Skip to main content

الوسم: رئيسي

“الهادي عبدالقادر”: إعادة إعمار المدينة القديمة بنغازي.. قراءة نقدية في نموذج التمويل خارج الميزانية واشتراطات الحوكمة المؤسسية

كتب: الهادي عبد القادر – خبير اقتصادي وباحث في السياسات النقدية والتنموية

الملخص التنفيذي

يتناول هذا المقال النموذج المقترح لإعادة إعمار المدينة القديمة ببنغازي عبر آلية شركة تنمية عقارية مساهمة (BOCDC) تعتمد على تحويل حقوق الملكية إلى أسهم رأسمالية، كبديل للتمويل الحكومي المباشر. يركز التحليل على خمس ركائز أساسية لضمان نجاح المشروع: حسم الإشكالات القانونية للملكية (خاصة تداعيات القانون رقم 4 لسنة 1978)، توثيق الحقوق العقارية رقمياً (باستخدام تقنية البلوك تشين)، توفير آليات تمويل متوافقة، إشراك الملاك الأصليين والورثة والمهجرين في هيكل الحوكمة، وضمان الشفافية المالية بعيداً عن التدخلات السياسية. يخلص المقال إلى أن المشروع قابل للتطبيق، شريطة أن يُسبق بمرحلة تأسيسية شاملة تعالج الثغرات الهيكلية والقانونية التي أوقفت مشاريع مماثلة سابقاً.

أولاً: أهمية النموذج – كسر هيمنة التمويل الحكومي

في ظل عجز الموازنة العامة المتكرر (الذي يقترب من 80 مليار دينار سنوياً) والضغوط التضخمية الناتجة عن التمويل النقدي للعجز، يُشكل نموذج الشركة المساهمة العقارية التي يملكها أهالي المنطقة والدولة والمستثمرون، نقلة نوعية في فلسفة إعادة الإعمار؛ فهو:

  • يُبعد عبء التمويل عن الخزانة العامة، التي تعاني أصلاً من عجز هيكلي.
  • يُحول العقارات المتضررة إلى أصول رأسمالية قابلة للتداول والرهن والاستثمار.
  • يَخلق سوقاً مالية محلية للأصول العقارية، مما يُسهم في تدوير النقود داخل الاقتصاد المحلي، بدلاً من هروبها نحو الاستيراد والتهريب.

هذا النموذج يتسق مع ما طرحته توصيات منتدى التطوير العقاري الليبي (الدورة الأولى) بضرورة تحويل العقود الإدارية إلى عقود استثمارية، وتفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإعادة هيكلة السجل العقاري ليكون رقماً محورياً في أي عملية تنموية.

ثانياً: المعضلة القانونية – من هو المالك الأصلي؟

تُشكل إشكالية الملكية العائق الأكبر أمام أي مشروع إعمار في ليبيا، وتتجلى في ثلاث طبقات متداخلة:

1. حق الرقبة (الملكية الأصلية)

يمثل الملاك الأصليين الذين امتلكوا الأراضي قبل صدور القانون رقم 4 لسنة 1978 (الذي أقر مبدأ “البيت لساكنه”)، وغالباً ما يكونون قد لجأوا إلى القضاء لاسترداد أملاكهم. في النموذج المقترح، يُمنح هؤلاء 5 أسهم عن كل متر مربع من أرضهم، مما يُحافظ على حقوقهم كملكية رأسمالية.

2. حق الانتفاع (بموجب القانون رقم 4)

هذه الفئة هم “الشاغلون القانونيون” الذين خصصت لهم الدولة مساكن بموجب قانون “البيت لساكنه”، أو من اشترى لاحقاً من هؤلاء. يُمنحون سهماً واحداً عن كل متر مربع مسقوف، مما يُقر بحقهم في الانتفاع، لكن دون مساواتهم بالملكية الأصلية الكاملة للرقبة.

3. الورثة المتعددون والمهجرون

مع مرور الزمن، تشعبت الملكيات عبر الوراثة، وتضاعفت النزاعات، كما أن هناك ملاكاً مهجرين (لأسباب سياسية أو أمنية) يجب أخذ مطالبهم بالاعتبار. يقترح النموذج تشكيل لجنة مستقلة تضم سكاناً قدامى لديهم دراية بالملكية الأصلية، وموظفي سجل عقاري قدامى (حتى لو متقاعدين) يُشهَد لهم بالمعرفة الدقيقة بالعائلات والملكيات، لتقييم الحصص وفق نصيب كل وارث.

ثالثاً: الرقمنة والبلوك تشين – الحل التقني للأزمة العقارية

تتفق الأبحاث الأكاديمية والتطبيقات العملية على أن تقنية البلوك تشين (Blockchain) هي الحل الأكثر فاعلية لإشكاليات السجل العقاري في ليبيا، وذلك للأسباب التالية:

1. الأمان وعدم القابلية للتلاعب

تعتمد البلوك تشين على دفتر حسابات موزع (Distributed Ledger) حيث تُسجل كل معاملة في كتلة مشفرة مرتبطة بالكتلة السابقة، مما يجعل تغيير أي معلومة مستحيلاً عملياً دون توافق جميع الأطراف، ويُنهي ظاهرة “السندات المزدوجة” والاحتيال العقاري.

2. الشفافية والسرعة

تُتيح العقود الذكية (Smart Contracts) تنفيذ المعاملات (بيع، شراء، رهن، توريث) تلقائياً عند استيفاء الشروط، دون حاجة لوسيط؛ مما يخفض التكاليف والوقت من أسابيع إلى دقائق، ويُتيح لأي جهة مخولة (دائرة التسجيل، البنوك، المستثمرين) الاطلاع على سجل الملكية بشفافية.

3. التكامل مع نظم المعلومات الجغرافية (GIS)

يُمكن ربط كل قطعة أرض برقم فريد يعتمد على إحداثياتها الجغرافية (خطوط الطول والعرض)، مما يُنهي النزاعات الحدودية التقليدية المبنية على معالم زائلة (كالمساجد أو المنازل المجاورة)، ويُوثق الملكيات بشكل دقيق لا يقبل الجدل.

4. تطبيقات محلية جاهزة

توجد دراسات تطبيقية من جامعات ليبية (بنغازي، مصراتة، سبها) اقترحت نماذج لتطبيق البلوك تشين في السجل العقاري الليبي، واختُبرت نماذج أولية على منصة “Hyperledger Fabric”، مما يعني أن البنية التقنية متاحة وقابلة للتطبيق فوراً، شريطة توفر الإرادة السياسية والتشريعية.

رابعاً: آليات التمويل – بين المصرفية التقليدية والإسلامية

يُمكن تمويل المشروع عبر مزيج من المصادر، مع مراعاة أن القانون رقم 1 لسنة 2013 (بشأن منع المعاملات الربوية) قد يُشكل عائقاً أمام التمويل المصرفي التقليدي إذا لم يُصمم وفق ضوابط شرعية:

  1. الاقتراض المصرفي بضمان الأصول (عقود مرابحة أو مشاركة).
  2. إصدار صكوك استثمارية (إسلامية) تغطي مراحل التطوير.
  3. سندات تنموية (تقليدية) تُطرح للاكتتاب العام، مع ضمانات سيادية.
  4. شراكات استراتيجية مع شركات إقليمية ودولية (كشركات مصرية وإيطالية وألمانية)، مع اشتراط الشفافية في العقود والمناقصات.
  5. إنشاء صناديق فرعية متخصصة (كصندوق الحفاظ على التراث، وصندوق أجيال المدينة القديمة) بنسبة 10% من الأسهم.

خامساً: ثغرات الحوكمة – دروس من تجارب سابقة

أشارت تقارير مستقلة إلى مخاطر تكرار سيناريوهات سابقة حيث تحولت مشاريع إعادة الإعمار إلى أدوات لتعزيز نفوذ سياسي وعسكري، مع غياب الشفافية في مصادر التمويل وعدم التزام الجهات المنفذة بالتعويض العادل للملاك. لذلك، يُشترط لنجاح النموذج المقترح:

  1. استقلالية الإدارة عن التدخلات السياسية، مع خضوعها لرقابة ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد.
  2. وضوح مصادر التمويل، مع الإفصاح الكامل عن أي قروض أو منح أو مساهمات، وعدم السماح بتمويل المشروع عبر عوائد غير مشروعة (كتهريب الوقود أو النفط).
  3. إشراك المجتمع المحلي (الملاك، الورثة، الشاغلون، وجهاء المنطقة) في الجمعية العمومية ومجلس الإدارة، مع تخصيص مقعد دائم لتمثيلهم.
  4. استكمال الإطار التشريعي بإصدار قوانين تنظم عمل شركات التطوير العقاري المساهمة، وتُحدد آليات التقاضي في حالات النزاع، وتُعفي العوائد الاستثمارية من الضرائب لفترة محددة كحافز.

التوصيات

بناءً على التحليل أعلاه، أوصي بما يلي:

  1. تشكيل لجنة وطنية عليا تضم ممثلين عن المصرف المركزي، ووزارة التخطيط، وديوان المحاسبة، وهيئة التسجيل العقاري، والمجلس البلدي، وممثلين عن الملاك والورثة، لوضع خارطة طريق تنفيذية للمشروع، على أن تكون مخرجاتها مُلزمة وليست استشارية.
  2. إطلاق مشروع رقمنة السجل العقاري بالاعتماد على تقنية البلوك تشين، كمرحلة أولى تستغرق عاماً واحداً، تتضمن مسحاً شاملاً للمنطقة وتوثيقاً رقمياً لكل قطعة أرض، بالاستعانة بخبراء ليبيين وأجانب في مجال GIS والبلوك تشين.
  3. إقرار تشريع خاص بالمناطق ذات الطبيعة الاقتصادية الخاصة (استناداً للقانون رقم 14 لسنة 2010) لمنطقة المدينة القديمة، يمنحها مزايا ضريبية وجمركية واستثمارية، ويُحدد آليات التعويض والانتزاع للضرورة العامة (مع ضمان التعويض العادل).
  4. إنشاء سوق مالي عقاري تجريبي، بحيث تكون أسهم الشركة قابلة للتداول في سوق الأوراق المالية الليبي (عند تفعيله)، مما يُتيح للملاك سيولة نقدية دون بيع عقاراتهم فعلياً.
  5. إلزام الجهات المنفذة بالإفصاح المالي الشهري عن الإيرادات والمصروفات وعقود المقاولات، مع إتاحة هذه المعلومات للجمهور عبر منصة إلكترونية شفافة، لكسب ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء.

الخاتمة

نموذج “شركة إعمار المدينة القديمة” الذي يملكها الملاك والورثة والدولة والمستثمرون، هو نموذج طموح وقابل للتطبيق، بل قد يكون السبيل الوحيد لكسر جمود إعادة الإعمار بعيداً عن الميزانية العامة المعطلة. لكن نجاحه يتوقف على معالجة ثلاث عُقد قبل وضع أي حجر أساس:

  • العقدة القانونية: حسم تداعيات القانون رقم 4 والاعتراف بحقوق الملاك الأصليين والمهجرين والورثة.
  • العقدة التقنية: إطلاق سجل عقاري رقمي بتقنية البلوك تشين، يضع حداً للنزاعات ويُتيح الشفافية.
  • العقدة المؤسسية: ضمان حوكمة رشيدة ومشاركة مجتمعية حقيقية، تمنع تحول المشروع إلى أداة نفوذ أو فساد.

إن تحويل المدينة القديمة من “منطقة مدمرة تنتظر التعويضات” إلى “شركة مساهمة عقارية يملكها أهلها” هو تحول ثوري في مفهوم الملكية والتنمية، لكنه يحتاج إلى صبر مؤسسي وإرادة وطنية تتجاوز التجاذبات السياسية، وتضع مصلحة المدينة وسكانها فوق كل اعتبار.

إخلاء مسؤولية منهجي: يعتمد هذا التحليل على المعلومات الواردة في المقترحات المقدمة حول مشروع إعادة إعمار المدينة القديمة بنغازي، والتوصيات الصادرة عن منتدى التطوير العقاري الليبي، بالإضافة إلى الدراسات الأكاديمية والتقارير المستقلة حول التحديات القانونية والتقنية والتمويلية. التوصيات هي آراء تحليلية تهدف إلى الإسهام في نقاش بناء، وتُطرح للنقاش العلمي والمؤسسي.

“الشلوي”: المليار الذي يحمي المليارات.. تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس إنفاقاً استهلاكياً بل حماية لإيرادات ليبيا

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

يمثل الإفصاح الصادر عن المؤسسة الوطنية للنفط بشأن أوجه استخدام المبلغ المسيّل من مخصصاتها المعتمدة لسنة 2026 خطوة مهمة تستحق القراءة والتقدير، ليس لأنها تعرض مجموعة من الأرقام فحسب، بل لأنها تربط كل مبلغ بالغرض الذي خُصص له، وتحدد الجهات المرتبطة به، وتوضح للرأي العام جانباً من الالتزامات المالية والفنية اللازمة للمحافظة على إنتاج النفط واستمرارية عملياته.

ومن واقع خبرة امتدت قرابة أربعة عقود في القطاع النفطي، ومتابعة مستمرة لشؤونه الفنية والاقتصادية، أرى أن هذا الإفصاح ينبغي ألا يُقرأ باعتباره بياناً محاسبياً مجرداً، بل بوصفه مؤشراً على حقيقة أساسية: قطاع النفط لا يستطيع حماية إنتاجه بالاعتمادات الورقية وحدها، وإنما يحتاج إلى تمويل فعلي ومنتظم وفي التوقيت المناسب.

فبحسب ما أعلنته المؤسسة، بلغ إجمالي المبلغ المعتمد لها خلال سنة 2026 نحو 13.6 مليار دينار، بينما لم يُسيّل منه سوى مليار دينار واحد، يعادل قرابة 157 مليون دولار، أي ما نسبته 7.35% فقط من إجمالي المبلغ المعتمد.

وبقراءة الرقم من زاوية أخرى، فإن نحو 12.6 مليار دينار، أي 92.65% من المخصصات المعتمدة، لم تُسيّل بعد.

وهنا يكمن جوهر المسألة: الاعتماد المالي لا يتحول إلى آبار منتجة، ولا إلى معدات عاملة، ولا إلى خطوط أنابيب آمنة، ولا إلى منشآت قادرة على الاستمرار، ما لم يتحول فعلياً إلى تدفقات نقدية تغطي الالتزامات والمشروعات وأعمال الصيانة والتشغيل.

أين ذهب المليار المسيّل؟

يكشف تفصيل المبالغ أن كامل القيمة المعادلة بالدولار، والبالغة 157 مليون دولار، وُجهت إلى التزامات محددة ومرتبطة بأصل النشاط النفطي، ولم تذهب إلى مصروفات هامشية أو إنفاق بعيد عن اختصاص المؤسسة.

فقد خُصص مبلغ 119 مليون دولار للتخارج واسترجاع ملكية مصفاة رأس لانوف، وهو ما يمثل نحو 75.8% من إجمالي المبلغ المسيّل.

وهذا الاستخدام لا يمكن تصنيفه باعتباره إنفاقاً تشغيلياً عادياً، بل هو خطوة تتصل باستعادة ملكية أصل صناعي واستراتيجي مهم للدولة الليبية. فمصفاة رأس لانوف ليست مجرد منشأة ضمن قائمة أصول القطاع، وإنما تمثل مكوناً مهماً من البنية التحتية للتكرير والصناعات النفطية، واسترجاع ملكيتها يعزز السيطرة الوطنية على أصل له قيمة اقتصادية وصناعية طويلة الأجل.

كما خُصص مبلغ 16.5 مليون دولار لسداد جزء من التزامات مصفاة الجنوب لصالح شركة “هانيويل” (Honeywell) الأمريكية، وهي من الشركات الدولية المعروفة في مجالات تقنيات المصافي، وأنظمة التحكم والأتمتة الصناعية، والحلول الهندسية المرتبطة بتشغيل المنشآت النفطية.

ووُجه مبلغ 7 ملايين دولار لسداد جزء من الالتزامات والديون المرتبطة بشركة “إس إل بي” (SLB)، المعروفة سابقاً بـ “شلمبرجير”، إضافة إلى 4 ملايين دولار لالتزامات مرتبطة بشركة “بيكر هيوز”، و7 ملايين دولار لتسوية جزء من ديون شركات خدمات نفطية أمريكية أخرى وردت في الإفصاح، من بينها شركات لها حضور معروف في مجالات الحفر والخدمات الفنية والمعدات والتقنيات النفطية.

كما خُصص مبلغ 3.5 ملايين دولار لسداد جزء من ديون شركة طيران النفط تجاه بعض الشركات المشغلة.

وبجمع هذه القيم، نجد أنها تساوي كامل المبلغ المعلن، أي 157 مليون دولار، بما يعكس مستوى جيداً من الإفصاح عن كيفية استخدام المبلغ المسيّل.

شركات معتبرة ترتبط مباشرة بالإنتاج

قد ينظر غير المتخصص إلى أسماء الشركات الواردة في الإفصاح باعتبارها مجرد جهات تجارية تتلقى مستحقات مالية، غير أن القراءة الفنية تكشف أهمية مختلفة تماماً.

فشركات مثل SLB وبيكر هيوز وهانيويل وهاليبرتون وغيرها من شركات الخدمات النفطية العالمية تمثل جزءاً أساسياً من منظومة الصناعة النفطية الحديثة. فهي تقدم تقنيات وخدمات مرتبطة بحفر الآبار وصيانتها، والخدمات الجوفية، والرفع الاصطناعي، وتقييم المكامن، وأنظمة التحكم، والمعدات الدوارة، وتشغيل المنشآت، ومعالجة الأعطال وتحسين كفاءة الإنتاج.

وعندما تتراكم المستحقات المالية لهذه الشركات، فإن التأثير لا يبقى محصوراً في الجانب المحاسبي، بل قد يمتد إلى تأخر تنفيذ البرامج، وتراجع قدرة الشركات على توفير المعدات وقطع الغيار والكوادر الفنية، وارتفاع تكلفة العقود المستقبلية، وتشدد الموردين في شروط الدفع والضمانات.

لذلك فإن تسوية هذه الالتزامات لا ينبغي فهمها باعتبارها مجرد سداد لديون سابقة، بل باعتبارها جزءاً من حماية استمرارية العمليات، والمحافظة على العلاقة الائتمانية والتعاقدية مع الشركات التي يحتاج إليها القطاع.

أما شركة طيران النفط، فإن دورها يتجاوز مفهوم النقل الاعتيادي؛ نظراً إلى انتشار الحقول والمنشآت النفطية عبر مساحات جغرافية واسعة ومناطق صحراوية ونائية، واعتماد عمليات التشغيل على سرعة نقل الأطقم الفنية وقطع الغيار والمعدات بين المواقع المختلفة.

ماذا بقي بعد استرجاع مصفاة رأس لانوف؟

من المهم ملاحظة أن مبلغ استرجاع ملكية مصفاة رأس لانوف استحوذ وحده على 119 مليون دولار من أصل 157 مليوناً.

وهذا يعني أن ما تبقى لتغطية بقية الالتزامات الفنية والخدمية لم يتجاوز 38 مليون دولار فقط.

ومن ثمّ، فإن وصف المليار دينار المسيّل بأنه تمويل واسع لاحتياجات المؤسسة لا يعكس الواقع بدقة؛ لأن الجزء الأكبر منه وُجه إلى عملية استراتيجية محددة، بينما جرى توزيع المبلغ المتبقي على مجموعة من الالتزامات المتراكمة تجاه شركات ومشروعات مختلفة.

وتزداد أهمية هذه الملاحظة في ضوء ما أعلنته المؤسسة من أنه لم يتم تسييل أي ميزانية تشغيلية لها عن سنة 2025.

وهذا يعني أن القطاع دخل سنة 2026 وهو يحمل معه التزامات تشغيلية ومالية من العام السابق، بينما لم يحصل في بداية السنة الجديدة إلا على نسبة محدودة من المبلغ المعتمد له.

النفط لا يحافظ على إنتاجه بنفسه

هناك اعتقاد شائع بأن الحقول النفطية، ما دامت قد بدأت الإنتاج، يمكنها الاستمرار بالمستويات نفسها بصورة تلقائية. وهذا الاعتقاد لا ينسجم مع طبيعة الصناعة النفطية.

فالآبار تتعرض لانخفاض طبيعي في معدلات إنتاجها، والمعدات تحتاج إلى صيانة دورية، والخزانات وخطوط الأنابيب تحتاج إلى الفحص والمعالجة والحماية من التآكل، والمنشآت تحتاج إلى قطع غيار ومواد كيميائية وأنظمة سلامة وتحكم، كما تحتاج الحقول إلى عمليات إصلاح للآبار وإعادة استكمال وحفر آبار تعويضية للحفاظ على مستويات الإنتاج.

وتأجيل هذه الأعمال لا يعني توفير الأموال، بل قد يؤدي إلى خسائر إنتاجية وتكاليف مستقبلية تفوق بكثير قيمة التمويل الذي جرى تأخيره.

وقد يتطلب علاج عطل فني أو إصلاح بئر أو استبدال جزء من المعدات مبلغاً محدوداً نسبياً، لكن عدم توفيره في الوقت المناسب قد يتسبب في توقف إنتاج يساوي ملايين الدولارات خلال فترة قصيرة.

لذلك فإن تمويل القطاع النفطي يجب ألا يُنظر إليه باعتباره باباً من أبواب الإنفاق الحكومي التقليدي، بل باعتباره استثماراً مباشراً في حماية المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والعملة الأجنبية في ليبيا.

المليار الذي يحمي المليارات

عندما تخصص الدولة أموالاً لصيانة الآبار والمنشآت وسداد مستحقات شركات الخدمات واستكمال المشروعات، فإنها لا تنفق المال دون مقابل، بل تحمي قدرتها على إنتاج النفط وتصديره وتحقيق الإيرادات.

ولهذا يمكن القول إن المليار دينار المسيّل ليس مجرد مبلغ صُرف، بل هو مبلغ يفترض أن يسهم في حماية تدفقات مالية أكبر بكثير.

فالفرق بين التمويل المنتظم والتمويل المتأخر قد يكون هو الفرق بين حقل يعمل بطاقته المتاحة، وحقل يتراجع إنتاجه بسبب نقص الصيانة والمعدات والخدمات.

ولا توجد صناعة نفطية في العالم يمكنها المحافظة على قدرتها الإنتاجية دون ميزانيات تشغيلية واستثمارية مستقرة، وبرامج صيانة دورية، وعقود خدمات، ومخزون مناسب من قطع الغيار والمواد، وتدفقات مالية تتوافق مع الالتزامات التعاقدية.

المؤسسة تنتج النفط… لكنها لا تقرر كيف تُنفق عائداته

من أكثر المسائل التي تحتاج إلى توضيح في النقاش العام الفصل بين مسؤولية المؤسسة الوطنية للنفط ومسؤولية الجهات التي تتولى إدارة المالية العامة.

المؤسسة وشركاتها مسؤولة عن استكشاف النفط والغاز وإنتاجهما، وتشغيل الحقول والمنشآت، ونقل الخام، وإدارة الموانئ والتصدير، والمحافظة على الأصول والإنتاج وفق الإمكانات والموارد المتاحة.

أما إدارة الإيرادات النفطية بعد تحصيلها، وتحديد أبواب الموازنة، وتوزيع الإنفاق العام، وتمويل الرواتب والدعم والتنمية والخدمات، فهي مسؤولية أصيلة للسلطات التنفيذية والمالية والنقدية والرقابية في الدولة.

ولهذا لا يصح تحميل المؤسسة الوطنية للنفط مسؤولية ضعف انعكاس الإيرادات النفطية على مستوى معيشة المواطن، أو تعثر مشروعات التنمية، أو ارتفاع الإنفاق العام، أو سوء توزيع الموارد.

فالمؤسسة تنتج البرميل وتصدره وتورد عائداته وفق الآليات القانونية والمالية المعتمدة، لكنها لا تقرر بعد ذلك كيفية إنفاق تلك العوائد أو توزيعها.

وهذا لا يعني إعفاء المؤسسة من الرقابة أو التقييم، بل يعني وضع المسؤولية في مكانها الصحيح، وعدم الخلط بين إدارة النشاط النفطي وإدارة المال العام الناتج عنه.

وفي تقديري، فإن المشكلة الأعمق في ليبيا ليست مشكلة فنية داخل القطاع النفطي بقدر ما هي مشكلة في حوكمة عوائد النفط، وضبط الإنفاق العام، وتوحيد الموازنة، وتحديد الأولويات، وتحويل الإيرادات إلى تنمية وخدمات وفرص عمل وقيمة مستدامة للمواطن.

الدعم لا يعني شيكاً مفتوحاً

دعم المؤسسة الوطنية للنفط وتمويلها لا يعني منحها أموالاً دون رقابة أو متابعة، بل يجب أن يقوم على معادلة واضحة ومتوازنة:

تمويل منتظم، وإفصاح مستمر، ورقابة مهنية، وربط الإنفاق بالأداء والإنتاج ونسب الإنجاز.

ومن المهم أن يستمر نهج الإفصاح عن المبالغ المعتمدة والمسيّلة وأوجه استخدامها والجهات المرتبطة بها، وأن يتطور لاحقاً ليشمل بيانات دورية عن المشروعات، ونسب التنفيذ، والأثر المتوقع على الإنتاج، والنتائج التي تحققت فعلياً.

وفي المقابل، يجب ألا تتحول المطالبة بالشفافية إلى مبرر لتأخير التمويل؛ لأن الشفافية لا يمكن أن تحل محل السيولة، والتقارير لا تستطيع تشغيل الحقول أو شراء قطع الغيار أو تنفيذ الصيانة.

فعندما تفصح المؤسسة عن أوجه استخدام الأموال، ينبغي أن يقابل هذا الإفصاح التزام من الدولة بتوفير ما تم اعتماده وفق جداول زمنية واضحة، ما دام الإنفاق مرتبطاً بأهداف فنية وإنتاجية قابلة للمتابعة والتقييم.

خلاصة القراءة

يفيد الإفصاح الأخير للمؤسسة الوطنية للنفط بأن المبلغ المسيّل لم يوجه إلى نفقات مجهولة أو أنشطة بعيدة عن طبيعة القطاع، بل خُصص لاسترجاع أصل صناعي مهم، ودعم مشروع مصفاة الجنوب، وتسوية أجزاء من التزامات مرتبطة بشركات دولية وفنية معتبرة، إضافة إلى التزامات تشغيلية ضرورية.

كما يوضح أن المؤسسة لم تحصل إلا على 7.35% من إجمالي القيمة المعتمدة لها، في حين ما زال 92.65% من المخصصات غير مسيّل، بالتزامن مع عدم تسييل أي ميزانية تشغيلية لها عن عام 2025.

إذا أرادت الدولة الليبية المحافظة على إنتاج النفط وزيادته، وضمان استمرار تدفق الإيرادات، فعليها أن تتعامل مع تمويل المؤسسة باعتباره استثماراً في أصل الدولة المنتج، لا مجرد إنفاق يمكن تأجيله دون تكلفة.

فالنفط لا ينتج بالتصريحات، والحقول لا تُصان بالاعتمادات غير المسيّلة، والشركات الفنية لا تستطيع الاستمرار في تقديم خدماتها مع تراكم مستحقاتها.

أما السؤال المشروع عن مصير عوائد النفط ومدى انعكاسها على حياة المواطن، فيجب أن يوجه إلى منظومة إدارة المال العام والإنفاق والتنمية، لا إلى المؤسسة التي تتولى إنتاج الثروة وتصديرها.

إن المليار المسيّل قد يبدو رقماً كبيراً، لكنه في واقع صناعة النفط يمثل تمويلاً محدوداً لحماية قطاع يدر على الدولة مليارات الدولارات. ومن هنا فإن دعم المؤسسة وتمويلها المنتظم، مع استمرار الشفافية والإفصاح والرقابة، ليس خياراً إدارياً، بل ضرورة وطنية إذا أرادت ليبيا أن تنعم فعلاً بخيرات نفطها.

النائب العام يبحث مع عدد من الوزراء ومسؤولي الأجهزة الرقابية سبل مكافحة المبيدات المحظورة وحماية الأمن الغذائي

بحث النائب العام المستشار “الصديق الصور” مع وزراء الزراعة والاقتصاد والبيئة بحكومة الوحدة الوطنية وعدد من قادة الأجهزة الأمنية والرقابية والإصحاح البيئي ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية، سبل تعزيز الأمن الغذائي ووقاية السكان من أخطار المبيدات المحظورة.

واستعرض النائب العام خلال اللقاء النتائج الخطيرة لتحليل عينات المحاصيل الزراعية، مشيراً إلى وجود خلل رقابي يسّر دخول مبيدات مجهولة المكونات ومسرطنة إلى الأسواق برغم حظرها دولياً ومحلياً.

ودعا “الصور” إلى ضرورة تحديث قوائم المبيدات المحظورة وتوثيق أسمائها التجارية، مع وضع آلية تنسيق مؤسسي عاجلة لسد الفجوات الرقابية وضمان حوكمة قطاع الزراعة، فيما قدم الإطار الفني للوزارات المعالجات المقترحة لسد القصور الحالي.

“شكشك” يبحث مع بعثة الأمم المتحدة ملفات الحوكمة والإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد

بحث رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك” مع نائبتي الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة “ستيفاني خوري” و”أولريكا ريتشاردسون”، سبل تفعيل التعاون الفني مع المجتمع الدولي لتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.

كما ناقش “شكشك” مع المبعوثتين الأمميتيْن خلال اجتماعهما الذي عقد اليوم الاثنين بمقر الديوان بطرابلس؛ مخرجات الحوار المهيكل المتعلقة بمحور الإصلاح الاقتصادي، والخطوات القادمة لدعم الأجهزة الرقابية وتطوير آلياتها لحماية المال العام.

بسبب احتكار صيد التونة.. النيابة العامة تأمر بحبس وكيل وزارة الثروة البحرية ومسؤولين آخرين

أمرت نيابة مكافحة الفساد بطرابلس بحبس وكيل وزارة الثروة البحرية ومدير الشؤون الإدارية ومندوب الوزارة لدى المفوضية الدولية “إيكات” وعضوين بلجنة توزيع حصص الصيد لعام 2022، احتياطياً على ذمة التحقيق.

جاء ذلك بعدما أثبتت التحيقات عن تجاوزات في إدارة مواسم صيد سمك التونة من سنة 2018 حتى 2025، تعمّد خلالها المتهمون تمكين شركة واحدة من الاحتكار وتغليب مصالحها على المصلحة العامة وحقوق الصيادين المستوفين للشروط لتحقيق منافع غير مشروعة.

لرفع الإنتاج ودعم الكهرباء.. “مليتة” تنجح في تشغيل ضواغط غاز جديدة بمنصة صبراتة البحرية

أعلنت شركة مليتة للنفط والغاز عن نجاح الفرق الفنية التابعة للشركة في إنهاء أعمال ربط وتشغيل ضواغط غاز جديدة على منصة صبراتة البحرية، بالتنسيق مع المؤسسة الوطنية للنفط، وذلك في فترة قياسية لم تتجاوز 30 ساعة دون التأثير على إمدادات محطات الكهرباء.

وبحسب الشركة فإنها تهدف من ذلك إلى الحفاظ على ضغط المكمن وإطالة عمره الإنتاجي؛ حيث من المتوقع أن تسهم الضواغط الجديدة في رفع إنتاج الغاز الطبيعي بمعدل 28 مليار قدم مكعب سنوياً، وزيادة إنتاج المكثفات بحوالي 360 ألف برميل سنوياً.

وأوضحت الشركة بأنها قامت بتوجيه الزيادات المتحققة في الإنتاج مباشرة إلى الخط الساحلي “مليتة – مصراتة”، لدعم شبكة الكهرباء وضمان استقرار الإمدادات لكافة المستهلكين.

مكتب النائب العام: النيابة تأمر بحبس مسؤول المبيعات بشركة البريقة ومديري خمس شركات توزيع

أمرت النيابة العامة بحبس مسؤول المبيعات في شركة البريقة لتسويق النفط ومديري شركات توزيع المحروقات “الشرارة الذهبية وليبيا نفط والراحلة وخدمات الطرق السريعة والثقة الدولية” احتياطياً على ذمة التحقيق، لإخلالهم بواجب إتاحة المحروقات المتسلَّمة لفائدة السكان في الأوقات كلها؛ وانصرفوا عن تعهد إلزام أدوات التوزيع التابعة لهذه الشركات بضوابط التعاقد.

وبحسب مكتب النائب العام فقد أجاز بعض مديري شركات التوزيع الخمس صرف كميات من المحروقات لفائدة أدوات توزيع لا تتوافر على تراخيص معتمدة وتمكين أدوات توزيع أخرى من تسلم محروقات رغم ثبوت مخالطتها جماعات تهريب الوقود، والإحجام عن توزيع المحروقات بتحكّم غير مشروع لعدم رضاهم على الحصص المخصَّصة؛ وتجاهل تعيين بعض أدوات التوزيع لتموضعها “GPS” خارج التراب الليبي “في البحر” وتسهيل صرف كميات من المحروقات لفائدة أدوات توزيع وهمية، كما أساء مسؤول مبيعات شركة البريقة استعمال الوظيفة الموكلة إليه؛ بتمكينه أشخاص معنوية خاصة من المحروقات دون وضوح سبب إفادتهم من الدعم الذي قرَّرته التشريعات للمواطن.

وأشار مكتب النائب العام إلى أن النيابة العامة أمرت بحبس المتهمين احتياطياً على ذمة التحقيق؛ ووجهت بوقف 36 أداة توزيع لا تمارس نشاطاً تجارياً منضبطاً؛ وملاحقة بقية الضالعين في هذا السلوك الضار بحقوق السكان والاقتصاد.

“الدبيبة” يتابع مع وزير المالية سير العمل في ملف الإفراجات المالية

تابع رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبدالحميد الدبيبة” مع وزير المالية “راشد أبوغفة”، خلال اجتماعهما اليوم الأحد، سير العمل في ملف الإفراجات المالية.

وشدد “الدبيبة” على ضرورة التزام كافة الجهات العامة بالضوابط القانونية والمالية لتعزيز الحوكمة والانضباط المالي، كما ناقش ملف مساهمات الدولة الليبية في البنوك والمؤسسات المالية الدولية، وسبل تعظيم الاستفادة منها وتوظيفها لدعم الأولويات الاقتصادية والتنموية.

مصرف ليبيا المركزي يصدر بيانا بشأن الحادث الأمني السيبراني ويعلق على نشر عينة من بياناته على “دارك ويب”

أصدر مصرف ليبيا المركزي بيانا اليوم الأحد، بشأن الحادث الأمني السيبراني الذي تعرض له قبل ثلاثة أسابيع، معلقاً على ما تم تداوله اليوم بشأن نشر عينة من البيانات على مواقع “دارك ويب”.

​وأوضح المصرف المركزي أن الفرق الفنية المختصة تواصل، بالتعاون مع شركات وخبراء دوليين، أعمال التحقق والتحليل الفني لتحديد طبيعة وحجم البيانات المنشورة، مؤكداً أنها تعود في الأصل إلى عملية الاختراق السابقة التي تم تفعيل خطط الطوارئ واحتواء آثارها فور اكتشافها.

وأكد “المركزي” رفضه القاطع للدخول في أي مفاوضات أو مساومات تنطوي على ابتزاز، أو الاستجابة لأي مطالب تخالف الأطر القانونية والتنظيمية النافذة، كما طمأن الجميع بأن الخدمات المصرفية الأساسية وحسابات العملاء واستقرار النظام المالي مستمرة في العمل بصورة طبيعية وآمنة تماماً ولم تتأثر بهذا المستجد، مشيراً إلى استمرار التحقيقات الفنية والجنائية بالتنسيق مع مؤسسات أمنية محلية ودولية لتعزيز المنظومة الرقمية ورفع الجاهزية التشغيلية.

“الشلوي”: النفط ليس مجرد سعر بل معادلة دولة.. متى يجب أن تقلق ليبيا من هبوط أسعار النفط؟

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

كلما انخفضت أسعار النفط في الأسواق العالمية، يتكرر المشهد ذاته في ليبيا؛ تتصدر أسعار خام برنت نشرات الأخبار، وتزداد التساؤلات في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ويبدأ المواطن في طرح أسئلة تبدو مشروعة: هل ستتراجع إيرادات الدولة؟ هل ستتأثر المرتبات؟ هل ستتعطل مشاريع التنمية؟ وهل نحن مقبلون على مرحلة تقشف؟

هذه الأسئلة مفهومة تماماً؛ لأن النفط لا يزال يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة الليبية، ولأن أي تغير في أسعاره ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على المالية العامة، وسعر الصرف، والاحتياطيات، والإنفاق، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

لكن السؤال المهني الذي ينبغي أن يُطرح ليس: كم أصبح سعر برميل النفط اليوم؟ بل السؤال الأهم هو: متى يصبح انخفاض أسعار النفط مقلقاً فعلاً بالنسبة لليبيا؟

والإجابة لا يمكن اختزالها في رقم واحد؛ لأن النفط بالنسبة لليبيا ليس مجرد سلعة تُباع في السوق العالمية، ولا مجرد سعر يظهر على شاشات التداول، بل هو جزء من معادلة دولة كاملة، تتداخل فيها عناصر فنية، واقتصادية، ومالية، وسياسية، وأمنية، وجيوسياسية.

لقد تناولت في مقالات سابقة العلاقة بين أسعار النفط والإنتاج والإيرادات، وأشرت إلى أهمية رفع الإنتاج إلى مستويات تقارب مليوناً ونصف المليون برميل يومياً، كما تطرقت إلى أثر التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز والبحر الأحمر على الأسعار، وإلى ملف دعم المحروقات، وأهمية إصلاح التشوهات المالية، ودور المؤسسة الوطنية للنفط في حماية المصدر الرئيسي للدخل الوطني.

وتأتي هذه المقالة امتداداً لذلك المسار، ولكن من زاوية أكثر تحديداً: كيف نقرأ هبوط أسعار النفط؟ ومتى يكون القلق مبرراً؟ ومتى يكون مجرد رد فعل مبالغ فيه؟ وما علاقة سعر البرميل بحجم الإنفاق العام الفعلي للدولة؟

أولاً: النفط ليس سعراً فقط

من الخطأ أن نحكم على الوضع المالي للدولة من خلال سعر خام برنت وحده، فالاقتصاد الليبي تحكمه معادلة أوسع، تتكون من عدة عناصر رئيسية، منها:

  • متوسط سعر النفط.
  • حجم الإنتاج اليومي.
  • انتظام عمليات التصدير.
  • جودة الخام الليبي وفروق التسعير.
  • إجمالي الإنفاق العام الفعلي.
  • سعر صرف الدينار.
  • قيمة الدعم، وخاصة دعم المحروقات.
  • الإيرادات غير النفطية.
  • مستوى الاحتياطيات الأجنبية.
  • حجم الدين العام والالتزامات القائمة.
  • الاستقرار السياسي والأمني.
  • كفاءة إدارة المال العام.
  • التطورات الجيوسياسية وأسواق الطاقة العالمية.

ولهذا قد يكون سعر 60 دولاراً للبرميل مقبولاً في سنة معينة إذا كان الإنتاج مستقراً والإنفاق مضبوطاً، بينما قد لا يكون سعر 80 دولاراً كافياً في سنة أخرى إذا تراجع الإنتاج، أو تعطلت الصادرات، أو ارتفع الإنفاق العام بصورة كبيرة. إذن المشكلة ليست في السعر وحده، بل في العلاقة بين السعر والإنتاج والإنفاق والاستقرار.

ثانياً: ما هو سعر التعادل المالي؟

من أهم المفاهيم التي ينبغي إدخالها إلى النقاش الاقتصادي الليبي مفهوم “سعر التعادل المالي”. ويقصد به بصورة مبسطة: متوسط سعر النفط الذي تحتاجه الدولة حتى تغطي إيراداتها مستوى الإنفاق العام الفعلي دون اللجوء إلى الاقتراض، أو السحب المفرط من الاحتياطيات، أو تراكم الالتزامات.

وهذا السعر ليس رقماً ثابتاً، بل يتغير من سنة إلى أخرى؛ فإذا ارتفع الإنفاق العام، ارتفع معه سعر التعادل المالي، وإذا انخفض الإنفاق، أو زاد الإنتاج، أو تحسنت الإيرادات غير النفطية، انخفض سعر التعادل المالي.

بمعنى آخر، الدولة التي تنفق 120 مليار دينار سنوياً لا تحتاج إلى نفس سعر النفط الذي تحتاجه دولة تنفق 190 مليار دينار. والدولة التي تنتج 1.5 مليون برميل يومياً لا تشبه دولة تنتج مليون برميل فقط، حتى لو كان سعر النفط واحداً. وهنا تكمن أهمية التخطيط المالي الرشيد.

ثالثاً: ليس المهم اسم أداة الإنفاق… بل حجم الإنفاق الفعلي

عند تقييم أثر انخفاض أسعار النفط على ليبيا، لا يكفي النظر إلى الميزانية العامة وحدها؛ لأن الواقع المالي الليبي خلال السنوات الماضية شهد صيغاً متعددة للإنفاق، بعضها جاء نتيجة الظروف السياسية والمؤسسية التي مرت بها البلاد.

فقد تم الإنفاق عبر:

  • ميزانيات عامة معتمدة.
  • الإنفاق وفق قاعدة 1/12.
  • الترتيبات المالية.
  • الإنفاق أو الاعتمادات الاستثنائية.
  • التمويل المباشر لبعض الجهات.
  • الإنفاق الموازي في ظل الانقسام المؤسسي سابقاً.
  • أي صيغ مالية أو تنظيمية قد تُستحدث مستقبلاً وفقاً للظروف القانونية والسياسية.

ومن منظور اقتصادي بحت، فإن اختلاف المسميات لا يغير جوهر المعادلة؛ لأن جميع هذه الأدوات تمثل في النهاية إنفاقاً عاماً فعلياً تتحمله الدولة. لذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل الإنفاق تم عبر ميزانية أم ترتيبات مالية أم قاعدة 1/12؟ بل السؤال هو: كم بلغ إجمالي الإنفاق العام الفعلي خلال السنة؟

هذا الرقم هو الذي ينبغي مقارنته بالإيرادات النفطية، وهو الذي يحدد مستوى الضغط على المالية العامة، وهو الذي يرفع أو يخفض سعر التعادل المالي.

رابعاً: قراءة في بعض الأرقام الحديثة

بحسب البيانات المتاحة، بلغ إجمالي الإنفاق العام الفعلي خلال عام 2025م، باستثناء بند المحروقات، نحو 120 مليار دينار ليبي، مقارنة بنحو 123.2 مليار دينار في عام 2024م. كما بلغت الإيرادات النفطية المحولة إلى مصرف ليبيا المركزي في 2025م نحو 22.1 مليار دولار، وبلغت الأصول الأجنبية للمصرف المركزي نحو 99.4 optical مليار دولار بنهاية العام.

وفي عام 2026م، تم الإعلان عن أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، بحجم يقارب 190 مليار دينار، شملت بنوداً رئيسية مثل: المرتبات، والدعم، والتنمية، والتشغيل، ومخصصات المؤسسة الوطنية للنفط.

هذه الأرقام لا ينبغي قراءتها بمعزل عن بعضها؛ فالفرق بين إنفاق فعلي في حدود 120 مليار دينار، واعتماد مالي موحد يقترب من 190 مليار دينار، يوضح لنا كيف يمكن أن يتغير سعر التعادل المالي تبعاً لحجم الالتزامات التي تتحملها الدولة. وكلما اتسع الإنفاق، زادت حاجة الدولة إلى سعر نفط أعلى، أو إنتاج أكبر، أو إيرادات إضافية، أو ضبط أكبر للنفقات.

خامساً: ماذا يعني انخفاض 10 دولارات في سعر النفط؟

لنبسط الصورة للمواطن ولصانع القرار معاً؛ إذا افترضنا أن ليبيا تنتج نحو 1.5 مليون برميل يومياً، فإن انخفاض سعر النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل يعني تقريباً:

1.5 مليون برميل يومياً×10 دولارات=15 مليون دولار يومياً

وعلى أساس سنة كاملة:

15 مليون دولار يومياً×365 يوماً=نحو 5.5 مليار دولار سنوياً

وبسعر صرف تقريبي في حدود 5.4 دنانير للدولار، فإن ذلك يعادل قرابة 30 مليار دينار ليبي سنوياً.

هذا الرقم وحده يشرح لماذا تتابع الدولة أسعار النفط بدقة؛ فهبوط 10 دولارات فقط، إذا استمر عاماً كاملاً، قد يعادل عشرات المليارات من الدنانير، وهي قيمة يمكن أن تمول جزءاً مهماً من الإنفاق العام أو التنمية أو الدعم أو التزامات الدولة.

لكن يجب التنبيه إلى أن هذه حسابات تقريبية لغرض التوضيح، وتتغير بحسب الإنتاج الفعلي، وسعر الصرف، وفروق التسعير، وتكاليف التشغيل، وانتظام التصدير، وطبيعة الإيرادات المحولة فعلاً إلى الخزانة العامة.

سادساً: سيناريوهات أسعار النفط وتأثيرها على ليبيا

الأرقام التالية ليست أسعاراً رسمية للتعادل المالي، بل سيناريوهات تحليلية تقريبية تساعد على فهم العلاقة بين سعر النفط والمالية العامة، على أساس إنتاج يقارب 1.5 مليون برميل يومياً:

ومن المهم التأكيد أن هذه الأرقام إجمالية تقريبية، وليست صافي الإيراد المتاح للإنفاق العام؛ فهناك عوامل كثيرة تؤثر في الإيراد النهائي، منها: تكاليف الإنتاج، الشركاء، الالتزامات التشغيلية، فروق الأسعار، نوع الخام، توقيت الشحنات، وسعر الصرف.

لكن السياق السابق يوضح الفكرة الأساسية: كل 10 دولارات هبوطاً أو صعوداً تُحدث فرقاً كبيراً في المالية العامة.

سابعاً: متى تبدأ ليبيا فعلاً بإعادة حساباتها؟

من وجهة نظري، لا يبدأ القلق الحقيقي من حركة يومية أو أسبوعية في سعر برنت، بل من استمرار الاتجاه النزولي وتزامنه مع عوامل داخلية ضاغطة. ويمكن تقسيم مستويات التعامل مع انخفاض الأسعار إلى أربع مراحل:

  1. مرحلة المراقبة: وتكون غالباً عندما تتحرك الأسعار ضمن نطاق مريح، أو يحدث انخفاض مؤقت لا يغير الاتجاه العام للسوق. في هذه المرحلة لا تحتاج الدولة إلى إجراءات استثنائية، لكنها تحتاج إلى متابعة دقيقة للأسعار، والإنتاج، والتصدير، والإنفاق.
  2. مرحلة اليقظة: وتبدأ عندما تنخفض الأسعار إلى مستويات بين 60 و70 دولاراً، أو عندما تظهر مؤشرات على ضعف الطلب العالمي أو زيادة المعروض. هنا لا نتحدث عن أزمة، بل عن ضرورة مراجعة السيناريوهات، وعدم التوسع في الالتزامات الدائمة، وتحسين كفاءة الإنفاق.
  3. مرحلة الاستجابة: وتظهر عندما تستقر الأسعار بين 50 و60 دولاراً لفترة، خاصة إذا كان الإنفاق العام مرتفعاً. في هذه الحالة تصبح الدولة مطالبة بإعادة ترتيب الأولويات، وتأجيل بعض النفقات غير الضرورية، وتسريع الإصلاحات، وزيادة الإيرادات غير النفطية.
  4. مرحلة المعالجة: وتبدأ إذا انخفضت الأسعار إلى أقل من 50 دولاراً لفترة ممتدة، وتزامن ذلك مع تراجع الإنتاج، أو اضطراب الصادرات، أو استمرار إنفاق مرتفع دون إصلاحات. هنا قد تصبح الإجراءات المالية الصارمة ضرورة، ليس لأن النفط انخفض فقط، بل لأن عناصر المعادلة كلها أصبحت تضغط في الاتجاه نفسه.

ثامناً: لماذا لا ينبغي الذعر من كل انخفاض؟

ليست كل موجة هبوط في أسعار النفط سبباً للقلق، كما أن كل موجة ارتفاع لا تعني الاطمئنان؛ فأسواق النفط بطبيعتها دورية؛ ترتفع أحياناً بسبب التوترات الجيوسياسية، أو نقص المعروض، أو قرارات “أوبك+”، وتنخفض أحياناً بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي، أو زيادة الإمدادات، أو ارتفاع المخزونات، أو قوة الدولار، أو توقعات الطلب في الصين والولايات المتحدة وأوروبا.

لذلك فإن القراءة المهنية لا تُبنى على سعر يوم واحد، ولا على حركة أسبوع واحد، بل على متوسطات الأسعار، ومدى استمرار الاتجاه، ومدى تزامنه مع بقية المؤشرات. وقد يكون انخفاض النفط من 85 إلى 75 دولاراً مؤقتاً وغير مقلق إذا كان الإنتاج مستقراً والإنفاق مضبوطاً، بينما قد يكون السعر نفسه مقلقاً إذا كانت الصادرات مضطربة والإنفاق العام متضخماً.

تاسعاً: المؤسسة الوطنية للنفط ليست معنية بالسعر فقط

بالنسبة للمؤسسة الوطنية للنفط، لا يقتصر أثر انخفاض الأسعار على إيرادات الدولة، بل يمتد إلى قدرة القطاع على تمويل الصيانة، والتطوير، والاستكشاف، ومشروعات الغاز، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وتأهيل البنية التحتية. فقطاع النفط لا يعيش على التشغيل اليومي فقط؛ فهناك استثمارات يجب أن تتم اليوم حتى تحافظ ليبيا على إنتاجها غداً.

ولهذا فإن حماية تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليست امتيازاً قطاعياً، بل ضرورة وطنية؛ فكل دينار أو دولار يُستثمر بكفاءة في زيادة الإنتاج واستقرار التصدير ينعكس على الإيرادات العامة، وعلى قدرة الدولة على مواجهة انخفاض الأسعار. وقد أظهرت البيانات الأخيرة أن ليبيا اقتربت من مستوى 1.5 مليون برميل يومياً من الخام والمكثفات، وهو مستوى مهم جداً؛ لأنه يمنح الدولة هامش أمان أكبر عند انخفاض الأسعار، شريطة أن يكون الإنتاج مستقراً والتصدير منتظماً.

عاشراً: الجغرافيا السياسية لا تقل أهمية عن الاقتصاد

ليبيا لا تتحكم وحدها في سعر النفط، فالسوق العالمية تتأثر بعوامل عديدة، من أهمها:

  • قرارات أوبك+.
  • مستويات الإنتاج العالمي.
  • المخزون الأمريكي.
  • الطلب الصيني.
  • أسعار الفائدة الأمريكية.
  • قوة الدولار.
  • العقوبات على روسيا أو إيران.
  • التوتر في الخليج.
  • أمن مضيق هرمز.
  • اضطرابات البحر الأحمر.
  • الحروب والنزاعات.
  • توقعات الركود أو النمو العالمي.

ولذلك قد ترتفع الأسعار أو تنخفض لأسباب لا علاقة مباشرة لها بليبيا، لكن قدرة ليبيا على الاستفادة من الارتفاع أو الصمود أمام الانخفاض تعتمد على عوامل داخلية؛ أهمها الاستقرار، والإنتاج, والتصدير، والإنفاق، وكفاءة الإدارة.

حادي عشر: سعر السوق وسعر التخطيط وسعر التعادل

من المفيد هنا التمييز بين ثلاثة أسعار:

  • سعر السوق: وهو السعر الذي تحدده أسواق النفط العالمية يومياً، ويتأثر بالعرض والطلب والمخزونات والجيوسياسة والمضاربات.
  • سعر التخطيط: وهو السعر التحوطي الذي ينبغي أن تبني عليه الدولة تقديراتها المالية، حتى لا تُوسع إنفاقها على أساس سعر مرتفع قد لا يستمر.
  • سعر التعادل المالي: وهو السعر التقريبي الذي تحتاجه الدولة لتغطية إجمالي الإنفاق العام الفعلي، في ضوء الإنتاج وسعر الصرف والإيرادات الأخرى.

الدول الرشيدة لا تبني إنفاقها على أعلى سعر متوقع، بل على سعر تخطيط محافظ، وتتعامل مع الفوائض باعتبارها فرصة لبناء احتياطيات وتمويل استثمارات، لا مبرراً للتوسع غير المنضبط في الإنفاق.

ثاني عشر: متى يتحول القلق إلى تقشف؟

لا يبدأ التقشف لمجرد أن النفط انخفض إلى 70 أو 60 دولاراً، بل يبدأ التفكير في إجراءات أكثر صرامة عندما تجتمع ثلاثة عوامل معاً:

  1. انخفاض الأسعار لفترة ممتدة.
  2. تراجع الإنتاج أو اضطراب الصادرات.
  3. استمرار الإنفاق العام عند مستويات مرتفعة دون إصلاحات.

إذا اجتمعت هذه العوامل، فإن الدولة تصبح أمام خيارات صعبة؛ مثل السحب من الاحتياطيات، أو تقليص بعض النفقات، أو تأجيل مشاريع، أو مراجعة الدعم، أو زيادة الرسوم والإيرادات غير النفطية، أو الاقتراض، أو مزيج من هذه الأدوات. لكن إذا حافظت ليبيا على إنتاج مرتفع ومستقر، وضبطت إنفاقها، وسرّعت الإصلاحات، فإنها تستطيع تحمل أسعار متوسطة لفترة أطول دون الدخول في أزمة حادة.

ثالث عشر: الرسالة إلى المواطن وصانع القرار

المواطن ليس مطلوباً منه أن يراقب شاشة أسعار برنت كل صباح بقلق؛ المطلوب أن يعرف أن سعر النفط مهم، لكنه ليس المؤشر الوحيد. والمؤشرات الأهم هي:

  • هل الإنتاج مستقر؟
  • هل الصادرات منتظمة؟
  • هل الإنفاق العام منضبط؟
  • هل الاستثمارات النفطية مستمرة؟
  • هل الدعم يُدار بكفاءة؟
  • هل الإيرادات غير النفطية تتحسن؟
  • هل الاحتياطيات تُستخدم بحكمة؟
  • هل هناك إصلاحات حقيقية تقلل من هشاشة الاقتصاد؟

أما صانع القرار، فعليه أن يدرك أن سنوات ارتفاع الأسعار هي الوقت الأنسب للإصلاح، لا للتوسع في الإنفاق فقط؛ فالدول لا تستعد للأزمات أثناء الأزمة، بل تستعد لها في سنوات الوفرة.

خاتمة

النفط ليس مجرد سعر، بل معادلة دولة.

ولا ينبغي أن نقلق من كل انخفاض مؤقت في أسعار النفط، كما لا ينبغي أن نطمئن لكل ارتفاع عابر؛ فالقلق الحقيقي يبدأ عندما ينخفض السعر، ويتراجع الإنتاج، ويرتفع الإنفاق، وتتأخر الإصلاحات، وتضطرب الصادرات، وتضعف كفاءة إدارة المال العام.

وفي المقابل، تستطيع ليبيا أن تكون أكثر قدرة على الصمود إذا حافظت على إنتاج مرتفع، واستقرار في التصدير، وانضباط في الإنفاق، واستثمار جاد في قطاع النفط والغاز، وإصلاح تدريجي للدعم، وتنويع حقيقي للإيرادات. إن قوة الاقتصاد النفطي لا تُقاس فقط عندما ترتفع الأسعار، بل تُقاس أكثر عندما تنخفض.

فحين ترتفع أسعار النفط، تظهر قدرة الدولة على استثمار الفوائض، وحين تنخفض، تظهر صلابة سياساتها المالية. وبين الحالتين، يبقى العامل الحاسم ليس سعر البرميل وحده، بل جودة القرار الاقتصادي.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط: “كم بلغ سعر برنت اليوم؟” بل السؤال الأهم: “هل أصبح الاقتصاد الليبي أكثر قدرة على الصمود إذا انخفض النفط غداً؟”

وهنا تكمن معادلة الدولة.