Skip to main content

الوسم: المؤسسة الوطنية للنفط

“الشلوي”: الإفصاح والشفافية في ليبيا خلال النصف الأول من 2026.. قراءة مقارنة بين “المركزي والوطنية للنفط”

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

عند تقييم مستوى الإفصاح والشفافية في المؤسسات السيادية، لا يكفي النظر إلى عدد البيانات المنشورة، بل يجب قياس مدى انتظامها واستمراريتها ووضوح محتواها وإمكانية الاستفادة منها لدى النخب وصناع القرار ووسائل الإعلام والرأي العام.

من خلال متابعة البيانات الصادرة خلال النصف الأول من عام 2026، يُلاحظ أن المؤسسة الوطنية للنفط حققت تقدماً واضحاً في انتظام الإفصاح الدوري، إذ واصلت نشر بياناتها الشهرية المتعلقة بالإنتاج والصادرات والإيرادات النفطية والتزويدات الموجهة إلى السوق المحلي ومحطات الكهرباء والمصافي، إلى جانب إصدار توضيحات فنية ومالية عند ظهور أي التباس في بعض الأرقام.

وقد ساعد هذا الانتظام على توفير صورة أقرب إلى الواقع عن نشاط القطاع النفطي، ومكّن المتابع من المقارنة بين الأشهر ورصد تطور الإنتاج والإيرادات وفهم جانب مهم من العلاقة بين ما تنتجه الدولة وما تحققه من موارد مالية.

في المقابل، يظل -ومن المفترض أن يكون- مصرف ليبيا المركزي هو صاحب المنظومة الأوسع من حيث تنوع البيانات، نظراً لما ينشره من مؤشرات نقدية ومصرفية وبيانات عن النقد الأجنبي والتضخم وأوضاع المصارف والمالية العامة، إلا أن اتساع نطاق البيانات لا يعوض دائماً غياب الانتظام في بعض الإصدارات الأساسية، وفي مقدمتها بيان الإيراد والإنفاق العام الذي يمثل الوثيقة الأكثر ارتباطاً باهتمام المواطن والنخب الاقتصادية.

هنا تظهر نقطة التفوق الأساسية للمؤسسة الوطنية للنفط خلال الفترة محل القراءة، فالمؤسسة لم تكن الأوسع اختصاصاً، لكنها كانت الأكثر وضوحاً واستمرارية في الإفصاح عن نشاطها الرئيسي؛ وهذه نقطة مهمة لأن قيمة البيانات لا ترتبط فقط بحجمها أو تنوعها، وإنما بصدورها في موعد منتظم، ووفق نسق يسمح بالمقارنة والمتابعة.

كما أن أهمية إفصاحات المؤسسة لا تقتصر على المختصين في قطاع النفط، لأن النفط يمثل المصدر الرئيسي للدخل العام والنقد الأجنبي في ليبيا، لذلك فإن بيانات الإنتاج والتصدير والإيرادات تهم المواطن بقدر ما تهم الخبير وصاحب القرار، فهي تشكل الحلقة الأولى في فهم الوضع المالي والاقتصادي للدولة.

أما بيانات المصرف المركزي فتمثل الحلقة التالية، لأنها توضح ما تم تحصيله وإيداعه وكيف استُخدمت الموارد وحجم الإنفاق العام، واستخدامات النقد الأجنبي وتأثير ذلك في الاحتياطيات والسيولة والأسعار.

من هنا فإن المقارنة لا تعني وضع المؤسستين في حالة تنافس، لأن لكل منهما اختصاصاً مختلفاً، لكنها تكشف أن المؤسسة الوطنية للنفط بدت خلال النصف الأول من عام 2026 أكثر التزاماً بالإفصاح الدوري المنتظم، في حين احتفظ المصرف المركزي بالتفوق من حيث شمول وتنوع البيانات بحكم تخصصه ومهامه، دون أن يحقق المستوى نفسه من الاستمرارية في بعض البيانات الأساسية.

والتشخيص الأهم هو أن ليبيا لا تعاني من غياب كامل للمعلومات، بل من تشتتها بين جهات متعددة وااختلاف توقيت نشرها وعدم وجود منصة موحدة تربط بين الإنتاج النفطي والإيرادات المحصلة والمبالغ المحالة والإنفاق العام.

فقد تعلن المؤسسة إيرادات تخص شحنات تم تحصيلها خلال شهر معين، بينما تظهر لدى المصرف في فترة لاحقة بسبب فروق التوقيت بين الإنتاج والتصدير والتحصيل والإيداع والتسوية، ولهذا فإن أي مقارنة مباشرة بين أرقام الجهتين يجب أن تراعي هذه الفروق الفنية والمحاسبية قبل إصدار الأحكام.

تتمثل التوصية الأساسية في إنشاء آلية إفصاح مشتركة تضم المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية والمصرف الليبي الخارجي لإصدار بيان شهري مبسط يوضح مسار الإيراد النفطي من الإنتاج والتصدير إلى التحصيل والإيداع والإنفاق.

كما أن من المهم اعتماد مستويات واضحة للإفصاح، تبدأ ببيانات تشغيلية مختصرة، ثم بيانات شهرية موحدة، وتقارير فصلية تحليلية، وتقرير سنوي مدقق يتيح قراءة متكاملة لأداء القطاع النفطي والمالية العامة.

الخلاصة:

إذا كان معيار المقارنة هو اتساع مجالات البيانات، فإن مصرف ليبيا المركزي يمتلك المنظومة الأشمل بطبيعة عمله، أما إذا كان المعيار هو الانتظام والاستمرارية والوضوح في الإفصاح عن النشاط الأساسي، فإن المؤسسة الوطنية للنفط تتقدم بوضوح خلال النصف الأول من عام 2026.

هذا التقدم لا ينبغي النظر إليه باعتباره تفوقاً مؤسسياً شكلياً، بل نموذجاً يمكن البناء عليه وتطويره وصولاً إلى منظومة وطنية تجعل من الممكن تتبع مسار الثروة العامة بوضوح: من البئر، إلى التصدير، إلى المصرف، ثم إلى الخزانة العامة وأوجه الإنفاق.

“الشلوي”: الغاز الطبيعي.. الرهان الاستراتيجي الذي قد يعيد رسم مستقبل الاقتصاد الليبي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

​في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في أسواق الطاقة، لم يعد النفط وحده معيار القوة الاقتصادية للدول المنتجة، بل أصبح الغاز الطبيعي أحد أهم عناصر الأمن الاقتصادي والجيوسياسي، وأحد أبرز أدوات تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز أمن الطاقة. ومن هذا المنطلق، فإن انعقاد النسخة الثانية من ورشة العمل الخاصة باستراتيجية تطوير مشاريع الغاز الطبيعي في ليبيا يمثل أكثر من مجرد فعالية فنية؛ فهو يعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة تموضع ليبيا ضمن خريطة الطاقة الإقليمية والدولية.

لقد أثبتت التطورات الدولية خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما منذ أزمة الطاقة الأوروبية، أن الغاز الطبيعي سيظل الوقود الانتقالي الأكثر أهمية خلال العقدين المقبلين، حتى مع التوسع في الطاقة المتجددة. ولهذا، أصبحت الدول التي تمتلك احتياطيات غازية وبنية تحتية مناسبة تحظى باهتمام متزايد من الأسواق والمستثمرين وشركات الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، تمتلك ليبيا فرصة استثنائية؛ فهي تجمع بين الاحتياطيات الكبيرة، والموقع الجغرافي القريب من أوروبا، والبنية التحتية القائمة، وفي مقدمتها خط Greenstream الرابط مع إيطاليا، إضافة إلى خبرة تشغيلية تراكمت على مدى عقود، وشراكات راسخة مع شركات دولية كبرى.

إن هذه المقومات تمنح ليبيا أفضلية تنافسية لا تقتصر على التصدير، بل تمتد إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

فالغاز الطبيعي هو الوقود الرئيسي لمحطات الكهرباء الحديثة، وهو المادة الخام للصناعات البتروكيماوية والأسمدة والحديد والصلب والإسمنت والزجاج وغيرها من الصناعات التحويلية، ما يعني أن كل وحدة غاز يتم استثمارها محلياً تحقق قيمة اقتصادية مضافة تفوق بكثير تصديرها كمادة خام، وتسهم في خلق فرص عمل، وتحفيز الاستثمار، وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن التوسع في مشاريع الغاز يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود السائل في إنتاج الكهرباء، ويخفض تكاليف التشغيل، ويحد من استيراد بعض المشتقات النفطية، ويحسن كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، وهو ما ينعكس إيجاباً على الميزانية العامة وميزان المدفوعات.

كما أن تطوير قطاع الغاز يمثل أحد أهم مفاتيح تعزيز أمن الطاقة الوطني. فالاستقرار في إمدادات الغاز يعني استقراراً في إنتاج الكهرباء، وانخفاضاً في احتمالات الانقطاعات، ودعماً لقدرة الاقتصاد على النمو، وهو ما يجعل الاستثمار في الغاز استثماراً في استقرار الدولة نفسها.

ومن القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً، استمرار الجهود الرامية إلى خفض حرق الغاز المصاحب وتقليل انبعاثات غاز الميثان. فهذا الملف لا يقتصر على البعد البيئي، بل يحمل بعداً اقتصادياً واضحاً؛ إذ إن كل كمية من الغاز يتم استردادها بدلاً من حرقها تمثل مورداً إضافياً يمكن توجيهه إلى محطات الكهرباء أو الصناعات المحلية أو التصدير، بما يحقق عائداً اقتصادياً ويحافظ في الوقت ذاته على البيئة، ويعزز التزام ليبيا بالمبادرات الدولية لخفض الانبعاثات.

وقد سبق أن أكدت في أكثر من مناسبة أن الوصول إلى هدف «صفر حرق روتيني للغاز بحلول عام 2030» ليس مجرد التزام دولي، بل يمثل مشروعاً وطنياً يعزز كفاءة استغلال الموارد، ويرفع القيمة الاقتصادية للقطاع، ويواكب أفضل الممارسات العالمية في صناعة النفط والغاز.

كما أن تطوير الغاز لا يعتمد على توفر الاحتياطيات وحدها، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل التمويل، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والاستقرار التشريعي، والحوكمة، وبيئة استثمارية قادرة على جذب رؤوس الأموال ونقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا.

وفي هذا الإطار، فإن استمرار التعاون مع الشركات العالمية يعد عاملاً مهماً في تسريع تنفيذ المشاريع، وتطوير الكفاءات الوطنية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما يعزز تنافسية القطاع الليبي ويزيد من قدرته على تنفيذ المشاريع الكبرى بكفاءة.

ومن منظور استراتيجي أوسع، فإن الغاز أصبح اليوم أحد أدوات السياسة الاقتصادية والعلاقات الدولية. فالدول التي تمتلك قدرة على إنتاج وتصدير الغاز بصورة مستقرة تحظى بأهمية متزايدة في معادلات أمن الطاقة، خصوصاً في منطقة البحر المتوسط، التي أصبحت إحدى أهم مناطق المنافسة والتعاون في قطاع الغاز.

ومن هنا، فإن تطوير مشاريع الغاز في ليبيا لا يخدم الاقتصاد الوطني فحسب، بل يعزز أيضاً مكانة الدولة كشريك موثوق في منظومة الطاقة الإقليمية، ويفتح آفاقاً أوسع للاستثمار والتعاون مع الأسواق الأوروبية والدولية.

كما أن هذا التوجه يتكامل مع المشاريع الجاري تنفيذها في البحر واليابسة، ويواكب خطط رفع إنتاج الغاز خلال السنوات المقبلة، بما يعزز قدرة ليبيا على تلبية الطلب المحلي المتزايد، ودعم خطط زيادة إنتاج النفط، وتوسيع الصادرات، وتعظيم العوائد الاقتصادية.

وفي تقديري، فإن نجاح استراتيجية تطوير مشاريع الغاز لن يُقاس فقط بزيادة الإنتاج، وإنما بقدرتها على تحويل الثروة الغازية إلى قيمة اقتصادية مضافة، وبناء صناعات جديدة، وتحقيق أمن الطاقة، وتعزيز الاستدامة البيئية، ورفع مساهمة القطاع في التنمية الاقتصادية الشاملة.

إن ليبيا تمتلك اليوم فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كأحد أهم منتجي الغاز في جنوب المتوسط، مستفيدة من مواردها الطبيعية، وموقعها الجغرافي، وشراكاتها الدولية، وخبراتها الوطنية. ويبقى الرهان الحقيقي هو الاستمرار في تنفيذ المشاريع وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على الكفاءة والحوكمة والاستدامة وتعظيم القيمة المضافة.

فالغاز الطبيعي لم يعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبح ركيزة للأمن الاقتصادي، ومحركاً للتنمية الصناعية، وأداة لتعزيز الاستقرار، وجسراً يربط بين موارد ليبيا الطبيعية وطموحاتها في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة في عالم تتغير فيه موازين الطاقة بوتيرة متسارعة.

“الشلوي”: البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط تعكس حجم الجهود المبذولة لتأمين احتياجات قطاع الكهرباء

تعليقاً على الكتاب الصادر عن الشركة العامة للكهرباء بشأن إمدادات الغاز لمحطات التوليد، صرّح الخبير النفطي والاقتصادي عبد المنصف الشلوي لقناة تبادل بأن هذا النوع من المكاتبات الإدارية يُعد ممارسة مؤسسية طبيعية تهدف إلى إحاطة الجهات ذات العلاقة بالتحديات التشغيلية التي تواجهها، وهو أمر إيجابي يسهم في تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة. غير أن تقييم مثل هذه القضايا تقييماً موضوعياً يستوجب النظر إلى منظومة الطاقة الليبية بصورة متكاملة، والاستناد إلى البيانات الرسمية والحقائق الفنية، حتى تكتمل الصورة أمام الرأي العام وصانع القرار.

وأضاف الشلوي أن العلاقة بين المؤسسة الوطنية للنفط والشركة العامة للكهرباء ليست علاقة مورد ومستهلك فحسب، بل هي علاقة تكامل استراتيجي، إذ يعتمد قطاع الكهرباء بصورة رئيسية على الغاز الطبيعي الذي تنتجه المؤسسة الوطنية للنفط، فيما تمثل الكهرباء أحد أهم أوجه الاستفادة الوطنية من هذه الثروة، الأمر الذي يجعل نجاح أي من المؤسستين مرتبطاً، بدرجات متفاوتة، بنجاح الأخرى، ويجعل التعاون والتنسيق بينهما ضرورة وطنية وليست خياراً.

وأوضح أن البيانات الرسمية الواردة في التقرير الفني السنوي للمؤسسة الوطنية للنفط لعام 2025 تعكس بوضوح حجم الأولوية التي يحظى بها قطاع الكهرباء، حيث بلغ متوسط إنتاج الغاز التجاري نحو 1.03 مليار قدم مكعبة يومياً، في حين استهلكت الشركة العامة للكهرباء نحو 828 مليون قدم مكعبة يومياً، أي ما يقارب 80% من إجمالي الغاز التجاري المنتج محلياً، بينما لم يتجاوز متوسط الكميات المخصصة للتصدير حوالي 83 مليون قدم مكعبة يومياً.

وأكد أن هذه الأرقام تدل بصورة واضحة على أن الأولوية الفعلية للغاز المنتج كانت وما تزال لتلبية احتياجات السوق المحلية، وفي مقدمتها محطات توليد الكهرباء، وهو ما يعكس النهج الذي اتبعته المؤسسة الوطنية للنفط في إدارة موارد الغاز بما يخدم المصلحة الوطنية ويحقق أعلى منفعة ممكنة للاقتصاد الليبي.

وأشار الشلوي إلى أن الكميات المخصصة للتصدير لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن الالتزامات التعاقدية والدولية التي ترتبط بها الدولة الليبية، فصادرات الغاز إلى إيطاليا تتم في إطار اتفاقيات وعقود طويلة الأجل أبرمتها الدولة الليبية وشركاؤها، ويترتب على الإخلال بها آثار قانونية وتجارية ومالية قد تكون كبيرة، فضلاً عن تأثيرها على سمعة ليبيا كمورد موثوق للطاقة في الأسواق الدولية. ولذلك فإن أي تعديل في برامج التصدير لا يُعد قراراً فنياً أو إدارياً بسيطاً، وإنما يخضع لاعتبارات تعاقدية وقانونية وتجارية واستثمارية معقدة، تتطلب الموازنة بين الالتزامات الدولية واحتياجات السوق المحلية.

وأضاف أن جانباً من إنتاج الغاز يتم في إطار مشاريع مشتركة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركات عالمية، تحكمها اتفاقيات مشاركة واستثمار نافذة، الأمر الذي يجعل إدارة الإنتاج والتسويق والتصدير تتم وفق أطر قانونية وتعاقدية واضحة، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف ويصون مصالح الدولة الليبية.

وأوضح أن من الناحية الفنية، فإن منظومة الغاز الليبية تُدار كوحدة متكاملة، ولا يعني وقف التصدير بالضرورة توافر كميات إضافية يمكن ضخها مباشرة إلى جميع محطات الكهرباء، إذ إن الغاز يمر بمراحل متعددة تشمل الإنتاج والمعالجة وإزالة الشوائب والضغط والنقل عبر شبكة خطوط الأنابيب، كما أن نوعية الغاز ومواصفات بعض المحطات والقدرات الاستيعابية لمنظومة النقل تمثل جميعها عوامل فنية مؤثرة. كما أن جزءاً مهماً من الغاز المنتج هو غاز مصاحب لإنتاج النفط، وترتبط كمياته بطبيعة تشغيل الحقول النفطية، الأمر الذي يجعل إدارة منظومة الغاز أكثر تعقيداً من مجرد إعادة توجيه الكميات بين التصدير والاستهلاك المحلي.

وأضاف أن المؤسسة الوطنية للنفط لم يقتصر دورها على توفير إمدادات الغاز اليومية، بل واصلت خلال السنوات الأخيرة تنفيذ مشاريع استراتيجية لتطوير إنتاج الغاز، واسترجاع الغاز المصاحب، وخفض حرق الغاز، وتطوير مرافق المعالجة والضغط، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة وتطوير لخطوط نقل الغاز، وهي مشاريع من شأنها تعزيز أمن الطاقة، وزيادة كميات الغاز المتاحة للسوق المحلية، وتحسين كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، وتقليل الانبعاثات، بما يعود بالنفع المباشر على قطاع الكهرباء والاقتصاد الوطني.

وأكد الشلوي أن التجارب الدولية تثبت أن استقرار منظومات الكهرباء لا يرتبط بتوافر الوقود وحده، وإنما يعتمد أيضاً على جاهزية وحدات التوليد، وكفاءة برامج الصيانة، وقدرات شبكات النقل والتوزيع، وإدارة الأحمال، وتوفر الوقود الاحتياطي، والتخطيط الاستثماري طويل الأجل، وهو ما يجعل أي قراءة فنية موضوعية تستوجب النظر إلى جميع مكونات منظومة الطاقة مجتمعة، وليس إلى أحد عناصرها بصورة منفردة.

واختتم الشلوي تصريحه بالتأكيد على أن البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط تعكس بوضوح حجم الجهود المبذولة لتأمين احتياجات قطاع الكهرباء من الغاز، بالتوازي مع الوفاء بالالتزامات التعاقدية للدولة الليبية، والاستمرار في تنفيذ مشاريع تطوير قطاع الغاز بما يعزز أمن الطاقة على المدى المتوسط والطويل، مضيفا أن معالجة أي تحديات تشغيلية تستوجب استمرار التنسيق المؤسسي والفني بين جميع الجهات المعنية، وأن الاحتكام إلى الأرقام والبيانات الرسمية والتحليل العلمي المتخصص يظل الأساس الأمثل لتقييم الأداء ودعم مؤسسات الدولة في أداء رسالتها، بما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز استدامة قطاعي النفط والكهرباء معاً.

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الرابع

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

ولهذا فإن فقدان مساحة بحرية لا يعني فقط خسارة مورد نفطي أو غازي محتمل، بل قد يعني تقليص نطاق الحقوق السيادية والاختصاصات الاقتصادية والفنية والأمنية التي تمارسها الدولة وفق القانون الدولي لعقود طويلة.

البعد السيادي والأمني

تقع المنطقة شمال درنة وجنوب كريت ضمن فضاء مهم للملاحة والمسح البحري والبحث العلمي، كما يرتبط بمسارات الهجرة غير النظامية وتهريب البشر والبضائع.

وأي اكتشاف تجاري سيزيد من متطلبات الأمن البحري، ومنها حماية سفن المسح والحفر، وتأمين المنصات والمنشآت البحرية، ومراقبة الأنشطة غير المرخصة، وحماية خطوط الأنابيب والكابلات، وتطوير المراقبة الجوية والبحرية، والاستجابة للتسربات والحوادث، وبناء منظومة وطنية متكاملة للمعلومات البحرية.

ومن هنا فإن ملف الحدود ليس مجرد مسألة خرائط أو إحداثيات، بل جزء أساسي من الأمن القومي.

فالدولة التي لا تمتلك معرفة دقيقة بمجالها البحري ولا أدوات لمراقبته يصعب عليها فرض اختصاصها أو حماية موارده.

دور المؤسسة الوطنية للنفط

من الإنصاف والموضوعية التأكيد على أن المؤسسة الوطنية للنفط قائمة بدورها الفني في هذا الجانب، وتتابع بصورة جيدة ودورية التطورات المرتبطة بالمناطق البحرية والأنشطة الاستكشافية المحيطة بها.

ولدى المؤسسة لجان وكفاءات وطنية متخصصة في الاستكشاف والجيولوجيا والجيوفيزياء والبيانات السيزمية، كما تمتلك خبرات تراكمية مهمة في دراسة الأحواض البحرية وتحليل التراكيب الجيولوجية وتقييم المؤملات النفطية والغازية.

ويتضمن دورها، في حدود اختصاصها الفني، تجميع وتحليل البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية، ودراسة وإعادة معالجة البيانات السيزمية، ومتابعة الأنشطة الاستكشافية في المناطق المقابلة والمجاورة، وتقييم المؤملات البترولية والغازية، وإعداد الخرائط والدراسات الفنية، وتقديم الرأي الفني للجهات السيادية المختصة.

ومن واقع الإلمام بهذا الملف، فإن المؤسسة لم تكن غائبة عنه، بل تابعته عبر سنوات من خلال لجانها وخبرائها، وأسهمت بما لديها من معرفة وبيانات في دعم موقف الدولة.

لكن من المهم أيضاً عدم تحميل المؤسسة مسؤولية لا تدخل في اختصاصها؛ لأن ترسيم الحدود البحرية عمل سيادي وقانوني ودبلوماسي، وليس قراراً نفطياً فنياً تتخذه مؤسسة واحدة.

من يتولى ترسيم الحدود؟

يتولى هذا الملف جهاز الدولة المختص، من خلال لجنة الحدود التابعة لوزارة الخارجية، وبمشاركة الوزارات والهيئات والمؤسسات ذات العلاقة، بحيث يجتمع في عملها البعد القانوني والدبلوماسي والفني والأمني.

ويقوم التكامل المؤسسي على أن توفر المؤسسة الوطنية للنفط البيانات والخبرة الجيولوجية والاستكشافية، وتقود وزارة الخارجية المسار الدبلوماسي والتفاوضي، ويقدم الخبراء القانونيون الرأي المستند إلى قواعد قانون البحار والسوابق القضائية.

كما تسهم الجهات الفنية في إعداد الخرائط والإحداثيات وأعمال المسح، وتشارك الجهات الأمنية والعسكرية في تقدير متطلبات حماية المجال البحري، وتسهم الجهات البيئية والاقتصادية والملاحية في تقييم بقية المصالح المتصلة بالمنطقة.

وهذا التوزيع لا يعني تشتت المسؤولية، بل يؤكد أن حماية الحدود البحرية مسؤولية دولة كاملة، وأن قوة الموقف الليبي تعتمد على تضافر جهود الوزارات والمؤسسات والهيئات، لا على عمل جهة واحدة مهما بلغت كفاءتها.

ما علاقة الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا؟

للاتفاق الموقع عام 2019 علاقة بالمشهد العام لترسيم الحدود في شرق المتوسط؛ لأنه استند إلى تصور يمنح السواحل القارية وزناً مهماً، ولا يمنح بعض الجزر اليونانية الأثر الكامل الذي تطالب بها اليونان.

وقد سُجل الاتفاق ضمن وثائق الأمم المتحدة، لكنه يبقى اتفاقاً بين طرفيه ولا يلزم اليونان التي تعترض عليه.

وقد أفاد الاتفاق ليبيا في عدة جوانب؛ إذ منع تجاوزها عند إعادة تشكيل خرائط شرق المتوسط، وأكد وجود امتداد بحري ليبي يجب أخذه في الاعتبار، ودعم فكرة عدم منح الجزر أثراً يؤدي إلى حجب ساحل قاري طويل، ووفر ورقة سياسية وقانونية وتفاوضية إضافية.

لكنه لا يحسم بمفرده الترسيم المقابل مباشرة لشمال درنة وجنوب كريت، ولا يغني عن التفاوض المباشر بين ليبيا واليونان.

وتكون فائدته أكبر عندما يوظف ضمن موقف ليبي مستقل يستند إلى الجغرافيا والقانون والبيانات الفنية، لا عندما يتحول الملف الليبي إلى مجرد امتداد للخلاف اليوناني–التركي.

منتدى غاز شرق المتوسط وغياب ليبيا

المنظمة المقصودة هي منتدى غاز شرق المتوسط، ويضم قبرص ومصر وفرنسا واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين، بينما لا تظهر ليبيا ضمن قائمة أعضائه الرسمية.

ولا توجد وثيقة رسمية منشورة تثبت أن ليبيا تقدمت بطلب عضوية مكتمل ثم رُفض، كما لا توجد وثيقة قاطعة تثبت أن سبب غيابها الوحيد هو وجود إسرائيل ضمن أعضاء المنتدى.

والأقرب أن الغياب الليبي ارتبط بعدة عوامل، منها الانقسام السياسي والمؤسسي وقت تأسيس المنتدى، وغياب سياسة خارجية موحدة للطاقة، والانشغال بالأزمات الداخلية، والحساسية السياسية الليبية تجاه وجود إسرائيل عضواً.

ومن الطبيعي تفهم الاعتبارات التاريخية والشعبية الليبية تجاه القضية الفلسطينية. لكن من زاوية المصالح الاستراتيجية، فإن الغياب الكامل عن منصة تناقش غاز شرق المتوسط والبنية التحتية والأسواق ومسارات التصدير قد تكون له آثار سلبية.

ومن هذه الآثار غياب الصوت الليبي عن صياغة تصورات الطاقة الإقليمية، وضعف القدرة على عرض الموقف الفني والقانوني الليبي، وترك الدول الأخرى تقدم خرائطها ورؤاها دون حضور مقابل، وتراجع فرص التعاون الفني وتبادل الخبرات، وغياب المتابعة المباشرة للنقاشات المتعلقة بخطوط الأنابيب والأسواق والاستثمارات.

ولا يعني الحضور في منظمة إقليمية تبني مواقف جميع أعضائها. ويمكن للدولة دراسة الخيارات المتاحة، سواء عبر العضوية أو صفة المراقب أو المشاركة الفنية، بما يحفظ الثوابت الوطنية ويمنع في الوقت نفسه تحول الغياب إلى فراغ دبلوماسي دائم.

ما المطلوب وطنياً؟

المطلوب ليس إصدار ردود متفرقة عند كل إعلان يوناني أو منح امتياز جديد، بل تحويل الملف إلى برنامج وطني دائم تقوده الدولة، ويتضمن:

  • إعداد قاعدة بيانات بحرية موحدة ومحمية تضم الخرائط والإحداثيات والبيانات السيزمية والجيولوجية والهيدروغرافية.
  • وتحديث تحديد السواحل ذات الصلة ونقاط الأساس والإحداثيات وفق أفضل المعايير الفنية والقانونية.
  • وتشكيل فريق تفاوض دائم يضم خبراء في قانون البحار، والجيوديسيا، والهيدروغرافيا، والاستكشاف البحري، والاقتصاد، والأمن البحري.
  • وحصر جميع الأنشطة والمسوح والتراخيص التي نفذتها أو أعلنتها الدول المقابلة في نطاقات التداخل المحتملة.
  • وإعداد مذكرات قانونية متكاملة تستند إلى أحكام المحاكم الدولية، ولا سيما القضايا التي تناولت أثر الجزر وعدم التناسب وأطوال السواحل.
  • وتطوير القدرة الوطنية على المراقبة البحرية والاستشعار عن بعد ومتابعة سفن المسح والحفر.
  • والحفاظ على اتصال دبلوماسي منتظم مع اليونان، بحيث لا يُترك الملف للأزمات أو التصريحات الإعلامية.
  • ووضع بدائل تفاوضية وقضائية وفنية، تشمل الاتفاق النهائي، أو التحكيم، أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، أو الترتيبات المؤقتة، أو التطوير المشترك إذا ظهرت موارد عابرة للحدود.

كما ينبغي توثيق الخبرات الليبية السابقة في نزاعَي تونس ومالطا، والاستفادة من الذين شاركوا في تلك الملفات ومن الأرشيف الوطني المتصل بها.

مسؤولية وطنية وحق للأجيال المقبلة

إن حماية الحدود البحرية لا ينبغي أن تبقى شأناً محصوراً في جهة فنية أو لجنة تفاوضية، بل يجب أن تكون ملفاً وطنياً جامعاً تتضافر من أجله جهود جميع مؤسسات الدولة الليبية.

فوزارة الخارجية، والمؤسسة الوطنية للنفط، والجهات الأمنية والعسكرية، ووزارات العدل والاقتصاد والمواصلات والبيئة، وهيئات المساحة والموانئ والصيد والبحث العلمي، جميعها تملك أدواراً متكاملة في بناء الموقف الوطني وحماية المصالح البحرية.

ولا يتعلق الأمر فقط بما قد ينتفع به الوطن والمواطن من خيرات النفط والغاز، بل بحق ليبيا في سيادتها، وبحق أجيال لم تولد بعد في ألا تجد أن حدودها ومواردها قد حُسمت في غيابها أو نتيجة تقصير مؤسسي أو انقسام سياسي.

إن حقوق البحر لا تخص حكومة بعينها، ولا إقليماً أو مدينة أو مؤسسة؛ إنها ملك للدولة الليبية ولشعبها كله، وأمانة في أعناق الجيل الحالي تجاه الأجيال القادمة.

الخلاصة

إن ما أشار إليه الصديق المطلع بشأن أهمية المنطقة البحرية الواقعة شمال درنة وجنوب كريت تقدير دقيق؛ لأن هذه المنطقة ليست مجرد مؤمل نفطي أو غازي، بل مساحة تتقاطع فيها السيادة والطاقة والأمن والقانون والمصالح الجيوسياسية.

والترجيح الفني يميل إلى أن الغاز الطبيعي هو الاحتمال الأبرز، مع احتمال وجود المكثفات والنفط، إلا أنه لا توجد حتى الآن احتياطيات تجارية مؤكدة يمكن التعامل معها كحقيقة نهائية.

وتساعد تجربة حقل ظهر المصري على فهم حجم الرهان؛ فقد أثبتت أن اكتشافاً واحداً في مكمن كربوناتي عميق يمكن أن يعيد تشكيل ميزان الطاقة لدولة. لكن هذه المقارنة تفسر أهمية الاستكشاف ولا تثبت وجود حقل مماثل شمال درنة.

أما قانونياً، فتملك ليبيا حججاً معتبرة تستند إلى مبدأ الحل المنصف، وإلى إمكان تعديل خط التساوي في الأبعاد وتقليص أثر بعض الجزر عند مواجهة ساحل قاري طويل.

غير أن ذلك لا يعني إلغاء أثر كريت، بل يجعل موضوع التفاوض الحقيقي هو مقدار أثرها، وبصورة أكثر وضوحاً مقدار أثر غافدوس والجزر الأصغر.

ومن الواجب كذلك الإنصاف في تقييم العمل المؤسسي؛ فالمؤسسة الوطنية للنفط تقوم بدورها الفني والمتخصص وتتابع الملف عبر لجانها وكفاءاتها، بينما تبقى مسؤولية الترسيم وإدارة النزاع من اختصاص وزارة الخارجية واللجنة الوطنية المعنية، في إطار تكامل شامل مع بقية مؤسسات الدولة.

إن قوة الموقف الليبي لن تتحقق بجهة واحدة، بل بتضافر جميع الوزارات والمؤسسات والهيئات، وبوحدة الموقف، ودقة البيانات، وقوة الحجة القانونية، واستمرار المتابعة والتفاوض.

فالحدود البحرية ليست مجرد خطوط على خريطة، وليست حدوداً للنفط والغاز وحدهما؛ إنها حدود للسيادة والأمن والطاقة والغذاء والبيئة والملاحة والاتصالات والنفوذ الإقليمي.

وقد تثبت الآبار مستقبلاً وجود مورد ضخم أو متوسط، وقد تأتي النتائج دون المؤملات. لكن مهما كانت النتيجة الجيولوجية، فإن الحقوق البحرية الليبية تظل قائمة، وحمايتها ليست فقط حقاً لنا، بل واجب تجاه الوطن والمواطن وحق أصيل للأجيال القادمة.

فالسيادة لا تبدأ عند اكتشاف الثروة، بل تبدأ منذ اللحظة التي تعرف فيها الدولة حدودها، وتوثق حقوقها، وتوحد جهودها، وتحسن إدارة مجالها البحري وحمايته.

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثاني

رابط الجزء الثالث من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثالث

“الشلوي”: من البئر إلى الخزانة في بيان النفط الليبي لشهر يونيو.. قراءة فنية واقتصادية في الإنتاج والتصدير والتكرير والإيرادات

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي

يمثل البيان الذي نشرته المؤسسة الوطنية للنفط عن نتائج شهر يونيو 2026 خطوة مهمة في تطوير الإفصاح عن أداء أهم قطاعات الاقتصاد الليبي، إذ جمع في وثيقة واحدة بيانات الإنتاج، وحصة الدولة والشركاء، والكميات المصدرة والموجهة إلى التكرير ومحطات الكهرباء، إلى جانب الإيرادات النفطية المحصلة والمحالة إلى الحساب السيادي.

وتكمن أهمية هذا النوع من البيانات في أنه ينقل النقاش حول القطاع النفطي من دائرة الانطباعات والتقديرات العامة إلى مساحة الأرقام القابلة للقراءة والتحليل والمقارنة. فالنفط في ليبيا ليس نشاطاً إنتاجياً منفصلاً عن بقية الاقتصاد، بل هو المصدر الأساسي للنقد الأجنبي، والممول الأكبر للإنفاق العام، والعنصر الأكثر تأثيراً في الاستقرار المالي وسعر الصرف والميزان التجاري.

ومن هذه الزاوية، فإن نشر البيانات بصورة دورية يعزز مكانة المؤسسة الوطنية للنفط باعتبارها المرجعية الفنية المسؤولة عن إدارة عمليات الإنتاج والتسويق، ويمنح الدولة والرأي العام قاعدة معلومات تساعد على فهم ما يجري داخل القطاع بصورة أكثر دقة.

إنتاج يقترب من 1.4 مليون برميل يومياً

بلغ إجمالي إنتاج النفط الخام خلال يونيو 2026 نحو: 41,867,126 برميلاً.

وباحتساب ثلاثين يوماً للشهر، يصل متوسط الإنتاج اليومي إلى قرابة: 1,395,571 برميلاً يومياً.

وهذا مستوى إنتاجي مهم، يؤكد قدرة القطاع على المحافظة على معدلات تقترب من 1.4 مليون برميل يومياً، رغم التحديات المرتبطة بقدم بعض المنشآت، والتناقص الطبيعي في الحقول، وااحتياجات الصيانة، وتوفير المواد وقطع الغيار، والظروف التشغيلية واللوجستية التي تحيط بالصناعة النفطية.

وفي الصناعة النفطية، لا يعد تثبيت الإنتاج أمراً تلقائياً؛ فالحقول تتعرض مع مرور الزمن لانخفاض طبيعي في ضغط المكامن ومعدلات التدفق، ما يفرض تنفيذ برامج مستمرة لحفر الآبار، وإجراء العمرات، وصيانة خطوط الأنابيب، وتطوير أنظمة الرفع والإنتاج، ورفع كفاءة الاستخلاص.

وبالتالي، فإن المحافظة على هذا المستوى تعكس عملاً تشغيلياً متواصلاً داخل الحقول والشركات والموانئ، كما تؤكد أهمية استمرار التمويل المنتظم للبرامج الفنية وعدم التعامل مع النفقات التشغيلية والتطويرية للقطاع باعتبارها إنفاقاً عادياً يمكن تأجيله دون أثر.

فالبرميل الذي لا يستثمر في المحافظة عليه اليوم قد يتحول إلى إنتاج مفقود وإيراد ضائع في المستقبل.

حصة الدولة والشركاء: قراءة في البنية التعاقدية

أوضح البيان أن حصة الدولة الليبية بلغت: 29,950,320 برميلاً،

فيما بلغت حصة الشركاء: 10,909,540 برميلاً.

وبذلك تمثل حصة الدولة نحو 71.5% من إجمالي الإنتاج، بينما تمثل حصة الشركاء قرابة 26.1%.

وتبرز هذه الأرقام القيمة المباشرة التي تعود إلى الدولة من منظومة الإنتاج، كما تعكس طبيعة العقود النفطية التي تقوم على توزيع الإنتاج والعوائد وفق التزامات تمويلية وفنية وتعاقدية بين الدولة والشركات الشريكة.

ومن الناحية الحسابية، يقل مجموع حصة الدولة وحصة الشركاء عن إجمالي الإنتاج بنحو: 1,007,266 برميلاً، أي ما يقارب 2.4% من الإنتاج المعلن.

ولا يعني هذا الفرق بالضرورة وجود فاقد أو كمية غير محددة، إذ قد يرتبط بالتسويات الزمنية أو المخزنية، أو بالفروق بين الإنتاج المقاس والاستحقاقات التعاقدية، أو بكميات تخضع لإجراءات القياس والمطابقة في نهاية الفترة.

ومن المفيد مستقبلاً إظهار هذه الكمية في بند توضيحي مستقل، مثل «التسويات والفروقات الفنية والمخزنية»، حتى تكتمل المصالحة الحسابية بين إجمالي الإنتاج وحصص الأطراف.

وهذا النوع من التفصيل لا ينتقص من قيمة البيان، بل يرفع من مستواه الفني، ويساعد غير المتخصصين على قراءة الأرقام دون التباس.

كيف توزعت حصة الدولة؟

توزعت حصة الدولة خلال يونيو بين ثلاثة مسارات رئيسية: بلغت كمية النفط الخام المصدرة: 25,480,272 برميلاً.

وبلغت الكميات المحولة إلى التكرير: 4,097,943 برميلاً.

فيما بلغت الكميات المحولة إلى محطتي كهرباء أوباري ومليتة: 372,105 براميل.

ويلاحظ أن مجموع هذه الكميات يطابق حصة الدولة بالكامل، وهو ما يوفر صورة واضحة عن التصرف في الإنتاج العائد للدولة.

وقد استحوذت الصادرات على نحو 85.1% من حصة الدولة، بينما وجهت قرابة 13.7% إلى التكرير المحلي، ونحو 1.2% إلى محطات الكهرباء.

وبالحساب اليومي، بلغ متوسط النفط الخام المصدر نحو: 849 ألف برميل يومياً،

بينما بلغ متوسط الخام الموجه إلى التكرير نحو: 136.6 ألف برميل يومياً.

وتوضح هذه الأرقام أن المؤسسة تدير معادلة مزدوجة: المحافظة على الصادرات التي توفر الموارد المالية والنقد الأجنبي، وفي الوقت ذاته تخصيص كميات معتبرة لتلبية احتياجات السوق المحلية والطاقة الكهربائية.

وهذه الموازنة بين التصدير والاستهلاك الداخلي أصبحت من أكثر قضايا إدارة الطاقة تعقيداً في الدول المنتجة، خاصة عندما تكون طاقات التكرير المحلية محدودة، ويظل جزء من الطلب على المشتقات معتمداً على الاستيراد.

التكرير المحلي: القيمة ليست في الكمية وحدها

بلغت الكميات المحولة إلى التكرير خلال يونيو نحو 4.1 ملايين برميل، وهو رقم مهم في سياق تعزيز مساهمة المصافي المحلية في توفير الوقود والمنتجات النفطية.

لكن التحليل الاقتصادي لأداء التكرير لا يتوقف عند كمية الخام التي تدخل إلى المصافي؛ فالمؤشر الأكثر دلالة هو حجم المنتجات التي تخرج منها، ونسب التشغيل الفعلية، وكفاءة التحويل، ونوعية المشتقات، وكلفة إنتاجها مقارنة بكلفة استيرادها.

فكل برميل يوجه إلى التكرير المحلي لا يحقق بالضرورة القيمة الاقتصادية نفسها، ما لم تتحول الكمية إلى منتجات مطابقة للمواصفات وبكفاءة تشغيلية مقبولة.

ولهذا فإن تطوير الإفصاح في هذا الجانب يمكن أن يشمل مستقبلاً معدلات تشغيل كل مصفاة، وحجم البنزين والديزل ووقود الطيران والغاز المسال والمنتجات الأخرى الناتجة، إلى جانب نسبة مساهمة الإنتاج المحلي في تغطية الاستهلاك.

إن رفع كفاءة التكرير يمثل أحد أهم مسارات تحسين الاقتصاد النفطي الليبي، لأنه يحقق قيمة مضافة للخام، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويخفف الضغط على النقد الأجنبي، ويعزز أمن الإمدادات.

المخزون المتاح للتصدير: قراءة صحيحة للرقم

أشار البيان إلى وجود: 7,758,304 براميل متاحة للتصدير بتاريخ 30 يونيو 2026.

وقد أوضحت المؤسسة أن هذا الرقم يشمل كميات من إنتاج مايو، إضافة إلى كميات تراكمية موجودة في الخزانات من فترات سابقة.

وبالتالي، لا ينبغي قراءة هذا الرقم باعتباره صادرات إضافية تمت خلال يونيو، وإنما باعتباره رصيداً مخزنياً متاحاً للبيع أو الشحن في نهاية الفترة.

والتمييز بين تدفق الصادرات خلال الشهر والمخزون المتاح في نهاية الشهر ضرورة لفهم الميزان النفطي. فالصادرات تمثل حركة فعلية خلال فترة زمنية، بينما يمثل المخزون لقطة لحظية للكميات الموجودة في الخزانات عند تاريخ محدد.

كما أن وجود مخزون متاح يمنح المؤسسة مرونة في إدارة برامج الشحن والتسويق، والتعامل مع مواعيد الناقلات، والظروف الجوية والتشغيلية، والتغيرات في الأسواق.

ومن شأن إضافة رصيد أول الشهر، والكميات المضافة إلى المخزون، والكميات المسحوبة منه، ورصيد نهاية الشهر، أن توفر ميزاناً نفطياً أكثر تكاملاً.

الإيرادات: التفريق بين الإنتاج والتصدير والتحصيل

بلغت الإيرادات النفطية المحصلة والمحالة إلى الحساب السيادي بالمصرف الليبي الخارجي خلال يونيو: 3,260,938,421.20 دولاراً.

كما بلغت إتاوات وضرائب عقود الامتياز: 2,721,675,652.688 ديناراً ليبياً.

وتبرز هذه الأرقام الدور المالي المركزي الذي يؤديه القطاع النفطي في تمويل الدولة، كما توضح أن مهمة المؤسسة لا تقتصر على إنتاج النفط، بل تشمل تسويقه، ومتابعة الشحنات، وتحصيل قيمتها، وتحويل العائدات وفق الترتيبات المالية المعتمدة.

لكن من المهم في التحليل الفصل بين ثلاثة مفاهيم مختلفة: الإنتاج الفعلي، والتصدير الفعلي، والتحصيل النقدي.

فقد ينتج النفط في شهر، ويشحن في شهر آخر، وتحصل قيمته في فترة لاحقة. ولذلك لا تتطابق الكميات المنتجة أو المصدرة خلال يونيو بالضرورة مع الإيرادات النقدية المحصلة خلال الشهر نفسه.

وفي المحاسبة النفطية، هناك فرق بين أساس الاستحقاق وأساس التحصيل النقدي. فقد تكون قيمة الشحنة مستحقة ومسجلة، لكنها لم تدخل الحساب بعد، كما قد تتضمن إيرادات يونيو متحصلات لشحنات صدرت في مايو أو في فترة سابقة.

ولهذا لا يكون من الدقة قسمة الإيرادات الدولارية المحصلة على كمية الخام المصدرة خلال الشهر، ثم اعتبار الناتج متوسط سعر بيع البرميل؛ لأن طرفي المعادلة قد لا يعودان إلى الفترة نفسها، كما قد تشمل الإيرادات عائدات النفط والغاز والمكثفات والمنتجات، لا الخام وحده.

من الحساب السيادي إلى مصرف ليبيا المركزي

أوضح البيان أن قيمة اعتمادات توريد المحروقات عبر المصرف الليبي الخارجي تستقطع من الإيرادات المحصلة، ثم يحال الرصيد المتبقي إلى مصرف ليبيا المركزي.

وهذه المعلومة تكشف جانباً مهماً من دورة الأموال النفطية، وتوضح أن مبلغ 3.261 مليارات دولار يمثل المبلغ المحصل والمحَوّل إلى الحساب السيادي، لكنه لا يعبر بالضرورة عن صافي المبلغ الذي انتقل في نهاية الدورة إلى مصرف ليبيا المركزي.

ومن المفيد أن تتطور البيانات في هذا الجانب لتظهر بوضوح: إجمالي المتحصلات، وقيمة اعتمادات استيراد المحروقات، وصافي الرصيد المحال إلى مصرف ليبيا المركزي.

ومن شأن هذا التفصيل أن يقدم صورة أكثر اكتمالاً عن العلاقة بين إيرادات التصدير وكلفة تأمين الوقود للسوق المحلية، كما يوضح حجم الالتزامات التي تتحملها المؤسسة ضمن منظومة توفير المحروقات.

والأهم أن هذا النوع من الإفصاح يحول النقاش من تقديرات عامة إلى أرقام يمكن تحليلها، ويتيح فهماً أفضل لما يتحقق من إيرادات وما يستقطع منها لتمويل الاحتياجات الداخلية.

سعر برنت والسعر الفعلي للخامات الليبية

أورد البيان متوسط سعر خام برنت لشهر مايو 2026 عند: 107.554 دولارات للبرميل.

ويمثل برنت مؤشراً مرجعياً رئيسياً في أسواق النفط، لكنه لا يعادل بالضرورة السعر الفعلي الذي تحققه كل شحنة من الخام الليبي.

فالخامات الليبية تختلف في نوعيتها وكثافتها ونسبة الكبريت فيها، كما تختلف أسعارها حسب الميناء وموعد التحميل والطلب في السوق وتكلفة الشحن. وقد تباع بعض الخامات بعلاوة فوق برنت، فيما تباع خامات أخرى بخصم وفق ظروف السوق.

ولهذا يمكن أن يمثل نشر متوسط السعر الفعلي المرجح للصادرات الليبية إضافة مهمة، لأنه يتيح قياس الأداء التسويقي بصورة أدق، ويظهر مدى استفادة ليبيا من جودة خاماتها وقربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية.

كما أن ورود سعر مايو ضمن بيان يونيو يوضح مرة أخرى وجود فجوة زمنية طبيعية بين التسعير والشحن والتحصيل، وهي مسألة مألوفة في تجارة النفط الدولية.

الغاز الطبيعي: ثروة تحتاج إلى ميزان متكامل

بلغ إنتاج الغاز الطبيعي خلال يونيو، وفق الأرقام المنشورة، ما يعادل نحو: 73.324 مليار قدم مكعب،

أي بمتوسط يومي يقارب: 2.44 مليار قدم مكعب يومياً.

وبلغ الغاز المتاح للاستهلاك نحو: 71.661 مليار قدم مكعب،

فيما بلغ الغاز المستعمل فعلياً: 53.379 مليار قدم مكعب،

وبلغت الغازات الحامضية والهيدروكربونية ذات الضغط المنخفض: 11.365 مليار قدم مكعب.

وتؤكد هذه الأرقام أهمية الغاز في منظومة الطاقة الليبية، سواء في تشغيل محطات الكهرباء، أو دعم الصناعة، أو التصدير، أو المحافظة على ضغوط المكامن من خلال إعادة الحقن.

ويظل الغاز أحد أهم الملفات القادرة على إحداث تحول اقتصادي في ليبيا، خاصة من خلال تقليل الحرق، واسترجاع الغاز المصاحب، وتطوير الحقول والمرافق، وتوفير وقود أكثر كفاءة لمحطات الكهرباء، وتعزيز فرص التصدير الإقليمي.

ومن الناحية الفنية، سيكون من المفيد توحيد وحدة القياس في البيانات المنشورة، وتوضيح كامل مسارات الغاز بين الاستهلاك المحلي، والتصدير، وإعادة الحقن، والاستخدامات التشغيلية، والغاز المحروق أو المفقود.

فميزان الغاز لا يقل أهمية عن ميزان النفط، بل قد يصبح في السنوات المقبلة أحد أهم مؤشرات الأمن الطاقي والاقتصادي للدولة.

الإفصاح كأداة لحماية المؤسسة وتعزيز دورها

كلما أصبحت البيانات أكثر انتظاماً وتفصيلاً، تعززت قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على أداء دورها الفني بعيداً عن التخمينات والتأويلات.

فالشفافية في قطاع النفط ليست مجرد استجابة لمطلب إعلامي، بل أداة من أدوات الحوكمة وحماية المؤسسة، لأنها توضح حجم الإنتاج، ومسارات الكميات، والالتزامات المحلية، والعوائد المالية، والتحديات التشغيلية التي تتحملها.

كما أن البيانات الدقيقة تساعد الدولة على التخطيط المالي، وتقدير الإيرادات، وإدارة النقد الأجنبي، ومتابعة كلفة استيراد الوقود، وتحديد الاحتياجات الاستثمارية للقطاع.

والخطوة التالية الطبيعية يمكن أن تكون تطوير البيان الشهري إلى ميزان نفطي ومالي متكامل، يربط بين الإنتاج والمخزون والتصدير والتكرير والتحصيل والتحويلات المالية، مع المحافظة على وضوح العرض وسهولة وصول المعلومة إلى المتخصص وغير المتخصص.

الخلاصة

يكشف بيان يونيو 2026 عن قطاع نفطي يحافظ على مستوى إنتاج مرتفع، ويدير كميات كبيرة من التصدير والتكرير والإمدادات المحلية، ويوفر للدولة تدفقات مالية أساسية في ظروف اقتصادية وتشغيلية معقدة.

كما يعكس البيان تطوراً مهماً في مسار الإفصاح، ويؤكد أن المؤسسة الوطنية للنفط تؤدي وظيفة تتجاوز إدارة الحقول والموانئ؛ فهي تدير العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وتوازن بين متطلبات التصدير واحتياجات الداخل، وتتابع دورة النفط من الإنتاج حتى التحصيل.

ويظل الحفاظ على هذه النتائج مرتبطاً بتوفير التمويل المنتظم، وتسريع برامج الصيانة والتطوير، ورفع كفاءة التكرير، واستثمار الغاز, وتقليل الفاقد والحرق، وتوسيع قاعدة البيانات المنشورة.

فالنفط لا يتحول إلى استقرار اقتصادي بمجرد إنتاجه، بل عندما تدار موارده بكفاءة، وتوضح أرقامه، وتوجه عائداته ضمن رؤية وطنية طويلة الأجل.

ومن هنا، فإن استمرار المؤسسة في أداء واجباتها الفنية، وتطوير الإفصاح، والمحافظة على الإنتاج، يمثل مساراً ضرورياً لحماية الثروة وتعزيز الثقة ودعم قدرة الدولة على التخطيط للمستقبل.

“الشلوي”: المليار الذي يحمي المليارات.. تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس إنفاقاً استهلاكياً بل حماية لإيرادات ليبيا

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

يمثل الإفصاح الصادر عن المؤسسة الوطنية للنفط بشأن أوجه استخدام المبلغ المسيّل من مخصصاتها المعتمدة لسنة 2026 خطوة مهمة تستحق القراءة والتقدير، ليس لأنها تعرض مجموعة من الأرقام فحسب، بل لأنها تربط كل مبلغ بالغرض الذي خُصص له، وتحدد الجهات المرتبطة به، وتوضح للرأي العام جانباً من الالتزامات المالية والفنية اللازمة للمحافظة على إنتاج النفط واستمرارية عملياته.

ومن واقع خبرة امتدت قرابة أربعة عقود في القطاع النفطي، ومتابعة مستمرة لشؤونه الفنية والاقتصادية، أرى أن هذا الإفصاح ينبغي ألا يُقرأ باعتباره بياناً محاسبياً مجرداً، بل بوصفه مؤشراً على حقيقة أساسية: قطاع النفط لا يستطيع حماية إنتاجه بالاعتمادات الورقية وحدها، وإنما يحتاج إلى تمويل فعلي ومنتظم وفي التوقيت المناسب.

فبحسب ما أعلنته المؤسسة، بلغ إجمالي المبلغ المعتمد لها خلال سنة 2026 نحو 13.6 مليار دينار، بينما لم يُسيّل منه سوى مليار دينار واحد، يعادل قرابة 157 مليون دولار، أي ما نسبته 7.35% فقط من إجمالي المبلغ المعتمد.

وبقراءة الرقم من زاوية أخرى، فإن نحو 12.6 مليار دينار، أي 92.65% من المخصصات المعتمدة، لم تُسيّل بعد.

وهنا يكمن جوهر المسألة: الاعتماد المالي لا يتحول إلى آبار منتجة، ولا إلى معدات عاملة، ولا إلى خطوط أنابيب آمنة، ولا إلى منشآت قادرة على الاستمرار، ما لم يتحول فعلياً إلى تدفقات نقدية تغطي الالتزامات والمشروعات وأعمال الصيانة والتشغيل.

أين ذهب المليار المسيّل؟

يكشف تفصيل المبالغ أن كامل القيمة المعادلة بالدولار، والبالغة 157 مليون دولار، وُجهت إلى التزامات محددة ومرتبطة بأصل النشاط النفطي، ولم تذهب إلى مصروفات هامشية أو إنفاق بعيد عن اختصاص المؤسسة.

فقد خُصص مبلغ 119 مليون دولار للتخارج واسترجاع ملكية مصفاة رأس لانوف، وهو ما يمثل نحو 75.8% من إجمالي المبلغ المسيّل.

وهذا الاستخدام لا يمكن تصنيفه باعتباره إنفاقاً تشغيلياً عادياً، بل هو خطوة تتصل باستعادة ملكية أصل صناعي واستراتيجي مهم للدولة الليبية. فمصفاة رأس لانوف ليست مجرد منشأة ضمن قائمة أصول القطاع، وإنما تمثل مكوناً مهماً من البنية التحتية للتكرير والصناعات النفطية، واسترجاع ملكيتها يعزز السيطرة الوطنية على أصل له قيمة اقتصادية وصناعية طويلة الأجل.

كما خُصص مبلغ 16.5 مليون دولار لسداد جزء من التزامات مصفاة الجنوب لصالح شركة “هانيويل” (Honeywell) الأمريكية، وهي من الشركات الدولية المعروفة في مجالات تقنيات المصافي، وأنظمة التحكم والأتمتة الصناعية، والحلول الهندسية المرتبطة بتشغيل المنشآت النفطية.

ووُجه مبلغ 7 ملايين دولار لسداد جزء من الالتزامات والديون المرتبطة بشركة “إس إل بي” (SLB)، المعروفة سابقاً بـ “شلمبرجير”، إضافة إلى 4 ملايين دولار لالتزامات مرتبطة بشركة “بيكر هيوز”، و7 ملايين دولار لتسوية جزء من ديون شركات خدمات نفطية أمريكية أخرى وردت في الإفصاح، من بينها شركات لها حضور معروف في مجالات الحفر والخدمات الفنية والمعدات والتقنيات النفطية.

كما خُصص مبلغ 3.5 ملايين دولار لسداد جزء من ديون شركة طيران النفط تجاه بعض الشركات المشغلة.

وبجمع هذه القيم، نجد أنها تساوي كامل المبلغ المعلن، أي 157 مليون دولار، بما يعكس مستوى جيداً من الإفصاح عن كيفية استخدام المبلغ المسيّل.

شركات معتبرة ترتبط مباشرة بالإنتاج

قد ينظر غير المتخصص إلى أسماء الشركات الواردة في الإفصاح باعتبارها مجرد جهات تجارية تتلقى مستحقات مالية، غير أن القراءة الفنية تكشف أهمية مختلفة تماماً.

فشركات مثل SLB وبيكر هيوز وهانيويل وهاليبرتون وغيرها من شركات الخدمات النفطية العالمية تمثل جزءاً أساسياً من منظومة الصناعة النفطية الحديثة. فهي تقدم تقنيات وخدمات مرتبطة بحفر الآبار وصيانتها، والخدمات الجوفية، والرفع الاصطناعي، وتقييم المكامن، وأنظمة التحكم، والمعدات الدوارة، وتشغيل المنشآت، ومعالجة الأعطال وتحسين كفاءة الإنتاج.

وعندما تتراكم المستحقات المالية لهذه الشركات، فإن التأثير لا يبقى محصوراً في الجانب المحاسبي، بل قد يمتد إلى تأخر تنفيذ البرامج، وتراجع قدرة الشركات على توفير المعدات وقطع الغيار والكوادر الفنية، وارتفاع تكلفة العقود المستقبلية، وتشدد الموردين في شروط الدفع والضمانات.

لذلك فإن تسوية هذه الالتزامات لا ينبغي فهمها باعتبارها مجرد سداد لديون سابقة، بل باعتبارها جزءاً من حماية استمرارية العمليات، والمحافظة على العلاقة الائتمانية والتعاقدية مع الشركات التي يحتاج إليها القطاع.

أما شركة طيران النفط، فإن دورها يتجاوز مفهوم النقل الاعتيادي؛ نظراً إلى انتشار الحقول والمنشآت النفطية عبر مساحات جغرافية واسعة ومناطق صحراوية ونائية، واعتماد عمليات التشغيل على سرعة نقل الأطقم الفنية وقطع الغيار والمعدات بين المواقع المختلفة.

ماذا بقي بعد استرجاع مصفاة رأس لانوف؟

من المهم ملاحظة أن مبلغ استرجاع ملكية مصفاة رأس لانوف استحوذ وحده على 119 مليون دولار من أصل 157 مليوناً.

وهذا يعني أن ما تبقى لتغطية بقية الالتزامات الفنية والخدمية لم يتجاوز 38 مليون دولار فقط.

ومن ثمّ، فإن وصف المليار دينار المسيّل بأنه تمويل واسع لاحتياجات المؤسسة لا يعكس الواقع بدقة؛ لأن الجزء الأكبر منه وُجه إلى عملية استراتيجية محددة، بينما جرى توزيع المبلغ المتبقي على مجموعة من الالتزامات المتراكمة تجاه شركات ومشروعات مختلفة.

وتزداد أهمية هذه الملاحظة في ضوء ما أعلنته المؤسسة من أنه لم يتم تسييل أي ميزانية تشغيلية لها عن سنة 2025.

وهذا يعني أن القطاع دخل سنة 2026 وهو يحمل معه التزامات تشغيلية ومالية من العام السابق، بينما لم يحصل في بداية السنة الجديدة إلا على نسبة محدودة من المبلغ المعتمد له.

النفط لا يحافظ على إنتاجه بنفسه

هناك اعتقاد شائع بأن الحقول النفطية، ما دامت قد بدأت الإنتاج، يمكنها الاستمرار بالمستويات نفسها بصورة تلقائية. وهذا الاعتقاد لا ينسجم مع طبيعة الصناعة النفطية.

فالآبار تتعرض لانخفاض طبيعي في معدلات إنتاجها، والمعدات تحتاج إلى صيانة دورية، والخزانات وخطوط الأنابيب تحتاج إلى الفحص والمعالجة والحماية من التآكل، والمنشآت تحتاج إلى قطع غيار ومواد كيميائية وأنظمة سلامة وتحكم، كما تحتاج الحقول إلى عمليات إصلاح للآبار وإعادة استكمال وحفر آبار تعويضية للحفاظ على مستويات الإنتاج.

وتأجيل هذه الأعمال لا يعني توفير الأموال، بل قد يؤدي إلى خسائر إنتاجية وتكاليف مستقبلية تفوق بكثير قيمة التمويل الذي جرى تأخيره.

وقد يتطلب علاج عطل فني أو إصلاح بئر أو استبدال جزء من المعدات مبلغاً محدوداً نسبياً، لكن عدم توفيره في الوقت المناسب قد يتسبب في توقف إنتاج يساوي ملايين الدولارات خلال فترة قصيرة.

لذلك فإن تمويل القطاع النفطي يجب ألا يُنظر إليه باعتباره باباً من أبواب الإنفاق الحكومي التقليدي، بل باعتباره استثماراً مباشراً في حماية المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والعملة الأجنبية في ليبيا.

المليار الذي يحمي المليارات

عندما تخصص الدولة أموالاً لصيانة الآبار والمنشآت وسداد مستحقات شركات الخدمات واستكمال المشروعات، فإنها لا تنفق المال دون مقابل، بل تحمي قدرتها على إنتاج النفط وتصديره وتحقيق الإيرادات.

ولهذا يمكن القول إن المليار دينار المسيّل ليس مجرد مبلغ صُرف، بل هو مبلغ يفترض أن يسهم في حماية تدفقات مالية أكبر بكثير.

فالفرق بين التمويل المنتظم والتمويل المتأخر قد يكون هو الفرق بين حقل يعمل بطاقته المتاحة، وحقل يتراجع إنتاجه بسبب نقص الصيانة والمعدات والخدمات.

ولا توجد صناعة نفطية في العالم يمكنها المحافظة على قدرتها الإنتاجية دون ميزانيات تشغيلية واستثمارية مستقرة، وبرامج صيانة دورية، وعقود خدمات، ومخزون مناسب من قطع الغيار والمواد، وتدفقات مالية تتوافق مع الالتزامات التعاقدية.

المؤسسة تنتج النفط… لكنها لا تقرر كيف تُنفق عائداته

من أكثر المسائل التي تحتاج إلى توضيح في النقاش العام الفصل بين مسؤولية المؤسسة الوطنية للنفط ومسؤولية الجهات التي تتولى إدارة المالية العامة.

المؤسسة وشركاتها مسؤولة عن استكشاف النفط والغاز وإنتاجهما، وتشغيل الحقول والمنشآت، ونقل الخام، وإدارة الموانئ والتصدير، والمحافظة على الأصول والإنتاج وفق الإمكانات والموارد المتاحة.

أما إدارة الإيرادات النفطية بعد تحصيلها، وتحديد أبواب الموازنة، وتوزيع الإنفاق العام، وتمويل الرواتب والدعم والتنمية والخدمات، فهي مسؤولية أصيلة للسلطات التنفيذية والمالية والنقدية والرقابية في الدولة.

ولهذا لا يصح تحميل المؤسسة الوطنية للنفط مسؤولية ضعف انعكاس الإيرادات النفطية على مستوى معيشة المواطن، أو تعثر مشروعات التنمية، أو ارتفاع الإنفاق العام، أو سوء توزيع الموارد.

فالمؤسسة تنتج البرميل وتصدره وتورد عائداته وفق الآليات القانونية والمالية المعتمدة، لكنها لا تقرر بعد ذلك كيفية إنفاق تلك العوائد أو توزيعها.

وهذا لا يعني إعفاء المؤسسة من الرقابة أو التقييم، بل يعني وضع المسؤولية في مكانها الصحيح، وعدم الخلط بين إدارة النشاط النفطي وإدارة المال العام الناتج عنه.

وفي تقديري، فإن المشكلة الأعمق في ليبيا ليست مشكلة فنية داخل القطاع النفطي بقدر ما هي مشكلة في حوكمة عوائد النفط، وضبط الإنفاق العام، وتوحيد الموازنة، وتحديد الأولويات، وتحويل الإيرادات إلى تنمية وخدمات وفرص عمل وقيمة مستدامة للمواطن.

الدعم لا يعني شيكاً مفتوحاً

دعم المؤسسة الوطنية للنفط وتمويلها لا يعني منحها أموالاً دون رقابة أو متابعة، بل يجب أن يقوم على معادلة واضحة ومتوازنة:

تمويل منتظم، وإفصاح مستمر، ورقابة مهنية، وربط الإنفاق بالأداء والإنتاج ونسب الإنجاز.

ومن المهم أن يستمر نهج الإفصاح عن المبالغ المعتمدة والمسيّلة وأوجه استخدامها والجهات المرتبطة بها، وأن يتطور لاحقاً ليشمل بيانات دورية عن المشروعات، ونسب التنفيذ، والأثر المتوقع على الإنتاج، والنتائج التي تحققت فعلياً.

وفي المقابل، يجب ألا تتحول المطالبة بالشفافية إلى مبرر لتأخير التمويل؛ لأن الشفافية لا يمكن أن تحل محل السيولة، والتقارير لا تستطيع تشغيل الحقول أو شراء قطع الغيار أو تنفيذ الصيانة.

فعندما تفصح المؤسسة عن أوجه استخدام الأموال، ينبغي أن يقابل هذا الإفصاح التزام من الدولة بتوفير ما تم اعتماده وفق جداول زمنية واضحة، ما دام الإنفاق مرتبطاً بأهداف فنية وإنتاجية قابلة للمتابعة والتقييم.

خلاصة القراءة

يفيد الإفصاح الأخير للمؤسسة الوطنية للنفط بأن المبلغ المسيّل لم يوجه إلى نفقات مجهولة أو أنشطة بعيدة عن طبيعة القطاع، بل خُصص لاسترجاع أصل صناعي مهم، ودعم مشروع مصفاة الجنوب، وتسوية أجزاء من التزامات مرتبطة بشركات دولية وفنية معتبرة، إضافة إلى التزامات تشغيلية ضرورية.

كما يوضح أن المؤسسة لم تحصل إلا على 7.35% من إجمالي القيمة المعتمدة لها، في حين ما زال 92.65% من المخصصات غير مسيّل، بالتزامن مع عدم تسييل أي ميزانية تشغيلية لها عن عام 2025.

إذا أرادت الدولة الليبية المحافظة على إنتاج النفط وزيادته، وضمان استمرار تدفق الإيرادات، فعليها أن تتعامل مع تمويل المؤسسة باعتباره استثماراً في أصل الدولة المنتج، لا مجرد إنفاق يمكن تأجيله دون تكلفة.

فالنفط لا ينتج بالتصريحات، والحقول لا تُصان بالاعتمادات غير المسيّلة، والشركات الفنية لا تستطيع الاستمرار في تقديم خدماتها مع تراكم مستحقاتها.

أما السؤال المشروع عن مصير عوائد النفط ومدى انعكاسها على حياة المواطن، فيجب أن يوجه إلى منظومة إدارة المال العام والإنفاق والتنمية، لا إلى المؤسسة التي تتولى إنتاج الثروة وتصديرها.

إن المليار المسيّل قد يبدو رقماً كبيراً، لكنه في واقع صناعة النفط يمثل تمويلاً محدوداً لحماية قطاع يدر على الدولة مليارات الدولارات. ومن هنا فإن دعم المؤسسة وتمويلها المنتظم، مع استمرار الشفافية والإفصاح والرقابة، ليس خياراً إدارياً، بل ضرورة وطنية إذا أرادت ليبيا أن تنعم فعلاً بخيرات نفطها.

لرفع الإنتاج ودعم الكهرباء.. “مليتة” تنجح في تشغيل ضواغط غاز جديدة بمنصة صبراتة البحرية

أعلنت شركة مليتة للنفط والغاز عن نجاح الفرق الفنية التابعة للشركة في إنهاء أعمال ربط وتشغيل ضواغط غاز جديدة على منصة صبراتة البحرية، بالتنسيق مع المؤسسة الوطنية للنفط، وذلك في فترة قياسية لم تتجاوز 30 ساعة دون التأثير على إمدادات محطات الكهرباء.

وبحسب الشركة فإنها تهدف من ذلك إلى الحفاظ على ضغط المكمن وإطالة عمره الإنتاجي؛ حيث من المتوقع أن تسهم الضواغط الجديدة في رفع إنتاج الغاز الطبيعي بمعدل 28 مليار قدم مكعب سنوياً، وزيادة إنتاج المكثفات بحوالي 360 ألف برميل سنوياً.

وأوضحت الشركة بأنها قامت بتوجيه الزيادات المتحققة في الإنتاج مباشرة إلى الخط الساحلي “مليتة – مصراتة”، لدعم شبكة الكهرباء وضمان استقرار الإمدادات لكافة المستهلكين.

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثالث

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

الطريق إلى مليوني برميل… لا يبدأ من الحقول بل من الدولة

على مدى أكثر من ستين عاماً، أثبت قطاع النفط الليبي قدرة لافتة على التعافي كلما توافرت له الظروف المناسبة. فعلى الرغم من الحروب، والإغلاقات، والانقسامات المؤسسية، والتقلبات السياسية، ظل القطاع قادراً على استعادة جزء كبير من إنتاجه في كل مرة، وهو ما يعكس جودة المكامن، وكفاءة الكوادر الوطنية، والخبرة المتراكمة التي اكتسبتها المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها.

لكن التجربة نفسها تقدم درساً لا يقل أهمية.

فكل مرة ارتفع فيها الإنتاج، لم يكن السبب اكتشاف احتياطيات جديدة، وإنما تحسن الظروف التي سمحت للقطاع بالعمل.

وهذا يعني أن العامل الحاسم في مستقبل النفط الليبي لم يعد جيولوجياً، بل أصبح مؤسسياً.

فالنفط موجود منذ ملايين السنين، لكن الاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة، والتمويل يحتاج إلى ثقة، والشركات تحتاج إلى وضوح في الرؤية، والأسواق تحتاج إلى مورد يمكن الاعتماد عليه.

ولهذا فإنني أرى أن الحديث عن مليوني برميل يومياً يجب ألا يُختزل في عدد الآبار التي ستُحفر أو حجم الاستثمارات التي ستُضخ، بل يجب أن يبدأ بسؤال أكثر جوهرية:

هل تمتلك ليبيا اليوم البيئة المؤسسية التي تسمح بإدارة مشروع بهذا الحجم؟

المؤسسة الوطنية للنفط… ركيزة النجاح وليست البديل عن الدولة

من الإنصاف القول إن المؤسسة الوطنية للنفط كانت، طوال السنوات الماضية، صمام الأمان الحقيقي لهذا القطاع.

فعلى الرغم من الظروف المعقدة، استطاعت المحافظة على استمرارية الإنتاج، وإدارة علاقاتها مع الشركاء الدوليين، وإعادة تشغيل الحقول والموانئ بعد كل أزمة تقريباً، كما نجحت في إطلاق مشاريع تطويرية وجولة تراخيص جديدة أعادت ليبيا إلى خريطة الاستثمار العالمي في الاستكشاف والإنتاج.

وهذا النجاح يستحق الإشادة.

لكن من الظلم أيضاً تحميل المؤسسة الوطنية للنفط وحدها مسؤولية تحقيق مليوني برميل يومياً.

فالقطاع النفطي، بطبيعته، لا يعمل بمعزل عن بقية مؤسسات الدولة.

إن نجاح المؤسسة يحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ باستقرار القرار السياسي، وتمر بوضوح السياسات المالية، وتصل إلى كفاءة الأجهزة القضائية والتنظيمية، وسرعة الإجراءات الإدارية، واستقرار البيئة الأمنية، وتكامل البنية التحتية.

فلا يمكن لأي مؤسسة نفطية في العالم، مهما بلغت كفاءتها، أن تحقق أهدافاً استراتيجية إذا كانت تعمل في بيئة تفتقر إلى الانسجام المؤسسي أو تعاني من تغيرات متمتالية في قواعد العمل.

ومن هنا، فإن نجاح المؤسسة الوطنية للنفط في المرحلة المقبلة يجب أن يُنظر إليه باعتباره نجاحاً للدولة الليبية بأكملها، وليس لمؤسسة واحدة.

المشكلة ليست في النفط… بل في إدارة النفط

في اعتقادي، هذه هي القضية الجوهرية التي ينبغي أن تشغل النقاش الوطني خلال السنوات القادمة.

فليبيا لا تعاني من نقص في الموارد الطبيعية، ولا من ضعف في جودة خامها، ولا من محدودية احتياطياتها، بل تمتلك، بشهادة الأسواق العالمية، واحداً من أفضل الخامات النفطية، وأكبر الاحتياطيات في أفريقيا، وإمكانات غازية واعدة لم تُستغل بعد بالشكل الأمثل.

لكن السؤال الحقيقي هو: كيف تُدار هذه الثروة؟

إن الدول لا تتقدم لأنها تنتج النفط، وإنما لأنها تحسن إدارة عائداته.

ولذلك فإن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لن يكون إنجازاً حقيقياً إذا استمرت أنماط الإدارة الاقتصادية نفسها، أو بقيت العوائد تُستهلك في الإنفاق الجاري دون أن تتحول إلى استثمارات منتجة ترفع من قدرة الاقتصاد على النمو والاستدامة.

إن المطلوب اليوم ليس فقط زيادة الإنتاج، بل زيادة القيمة الاقتصادية لكل برميل يتم إنتاجه. وهذا لا يتحقق إلا عبر منظومة متكاملة تشمل:

  • رفع الطاقة التكريرية المحلية، بما يقلل الاعتماد على استيراد الوقود.
  • التوسع في الصناعات البتروكيماوية والأسمدة والصناعات التحويلية.
  • استثمار الغاز الطبيعي بصورة أكثر كفاءة، والحد من حرق الغاز المصاحب.
  • تطوير الخدمات النفطية المحلية، وتمكين الشركات الوطنية من المشاركة بصورة أكبر في المشاريع.
  • رفع نسبة المحتوى المحلي، بما يخلق فرص عمل ويعزز نقل التكنولوجيا.
  • الاستثمار في البحث العلمي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات النفطية.

فالقيمة المضافة لا تُقاس بعدد البراميل المنتجة فقط، بل بما تحققه تلك البراميل من نشاط اقتصادي داخل الدولة.

النفط يجب أن يمول التحول الاقتصادي… لا أن يؤجل الإصلاح

لقد اعتمد الاقتصاد الليبي، لعقود طويلة، على النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات، وهو ما جعل أداء الاقتصاد يرتبط بصورة مباشرة بأسعار النفط ومستويات الإنتاج.

لكن المرحلة المقبلة تفرض رؤية مختلفة.

فالزيادة المتوقعة في الإيرادات، إذا تحقق هدف مليوني برميل يومياً، يجب ألا تؤدي إلى توسيع الاقتصاد الريعي، بل ينبغي أن تمثل فرصة تاريخية لتمويل إصلاحات اقتصادية طال انتظارها، ومن أهمها:

  • تنويع مصادر الدخل.
  • تمكين القطاع الخاص.
  • تحسين كفاءة الإنفاق العام.
  • الاستثمار في رأس المال البشري.
  • تحديث البنية التحتية.
  • دعم الاقتصاد الرقمي والصناعات الجديدة.

فأفضل استخدام لعائدات النفط هو أن تُستثمر في بناء اقتصاد يستطيع، مستقبلاً، أن يحقق النمو حتى عندما تتراجع أسعار النفط أو تنخفض معدلات الإنتاج.

وهذه، في تقديري، هي الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية، وهي أيضاً المعيار الذي يجب أن نقيس به نجاح أي استراتيجية نفطية في ليبيا، وليس فقط عدد البراميل التي تخرج يومياً من الحقول.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثاني

“مسعود سليمان”: إنتاج ليبيا النفطي يسجل أعلى مستوى منذ 2013 باقترابه من 1.5 مليون برميل يومياً

أعلن رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان” اليوم الأحد، تحقيق طفرة إنتاجية هي الأعلى منذ عام 2013؛ حيث بلغ إجمالي إنتاج النفط الخام والمكثفات مليون و487 ألف برميل يومياً (منها مليون و438 ألف برميل نفط خام، و49 ألف برميل مكثفات).

​وأشاد رئيس المؤسسة بالجهود الاستثنائية للكوادر والعاملين في مختلف الحقول والموانئ النفطية التي قادت إلى هذا “الإنجاز التاريخي”، مؤكداً أن القطاع يسير بخطى ثابتة واقترب من بلوغ حاجز 1.5 مليون برميل يومياً، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي ويعزز مكانة النفط الليبي عالمياً.

“صنع الله” يكتب: الحدود البحرية الليبية بين حماية السيادة وصون حقوق الأجيال القادمة

كتب: مصطفى صنع الله – رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط

يُعد ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية من أهم الملفات السيادية الشائكة بين الدول المتجاورة والمتشاطئة، لما يرتبط به من حقوق قانونية واقتصادية وإستراتيجية، خصوصًا في المناطق البحرية التي قد تحتوي على موارد طبيعية مهمة، وفي مقدمتها النفط والغاز، إلى جانب الإمكانات المعدنية والبيئية والاقتصادية الأخرى.

وقد أولت ليبيا هذا الملف اهتمامًا مبكرًا، خاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي، إدراكًا منها لأهمية حماية حقوقها السيادية في البحر المتوسط. وفي ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد، وما تشهده من تحديات سياسية وأمنية، تزداد الحاجة إلى إعادة تسليط الضوء على ملف الحدود البحرية، ولا سيما مع دولتي مالطا واليونان، باعتباره ملفًا لا يخص الحاضر فقط، بل يتعلق بحقوق الأجيال القادمة ومصالح الدولة الليبية العليا.

أولًا: خلفية عامة
منذ أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، ازداد الاهتمام بأعمال الاستكشاف والتنقيب عن المواد الهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط، بعد ظهور مؤشرات واكتشافات مهمة للغاز في عدد من المناطق البحرية. وقد دفع ذلك دولًا عدة في الإقليم، من بينها مصر وقبرص وإسرائيل، إلى تكثيف أنشطة الاستكشاف وإبرام اتفاقيات لترسيم أو تنظيم مناطقها البحرية، استنادًا إلى قواعد القانون الدولي للبحار ومبدأ التوصل إلى حلول منصفة بين الدول المتقابلة أو المتجاورة.

ونتيجة لهذه التطورات، تحولت منطقة شرق ووسط البحر المتوسط إلى مجال اهتمام كبير من قبل الدول والشركات العالمية العاملة في قطاع الطاقة، الأمر الذي جعل قضايا ترسيم الحدود البحرية أكثر حساسية وأهمية، خاصة للدول التي لم تُحسم حدودها البحرية بالكامل مع جيرانها.

ثانيًا: ليبيا ومالطا
شهد ملف الحدود البحرية بين ليبيا ومالطا خلافًا قديمًا حول الجرف القاري، وقد عُرض النزاع بين الدولتين على محكمة العدل الدولية، التي أصدرت حكمها في 3 يونيو 1985 بشأن ترسيم جزء من الجرف القاري بين البلدين، غير أن هذا الحكم لم يُنهِ جميع المسائل البحرية العالقة، إذ بقيت بعض المناطق محل خلاف، خاصة ما يتعلق بامتدادات الجرف القاري وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة لكل دولة. ولمن يرغب في الاطلاع على مزيد من المعلومات عن الحكم التحكيمي بإمكانه الاطلاع على كتاب أحد قامات القانون الليبي والذي كان له الدور الأكبر في كسب ليبيا للحكم التحكيمي، المرحوم الأستاذ الدكتور المرتضى عبد الرازق سليمان في كتابه “قضية الجرف القاري بين الجماهيرية العربية الليبية وجمهورية مالطا”.

وعودًا على بدء، فأبرز المناطق التي ظلت محل متابعة هي القطعة البحرية الليبية المعروفة بـ (م.ن. 146) التابعة لشركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز، في مقابل مناطق بحرية منحتها مالطا أو طرحتها للاستكشاف، من بينها المنطقتان المالطيتان رقم 5 ورقم 7.

المنطقة رقم 5
في يوليو 2001، منحت الحكومة المالطية المنطقة المصنفة لديها برقم 5 لشركة “بان كونتيننتال”، التي دخلت لاحقًا في ائتلاف مع شركة “أناداركو”. وفي 24 مايو 2005، وجّهت المؤسسة الوطنية للنفط تحذيرًا إلى الشركتين من القيام بأي نشاط استكشافي في المنطقة، باعتبار أن جزءًا كبيرًا منها يقع ضمن الجرف القاري الليبي. وقد اعتبرت المؤسسة الوطنية للنفط أن أي نشاط في تلك المنطقة يمثل مساسًا بالحقوق السيادية للدولة الليبية، وطالبت بوقف أي أعمال استكشافية، مع تحميل الشركات المسؤولية القانونية وفق القوانين الليبية وقواعد القانون الدولي.

وفي السياق نفسه، قامت السلطات المالطية سنة 2005 بمنع شركة (سي جي جي)، المتعاقدة مع المؤسسة الوطنية للنفط، من تنفيذ برنامج مسح سيزمي بحري داخل أجزاء من القطعة (م.ن. 146) التابعة لشركة سرت، كما وُجهت تحذيرات إلى شركة “نيبون” اليابانية بشأن المنطقة رقم 2، التي فازت بها ضمن جولة الإعلان العام الثانية، بحجة تداخلها مع المنطقة رقم 5 وفق المزاعم المالطية.

وفي 4 فبراير 2015، وقعت الحكومة المالطية اتفاقية مع شركة (Ratio Malta Limited)، التابعة لشركة (Ratio Oil Exploration Limited) المملوكة لشركة “ريشا لاستكشاف النفط المحدودة” الإسرائيلية، لإجراء دراسات استكشافية في المنطقة البحرية رقم 5 جنوب مالطا، وهي منطقة تقع أجزاء منها وتتداخل مع حقوق الدولة الليبية البحرية.

المنطقة رقم 7
في ديسمبر 2007، منحت الحكومة المالطية المنطقة رقم 7 لشركة (Heritage Oil)، وهي منطقة تشمل أجزاءً من الجرف القاري الليبي وتتداخل مع مساحة مهمة من القطعة (م.ن. 146) التابعة لشركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز.

وفي 27 فبراير 2008، وجهت المؤسسة الوطنية للنفط تحذيرًا إلى شركة (Heritage)، مؤكدة أن أي نشاط تقوم به في المنطقة رقم 7 يُعد انتهاكًا للحقوق السيادية الليبية. وردّت الشركة في 29 أبريل 2008 بأن على المؤسسة الوطنية للنفط مراجعة الأمر مع الحكومة المالطية، الأمر الذي دفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى إحالة الموضوع إلى الجهات الليبية المختصة آنذاك (اللجنة الشعبية للمكتب الشعبي للاتصال الخارجي).

وفي سنة 2010، أعدت شركة (Heritage) برنامجًا استكشافيًا في المنطقة رقم 7، تضمن مسحًا سيزميًا ثنائي الأبعاد وحفر بئر استكشافية، كما نُفذت خلال شهر يوليو 2011 عمليات مسح سيزمي في المنطقة.

وفي سنة 2015، منحت الحكومة المالطية شركة (TGS Nopec) حق تنفيذ أنشطة مرتبطة بالاستكشاف في المنطقة رقم 7. وقد خاطبت المؤسسة الوطنية للنفط بتاريخ 24 أغسطس 2015م الشركة محذرة إياها من القيام بأي نشاط في منطقة تعتبر جزءًا من حقوق ليبيا البحرية، مما أدى إلى تجميد النشاط والانسحاب من الاتفاقية.

ثالثًا: ليبيا واليونان
أما فيما يتعلق بدولة اليونان، فإن جوهر الخلاف يتمثل في كيفية احتساب الحدود البحرية، ومدى الأثر الذي تمنحه اليونان للجزر الواقعة جنوب جزيرة كريت في تحديد الامتدادات البحرية. فوفقًا لاتفاقية البحار والتي تحدد المسافات المتساوية بين الدول المتشاطئة، فإن هذا يعني أنه على دولة اليونان احتساب المسافة من جزيرة كريت وليس من جزر بعيدة جنوب كريت، الأمر الذي جعل دولة اليونان تنتزع ما يقارب من تسعة وثلاثين ألف كيلو متر مربع من المياه الليبية الاقتصادية وربما المياه الإقليمية الخالصة، وهي مساحة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة.

لذلك، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب قدرًا عاليًا من الحذر القانوني والفني، وعدم تركه للتقديرات السياسية المؤقتة أو التفاهمات غير المدروسة.

وفي هذا السياق، وعندما تعاقدت الحكومة اليونانية مع شركتي “توتال” و”إكسون موبيل” بشأن أنشطة استكشافية جنوب وجنوب غرب كريت، قامت المؤسسة الوطنية للنفط بمخاطبة الشركتين في 29 سبتمبر 2020، مطالبة بالتوقف عن أي أنشطة استكشافية في المناطق محل النزاع البحري، وقد استجابت شركة “توتال إنرجيز” إلى ذلك، كما أخطرت المؤسسة الوطنية للنفط الجهات السيادية الليبية المختصة (المجلس الرئاسي ووزارة الخارجية والتعاون الدولي) بفحوى مراسلات المؤسسة الوطنية للنفط.

رابعًا: أهمية الملف
إن ملف الحدود البحرية الليبية ليس ملفًا فنيًا محدودًا، بل هو ملف سيادي وقانوني وإستراتيجي يرتبط بمستقبل الدولة الليبية وحقوق الشعب الليبي في موارده الطبيعية. فالمياه البحرية لا تمثل فقط مجالًا للملاحة أو الصيد، بل قد تحتوي على احتياطات مهمة من النفط والغاز، فضلاً عن موارد بحرية واقتصادية أخرى أهمها المعادن النادرة، ويمكن أن تكون ذات أثر كبير في مستقبل الاقتصاد الوطني.

ومن هنا، فإن أي تفريط أو تهاون أو تأخير في إدارة هذا الملف قد يترتب عليه ضرر طويل المدى، لا يقتصر أثره على الجيل الحالي، بل يمتد إلى الأجيال القادمة.

التوصيات
أولًا: مراجعة جميع الخلفيات التاريخية والقانونية والفنية المتعلقة بملف الحدود البحرية مع دولتي مالطا واليونان، بما في ذلك المراسلات السابقة، والخرائط، والعقود، وأحكام المحاكم الدولية، ومواقف الشركات الأجنبية.

ثانيًا: تشكيل فريق وطني متخصص يضم المؤسسة الوطنية للنفط، ووزارة الخارجية والتعاون الدولي، والجهات الفنية والقانونية المختصة، إلى جانب مكتب محاماة دولي له خبرة مباشرة في قضايا ترسيم الحدود البحرية والنزاعات المتعلقة بالجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة.

ثالثًا: عدم الدخول في أي مفاوضات أو تفاهمات مع دولتي مالطا أو اليونان قبل إعداد ملف فني وقانوني متكامل، يستند إلى الخرائط والوثائق والحقوق التاريخية والقواعد المستقرة في القانون الدولي.

رابعًا: التعامل مع الملف باعتباره أولوية وطنية عليا، لا يجوز أن يكون محل مساومة سياسية أو تنازل مرحلي أو توظيف لخدمة مكاسب آنية لا تراعي مصالح الشعب الليبي وحقوقه السيادية.

إن حماية الحدود البحرية الليبية هي حماية للسيادة الوطنية، ولثروات البلاد، ولحقوق الأجيال القادمة.