً القيمة المضافة الصناعية، وتقليل الواردات، وتأمين الإمدادات، والأثر الاقتصادي غير المباشر.

ثانياً: السيناريو الأول — استمرار توقف المصفاة وتصدير الخام
في هذا السيناريو، يتم تصدير كامل كمية الـ 220 ألف برميل يومياً كنفط خام دون تكرير محلي.

وبحسب بعض التقديرات المبنية على توقعات المؤسسات الدولية، ومنها توقعات “غولدمان ساكس” (Goldman Sachs) لأسعار النفط خلال عام 2026، والتي ترجح وصول سعر البرميل إلى حدود 90 دولاراً، فإن التدفقات النقدية النفطية الليبية قد تصل إلى حوالي:

31 مليار دولار كتدفقات نقدية إجمالية (Cash Flow) بعد خصم حصة الشركاء وبعض عمليات التكرير المحلية القائمة.

لكن في ظل توقف مصفاة رأس لانوف، ستضطر الدولة إلى الاستمرار في استيراد كميات كبيرة من المحروقات، وخاصة الديزل، لتغطية الطلب المحلي المتزايد. وعليه، وبعد خصم فاتورة استيراد الوقود، ينخفض صافي الدخل النفطي إلى حوالي:

23 مليار دولار خلال 2026.

أي ما يعادل تقريباً 151 مليار دينار ليبي وفق سعر الصرف المستخدم في التقديرات.

غير أن الصورة المستقبلية تبدو أكثر حساسية عند النظر إلى عام 2030، حيث تشير بعض التقديرات الاقتصادية الدولية، ومنها توقعات “أكسفورد إيكونوميكس” (Oxford Economics)، إلى احتمال انخفاض أسعار النفط عالمياً نتيجة التحول التدريجي في أسواق الطاقة وزيادة الضغوط على الوقود الأحفوري. وفي هذه الحالة قد ينخفض:

التدفق النقدي إلى حوالي 25 مليار دولار.

وصافي الدخل إلى نحو 19 مليار دولار.

بما يعادل قرابة 93 مليار دينار ليبي فقط.

وهنا تظهر نقطة محورية شديدة الأهمية: الاعتماد الكامل على تصدير الخام يجعل الاقتصاد الليبي أكثر عرضة لتقلبات السوق العالمية وأسعار النفط، دون وجود قيمة مضافة صناعية محلية حقيقية.

ثالثاً: السيناريو الثاني — تشغيل مصفاة رأس لانوف
في هذا السيناريو، يتم سحب 220 ألف برميل يومياً من الطاقة التصديرية الخام، وتوجيهها إلى عمليات التكرير داخل ليبيا.

ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك نظرياً إلى انخفاض حجم الصادرات الخام، لكن بالمقابل ستنتج المصفاة:

الديزل.

الكيروسين.

غاز البترول المسال.

بعض المنتجات الثقيلة.

مدخلات للصناعات البتروكيميائية.

جزء من هذه المنتجات سيغطي السوق المحلي، بينما يمكن تصدير جزء آخر أو استخدامه في صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة أعلى.

ووفق بعض التقديرات الاقتصادية، فإن العائد المتوقع في هذا السيناريو قد يصل خلال عام 2026 إلى حوالي:

152 مليار دينار ليبي.

وهو رقم قريب من سيناريو التصدير الخام، مما يعني أن الفارق النقدي المباشر ليس حاسماً في المدى القصير.

لكن بحلول عام 2030، ومع تغيرات السوق النفطية العالمية، قد ينخفض العائد إلى نحو:

82 مليار دينار ليبي.

وهنا تبدأ التحديات الحقيقية في الظهور؛ لأن تشغيل المصفاة بحد ذاته لا يضمن تلقائياً تحقيق أعلى عائد اقتصادي، خاصة إذا استمرت سياسات الدعم الحالية واستهلاك الطاقة غير المنضبط.

رابعاً: العامل الحاسم — سياسة الدعم واستهلاك الطاقة
أحد أهم التحديات الاقتصادية في ليبيا لا يتعلق فقط بالإنتاج أو التكرير، بل بنمط الاستهلاك المحلي للطاقة. فليبيا تُعد من الدول ذات الكثافة العالية جداً في استهلاك المحروقات مقارنة بحجم الاقتصاد وعدد السكان، ويرجع ذلك إلى:

الدعم الواسع للمحروقات.

انخفاض الأسعار المحلية بشكل كبير.

التهريب.

ضعف كفاءة الاستهلاك.

غياب سياسات ترشيد الطاقة.

وتشير العديد من الدراسات الاقتصادية إلى وجود علاقة قوية بين النمو الاقتصادي واستهلاك الطاقة، تصل في بعض التقديرات إلى نحو 64%، مما يعني أن أي نمو اقتصادي غير منضبط قد يقود إلى تضخم كبير في الطلب المحلي على الوقود.

وهنا تبرز إشكالية خطيرة: كلما توسع الاستهلاك المحلي المدعوم، زادت كميات النفط التي تُسحب من التصدير لصالح السوق الداخلي، وبالتالي ينخفض الدخل النقدي للدولة.

خامساً: هل التكرير أفضل أم التصدير الخام؟
علمياً واقتصادياً، لا يمكن القول بشكل مطلق إن أحد الخيارين أفضل دائماً من الآخر؛ فالنتيجة تعتمد على مجموعة من الشروط المصاحبة.

يكون تشغيل المصفاة أكثر جدوى عندما:

يتم تقليل فاتورة استيراد الوقود.

تُربط المصفاة بصناعات بتروكيميائية ذات قيمة مضافة.

تتحسن كفاءة التشغيل الفنية.

يتم إصلاح سياسات الدعم تدريجياً.

تُرفع الطاقة الإنتاجية الإجمالية للنفط الليبي.

تُدار المصفاة بمعايير تجارية واقتصادية عالية.

بينما يصبح تصدير الخام أكثر ربحية عندما:

تكون أسعار النفط مرتفعة جداً.

تكون هوامش التكرير العالمية ضعيفة.

ترتفع تكاليف التشغيل والصيانة محلياً.

تكون كفاءة المصفاة منخفضة.

يستمر الاستهلاك المحلي المدعوم بالنمو دون ضوابط.

سادساً: البعد الاستراتيجي الوطني
بعيداً عن الحسابات المالية المباشرة، هناك بعد استراتيجي لا يمكن تجاهله. فامتلاك ليبيا لقدرات تكرير وصناعات تحويلية محلية يمثل عنصراً مهماً في:

الأمن الطاقوي الوطني.

تقليل الاعتماد على الاستيراد.

خلق فرص عمل صناعية.

دعم التنمية الإقليمية.

توطين الصناعات النفطية.

بناء سلاسل قيمة محلية.

لكن في المقابل، فإن نجاح هذا المسار يتطلب إدارة اقتصادية دقيقة؛ لأن التكرير المحلي دون إصلاحات اقتصادية موازية قد يتحول إلى عبء مالي بدلاً من أن يكون مصدر قيمة مضافة.

الخلاصة
الحقيقة الاقتصادية والفنية بشأن مصفاة رأس لانوف ليست أبيض أو أسود، بل تقع في منطقة وسطى معقدة تتداخل فيها اعتبارات السوق والطاقة والسياسات العامة.

تشغيل المصفاة قد يمنح ليبيا قيمة صناعية واستراتيجية كبيرة، لكنه ليس ضمانة تلقائية لتعظيم الإيرادات النقدية، خاصة في ظل الدعم المرتفع والنمو المتسارع لاستهلاك الطاقة. وفي المقابل، فإن الاعتماد الكامل على تصدير الخام قد يوفر تدفقات نقدية أعلى في بعض الفترات، لكنه يبقي الاقتصاد الليبي رهينة لتقلبات الأسواق النفطية العالمية دون تنويع حقيقي للقيمة المضافة.

وعليه، فإن الخيار الأكثر توازناً ربما لا يكمن في المفاضلة بين التصدير أو التكرير، بل في الجمع الذكي بينهما عبر:

رفع الإنتاج النفطي الإجمالي،

وتحسين كفاءة التكرير،

وربط الصناعات البتروكيميائية،

وإصلاح سياسات الدعم تدريجياً،

والتحكم في نمو الاستهلاك المحلي للطاقة.

ففي النهاية، القضية ليست فقط كم ننتج من النفط، بل كيف ندير كل برميل بما يخدم مستقبل ليبيا الاقتصادي واستقرارها الوطني على المدى الطويل.

“الشلوي”: طوابير الوقود في ليبيا.. بين وفرة الموارد واختلال منظومة الدعم والتوزيع

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

خلال زيارتي لمدينتي درنة لقضاء إجازة عيد الأضحى المبارك رفقة الوالد، كان السؤال الأكثر حضوراً في لقاءاتي مع الأقارب والأصدقاء والمعارف يتعلق بأزمة الوقود وطوابير السيارات الممتدة أمام محطات التوزيع في مختلف المدن الليبية.

ولأن الجميع يعلم أنني أعمل في قطاع النفط والغاز، فقد تكرر السؤال بصيغ مختلفة، لكن مضمونه واحد: كيف تعاني دولة تنتج أكثر من مليون ونصف برميل نفط يومياً من طوابير البنزين والديزل؟

وقد زادت قناعتي بأهمية الحديث في هذا الموضوع عندما قدت سيارتي بنفسي من منطقة البريقة إلى درنة عبر الطريق البري، وشاهدت بعيني الازدحام الكبير أمام محطات الوقود في عدد من المدن والقرى التي مررت بها.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بكل وضوح وموضوعية، أنني لم أتساءل لماذا توجد طوابير، لأنني أعلم يقيناً أن المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط تبذلان جهوداً تشغيلية كبيرة ومقدّرة لضمان استمرار الإمدادات، رغم الظروف الدولية والإقليمية المعقدة، وما تشهده أسواق الطاقة وسلاسل التوريد من اضطرابات مرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية وتقلبات النقل والشحن والتكرير عالمياً.

لكن في المقابل، فإن الواقع لا يمكن تجاهله أيضاً: هناك شح وازدحام متكرر في محطات الوقود على مستوى ليبيا، وهذه الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بتأخر ناقلة أو زيادة موسمية في الاستهلاك، بل أصبحت تعكس خللاً هيكلياً أعمق في منظومة الدعم والتوزيع والرقابة.

المشكلة ليست فقط في التوريد
من المهم توضيح نقطة جوهرية يغفل عنها كثيرون.

اليوم تصل شحنات البنزين والديزل إلى الموانئ الليبية بشكل منتظم نسبياً، والمؤسسة الوطنية للنفط أعلنت مؤخراً عن رسو ناقلات في موانئ طرابلس وبنغازي ومصراتة والزاوية وطبرق محملة بكميات كبيرة من البنزين والديزل، بالتزامن مع تشغيل عدد من المحطات على مدار 24 ساعة للمساهمة في تخفيف الأزمة.

إذن، الإشكالية الحقيقية لا تبدأ عند وصول الوقود إلى الموانئ أو المستودعات، بل تبدأ بعد خروج هذه الشحنات من المستودعات ودخولها في مراحل النقل والتوزيع والتداول. وهنا تظهر بوضوح أزمة التهريب والتسرب غير المشروع للمحروقات، والتي أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه منظومة توزيع الوقود في ليبيا.

التهريب يستنزف الدعم ويخلق السوق الموازية
الدولة الليبية تنفق مليارات الدولارات سنوياً لتوفير الوقود بأسعار مدعومة للمواطن، لكن جزءاً معتبراً من هذه الكميات لا يصل فعلياً إلى مستحقيه. فالفارق الكبير بين الأسعار المحلية المدعومة وأسعار الوقود في دول الجوار خلق بيئة خصبة للتهريب والاتجار غير المشروع، سواء عبر المنافذ البرية أو البحرية أو عبر الصحراء.

ولهذا فإن أي جهود لتحسين الإمدادات أو زيادة الكميات ستظل تحت الضغط ما لم تتم معالجة ظاهرة التهريب بصورة حازمة وفعالة.

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن نجاح منظومة التزويد لا يُقاس فقط بوصول الشحنات إلى الموانئ والمستودعات، بل بوصول كل لتر وقود إلى المواطن داخل المسار القانوني المخصص له. فكل لتر يتسرب خارج هذا المسار يمثل استنزافاً مباشراً للدعم، ويؤثر بشكل مباشر على توفر الوقود داخل السوق المحلي، ويزيد من الضغط على المحطات ومنظومة التوزيع.

ومن المعروف أن شركة البريقة تتولى استلام المحروقات وتخزينها وتوزيعها وفق الخطط التشغيلية المعتمدة، لكن الجزء الأكبر من تحديات التهريب والتسرب يظهر بعد خروج الوقود من المستودعات، وهو ما يتطلب رقابة أمنية وميدانية صارمة ومستمرة حتى وصول الوقود إلى المستهلك النهائي.

زيادة الإمدادات وحدها ليست حلاً دائماً
قد تختفي الطوابير أحياناً مع وصول شحنات جديدة أو مع اتخاذ إجراءات مؤقتة، لكنها ستعود مرة أخرى ما دامت جذور المشكلة ما زالت قائمة. لأن ضخ كميات إضافية في منظومة غير محكمة يعني ببساطة أن جزءاً من هذه الكميات سيذهب مجدداً إلى السوق السوداء أو التهريب. ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة التوريدات، بل في إصلاح المنظومة بالكامل.

رفع الدعم النقدي أصبح ضرورة اقتصادية
قد يختلف البعض حول هذه النقطة، لكنها من الناحية الاقتصادية أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها طويلاً. إن استمرار الدعم السلعي المفتوح للبنزين والديزل بصورته الحالية يعني استمرار النزيف المالي، واستمرار التهريب، واستمرار الهدر.

والحل الأكثر واقعية وعدالة يتمثل في التحول التدريجي إلى الدعم النقدي المباشر، وفق قانون واضح يصدر عن السلطة التشريعية، يطمئن المواطن إلى استمرارية الدعم ويحافظ على قدرته الشرائية، بدلاً من أن يذهب الجزء الأكبر من الدعم إلى المهربين والسوق الموازية.

الدعم يجب أن يذهب للمواطن، لا للمهرب. لكن نجاح هذه الخطوة يتطلب تنفيذها بصورة مدروسة وعادلة، مع توفير قاعدة بيانات دقيقة، وآليات رقابية فعالة، وضمانات اجتماعية تحمي أصحاب الدخل المحدود.

البطاقة الذكية ضرورة لتنظيم الاستهلاك
منظومة توزيع الوقود في ليبيا تحتاج إلى تحول رقمي كامل. إن استخدام البطاقة الذكية أو أي منظومة إلكترونية مشابهة أصبح ضرورة وطنية لضبط الاستهلاك، ومراقبة حركة الوقود، والحد من التسرب، وتوجيه الدعم لمستحقيه الحقيقيين. هذه المنظومات أثبتت نجاحها في عدد من الدول من خلال تقليل الفاقد، وتحسين الرقابة، ومنع التلاعب.

لكن يجب التأكيد أن البطاقة الذكية وحدها ليست عصاً سحرية، بل جزء من حزمة إصلاحات متكاملة تشمل:
تشديد الرقابة الأمنية على حركة الوقود.
تتبع الصهاريج إلكترونياً.
ربط المحطات بمنظومات مراقبة مركزية.
مكافحة السوق السوداء.
تفعيل العقوبات الرادعة بحق المتورطين في التهريب.
بناء قاعدة بيانات دقيقة للاستهلاك الحقيقي.

ليبيا بحاجة إلى مخزون استراتيجي حقيقي
من غير المنطقي أن يبقى استقرار سوق الوقود في دولة نفطية مرهوناً بوصول ناقلة من البحر أو تأخرها بسبب الأحوال الجوية أو ظروف السوق العالمية. أي دولة تحترم أمنها الطاقوي تحتفظ بمخزون استراتيجي يغطي احتياجاتها لعدة أشهر على الأقل.

ولهذا فإن بناء مخزون استراتيجي للمحروقات والمحافظة عليه يجب أن يكون أولوية سيادية، تشرف عليها المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة والأجهزة الرقابية المختصة.

الحل الجذري يبدأ من التكرير المحلي
أما على المدى المتوسط والبعيد، فإن الحل الحقيقي يكمن في تقليل الاعتماد على استيراد البنزين أصلاً. وهنا تبرز أهمية الإسراع في تنفيذ مشاريع تطوير المصافي، وعلى رأسها:
مشروع تطوير مصفاة الزاوية لتحويل النافتا إلى بنزين سيارات.
الاستفادة من المكثفات المنتجة في مليتة وغيرها لإنتاج البنزين محلياً.
تطوير مصفاة رأس لانوف للاستفادة من النافتا الفائضة عن احتياجات مصنع الإيثيلين وتحويلها إلى بنزين سيارات.

فلا يعقل أن يبقى مصير دولة كاملة معلقاً بوصول سفينة وقود من الخارج، في حين أنها تمتلك هذه الثروة النفطية الضخمة والإمكانات الفنية والبشرية القادرة على تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

الخلاصة
بكل إنصاف، لا يمكن تحميل مسؤولية أزمة الطوابير لجهة واحدة فقط، كما لا يمكن اختزال المشكلة في نقص الإمدادات وحده. لدينا منظومة دعم تستنزف الميزانية، وشبكات تهريب تستفيد من فارق الأسعار، وضعف في الرقابة بعد مرحلة التوزيع، واعتماد مفرط على الاستيراد، وغياب لمنظومة استهلاك ذكية ومنظمة.

وقد تقل الطوابير أحياناً وتختفي مؤقتاً، لكنها ستعود مرة ومرتين وربما أكثر، ما لم تُتخذ قرارات جذرية وشجاعة تعالج أصل الأزمة لا أعراضها فقط.

ليبيا لا تعاني من نقص الموارد، بل من الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة، ورؤية اقتصادية واضحة، وإرادة حقيقية لحماية المال العام وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة عادلة ومنظمة ومستدامة.

“شكشك وسليمان” يبحثان أزمة ميزانية قطاع النفط وآليات تسوية الالتزامات المالية للمؤسسة

ناقش رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك” خلال اجتماعه اليوم الأحد مع رئيسَ المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان”، جملة من الملفات الحيوية والمالية المرتبطة بقطاع الطاقة، وعلى رأسها أزمة ميزانية قطاع النفط وآليات تسوية الالتزامات المالية للمؤسسة.

وتم خلال الاجتماع استعراض تداعيات تأخر تسييل مخصصات ميزانية قطاع النفط وأثرها المباشر على استقرار عمليات الإنتاج والتشغيل، حيث شدد “شكشك وسليمان” على ضرورة الإسراع في تسييل الأموال بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لضمان استمرارية خطط زيادة معدلات الإنتاج والمحافظة على استقرار المنشآت، كما تناول الاجتماع مراجعة التراكم الملحوظ في حجم الالتزامات المالية القائمة على مؤسسة النفط والشركات التابعة لها، والاتفاق على وضع آلية لمراجعتها وتسويتها، بما يضمن الوفاء بالتعهدات التعاقدية والتشغيلية ويسهم في رفع كفاءة الأداء المالي للقطاع.

وبحث رئيس الديوان مع رئيس المؤسسة كذلك سير العمل في المشروعات الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها مشروعات حقليْ “الظهرة والغاني”، مطلعين على نسب الإنجاز والتحديات اللوجستية والفنية المعرقلة لتنفيذها، وذلك بالتوازي مع استعراض المؤشرات الإيجابية المتمثلة في نمو حجم الإيرادات النفطية المحققة خلال شهري أبريل ومايو الجاري.

“الشلوي”: هل حان وقت مراجعة نمط التعاقد النفطي في ليبيا؟.. قراءة في مستقبل عقود الاستكشاف والإنتاج

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

منذ اكتشاف النفط في ليبيا أواخر خمسينيات القرن الماضي، ظل القطاع النفطي العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ومصدر القوة المالية والسيادية للدولة الليبية. وعلى الرغم من التحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي مرت بها البلاد، بقيت المؤسسة الوطنية للنفط إحدى المؤسسات القليلة التي حافظت – بدرجات متفاوتة – على قدر من المهنية والاستمرارية الفنية والتشغيلية.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة ليس فقط: كيف نرفع الإنتاج؟ بل أيضاً:
هل ما يزال الإطار التعاقدي الحالي، المعروف بعقود EPSA بصيغتها الأخيرة، قادراً على مواكبة التحولات العالمية والإقليمية؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر فيه بصورة شاملة ومتوازنة تحفظ سيادة الدولة وتجذب الاستثمار في آن واحد؟

أولاً: ما هي أنماط التعاقد النفطية المعروفة عالمياً؟

صناعة النفط عالمياً تعتمد على عدة نماذج تعاقدية بين الدول المالكة للموارد والشركات النفطية العالمية، أهمها:

نظام الامتيازات التقليدية (Concession Agreements)
وهو النموذج الأقدم، حيث تمنح الدولة شركة أجنبية حق الاستكشاف والإنتاج مقابل ضرائب وإتاوات ورسوم.
هذا النموذج كان شائعاً قبل موجة التأميمات في الستينيات والسبعينيات، وكان يُنظر إليه في كثير من الدول المنتجة على أنه يمنح الشركات الأجنبية نفوذاً واسعاً على الموارد الوطنية.

عقود المشاركة في الإنتاج (Production Sharing Agreements – PSA)
وهو النموذج الأكثر انتشاراً اليوم، خاصة في الدول النامية والمنتجة حديثاً.
فيه تتحمل الشركة الأجنبية مخاطر الاستكشاف والتمويل، وعند الاكتشاف يتم استرداد التكاليف من جزء من الإنتاج، ثم يتم تقاسم الأرباح بين الدولة والشركة وفق نسب متفق عليها.

عقود الخدمة (Service Contracts)
تقوم الشركة بتنفيذ أعمال الاستكشاف أو التطوير مقابل أجر مالي ثابت أو مرتبط بالأداء، بينما تبقى ملكية النفط كاملة للدولة.
ويستخدم هذا النموذج في دول مثل العراق والكويت بدرجات مختلفة.

النماذج الهجينة والمرنة
خلال العقدين الأخيرين ظهرت صيغ أكثر مرونة تجمع بين المشاركة والخدمة والحوافز الضريبية، خصوصاً مع ارتفاع مخاطر الاستكشاف وتعقيد المشاريع البحرية وغير التقليدية.

ثانياً: ماذا عن ليبيا؟ وكيف تطورت عقودها النفطية?

مرت ليبيا بعدة مراحل تعاقدية تاريخية:

مرحلة الامتيازات – ما قبل التأميم
خلال الستينيات كانت عقود الامتياز هي السائدة، في ظل حاجة ليبيا آنذاك إلى رأس المال والتكنولوجيا والخبرة.

مرحلة ما بعد التأميم وتعزيز السيادة
بعد السبعينيات اتجهت ليبيا – مثل غالبية الدول المنتجة – إلى تعزيز السيطرة الوطنية على الموارد، وتم تطوير نماذج أكثر صرامة تجاه الشركات الأجنبية.

ظهور عقود EPSA
وهي اختصار لـ: Exploration and Production Sharing Agreement، وقد مرت بعدة إصدارات وتعديلات:
EPSA I
EPSA II
EPSA III
EPSA IV
ويُعد الإصدار الرابع (EPSA IV) الأكثر شهرة واستخداماً في جولات العطاءات الحديثة، خاصة بعد عام 2005.

لماذا اعتُبر EPSA IV ناجحاً في حينه؟
يجب الاعتراف بموضوعية أن EPSA IV جاء في فترة كانت فيها:
أسعار النفط مرتفعة نسبياً.
ليبيا تمتلك مخزوناً واعداً منخفض التكلفة.
المخاطر السياسية محدودة مقارنة باليوم.
الشركات العالمية تتنافس بقوة للدخول إلى السوق الليبية.
الطلب العالمي على النفط في حالة نمو متسارع.

لذلك استطاعت ليبيا آنذاك فرض شروط مالية صارمة نسبياً، وتحقيق حصة مرتفعة للدولة من العوائد. بل إن البعض اعتبر أن ليبيا حصلت ضمن تلك الجولة على واحدة من أفضل الحصص الحكومية عالمياً.
لكن… هل ما نجح بالأمس يصلح لليوم؟
هنا يكمن جوهر القضية؛ فالقطاع النفطي العالمي تغير جذرياً، وليبيا نفسها تغيرت أيضاً.

ثالثاً: لماذا أصبح من الضروري مراجعة نمط EPSA الآن؟

تغير البيئة الاستثمارية العالمية
الشركات النفطية العالمية اليوم أصبحت أكثر انتقائية في استثماراتها بسبب:
التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
الضغوط البيئية وتمويلات المناخ.
ارتفاع تكلفة رأس المال.
المنافسة العالمية على جذب الاستثمار.
تراجع شهية المخاطرة.
بمعنى آخر: رأس المال النفطي العالمي لم يعد يتحرك كما كان قبل 20 عاماً.

ارتفاع المخاطر في ليبيا

أي مستثمر اليوم ينظر إلى:
الاستقرار السياسي.
وضوح التشريعات.
استقرار المالية العامة.
أمن المنشآت.
استقلالية المؤسسة الوطنية للنفط.
استقرار القرار السيادي.
وبالتالي فإن الشروط التعاقدية القديمة التي صُممت في بيئة أكثر استقراراً قد لا تكون كافية لتحفيز الاستثمار اليوم.

المنافسة الإقليمية أصبحت شرسة

دول عديدة حول ليبيا تتحرك بسرعة كبيرة:
الجزائر تطور تشريعاتها النفطية باستمرار.
مصر تقدم حوافز متجددة خاصة للغاز.
دول شرق المتوسط تجذب استثمارات ضخمة.
أفريقيا تشهد سباقاً استكشافياً متسارعاً.
وفي عالم محدود رأس المال الاستثماري، فإن الشركات تقارن بين الفرص باستمرار.

عامل الزمن لم يعد في صالح الدول النفطية التقليدية

هذه نقطة شديدة الأهمية؛ فالعالم يتحدث اليوم عن:
إزالة الكربون.
السيارات الكهربائية.
الطاقة المتجددة.
الهيدروجين الأخضر.
تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
صحيح أن النفط والغاز سيبقيان لعقود قادمة، لكن نافذة الاستفادة القصوى من الاحتياطيات الهيدروكربونية لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. ولهذا فإن التأخير في الاستكشاف والتطوير قد يتحول إلى خسارة تاريخية للأجيال القادمة.

رابعاً: هل المطلوب التنازل عن حقوق الدولة؟

قطعاً لا؛ فأي طرح وطني مسؤول لا يمكن أن يدعو إلى التفريط في السيادة أو الثروة الوطنية. لكن الفرق كبير بين: حماية حقوق الدولة، وتجميد القطاع بالكامل بسبب نماذج تعاقدية لم تعد تنافسية.

الحكمة الاقتصادية ليست في التشدد المطلق، بل في تحقيق أعلى قيمة وطنية طويلة الأجل. فأحياناً: حصة أقل من مشروع ناجح، أفضل من حصة كبيرة من مشروع لا يأتي أصلاً.

خامساً: ما الذي يمكن أن تقترحه ليبيا اليوم؟

الأقرب للمنطق الفني والاقتصادي هو: تطوير نموذج تعاقدي ليبي جديد مرن، وليس بالضرورة إلغاء EPSA بالكامل. أي: الحفاظ على السيادة الوطنية مع إدخال مرونة اقتصادية واستثمارية جديدة.

كيف يمكن أن يكون هذا النموذج؟

نظام مالي مرن حسب المخاطر
ليس من المنطقي مساواة حوض سرت منخفض المخاطر، مع المناطق الحدودية أو البحرية العميقة مرتفعة المخاطر؛ لذلك يجب أن تكون الحوافز مرتبطة بدرجة المخاطرة والتكلفة.

عقود ديناميكية مرتبطة بأسعار النفط
عندما ترتفع الأسعار ترتفع حصة الدولة تلقائياً، وعندما تنخفض تُمنح مرونة للشركات، وهذا يحقق توازناً طويل الأمد.

حوافز للاستكشاف الحقيقي
بعض الشركات تحتفظ بالمربعات دون نشاط فعلي؛ ينبغي ربط الاحتفاظ بالمناطق ببرامج عمل إلزامية وجداول زمنية واضحة.

تشجيع تطوير الغاز
العالم يتجه للغاز باعتباره وقوداً انتقالياً، وليبيا تمتلك إمكانات غازية كبيرة لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي.

دمج المحتوى المحلي الحقيقي
ليس بالشعارات، بل عبر: تدريب الكوادر، نقل التكنولوجيا، تطوير الخدمات النفطية المحلية، ودعم القطاع الخاص الوطني.

سادساً: هل القوانين الليبية الحالية تسمح بذلك؟

هنا تظهر إحدى أهم الإشكاليّات. القانون النفطي الليبي الأساسي يعود إلى سنة 1955 مع تعديلات لاحقة، ورغم أنه كان متقدماً في زمانه، إلا أن:
البيئة الاقتصادية تغيرت.
الصناعة تغيرت.
التمويل تغير.
معايير الحوكمة تغيرت.
ومتطلبات الشفافية والاستدامة أصبحت مختلفة تماماً.

هل المطلوب تعديل القوانين؟
في تقديري: نعم، ولكن بحذر شديد. المطلوب ليس هدم المنظومة القانونية، بل تحديثها بصورة مدروسة تشمل: قانون النفط، اللوائح التنفيذية, قوانين الاستثمار، قوانين الشراكة، قوانين الضرائب، آليات فض النزاعات، والحوكمة والشفافية.

لكن هل الوضع السياسي يسمح بذلك؟
هذا السؤال مشروع جداً؛ فالبعض يرى أن الوضع الحالي لا يحتمل فتح ملفات استراتيجية كبرى. لكن بالمقابل، هناك رأي اقتصادي وتقني مهم يقول: إن الانتظار الطويل قد يكون أكثر خطورة من الإصلاح التدريجي المدروس، فالقطاع النفطي لا يتحمل الجمود.

سابعاً: ما الذي تحتاجه ليبيا فعلياً اليوم؟

ليبيا لا تحتاج فقط إلى عقود جديدة، بل تحتاج إلى:

رؤية وطنية موحدة للطاقة
تشمل: النفط، الغاز، البتروكيماويات، الطاقة المتجددة، التكرير، والتصدير.

استقرار المؤسسة الوطنية للنفط
بعيداً عن التجاذبات السياسية.

حوكمة واضحة وشفافية
لأن رأس المال يخاف من الغموض أكثر من خوفه من المخاطر نفسها.

تسريع المشاريع المتوقفة
خصوصاً: تطوير الحقول، خطوط النقل، الصيانة، الخزانات، الموانئ، ومشاريع الغاز.

إطلاق جولات استكشاف مدروسة
لكن ضمن إطار تنافسي عصري وجاذب.

الخلاصة

نعم… يبدو أن الوقت قد حان فعلاً لمراجعة نموذج EPSA بصيغته الحالية، ليس لأنه فشل، بل لأنه نجح في زمن مختلف تماماً عن زمن اليوم.

الهدف لا يجب أن يكون إرضاء الشركات الأجنبية، ولا التشدد الشعبوي غير الاقتصادي، بل بناء نموذج وطني ذكي يحقق التوازن بين: سيادة الدولة، جذب الاستثمار، تسريع الاستكشاف، تعظيم العائد، وضمان حقوق الأجيال القادمة.

ليبيا ما تزال تمتلك واحداً من أهم الأحواض النفطية في العالم، وتكلفة إنتاج هي من الأقل عالمياً، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً استثنائياً قريباً من أوروبا والأسواق العالمية. لكن الثروات وحدها لا تكفي؛ فالعالم يتحرك بسرعة، والطاقة تعاد صياغتها عالمياً، والاستثمار النفطي لم يعد ينتظر المترددين.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة إنتاج… بل معركة وقت، وتشريع، وحوكمة، ورؤية وطنية قادرة على تحويل الثروة الطبيعية إلى قوة اقتصادية مستدامة تحفظ لليبيا مكانتها وسيادتها لعقود قادمة.