Skip to main content

الوسم: رئيسي

تعليقا على مقال لـ”الصافي”.. “حسني بي”: المصالحة الاقتصادية فرصة حقيقية لليبيا لكنها قد تكون فخاً خطيراً

أثار المقال الأخير للخبير الاقتصادي “محمد الصافي” والذي تناول فيه أبعاد “المصالحة الاقتصادية” والإنفاق الموحد في ليبيا، ردود أفعال واسعة في الأوساط الاقتصادية؛ حيث قدّم رجل الأعمال “حسني بي تحليلاً على ما جاء في المقال، مستعرضاً نقاط القوة والضعف، ومحذراً من تحول الاتفاقات المالية إلى مجرد “تقاسم للموارد”.

خلاصة رؤية “محمد الصافي” حول المصالحة الاقتصادية

في مقاله المعنون بـ “المصالحة الاقتصادية في ليبيا”، طرح الخبير الاقتصادي “محمد الصافي” مقاربة مغايرة للمسار التقليدي للأزمة الليبية؛ حيث يرى أن المحاولات “الخطية” التي تبدأ بالحل السياسي ثم الاجتماعي وصولاً للاقتصادي قد فشلت، ما دفع مصرف ليبيا المركزي “وبدعم دولي” إلى تقديم “المصالحة الاقتصادية” كبوابة للحل عبر ملف الميزانية والإنفاق الموحد.

وأشار “الصافي” إلى أن تغيير قيادة المصرف المركزي وعودته للعمل بمجلس إدارة متكامل أعطاه المرونة للعب دور الوسيط.

وحدد “الصافي” ثلاثة أسباب للتفاؤل؛ “الاهتمام المحلي والدولي غير المسبوق بالميزانية، وضغط الشارع لكبح التضخم، ووقوع السياسيين في فخ تكلفة المشهد أمام الجمهور”، وفي المقابل؛ حدد ثلاثة أسباب كذلك للحذر؛ وهي غياب ملف الإيرادات عن النقاش، وضبابية ضمانات توحيد الإنفاق، والسرية المحيطة بالاتفاق.

وختم “الصافي” حديثه بالقول إن “توحيد الإنفاق بدون ضبطه ليس إصلاحاً اقتصادياً، إنما المصالحة الاقتصادية الحقيقية هي بتوحيد الإنفاق وترشيده”.

وتعليقا على ما ذكره “الصافي”؛ كتب رجل الأعمال “حسني بي” تحليلا مستقلا لمقال “المصالحة الاقتصادية في ليبيا” قال فيه:

أولاً: الفكرة الأساسية للمقال
المقال يطرح فكرة مهمة وهي أن ليبيا ربما لم تعد قادرة على انتظار الحل السياسي الشامل قبل البدء في الإصلاح الاقتصادي. الكاتب يرى أن النموذج التقليدي الذي يقول إن الحل يجب أن يبدأ بـ:
مصالحة سياسية
ثم مصالحة اجتماعية
ثم إصلاح اقتصادي
لم يعد عملياً، لأنه جُرّب لسنوات طويلة دون نتائج حقيقية.
لذلك، يقترح المقال أن ما يحدث الآن هو محاولة لعكس هذا المسار: أي البدء من المصالحة الاقتصادية، تحديداً عبر ملف الإنفاق العام والميزانية الموحدة، على أمل أن يؤدي ذلك لاحقاً إلى تهدئة سياسية واجتماعية أوسع.
هذه فكرة قوية ومهمة، لأن الاقتصاد في ليبيا لم يعد مجرد ملف فني، بل أصبح في قلب الصراع السياسي.

ثانياً: دور المصرف المركزي في المقال
الكاتب يعطي للمصرف المركزي دوراً محورياً. فهو يرى أن المصرف المركزي، بعد تغيير قيادته وعودة العمل بمجلس إدارة، أصبح قادراً على لعب دور الوسيط بين الأطراف السياسية المختلفة.
بمعنى آخر، المقال يصور المصرف المركزي وكأنه أصبح مؤسسة فوق الانقسام، أو على الأقل مؤسسة قادرة على جمع المتخاصمين حول طاولة واحدة لمناقشة المال العام.
وهنا توجد نقطة مهمة:
في ليبيا، من يسيطر على المال العام يمتلك تأثيراً سياسياً كبيراً. لذلك فإن الحديث عن الميزانية ليس حديثاً محاسبياً فقط، بل هو حديث عن السلطة والنفوذ وتوزيع الموارد.

ثالثاً: نقاط القوة في المقال

المقال واقعي في تشخيص فشل المسار السياسي
من أهم نقاط قوة المقال أنه لا يكرر الخطاب التقليدي عن ضرورة انتظار الحل السياسي الكامل. الكاتب يدرك أن هذا الانتظار طال كثيراً، وأن البلد لا يستطيع البقاء رهينة لتعثر السياسة.
هذه نقطة واقعية جداً؛ فالدولة لا تستطيع أن توقف علاج التضخم، والفساد، وتدهور القوة الشرائية، فقط لأن السياسيين لم يتفقوا بعد.

المقال يربط الاقتصاد بالاستقرار الاجتماعي
الكاتب محق عندما يشير إلى أن التضخم والفقر قد يصبحان أخطر على السياسيين من خصومهم السياسيين. المواطن العادي قد يصبر على الخلافات السياسية فترة، لكنه لا يصبر طويلاً على انهيار دخله وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات.
لذلك، فإن ضبط الإنفاق ليس مجرد إجراء مالي، بل هو شرط لحماية الاستقرار الاجتماعي.

المقال يميز بين توحيد الإنفاق وضبط الإنفاق
هذه أهم نقطة في المقال. الكاتب يقول بوضوح إن توحيد الإنفاق وحده لا يكفي؛ فقد تكون هناك ميزانية موحدة، لكنها ضخمة وفاسدة وغير منضبطة.
بالتالي، الإصلاح الحقيقي ليس في أن تتفق الأطراف على الصرف فقط، بل في أن تتفق على تقليل الهدر، وترشيد النفقات، ووضع سقوف واضحة، ومنع استخدام المال العام كأداة سياسية.
هذه نقطة دقيقة جداً، لأن كثيراً من الاتفاقات في ليبيا قد تتحول إلى تقاسم للموارد لا إلى إصلاح حقيقي.

رابعاً: نقاط الضعف أو النقص في المقال

المقال لا يقدم تصوراً واضحاً لكيفية ضبط الإنفاق
رغم أن الكاتب يطالب بترشيد الإنفاق، إلا أنه لا يشرح بالتفصيل كيف يمكن فعل ذلك. مثلاً:
هل يبدأ الإصلاح من بند المرتبات؟
هل يتم ضبط الدعم؟
هل يتم وقف الإنفاق الموازي؟
هل يتم توحيد الحسابات الحكومية؟
هل تُراجع أبواب التنمية؟
هل توضع قيود قانونية على الحكومتين؟
من يراقب التنفيذ؟
المقال يطرح المشكلة بشكل جيد، لكنه لا يقدم خريطة عملية كافية للحل.

جانب الإيرادات ضعيف في النقاش
الكاتب نفسه يلاحظ أن الحديث كله يدور حول الإنفاق، بينما الإيرادات غائبة. وهذه نقطة جوهرية.
لا يمكن الحديث عن ميزانية ناجحة دون سؤال: من أين ستأتي الأموال؟
إذا كانت إيرادات النفط بالكاد تكفي، وإذا بقي الاقتصاد الليبي معتمداً على النفط فقط، فإن أي اتفاق على الإنفاق قد يتحول إلى عبء جديد. وقد تلجأ الدولة إلى الدين العام، أو استنزاف الاحتياطيات، أو الضغط على سعر الصرف.
لذلك، لا توجد مصالحة اقتصادية حقيقية دون إصلاح جانب الإيرادات أيضاً، مثل:
تحسين تحصيل الإيرادات السيادية؛
مكافحة التهريب؛
مراجعة الدعم؛
تنشيط القطاعات غير النفطية؛
ضبط الإنفاق على النقد الأجنبي؛
تقوية الرقابة على المال العام.

المقال لا يناقش بما يكفي خطر شرعنة الوضع القائم
الكاتب يلمح إلى هذا الخطر، لكنه يستحق مساحة أكبر. فهناك احتمال أن تتحول “المصالحة الاقتصادية” إلى غطاء جديد لاستمرار الانقسام السياسي.
بمعنى: قد تتفق الأطراف على ميزانية موحدة لا لأنها تريد إصلاح الدولة، بل لأنها تريد ضمان حصتها من الإنفاق العام.
وهنا يصبح الاتفاق الاقتصادي خطيراً، لأنه يعطي مظهراً من الاستقرار بينما يثبت جوهر الأزمة.

خامساً: رأيي المستقل في المقال
رأيي أن المقال مهم وقوي من حيث الفكرة العامة، لكنه يحتاج إلى مزيد من الصرامة في التفريق بين التسوية المالية والإصلاح الاقتصادي.
ما يحدث في ليبيا قد يكون مصالحة اقتصادية حقيقية، وقد يكون مجرد اتفاق بين أطراف متنافسة على كيفية توزيع المال العام. الفرق بين الاثنين كبير جداً.
المصالحة الاقتصادية الحقيقية يجب أن تعني:
ميزانية واحدة؛
إنفاقاً واضحاً ومعلناً؛
سقفاً للإنفاق لا يتم تجاوزه؛
رقابة مستقلة؛
شفافية أمام الناس؛
حماية الاحتياطيات؛
منع التمويل بالعجز؛
ربط الإنفاق بأولويات حقيقية لا بولاءات سياسية؛
تقليل الفساد والهدر؛
إصلاح الدعم والمرتبات والتنمية تدريجياً.
أما إذا كان المقصود فقط هو أن تجلس الأطراف وتتفق على رقم كبير للإنفاق، ثم يتم تمويله بأي طريقة، فهذا ليس إصلاحاً. هذا مجرد توحيد للفوضى.

سادساً: أين أختلف مع المقال؟
أختلف جزئياً مع درجة التفاؤل الموجودة في المقال. نعم، هناك أسباب للتفاؤل، لكنني أرى أن الخطر أكبر مما يوحي به المقال.
السبب أن المشكلة في ليبيا ليست فقط غياب الاتفاق على الميزانية، بل غياب الثقة والمؤسسات وآليات التنفيذ. حتى لو تم الاتفاق، السؤال الأهم هو: من يضمن الالتزام؟
في دولة منقسمة، الاتفاقات قد تُوقّع بسهولة، لكنها تُخرق بسهولة أيضاً. وإذا لم تكن هناك عقوبات واضحة، ورقابة حقيقية، وشفافية كاملة، فإن أي اتفاق مالي قد يصبح حبراً على ورق.
كما أن الاعتماد على المصرف المركزي وحده لحل أزمة سياسية واقتصادية بهذا الحجم قد يكون تحميلاً له فوق طاقته. المصرف المركزي يمكنه أن يضغط، وينظم، وينبه، ويدير السياسة النقدية، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح المالية العامة إذا بقيت الحكومات والأجسام السياسية تستخدم الإنفاق كأداة للنفوذ.

سابعاً: أين أتفق مع المقال؟
أتفق بقوة مع العبارة الأخيرة في المقال:
توحيد الإنفاق بدون ضبطه ليس إصلاحاً اقتصادياً.
هذه هي الخلاصة الصحيحة. ليبيا لا تحتاج فقط إلى ميزانية موحدة، بل تحتاج إلى ميزانية عاقلة. لا تحتاج فقط إلى اتفاق على الصرف، بل إلى اتفاق على تقليل الصرف غير المنتج.
وأتفق أيضاً مع فكرة أن التضخم سيكون أحد أخطر التحديات القادمة، لأن التضخم يضرب الجميع، وخصوصاً الطبقات الضعيفة والمتوسطة. وهو أيضاً يضعف الثقة في العملة، وفي الدولة، وفي المصرف المركزي، وفي السياسيين.

ثامناً: ما الذي يجب أن يحدث حتى تنجح المصالحة الاقتصادية؟
في رأيي، نجاح المصالحة الاقتصادية يحتاج إلى خمسة شروط:

إعلان واضح للرأي العام: لا يجوز أن تبقى الاتفاقات المالية الكبرى سرية. يجب أن يعرف المواطن: ما هو الاتفاق؟ ما حجم الإنفاق؟ ما مصادر التمويل؟ ما القيود؟ من يراقب؟ ما العقوبات عند الإخلال؟ فالسرية في ملفات المال العام تخلق الشك، لا الثقة.

سقف إنفاق ملزم: أي اتفاق بلا سقف إنفاق واضح سيكون ناقصاً. يجب تحديد رقم واقعي لا يتجاوز قدرة الإيرادات، ولا يضغط على الاحتياطيات أو سعر الصرف.

رقابة مستقلة: لا بد من وجود رقابة من ديوان المحاسبة، والجهات الرقابية، وربما لجنة فنية مستقلة تنشر تقارير دورية للرأي العام.

حماية الاحتياطيات: يجب منع استخدام الاحتياطيات أو أصول الدولة كحل سهل لتمويل الإنفاق السياسي. الاحتياطيات ليست صندوقاً مفتوحاً لتأجيل الأزمة.

ربط الإنفاق بالأولويات: يجب أن يذهب الإنفاق إلى الخدمات الأساسية؛ الكهرباء، الصحة، التعليم، البنية التحتية، دعم الاستقرار النقدى، ومشاريع إنتاجية حقيقية، وليس إلى توسيع الزبائنية السياسية أو شراء الولاءات.

تاسعاً: التقييم النهائي
المقال جيد جداً من حيث التشخيص العام، وذكي في التقاط التحول من المصالحة السياسية إلى المصالحة الاقتصادية. كما أنه يضع يده على نقطة جوهرية: أن الأزمة الاقتصادية قد تجبر السياسيين على التفاهم حتى لو فشلوا في السياسة.
لكن المقال يحتاج إلى مزيد من التفصيل في آليات التنفيذ، ومزيد من الحذر من احتمال أن تتحول المصالحة الاقتصادية إلى مجرد تقاسم جديد للإنفاق.

رأيي النهائي هو:
المصالحة الاقتصادية قد تكون فرصة حقيقية لليبيا، لكنها أيضاً قد تكون فخاً خطيراً. إذا أدت إلى توحيد الإنفاق وترشيده وفرض الشفافية، فهي خطوة إصلاحية مهمة. أما إذا أدت فقط إلى ميزانية موحدة ضخمة تُرضي الأطراف السياسية وتُحمّل المواطن كلفة التضخم والدين واستنزاف الاحتياطيات، فهي ليست مصالحة اقتصادية بل إعادة تدوير للأزمة بغطاء جديد.

“أبوشيحة”: الإنفاق المالي الموحد أولى خطوات الاستدامة المالية وإنهاء تعدد مسارات إنفاق وخلق النقود

أكد وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية “سهيل أبوشيحة” أن تحقيق الاستدامة المالية يتطلب إنهاء تعدد مسارات إنفاق وخلق النقود، مشددًا على أن الانفاق المالي الموحد يمثل الخطوة الأولى نحو إصلاح اقتصادي ومؤسسي حقيقي في ليبيا.

وأوضح “أبوشيحة” أن هذا المسار يهدف إلى تعزيز الانضباط المالي والنقدي وحماية قيمة العملة الوطنية، وتحديد المسؤوليات بشكل واضح بين الجهات التنفيذية والمالية والنقدية، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويمنع تداخل الاختصاصات.

وأشار إلى أن توحيد المسار المالي يمثل أساسًا لتوجيه الموارد نحو الاقتصاد الحقيقي ودعم التنمية المستدامة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي بما يخدم المواطن ويحافظ على مقدرات الدولة.

برعاية مصرف ليبيا المركزي والسفارة الأمريكية.. اجتماع موسع لمناقشة آليات تنفيذ اتفاق الإنفاق المالي الموحد

عُقد في العاصمة التونسية، اليوم الجمعة، اجتماع موسع برعاية مصرف ليبيا المركزي والقائم بأعمال السفارة الأمريكية “جيرمي برنت”، للإطلاق الفعلي لتنفيذ اتفاق الإنفاق المالي الموحد وآلياته، بما يعزز الاستقرار المالي ويرسخ مبادئ الإفصاح والشفافية.

ضم الاجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى”، ونائبه “مرعي البرعصي”، ورئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك”، إلى جانب أعضاء اللجنة المالية المشتركة المشكلة بموجب الاتفاق.

وناقش الحاضرون آليات تنفيذ المادة الثامنة من الاتفاق، وتابعوا ملفات الإنفاق العام والإيرادات النفطية وغير النفطية، بالإضافة إلى وضع الترتيبات الفنية اللازمة لضمان انتظام الصرف وفق الآليات المتفق عليها.

وفي ختام الاجتماع، أكد المشاركون أهمية الحفاظ على أجواء التوافق الحالية والبناء عليها، مشددين على استمرار التنسيق الفني والمؤسسي لضمان التنفيذ العملي لبنود الاتفاق وتحقيق أعلى درجات الإفصاح والشفافية بين مختلف المؤسسات.

“الشلوي”: النفط الليبي بين تحديات الواقع وفرص المستقبل.. ​لماذا يحتاج القطاع إلى إعادة بناء اقتصادية لا مجرد تمويل مؤقت؟

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

​في كل مرة يُطرح فيها ملف النفط الليبي، يتحول النقاش سريعاً إلى أرقام الإنتاج والإيرادات، وكأن القضية تُختزل فقط في عدد البراميل المصدّرة يومياً أو حجم العوائد السنوية. غير أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن قطاع النفط الليبي يعمل منذ سنوات طويلة في بيئة غير مستقرة سياسياً وأمنياً ومؤسسياً، الأمر الذي جعل الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الإنتاج إنجازاً بحد ذاته في كثير من المراحل.

​فالقطاع النفطي في ليبيا لم يعمل خلال العقد الماضي في ظروف تشغيل طبيعية، بل تحت تأثير الإغلاقات المتكررة، والانقسامات الإدارية، وتهالك البنية التحتية، وضعف الإنفاق الرأسمالي، وغياب الاستقرار التشريعي، إلى جانب الضغوط الفنية واللوجستية التي طالت الحقول وخطوط النقل والموانئ ومرافق المعالجة والتكرير.

​لهذا، فإن الحديث عن زيادة الإنتاج إلى مستويات مستهدفة تتجاوز المليوني برميل يومياً لا يمكن أن يتم بمنطق التمنيات أو القرارات الإدارية المجردة، بل يحتاج إلى قراءة واقعية لحجم التحديات الفنية والاقتصادية والمالية التي تواجه القطاع بمختلف مكوناته التشغيلية، سواء في أنشطة الاستكشاف والإنتاج (Upstream)، أو النقل والتخزين والمعالجة (Midstream)، أو التكرير والصناعات التحويلية والتوزيع (Downstream).

​تحديات متراكمة تعيق الوصول إلى الزيادة المنشودة

​أبرز التحديات التي تواجه القطاع اليوم تتمثل في تقادم البنية التحتية النفطية؛ فالكثير من الحقول وخطوط الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات تعمل منذ عقود، وبعضها تجاوز عمره التشغيلي التصميمي، في ظل محدودية برامج الإحلال والتطوير والصيانة العميقة خلال السنوات الماضية.

​كما أن جزءاً كبيراً من الإنتاج الليبي يعتمد على حقول تحتاج إلى تقنيات متقدمة للحفاظ على معدلات الإنتاج الطبيعية، بما يشمل عمليات حقن المياه والغاز، والصيانة المكمنية، وتطوير الآبار، ومعالجة الاختناقات التشغيلية، وهي عمليات تتطلب إنفاقاً مستمراً وسريعاً لا يحتمل التأجيل أو التعقيدات الإدارية الطويلة.
​إضافة إلى ذلك، فإن القطاع يعاني من تحديات لوجستية كبيرة تشمل سلاسل الإمداد، وتوفير المعدات وقطع الغيار، والتأخر في تنفيذ المشاريع، وصعوبة التعاقدات، فضلاً عن ارتفاع تكلفة التشغيل عالمياً بعد التغيرات التي شهدتها أسواق الطاقة والخدمات النفطية خلال السنوات الأخيرة.

​ولا يمكن إغفال تأثير الانقسام المؤسسي وعدم استقرار القرارات الاقتصادية والمالية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة القطاع في التخطيط بعيد المدى، وجذب الاستثمارات، وتنفيذ برامج تطوير مستدامة.

​هل التمويل عبر القروض هو الحل؟

​يعتقد البعض أن معالجة مشاكل القطاع النفطي يمكن أن تتم فقط عبر توفير قروض أو ترتيبات تمويلية جديدة؛ والحقيقة أن التمويل مهم وضروري، لكنه ليس الحل الكامل إذا لم يُصاحب بإصلاحات هيكلية وإدارية ومؤسسية حقيقية.

​فالقطاع النفطي بطبيعته قطاع كثيف رأس المال، ويحتاج إلى تدفقات مالية مستمرة وفورية للحفاظ على استقرار الإنتاج، خصوصاً في أعمال الصيانة والتطوير والخدمات اللوجستية والتشغيلية. وبالتالي فإن اللجوء إلى أدوات التمويل، بما فيها القروض، قد يكون خياراً عملياً ومبرراً في بعض الحالات، خاصة إذا كان موجهاً لمشاريع إنتاجية واضحة ذات عائد اقتصادي مباشر وقابل للقياس.

​لكن الخطر يكمن في أن يتحول التمويل إلى مجرد وسيلة لتغطية الاختلالات التشغيلية والإدارية دون معالجة جذور المشكلة. فالقروض وحدها لا ترفع الإنتاج إذا كانت بيئة التشغيل غير مستقرة، أو إذا كانت دورة القرار بطيئة، أو إذا كانت الهياكل الإدارية والمالية غير قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وشفافية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أعمق تقوم على إعادة هيكلة القطاع اقتصادياً وإدارياً، بحيث يعمل وفق نموذج مؤسسي حديث يقوم على الكفاءة والحوكمة والمحاسبة والشفافية.

​الحاجة إلى إعادة هيكلة اقتصادية حقيقية

​القطاع النفطي الليبي بحاجة إلى التحول التدريجي من مجرد جهاز تشغيلي تقليدي إلى منظومة اقتصادية متكاملة تمتلك أدوات الإدارة الحديثة، من خلال بناء هياكل مالية واضحة تشمل قوائم أرباح وخسائر، وميزانيات تشغيلية ورأسمالية، وإدارة للأصول والخصوم، ومؤشرات أداء حقيقية تقيس الكفاءة والإنتاجية والعائد على الإنفاق. فالإدارة الاقتصادية الحديثة للقطاع لا تعني الخصخصة، بل تعني رفع كفاءة إدارة الموارد وتعظيم العائد الوطني من كل دولار يتم إنفاقه.

​كما أن وجود آلية تمويل مستقرة ومستقلة نسبياً عن التعقيدات البيروقراطية أصبح ضرورة استراتيجية وليس ترفاً إدارياً؛ لأن طبيعة الصناعة النفطية لا تحتمل تعطيل أعمال الصيانة أو تأخير توريد المعدات بسبب إجراءات مالية طويلة ومعقدة. إن أي تأخير في الإنفاق داخل القطاع النفطي لا يعني فقط تعطيل مشروع، بل قد يؤدي إلى فقدان إنتاج، أو تلف معدات، أو ارتفاع تكلفة الاسترجاع مستقبلاً.

​وفي هذا السياق، فإن عودة مصفاة رأس لانوف واستعادة دورها الطبيعي تمثل واحدة من أهم الفرص الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد التوازن إلى قطاع التكرير والصناعات التحويلية في ليبيا. ومن وجهة نظر فنية وتشغيلية، فإن إعادة تأهيل وتشغيل هذا الصرح لا تبدو مستحيلة أو بعيدة زمنياً، بل قد لا تتجاوز عاماً واحداً إذا ما توفرت الإرادة والتمويل الكافي والقرارات التنفيذية السريعة.

​وعند تشغيل مجمع رأس لانوف الصناعي والبتروكيميائي، ستظهر القيمة المضافة الحقيقية التي يمكن أن يقدمها القطاع النفطي للاقتصاد الوطني، بعيداً عن تصدير الخام فقط. فالصناعات البتروكيميائية تفتح الباب أمام تعظيم العوائد، وخلق فرص العمل، وتحفيز الصناعات التحويلية، وزيادة الصادرات ذات القيمة المرتفعة، وتقليل الاعتماد على الواردات.

​ليبيا تمتلك مزايا تنافسية نادرة

​رغم كل هذه التحديات، فإن ليبيا ما تزال تمتلك واحدة من أهم الفرص النفطية في منطقة المتوسط وأفريقيا؛ فالنفط الليبي يتمتع بجودة عالية ومواصفات مرغوبة عالمياً، كما أن الموقع الجغرافي يمنح ليبيا ميزة تنافسية مهمة لقربها من الأسواق الأوروبية. إضافة إلى ذلك، تمتلك ليبيا احتياطيات كبيرة غير مستغلة بالكامل، فضلاً عن انخفاض تكلفة الإنتاج مقارنة بعدد من المنتجين الآخرين عالمياً.

​كما أن العالم، رغم توجهه المتسارع نحو الطاقات المتجددة، ما يزال يحتاج إلى النفط والغاز لعقود قادمة، خصوصاً في الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات. بل إن الغاز الطبيعي تحديداً مرشح لأن يلعب دوراً محورياً خلال المرحلة الانتقالية العالمية للطاقة، وهو ما يفتح أمام ليبيا فرصاً كبيرة لتطوير مشاريع الغاز، سواء للاستهلاك المحلي أو للتصدير.

​الغاز والكهرباء… معركة الاستقرار الداخلي

​الحديث عن قطاع النفط في ليبيا لا يجب أن يُختزل فقط في الإيرادات المالية، بل يجب أن يُنظر إليه كركيزة لاستقرار الدولة والمجتمع. فتطوير قطاع الغاز أصبح ضرورة وطنية لتغذية محطات الكهرباء، ومصانع الحديد والصلب، والإسمنت، والصناعات البتروكيماوية. وهذا الملف يرتبط بشكل مباشر بإنهاء أزمة طرح الأحمال التي عانى منها المواطن الليبي لسنوات، وما ترتب عليها من خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة. إن أي استثمار ناجح في الغاز والطاقة ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو استثمار في استقرار الدولة وتحسين حياة الناس.

​لماذا يجب ألا نبخل على هذا القطاع؟

​الحقيقة التي لا خلاف عليها أن الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كامل على قطاع النفط والغاز؛ وبالتالي فإن أي ضعف في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الإيرادات العامة، والاستقرار المالي، وسعر العملة. لقد كان القطاع النفطي طوال السنوات الماضية صمام الأمان الذي حافظ على استمرار مؤسسات الدولة.
​لهذا فإن الإنفاق على القطاع النفطي لا يجب أن يُنظر إليه كمصروفات استهلاكية، بل كاستثمار سيادي في بقاء الدولة نفسها. فكل دولار يُصرف بكفاءة على الصيانة والتطوير يمكن أن ينعكس بأضعافه على الاقتصاد الوطني. لكن في المقابل، فإن هذا الإنفاق يجب أن يكون ضمن منظومة واضحة من الحوكمة والرقابة والشفافية والتخطيط طويل الأجل، حتى تتحول الإيرادات النفطية فعلاً إلى تنمية يشعر بها المواطن.

​خاتمة

​المشهد النفطي الليبي اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي؛ فإما الاستمرار في إدارة القطاع بمنطق المعالجة المؤقتة وردود الأفعال، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الإصلاح المؤسسي، والتمويل المستدام، والإدارة الاقتصادية الحديثة. زيادة الإنتاج ليست مستحيلة، لكنها أيضاً ليست قراراً سياسياً يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها. إنها عملية معقدة تتطلب استقراراً، وتمويلاً ذكياً، وإدارة كفؤة، ورؤية وطنية تدرك أن النفط ليس مجرد مصدر دخل، بل ركيزة أساسية لمستقبل ليبيا الاقتصادي والاجتماعي والسيادي.

في النهاية، فإن الدول التي نجحت في استثمار ثرواتها الطبيعية لم تكن تلك التي امتلكت النفط فقط، بل تلك التي امتلكت القدرة على إدارة النفط بعقل اقتصادي ومؤسسي واستراتيجي؛ وليبيا تملك اليوم كل المقومات لتكون واحدة من هذه الدول إذا أحسنت إدارة الفرصة قبل أن تضيعها التحولات العالمية المقبلة في أسواق الطاقة.

المؤسسة الوطنية للنفط تستعرض خططها لرفع الإنتاج وجذب الاستثمارات في قمة أفريقيا للطاقة بلندن​

شاركت المؤسسة الوطنية للنفط ممثلة في رئيس مجلس إدارتها “مسعود سليمان” برفقة وفد رفيع المستوى من مديري الشركات النفطية، في فعاليات “قمة أفريقيا للطاقة” المنعقدة بالعاصمة البريطانية لندن

وعلى هامش القمة، انطلقت فعاليات “منتدى الطاقة الليبي” بالتعاون مع مجلس الأعمال الليبي البريطاني، وسط حضور دولي واسع، ضم نخبة من مسؤولي شركات الطاقة العالمية والمستثمرين والخبراء الدوليين المهتمين بالسوق الليبية.

وخلال جلسة حوارية رفيعة المستوى، استعرض “مسعود سليمان” أبرز إنجازات المؤسسة في الفترة الماضية، مؤكداً أن العمل جارٍ وفق رؤية واضحة لرفع معدلات الإنتاج وتطوير البنية التحتية.

وكشف “سليمان” عن عزم المؤسسة الوطنية للنفط إطلاق جولات عطاء جديدة للاستكشاف والإنتاج، تعتمد معايير الشفافية والجودة لتعزيز ثقة الشركاء الدوليين.

كما تطرق رئيس المؤسسة في حديثه إلى الاكتشافات النفطية والغازية الأخيرة، مشدداً على التزام قطاع النفط في ليبيا بدعم مشاريع تقليل حرق الغاز وخفض الانبعاثات الكربونية، تماشياً مع التوجهات العالمية نحو الاستدامة وتحسين كفاءة الطاقة.

وأشار “سليمان” إلى أن المؤسسة تضع الشراكات الدولية في مقدمة أولوياتها لدعم خطط التوسع، مجدداً الدعوة للشركات العالمية والمستثمرين لزيادة نشاطهم في ليبيا، مع التأكيد على أهمية إشراك القطاع الخاص الليبي في مشاريع الطاقة والصناعات البتروكيماوية لدعم الاقتصاد الوطني.

​”أحمد المسلاتي”: خلف أرقام النفط الليبي قطاع يقاتل للبقاء منذ 2011

كتب: الباحث في الشأن النفطي والاقتصادي “أحمد المسلاتي”

​الحديث عن أرقام قطاع النفط لا يجب أن يتحول كل مرة إلى محاكمات شعبوية سريعة؛ لأن هذا القطاع لم يعمل طوال السنوات الماضية في ظروف طبيعية أصلاً، بل تحت الإغلاقات والاشتباكات والانقسامات وتهالك البنية التحتية وضغوط الحفاظ على استمرار الإنتاج والإمدادات.

​الكثير يقرأ أرقام الإنفاق ولا يقرأ حجم التحديات الفنية والتشغيلية التي واجهت الحقول والخزانات وخطوط النقل والموانئ، ولا يدرك أن جزءاً كبيراً من الأموال كان يُصرف للحفاظ على استمرارية القطاع ومنع توقفه الكامل، لا فقط لزيادة الإنتاج.

​ورغم كل شيء، ما زال النفط الليبي يحقق تدفقات وإيرادات حافظت على بقاء الدولة نفسها، في وقت كانت فيه مؤسسات كثيرة مهددة بالشلل الكامل.

​المشكلة الحقيقية اليوم ليست في وجود الأموال فقط، بل في بناء منظومة إدارة ورقابة وتخطيط قادرة على تحويل هذه الإيرادات إلى استقرار وخدمات وتنمية يشعر بها المواطن فعلياً.

​أما اختزال المشهد في عبارات من نوع “أين ذهبت الأموال؟” دون فهم طبيعة القطاع وتعقيداته، فلن ينتج إلا مزيداً من الضجيج لا الحلول.

​قد يختلف الليبيون حول الأرقام، لكن الحقيقة التي لا خلاف عليها أن قطاع النفط كان طوال السنوات الماضية يحمل على كتفيه عبء إبقاء الدولة واقفة، حتى في أصعب لحظات الانقسام والفوضى.

​”الشلوي”: المحطة البحرية لحقل البوري ركيزة استراتيجية لإعادة تموضع ليبيا في معادلة الطاقة والتحول البيئي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

​في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، لم تعد مشاريع النفط والغاز تُقاس فقط بحجم الإنتاج أو الإيرادات المباشرة، بل أصبحت تُقيَّم بمدى قدرتها على تحقيق الاستدامة، وتقليل الانبعاثات، وتعظيم القيمة الاقتصادية للموارد، وتعزيز أمن الطاقة الإقليمي والدولي.

ومن هذا المنطلق، يمثل مشروع المحطة البحرية المتقدمة المخصصة لحقل البوري خطوة استراتيجية فارقة في مسار تطوير قطاع الطاقة الليبي، ليس فقط باعتباره مشروعاً إنتاجياً، بل باعتباره مشروعاً سيادياً يعكس تحولاً حقيقياً في فلسفة إدارة الموارد الهيدروكربونية.

​إن هذا المشروع يأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تتزايد المنافسة الدولية على موارد الغاز الطبيعي، وتتسارع الجهود الأوروبية لتنويع مصادر الإمدادات وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية.

وفي هذا السياق، تمتلك ليبيا ميزات تنافسية فريدة، أهمها القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية، والبنية التحتية القائمة لنقل الغاز، إضافة إلى الإمكانيات الكبيرة غير المستغلة بالكامل في الحقول البحرية.

​ويمثل إدخال محطة بحرية متقدمة لحقل البوري نقلة نوعية في إدارة العمليات البحرية، من خلال رفع كفاءة الإنتاج، وتقليل الفاقد، وتحسين إدارة الغاز المصاحب، وتعزيز موثوقية الإمدادات. كما أن المشروع ينسجم مع الاتجاهات العالمية الحديثة التي تربط بين أمن الطاقة والتحول البيئي، وتدفع نحو نماذج تشغيل أكثر كفاءة وأقل انبعاثاً للكربون.

​القيمة الاقتصادية للمشروع: من تعظيم الإنتاج إلى تعظيم القيمة
​الأهمية الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في زيادة معدلات الإنتاج، بل في تعظيم القيمة الاقتصادية لكل قدم مكعب من الغاز وكل برميل نفط يتم إنتاجه.

فالمشروعات البحرية الحديثة تعتمد على تقنيات تسمح بتحسين كفاءة الاستخلاص، وتقليل التوقفات التشغيلية، وخفض تكاليف المعالجة والنقل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الإيرادات والسيولة التشغيلية.

​وتشير التقديرات الفنية في مثل هذه المشاريع إلى إمكانية تحقيق زيادات تدريجية في إنتاج الغاز خلال المراحل الأولى من التشغيل، مع تحسين كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي.

كما أن استغلال الغاز المنتج محلياً لتغذية محطات الكهرباء يقلل من الاعتماد على الوقود السائل مرتفع التكلفة مثل الديزل وزيت الوقود الثقيل، ما يساهم في خفض فاتورة الدعم وتحسين كفاءة منظومة الطاقة الوطنية.

​إضافة إلى ذلك، فإن تطوير الحقول البحرية يرسل رسالة إيجابية للأسواق العالمية ولشركات الطاقة والمؤسسات التمويلية الدولية بأن قطاع النفط الليبي قادر على تنفيذ مشاريع استراتيجية وفق معايير تشغيل حديثة، وهو ما يعزز الثقة الاستثمارية ويعيد تموضع ليبيا تدريجياً على خريطة الاستثمار الطاقي في منطقة المتوسط.

​البعد البيئي: التحول من الحرق إلى الاستفادة الاقتصادية

​أحد أهم الأبعاد الاستراتيجية لهذا المشروع يتمثل في علاقته المباشرة بملف خفض انبعاثات الغاز والحد من الحرق الروتيني للغاز المصاحب، وهو الملف الذي أصبح اليوم معياراً رئيسياً في تقييم أداء شركات الطاقة والدول المنتجة.

​لقد أصبح واضحاً أن استمرار حرق الغاز لم يعد مجرد خسارة اقتصادية، بل أصبح تحدياً بيئياً ومالياً واستثمارياً، خاصة في ظل التوجهات العالمية المتعلقة بالحوكمة البيئية والاجتماعية، ومتطلبات المؤسسات التمويلية الدولية، والتشريعات المرتبطة بالبصمة الكربونية.

​ومن واقع التجربة العملية والعمل الميداني في هذا الملف منذ عام 2023، برزت الحاجة إلى تأسيس نهج مؤسسي متكامل للتعامل مع انبعاثات الغاز، يقوم على التخطيط الفني والاقتصادي، وليس فقط على المعالجات التشغيلية المؤقتة.

وقد أثبتت التجارب أن بناء قواعد بيانات دقيقة ومحدثة للانبعاثات ومصادرها، وتحديد المشاريع ذات الأولوية، وربطها بآليات تمويل مرنة، يشكل الأساس الحقيقي لأي تحول مستدام في هذا القطاع.

​وفي هذا الإطار، لعبت “مبادرة 2030” دوراً محورياً في نقل ملف خفض الانبعاثات من مرحلة الطرح النظري إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم. وقد استندت المبادرة إلى رؤية تقوم على إعداد قاعدة بيانات شاملة تغطي الشركات المرتبطة بعمليات الإنتاج، وتحديد فرص خفض الانبعاثات لكل شركة على حدة، ووضع تصورات لمشاريع قابلة للتنفيذ وفق جداول زمنية واضحة ومؤشرات أداء محددة.

​كما تم العمل على تأسيس شبكة من نقاط الاتصال الفنية داخل الشركات، تضم كوادر تمتلك مواصفات علمية ومهنية عالية، وصلاحيات تشغيلية تسمح بتحديث البيانات، ومتابعة المشاريع، وضمان استمرارية التنفيذ وفق المعايير المطلوبة. وقد شكل هذا النهج المؤسسي أحد أهم عناصر نجاح المبادرة؛ لأنه نقل المسؤولية البيئية من الإطار المركزي إلى إطار تشاركي متكامل داخل القطاع.

​التمويل والاستثمار: التحول من الاعتماد التقليدي إلى نماذج أكثر مرونة

​من أبرز نقاط القوة في المقاربة الحديثة لمعالجة انبعاثات الغاز أنها لا تعتمد فقط على التمويل الحكومي أو الميزانيات التشغيلية التقليدية، بل تتجه نحو نماذج تمويل أكثر مرونة تعتمد على الشراكات والاستثمار وآليات التمويل المرتبطة بالعائدات المستقبلية للمشاريع.

​لقد أثبتت التجارب الدولية أن مشاريع خفض الانبعاثات وتحويل الغاز المحروق إلى قيمة اقتصادية قادرة على جذب مؤسسات تمويل دولية وبنوك تنموية وصناديق استثمار، خاصة عندما تكون مدعومة ببيانات دقيقة وخطط تنفيذ واضحة ومؤشرات قياس معتمدة.

​وفي هذا السياق، ساهمت مذكرات التفاهم التي أُبرمت مع عدد من المؤسسات والبنوك والمنظمات الدولية في فتح آفاق جديدة أمام مشاريع خفض الانبعاثات في ليبيا، ليس فقط من حيث التمويل، بل أيضاً من حيث نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، والاستفادة من الخبرات العالمية في مجالات القياس والإدارة والتحقق الفني.

​كما أن تحديد الميزانيات التقديرية لكل مشروع على مستوى الشركات ساعد في تحويل ملف الانبعاثات إلى ملف اقتصادي قابل للدراسة والتمويل والتنفيذ، بدلاً من بقائه ضمن إطار المبادرات العامة أو الالتزامات النظرية.

​الأثر الإقليمي والدولي: ليبيا كشريك موثوق في التحول الطاقي

​إن تطوير مشاريع الغاز البحرية بالتوازي مع برامج خفض الانبعاثات يمنح ليبيا فرصة حقيقية للتحول من مجرد مصدر تقليدي للطاقة إلى شريك استراتيجي في معادلة الطاقة النظيفة نسبياً في المتوسط.

​فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن كميات إضافية من الغاز، بل يبحث عن غاز منخفض الانبعاثات وأكثر توافقاً مع معايير الاستدامة. وهذا ما يجعل مشاريع مثل محطة البوري البحرية ذات أهمية مضاعفة؛ لأنها تجمع بين زيادة الإنتاج وتحسين الأداء البيئي في الوقت نفسه.

​كما أن نجاح ليبيا في هذا المسار سيعزز موقعها في المبادرات الدولية المعنية بخفض الحرق الروتيني والانبعاثات، وسيدعم قدرتها على الدخول في شراكات أوسع مع مؤسسات الطاقة العالمية، والمنظمات البيئية، والبنوك التنموية، خاصة في ظل تنامي الاهتمام الدولي بتمويل مشاريع التحول الطاقي وخفض الكربون.

​البعد المؤسسي والمعرفي: بناء ثقافة جديدة داخل القطاع

​لا يمكن لأي تحول حقيقي في قطاع الطاقة أن يتحقق دون بناء ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على المعرفة والبيانات والتخطيط طويل المدى. ومن هنا جاءت أهمية إعداد التقارير الدورية، والورقات العلمية، والمجلات المتخصصة باللغتين العربية والإنجليزية، التي ساهمت في توثيق تجربة خفض الانبعاثات داخل قطاع النفط الليبي، وإبراز أثرها الإقليمي والدولي.

​لقد ساعد هذا الجهد المعرفي في نقل التجربة الليبية إلى فضاءات أوسع، وأكد أن معالجة انبعاثات الغاز ليست مجرد التزام بيئي، بل فرصة اقتصادية واستثمارية وتنموية متكاملة.

​كما أن إشراك الكفاءات الوطنية في ورش العمل والمؤتمرات والندوات الدولية ساهم في بناء خبرات محلية قادرة على قيادة هذا التحول مستقبلاً، وربط القطاع النفطي الليبي بأحدث الممارسات العالمية في مجالات الاستدامة والطاقة منخفضة الكربون.

​خاتمة: مشروع يتجاوز حدود الإنتاج التقليدي

​إن مشروع المحطة البحرية لحقل البوري لا ينبغي النظر إليه كمشروع إنتاجي منفصل، بل كجزء من رؤية أوسع لإعادة بناء قطاع الطاقة الليبي على أسس أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على المنافسة.

​فالمشروع يجمع بين عدة أبعاد استراتيجية في آن واحد: تعزيز الإنتاج، وتحسين استغلال الغاز، وخفض الانبعاثات، ورفع كفاءة الطاقة، وجذب الاستثمار، وتعزيز التكامل مع الأسواق الأوروبية، ودعم التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.

​ومع استمرار الإصلاحات المؤسسية، وتطوير آليات التمويل، وتعزيز الشفافية، وتمكين الكفاءات الوطنية، يمكن لليبيا أن تتحول من دولة منتجة للطاقة فقط، إلى لاعب إقليمي مؤثر في مستقبل الطاقة المستدامة في منطقة المتوسط.

​وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المشاريع لا تُقاس فقط بما تضيفه من إنتاج أو إيرادات، بل بما تتركه من أثر طويل المدى على الاقتصاد والبيئة والمؤسسات والأجيال القادمة.

“شكشك” يناقش مع رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار تقارير لجان فحص ومراجعة حسابات المؤسسة

ناقش رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك” في اجتماع مع رئيس مجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار “علي محمود”، أبرز الملاحظات الواردة بتقارير الديوان عن سنتي 2024 و2025، وذلك بحضور الإدارات المختصة من الجانبين.

وتناول الاجتماع عدداً من المحاور الفنية والمالية المرتبطة بأعمال الفحص والمراجعة، من بينها متابعة تنفيذ الملاحظات السابقة الواردة بتقارير الديوان، ومناقشة ردود المؤسسة والإجراءات المتخذة بشأنها، بالإضافة إلى تقييم مستوى الالتزام بالضوابط المنظمة لإدارة المحافظ والاستثمارات التابعة للمؤسسة.

كما ناقش الاجتماع ملف تقييم أصول المؤسسة والشركات التابعة لها، وآليات تحديث البيانات المالية وتعزيز الإفصاح والشفافية، إلى جانب استعراض أوضاع بعض الاستثمارات الخارجية، ومدى توافق إجراءات إدارتها مع القواعد والمعايير المهنية المعتمدة.

مصرف الجمهورية وبنك الأردن يبحثان الشراكة في التحول الرقمي والانتشار الإقليمي

بحث المدير العام بمصرف الجمهورية “نوري أبوفليجة” اليوم الثلاثاء، مع مدير عام بنك الأردن “صالح رجب”، سبل تعزيز التعاون المصرفي وتوسيع آفاق التنسيق المشترك بين المؤسستين.

و​تركز الاجتماع على مناقشة خطط التحول الرقمي وتبادل الخبرات التقنية لرفع كفاءة الأداء المؤسسي، كما ناقش الجانبان استراتيجيات تعزيز جودة الخدمات المصرفية، ورفع معدلات الانتشار الإقليمي في مناطق تجارية جديدة، بما يدعم التكامل والشراكة الفنية بين المصرفين.

النائب العام يبحث مع “قادربوه” ملفات المال العام وتعزيز التكامل الرقابي والقضائي

بحث النائب العام المستشار “الصديق الصور” خلال اجتماعه اليوم الثلاثاء مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية “عبدالله قادربوه”، ملفات المال العام والحسابات الختامية والفساد المالي والإداري المتعلقة بالإنفاق العام والعقود الحكومية والملاحظات الإدارية.

وأكد “الصور وقادربوه” على ضرورة توحيد الجهود في متابعة القضايا، بما يرفع كفاءة العمل المشترك ويعزز فاعلية الإجراءات القانونية، كما شددا على أهمية استمرار التعاون لحماية المال العام ومكافحة الفساد وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.