Skip to main content

الوسم: ليبيا

“أنس الأمين” يكتب: رؤية لإدارة السياسة النقدية في ليبيا “من تكديس الاحتياطيات إلى بناء اقتصاد منتج”

كتب: أستاذ الاقتصاد/ أنس الأمين

أعلن مصرف ليبيا المركزي مؤخرًا عن ارتفاع ملحوظ في حجم الاحتياطيات الأجنبية، في مؤشر واضح على تحسّن إدارة الأصول الخارجية واستعادة قدر من الاستقرار النقدي (Monetary Stability). هذه الأرقام تعكس نجاح المصرف في إدارة التدفقات النفطية وتوظيفها بكفاءة ضمن أدوات السياسة النقدية، بما يعزّز الثقة بالقطاع المصرفي ويُظهر قدرة الدولة على حماية مركزها المالي الخارجي.

إلا أن هذا التحسّن، رغم أهميته، لا يجب أن يُفهم كغاية في ذاته، بل كأداة (Instrument) لتحقيق أهداف اقتصادية أوسع: الاستقرار المالي، تحفيز النمو الحقيقي، ودعم التنمية المستدامة. فالاحتياطيات ليست ثروة صامتة تُخزّن، بل أداة فعّالة لتقوية الاقتصاد الوطني وتحسين قدرته على مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية.

من الذهب إلى الأسس الاقتصادية

من المهم التذكير بأن العالم تخلّى منذ سبعينيات القرن الماضي عن قاعدة الذهب (Gold Standard System)، وأصبح معيار قوة العملة يعتمد على الأسس الاقتصادية الجوهرية (Economic Fundamentals):

الإنتاج المحلي، الميزان التجاري (Trade Balance)، الانضباط المالي، وكفاءة السياسة النقدية (Monetary Policy Efficiency).

بمعنى آخر، لم يعد امتلاك الذهب أو العملات الصعبة ضمانًا لقوة العملة، ما لم يكن مصحوبًا باقتصاد منتج قادر على توليد القيمة المضافة. لذلك، فإن تراكم الاحتياطيات في حد ذاته لا يصنع تنمية، بل يُعد وسيلة لتثبيت الثقة وإدارة الأزمات وتمويل التحول الهيكلي نحو اقتصاد متنوع ومستدام.

مقارنة إقليمية: الأردن وتونس نموذجًا

الأردن: الاستقرار عبر الانضباط والتنسيق

تُعد التجربة الأردنية مثالًا على قدرة الدولة الصغيرة على تحقيق استقرار نقدي ومالي طويل الأمد رغم محدودية الموارد. فقد حافظ البنك المركزي الأردني على احتياطيات أجنبية تفوق 17 مليار دولار، تمثل نحو 7 إلى 8 أشهر من الواردات، وهي نسبة تفوق المعدل الموصى به دوليًا.

هذا الإنجاز تحقق بفضل التنسيق الوثيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية، والانضباط في إدارة العجز، والحفاظ على مصداقية سعر الصرف الثابت.

في الأردن، تُدار الاحتياطيات باعتبارها أداة لتعزيز الثقة بالعملة، وتدعيم استقرار الأسواق، وليس كهدف للتفاخر بالحجم أو تراكم الأرقام.

تونس: الدروس من فقدان التوازن

في المقابل، تمثل التجربة التونسية درسًا في المخاطر الناتجة عن الخلل الهيكلي في القاعدة الإنتاجية. فقد تراجعت احتياطيات تونس في السنوات الأخيرة تحت ضغط العجز التجاري المزمن وارتفاع فاتورة الاستيراد، ما أدى إلى تدهور الدينار التونسي وارتفاع معدلات التضخم.

تُظهر هذه التجربة أن الاحتياطيات – مهما كانت كبيرة – لا يمكن أن تحمي العملة إذا لم تُصاحبها سياسات إنتاجية وتصديرية متماسكة. فالنظام النقدي لا يعمل في فراغ، بل يتأثر مباشرة بفاعلية الاقتصاد الحقيقي.

ليبيا: فرصة الانتقال من الوفرة إلى التوظيف الذكي

أما في الحالة الليبية، فإن ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية يعكس تحسّن إدارة الأصول الخارجية بفضل استقرار أسعار النفط وإدارة مصرف ليبيا المركزي للسيولة والاحتياطي بشكل أكثر انضباطًا.

لكن ليبيا، على خلاف الأردن وتونس، تمتلك ميزة نوعية: وفرة مالية دون التزامات خارجية كبيرة. وهذا يمنحها فرصة نادرة للانتقال من مرحلة التكديس المالي السلبي إلى مرحلة التوظيف الإنتاجي الإيجابي.

الاحتياطيات الوفيرة تمنح المصرف المركزي مرونة في إدارة سعر الصرف عبر تبنّي نظام تعويم مدار (Managed Float System)، بحيث يتدخل البنك المركزي بالتنسيق مع الحكومة عندما يتجاوز سعر الصرف مستويات معينة (على سبيل المثال 8 دنانير للدولار) لضبط السوق ومنع التقلبات الحادة.

هذا النموذج يوفّر توازنًا ذكيًا بين مرونة السوق واستقرار الأسعار، ويمنح السياسة النقدية مساحة أوسع للتحرك دون المساس بثقة المواطنين بالعملة الوطنية.

مكافحة التضخم وحماية القوة الشرائية

غير أن الاستقرار النقدي لا يُقاس فقط بقدرة المصرف على الدفاع عن سعر الصرف، بل بقدرته على كبح التضخم الذي يلتهم الدخول ويقوّض القوة الشرائية.

توجيه جزء من عوائد الاحتياطيات نحو تمويل برامج الحماية الاجتماعية للأسر محدودة الدخل، ودعم أسعار السلع الأساسية، يعدّ ضرورة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي الموازي للاستقرار المالي.

ففي نهاية المطاف، لا يمكن لأي استقرار نقدي أن يصمد إذا لم يشعر المواطن بانعكاساته المباشرة في حياته اليومية.

نحو تناغم بين السياسات

تحقيق التوازن بين السياسة النقدية والسياسة المالية هو حجر الزاوية لأي إصلاح اقتصادي.

مصرف ليبيا المركزي يمتلك اليوم قاعدة مالية قوية، لكن تحويلها إلى أداة للنمو يتطلب تنسيقًا مؤسساتيًا واضحًا مع الحكومة، بحيث تُوجّه الموارد نحو الاستثمار في البنية التحتية، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتمويل التحول نحو اقتصاد متنوع يخفف الاعتماد على النفط.

الاحتياطيات الأجنبية يمكن أن تتحول من مجرد “صمام أمان” إلى رافعة تنمية إذا جرى توظيفها في بناء الثقة بالعملة، وتحفيز الإنتاج المحلي، وتمويل الإصلاحات الهيكلية التي تزيد من تنافسية الاقتصاد الليبي.

إن تراكم الاحتياطيات الأجنبية لا يمثل نهاية الطريق، بل بدايته.

القوة الحقيقية لا تكمن في حجم الأرصدة، بل في كفاءة توظيفها لخدمة الاقتصاد الوطني.

التجارب الإقليمية تُظهر أن الدول التي نجحت في تحقيق توازن بين الاستقرار النقدي والنمو الحقيقي هي تلك التي تعاملت مع احتياطياتها كأداة ديناميكية، لا كمدخرات جامدة.

ليبيا تمتلك اليوم فرصة نادرة لإعادة صياغة سياستها النقدية على أسس حديثة تجمع بين المرونة والانضباط، وبين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية.

وإذا استُثمرت هذه الاحتياطيات بحكمة، يمكن أن تتحول من رقم في ميزانية البنك المركزي إلى قوة حقيقية تدعم التنمية، وتحمي المواطن، وتبني اقتصادًا منتجًا ومستدامًا.

“شكشك” يناقش مع رئيس هيئة التخطيط العمراني نتائج متابعة ديوان المحاسبة لمشروع الخطة القصيرة لمعالجة الأوضاع العمرانية

ناقش رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك” خلال اجتماعه اليوم الخميس مع رئيس الهيئة الوطنية للتخطيط العمراني “أحمد التومي”، نتائج متابعة الديوان لمشروع الخطة القصيرة لمعالجة الأوضاع العمرانية.

وتناول الاجتماع نتائج المراجعة والمتابعة من قبل الديوان للإجراءات المتخذة من الهيئة لتنفيذ مشروع الخطة القصيرة، حيث تم عرض ملاحظات الديوان الفنية والمالية على عدد من الموضوعات ذات الصلة بالمشروع ومن أهمها كراسة العطاءات، والأسعار الاسترشادية المعتمدة من قبل رئاسة الوزراء وتقييم الأسس التي تم الاعتماد عليها في تحديد الأسعار.

وفي ختام الاجتماع تم التأكيد على ضرورة معالجة الملاحظات المقدَّمة من ديوان المحاسبة والرد عليها وتقديم التوضيحات اللازمة، ضمانا لتوافق الإجراءات المتخذة مع الضوابط الفنية والرقابية والمتطلبات القانونية بما يحقق الغاية المرجوة من المشروع.

الشركة الليبية للأسمدة تعقد اجتماع الجمعية العمومية العادية

عقدت الشركة الليبية للأسمدة اليوم الأربعاء اجتماع الجمعية العمومية العادية للعام 2025، بحضور رئيس مجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار “علي محمود”، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان”، إلى جانب مجلس إدارة الشركة والإدارات المختصة.

وتم خلال الاجتماع استعراض تقرير نشاط الشركة عن السنة المالية المنتهية في 31 ديسمبر 2024، وما تحقق فيها من إنجازات، من بينها تحسن الأداء التشغيلي لمصنع الأمونيا ومصنع اليوريا وتحقيق نتائج تشغيلية ممتازة، كما تمت مناقشة أهم التحديات والصعوبات التي واجهت الشركة وسبل معالجتها للنهوض بأداء الشركة وضمان استمرار مساهمتها في دعم الاقتصاد الوطني.

وفي ختام الاجتماع، تم اعتماد القوائم المالية للسنة المالية 2024، والتأكيد على أهمية مواصلة الجهود لتذليل الصعوبات وتعزيز أداء الشركة بما يحقق أهدافها التنموية.

“الكيلاني” تؤكد إيداع مخصصات منحة الزوجة والأبناء للربع الثالث للعام 2025 في حساب وزارة الشؤون الاجتماعية

قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية بحكومة الوحدة الوطنية “وفاء الكيلاني” بأن مخصصات منحة الزوجة والأبناء للربع الثالث من عام 2025 قد تم إيداعها في حساب الوزارة بمصرف ليبيا المركزي.

وأوضحت “الكيلاني” بأن المخصصات التي تم إيداعها بحساب الوزارة تشمل منحة الأبناء دون سن الثامنة عشرة، بالإضافة إلى منحة الزوجة والبنات فوق سن الثامنة عشرة، عن الأشهر “7 و8 و9” من العام 2025.

وأضافت بأن الوزارة ستقوم غدا الخميس بإحالة قوائم المستفيدين إلى إدارة العمليات المصرفية بمصرف ليبيا المركزي، لضمان تحويل المبالغ إلى حسابات المستحقين في المصارف التجارية على مستوى مختلف أنحاء البلاد.

“تكالة” يناقش مع المحافظ “ناجي عيسى” الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد

ناقش رئيس المجلس الأعلى للدولة “محمد تكالة” مع محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد، وسُبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مجلس الدولة والمصرف المركزي، بما يسهم في دعم الاستقرار المالي وتحسين الأداء الاقتصادي.

كما تم التطرق خلال الاجتماع الذي حضره النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للدولة “حسن حبيب”، إلى عدد من الملفات المتعلقة بسياسات الإنفاق العام، وضمان عدالة توزيع الموارد، وآليات تعزيز الشفافية في إدارة المال العام.

بحضور المحافظ “ناجي عيسى”.. لجنة الاستثمار والمخاطر بمصرف ليبيا المركزي تستعرض مؤشرات الاحتياطي النقدي الأجنبي

ناقشت لجنة الاستثمار والمخاطر بالمصرف المركزي خلال اجتماعها اليوم الأربعاء بمقر “المركزي” بطرابلس بحضور المحافظ “ناجي عيسى”، جملة من البنود الاستراتيجية المتعلقة بإدارة الأصول والاستثمارات الخارجية للمصرف.

واستعرضت اللجنة تقرير الأصول المملوكة للمصرف بالنقد الأجنبي، والتي تشمل الذهب والأصول المالية المختلفة بالعملات الأجنبية، مشيرة إلى الأثر الإيجابي لارتفاع أسعار الذهب والعملات على إجمالي قيمة المحافظ الاستثمارية، والتي بلغت نحو 98.8 مليار دولار أمريكي، يشكل الذهب منها ما قيمته حوالي 18.2 مليار دولار.

واطلعت اللجنة على العوائد الاستثمارية المحققة من هذه الأصول حتى تاريخ نهاية شهر سبتمبر الماضي، والتي بلغت 2 مليار دولار، مما يعكس أداءً إيجابياً في إدارة الاحتياطات الأجنبية ويخفف من عجز الإيرادات النفطية وميزان المدفوعات نتيجة توسع الإنفاق على النقد الأجنبي.

كما ناقشت اللجنة الشروع في طرح شهادات الإيداع المضاربة المطلقة، حيث تقرر البدء في الإعلان عن طرح الإصدار الأول للمصارف التجارية اعتباراً من يوم الاحد القادم الموافق 2025/10/12 بما يعكس توجه المصرف نحو توسيع قاعدة الاستثمار وتحقيق الاستفادة القصوى من السيولة المتاحة بالسوق المحلي.

ويأتي هذا الاجتماع في إطار حرص مصرف ليبيا المركزي على تعزيز الشفافية والكفاءة في إدارة احتياطاته من النقد الأجنبي، وتقديم صورة إيجابية عن مؤشرات الاستقرار النقدي والمالي والاقتصادي في البلاد، بما يدعم الثقة في السياسة النقدية ويعزز من مكانة المصرف كمؤسسة مالية رائدة في المنطقة.

“ناجي عيسى” يناقش مع مديري المصارف توفير السيولة النقدية والتطور في مؤشرات الدفع الإلكتروني

ناقش محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” في اجتماعه اليوم الاثنين، مع رؤساء مجالس الإدارة والمديرين العامين للمصارف التجارية، عدداً من الموضوعات الهامة منها توفير السيولة النقدية بشكل منتظم وفق الخطة المعتمدة، ونجاح خطة سحب العملة من التداول بما يسهم في تنظيم حركة النقد والمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي.

وتطرّق الاجتماع إلى مناقشة التطور في مؤشرات الدفع الإلكتروني، تعزيزاً لاستخدام التقنيات المالية الحديثة بما يتماشى مع توجهات المصرف المركزي نحو التحول الرقمي وتحسين جودة الخدمات المصرفية.

وشدد “ناجي عيسى” على ضرورة الالتزام بمتطلبات الامتثال وفق المعايير المحلية والدولية عند فتح الاعتمادات المستندية، وتطبيق ضوابط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مؤكداً على أن المصرف المركزي سيواصل جهوده لضمان سلامة واستقرار النظام المصرفي وتعزيز ثقة المتعاملين به.

وأكد المحافظ في ختام الاجتماع على استمرار التنسيق بين المصرف المركزي وكافة المصارف العاملة لضمان تنفيذ الخطط المعتمدة وتحقيق الأهداف المرجوة لتطوير القطاع المصرفي الليبي.

يذكر أن الاجتماع كان بمشاركة أعضاء مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي ومدراء الإدارات المختصة بالمصرف المركزي، وبحضور نائب المحافظ “مرعي البرعصي” عبر تقنية الفيديو من مدينة بنغازي، إضافة إلى حضور مدراء إدارات الامتثال بالمصارف.

“أيوب الفارسي”: سعر الصرف الثابت ضمانة للمنحى التنازلي للسوق السوداء غير الشرعية

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي “أيوب الفارسي” إنه في ظل هيكل الاقتصاد أحادي مصدر النقد الأجنبي، والذي لا يمكن معه إلا اتباع سياسة التثبيت، فإنه حتى في ظل تنامي سوق سوداء وهو طابع مرتبط بسياسة التثبيت، ولكن هذا التنامي لا ينفلت بسبب أن السعر الثابت يشد هذا السوق ولا يجعله ينفلت.

وأضاف “الفارسي” بأنه ومع زيادة تدخلات مصرف ليبيا المركزي؛ فإن الهدف يكون تقليص الفجوة السعرية ومن ثم القضاء على هذا السوق الممنوع أساسا والذي يجب محاربته، أو على الأقل أن لا يكون سوقا حقيقيا بحيز مكاني ومتعاملين كأي سوق آخر .

وتابع قائلا: “طبعا لا أستطيع رسم سيناريو للتعويم لأنه ببساطة لا يمكن طبيقه أساسا في ليبيا من الناحية العملية، فهو أشبه بوضع وقود بنزين لسيارة تعمل بالديزل، ومن أساسيات الاقتصاد البديهي الذي يدرسه الطلاب أن المنافسة لها شروط وأهمها وجود عدد كبير من عارضي السلعة، أما الاحتكار فهو عكس ذلك، فلا يمكن أن يكون السوق محررا بوجود محتكر واحد للسلعة”.

“أنس الأمين”: السياسة النقدية في ليبيا وإشكالية سعر الصرف

كتب: أستاذ الاقتصاد/ أنس الأمين

الحالة الليبية اليوم تُعد نموذجًا معقدًا (Complex Case) تتشابك فيه العوامل الاقتصادية مع الهشاشة السياسية والانقسام المؤسسي. فغياب الاستقرار السياسي (Political Instability) وتعدد مراكز السلطة (Dual Authority) أفرزا بيئة نقدية ومالية مضطربة، حيث أصبح من الصعب على السياسة النقدية (Monetary Policy) أن تمارس دورها التقليدي في ضبط التضخم (Inflation Control)، إدارة السيولة (Liquidity Management)، وتحقيق الاستقرار الكلي (Macroeconomic Stability).

وتبرز إشكالية سعر الصرف (Exchange Rate Regime) كواحدة من أعقد التحديات أمام صانعي القرار، إذ تتأرجح المقاربات بين التعويم الكامل (Full Float) الذي يترك تحديد السعر لقوى السوق بالكامل، والتعويم المدار (Managed Float) الذي يوازن بين مرونة السوق (Market Flexibility) وتدخل المصرف المركزي (Central Bank Intervention) لاحتواء التقلبات.

لكن، وعلى خلاف التجارب الدولية التي حققت نجاحًا نسبيًا مثل التجربة المغربية في التعويم التدريجي (Gradual Managed Float) أو النموذج المصري في التعويم شبه الكامل (Quasi-Full Float)، تفتقر ليبيا إلى مرتكزات أساسية: نظام مصرفي حديث (Modern Banking System)، مؤسسات تنظيمية فعالة (Regulatory Institutions)، قطاع خاص منتج (Productive Private Sector)، ونظام مالي متنوع (Diversified Financial System). ورغم أن المغرب يشهد اليوم احتجاجات اجتماعية (Social Unrest)، إلا أن ذلك لا يلغي نجاحه في تطوير البنية التحتية (Infrastructure Development) وتنويع مصادر دخله (Economic Diversification) عبر السياحة، الصناعات التحويلية، السيارات، والطاقة المتجددة، وهي عناصر تعكس استقرارًا مؤسساتيًا ساعد على نجاح تجربته النقدية.

وعليه، يصبح البحث في إمكانية تبني التعويم المدار ليس خيارًا أكاديميًا بحتًا، بل طرحًا واقعيًا (Pragmatic Option) يستجيب لخصوصية الاقتصاد الليبي (Libyan Economic Specificity)، رغم ما يحمله من تحديات بنيوية (Structural Challenges).

أولًا: ملامح الأزمة الاقتصادية الليبية

يعتمد الاقتصاد الليبي بشكل شبه مطلق على إيرادات النفط (Over 95% of Government Revenues) كمصدر للعملات الأجنبية. إلا أن هذه الإيرادات نفسها متقلبة بسبب تذبذب الإنتاج (Production Volatility) الناتج عن الصراعات المسلحة، إغلاق الموانئ النفطية، والعوامل الجيوسياسية. في المقابل، تواجه الحكومتان المتنافستان التزامات إنفاقية مرتفعة تشمل الأجور والدعم، ما يجعل الدولة غير قادرة على تغطية نفقاتها بشكل مستدام.

كما يُعاني الاقتصاد الليبي من مشكلات أخرى:

1. التهريب المستمر للعملة الصعبة والسلع المدعومة إلى دول الجوار.

2. ضعف القطاع الخاص نتيجة البنية التحتية المتهالكة وغياب بيئة استثمارية جاذبة.

3. إنتاجية منخفضة وكفاءة متدنية في أغلب القطاعات غير النفطية.

4. بطالة مقنعة (Disguised Unemployment) مع اعتماد آلاف الموظفين على وظائف حكومية غير منتجة.

5. عمالة وافدة غير خاضعة للضريبة تستفيد من منظومة الدعم التي تُعتبر في جوهرها هدرًا للموارد العامة.

ثانيًا: تقييم الإطار المصرفي في ليبيا

النظام المصرفي الليبي يعاني من عدة أوجه ضعف:

• أسعار الفائدة (Interest Rates) شبه مجمّدة، ولا تؤدي دورها الطبيعي في امتصاص السيولة أو توجيه المدخرات.

• المصارف الليبية ليست مصارف إسلامية (Islamic Banks) حقيقية بالمعايير العالمية، ولا مصارف تقليدية (Conventional Banks) كاملة الوظائف، مما يفقدها الخبرة المؤسسية في إدارة أدوات السوق النقدي (Money Market Instruments) أو تطوير منتجات مالية حديثة.

• إضافة إلى ذلك، يمارس مصرف ليبيا المركزي أعمال الصيرفة بشكل مباشر ويحتفظ بحصص في رؤوس أموال بعض أكبر المصارف التجارية الليبية. وهذا الوضع يضعف استقلالية البنك المركزي (Central Bank Independence)، ويحوّله من منظم محايد إلى فاعل مباشر في السوق، ما يزيد من مخاطر تضارب المصالح (Conflict of Interest) ويُقيد فاعلية السياسة النقدية.

هذه الخصائص تجعل من ليبيا بعيدة عن النماذج المتقدمة مثل الأردن أو البحرين، حيث تتسم الأجهزة المصرفية هناك بالشفافية، التنوع المالي، واستقلالية المصارف المركزية.

ثالثًا: المقارنة مع تجارب دولية

1. مصر:

اختارت مصر التعويم شبه الكامل للجنيه المصري عام 2016. ورغم نجاح الخطوة في تقليص السوق الموازية وزيادة احتياطيات النقد الأجنبي، إلا أنها أدت إلى تضخم مرتفع وانخفاض كبير في القوة الشرائية. هذا السيناريو يعكس خطورة تطبيق التعويم الكامل في اقتصاد هش مثل ليبيا.

2. المغرب:

اعتمد المغرب سياسة تعويم مدار تدريجي (Gradual Managed Float) منذ 2018، ما سمح بتوسيع نطاق تحرك الدرهم مقابل العملات الأجنبية دون إحداث صدمات قوية في السوق. نجاح التجربة المغربية ارتبط بوجود مؤسسات مصرفية قوية، واستقرار نسبي في البنية التحتية (Infrastructure)، وسياسات واضحة لتنويع الاقتصاد.

3. الأردن:

يُعتبر الأردن مثالًا ناجحًا في تثبيت سعر الصرف (Pegged Exchange Rate) مقابل الدولار، بفضل استقلالية المصرف المركزي، قوة نظامه المصرفي، ووجود قطاع خاص نشط. هذا النموذج غير ممكن في ليبيا حاليًا بسبب ضعف المؤسسات والانقسام السياسي.

4. البحرين:

حافظت البحرين على ربط عملتها بالدولار مع نظام مصرفي متطور ومتعدد المنتجات، إضافة إلى جذب رؤوس أموال واستثمارات خارجية عبر قطاع مالي متقدم (Financial Hub). أما ليبيا، فتنقصها الأسس المؤسسية اللازمة لتطبيق مثل هذا النموذج.

رابعًا: التعويم المدار كخيار واقعي لليبيا

في ظل الأزمة المعقدة (Complex Crisis) التي تجمع بين هشاشة سياسية (Political Fragility)، ضعف مؤسسي (Institutional Weakness)، واعتماد شبه مطلق على النفط (Oil Dependency)، يصبح خيار التعويم المدار (Managed Float) أكثر ملاءمة من أي بديل آخر.

1. لماذا التعويم المدار أفضل من التعويم الكامل أو الربط الصارم؟

• التعويم الكامل (Full Float) في اقتصاد هش كليبيا سيؤدي إلى انفلات في الأسعار (Price Instability)، تضخم مرتفع (Hyperinflation Risk)، وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين بشكل كارثي.

• الربط الصارم (Fixed Peg) سيؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات (Reserves Depletion) ويغذي السوق السوداء مجددًا.

• التعويم المدار (Managed Float) يقدم حلاً وسطًا (Middle Ground): يسمح بالمرونة (Flexibility) في تحديد السعر وفق العرض والطلب، لكن مع تدخل المصرف المركزي (Central Bank Intervention) عند الضرورة لتفادي التقلبات العنيفة (Excessive Volatility).

2. المزايا المباشرة للتعويم المدار:

• تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.

• خفض الضغط على الاحتياطيات الأجنبية.

• تعزيز ثقة السوق (Market Confidence) إذا اقترن بالشفافية.

• مرونة أكبر في امتصاص الصدمات الخارجية.

3. ضرورة شبكة حماية اجتماعية (Social Safety Net):

أي تغيير في نظام سعر الصرف سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار (Inflationary Pressure)، خصوصًا أسعار السلع المستوردة. لذلك لا يمكن الحديث عن تعويم مدار فعال دون موازاته بإنشاء شبكة حماية اجتماعية فعالة تشمل:

• دعم نقدي مباشر (Direct Cash Transfers) للأسر الأكثر تضررًا.

• دعم موجه للسلع الأساسية (Targeted Subsidies).

• توسيع برامج التأمين الصحي والاجتماعي (Health & Social Insurance).

• سياسات نشطة للتوظيف (Active Labor Market Policies) لخلق بدائل حقيقية للدخل.

بهذا الشكل، يصبح التعويم المدار ليس مجرد خيار نقدي تقني، بل خطة إصلاح متكاملة (Integrated Reform Plan) تربط بين السياسة النقدية، السياسة المالية، والسياسات الاجتماعية.

الوضع الليبي يُمثل حالة معقدة (Complex Case) حيث الأزمة الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الانقسام السياسي والضعف المؤسسي. إن خيار التعويم الكامل يحمل مخاطر تضخمية وانهيارًا للقوة الشرائية، بينما الربط الصارم غير واقعي في ظل محدودية الاحتياطيات والتزامات الإنفاق المرتفعة. لذا، يبرز التعويم المدار كخيار أكثر واقعية وملاءمة (Pragmatic & Realistic Option) لتحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي ومرونة السوق.

لكن نجاح هذا التوجه يتطلب شرطين أساسيين:

1. إصلاح هيكلي تدريجي (Gradual Structural Reform) يعيد بناء الثقة بالمؤسسات المصرفية ويعزز استقلالية المصرف المركزي.

2. إنشاء شبكة حماية اجتماعية (Social Safety Net) قوية تضمن أن تكلفة الإصلاح النقدي لا يتحملها الفقراء وحدهم، بل يتم توزيعها بشكل عادل يحمي السلم الاجتماعي ويعزز القبول الشعبي للإصلاحات.

وبدون الجمع بين التعويم المدار والحماية الاجتماعية، ستظل السياسة النقدية الليبية محدودة الفاعلية وغير قادرة على معالجة جذور الأزمة المعقدة.

نقاش اقتصادي واختلاف وجهات النظر بين “امراجع غيث وحسني بي” حول سعر الصرف ومسببات التهريب في ليبيا

قال وكيل وزارة المالية وعضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق “امراجع غيث” إنه مع تثبيت سعر الصرف من قبل مصرف ليبيا المركزي وليس مع ترك الأمر للسوق السوداء، مشيرا إلى هناك تأثير لتهريب الدولارات التي تأتي من بيع النفط إلى الخارج من خلال الاعتمادات والبطاقات على سعر الصرف.

من جهته يرى رجل الأعمال “حسني بي” بأن سعر صرف الدولار الحقيقي هو سعر السوق، مذكرا بأنه عندما كان سعر الدولار في المصرف بـ”30 قرش” وصل في السوق إلى 3.85 دينار، ولما كان في المصرف المركزي بـ1.40 دينار، وصل سعر الدولار في السوق إلى 15 دينار بالصك.

واستطرد “امراجع غيث” قائلا إن سعر الصرف في دول مثل الأردن والبحرين والإمارات والسعودية وغيرها سعر الصرف ثابت، والإجراء الصحيح هو تقليل الإنفاق العام، مشددا على أن المصرف المركزي ليس مسؤولا عن الإنفاق الحكومي سواء عندها عجز أو فائض، وليس ملزما بتمويل الحكومة وفقا للقانون.

ورد “حسني بي” بأن المشكلة ليست في سعر الصرف في حد ذاته وإنما في كيف يتم إدارة الإيرادات دون عجز، والإخفاق في ليبيا هو في وجود عجز بالميزانية، وتمويل ميزانية نقدية من خلال خلق أموال جديدة، مؤكدا أن سعر صرف الدولار ليس مهما أن يكون 5 أو 6 أو 7 دينار، ولكن يجب أن يغطي ما نسبته 93% من الإنفاق العام.

وأضاف أنا كتاجر يهمني أن يكون سعر الصرف 1.40 وليس بأكثر، والرابح من زيادة سعر الصرف الرسمي هي الحكومة التي تبيع في الدولارات، مشيرا بأننا نملك دخل يومي 100 مليون دولار من بيع النفط، نعطوا فيه لـ 100 ألف شخص بسعر 6.20 وكنا نعطوا فيه 1.40، وبالمقابل يشتري باقي الليبيين “8.6 مليون مواطن” هذه الدولارات التي بعناها بـ7.44 دينار، وهذا يعني أننا أغنينا الـ100 ألف شخص وأفقرنا باقي الليبيين.

وحذر “امراجع غيث” من تهريب العملة خصوصا في ظل تفشي الفساد في الاعتمادات وبطاقات الأغراض الشخصية، مشددا على ضرورة محاربة السوق السوداء والحد منها، وتحديد السعر الذي يخدم المواطن لأن الدولارات هي أموال النفط وهي لكل الليبيين.

وقال “حسني بي”: أنا أطالب بأي طريقة أخرى إلا ما هي قائمة حاليا، سواء أكانت تعويم مدار أو تعويم نسبي أن أي نوع من التعويم، أما السعر الرسمي الثابت فهو “كذبة” و”سرقة مشرعنة”، والاستمرار فيما هو قائم حاليا هو سرقة لليبيين لإغناء 100 ألف شخص.

وفيما يتعلق بإلغاء الضريبة المفروضة على بيع النقد الأجنبي؛ قال “امراجع غيث” بأنه يجب إلغاء الضريبة دون شك، سواء من الناحية المعيشية للمواطن أو من ناحية ضرورة تطبيق أحكام القضاء التي صدرت بإلغاء الضريبة ويجب تنفيذها.

بالمقابل قال “حسني بي” بأنه حتى لو تم إلغاء الضريبة فإنه سيتم تخفيض سعر الصرف الدينار الليبي مجددا، لأن سعر الصرف مربوط بتغطية 93% من الإنفاق العام من خلال إيرادات النفط الموردة لمصرف ليبيا المركزي، ولم يتم ذلك سنخلق تضخم وزيادة فارق سعر الصرف بين الرسمي والموازي، وسيؤدي ذلك لزيادة الطلب على الدولار ونتجه للفشل.