Skip to main content

الوسم: رئيسي

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الرابع

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

ولهذا فإن فقدان مساحة بحرية لا يعني فقط خسارة مورد نفطي أو غازي محتمل، بل قد يعني تقليص نطاق الحقوق السيادية والاختصاصات الاقتصادية والفنية والأمنية التي تمارسها الدولة وفق القانون الدولي لعقود طويلة.

البعد السيادي والأمني

تقع المنطقة شمال درنة وجنوب كريت ضمن فضاء مهم للملاحة والمسح البحري والبحث العلمي، كما يرتبط بمسارات الهجرة غير النظامية وتهريب البشر والبضائع.

وأي اكتشاف تجاري سيزيد من متطلبات الأمن البحري، ومنها حماية سفن المسح والحفر، وتأمين المنصات والمنشآت البحرية، ومراقبة الأنشطة غير المرخصة، وحماية خطوط الأنابيب والكابلات، وتطوير المراقبة الجوية والبحرية، والاستجابة للتسربات والحوادث، وبناء منظومة وطنية متكاملة للمعلومات البحرية.

ومن هنا فإن ملف الحدود ليس مجرد مسألة خرائط أو إحداثيات، بل جزء أساسي من الأمن القومي.

فالدولة التي لا تمتلك معرفة دقيقة بمجالها البحري ولا أدوات لمراقبته يصعب عليها فرض اختصاصها أو حماية موارده.

دور المؤسسة الوطنية للنفط

من الإنصاف والموضوعية التأكيد على أن المؤسسة الوطنية للنفط قائمة بدورها الفني في هذا الجانب، وتتابع بصورة جيدة ودورية التطورات المرتبطة بالمناطق البحرية والأنشطة الاستكشافية المحيطة بها.

ولدى المؤسسة لجان وكفاءات وطنية متخصصة في الاستكشاف والجيولوجيا والجيوفيزياء والبيانات السيزمية، كما تمتلك خبرات تراكمية مهمة في دراسة الأحواض البحرية وتحليل التراكيب الجيولوجية وتقييم المؤملات النفطية والغازية.

ويتضمن دورها، في حدود اختصاصها الفني، تجميع وتحليل البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية، ودراسة وإعادة معالجة البيانات السيزمية، ومتابعة الأنشطة الاستكشافية في المناطق المقابلة والمجاورة، وتقييم المؤملات البترولية والغازية، وإعداد الخرائط والدراسات الفنية، وتقديم الرأي الفني للجهات السيادية المختصة.

ومن واقع الإلمام بهذا الملف، فإن المؤسسة لم تكن غائبة عنه، بل تابعته عبر سنوات من خلال لجانها وخبرائها، وأسهمت بما لديها من معرفة وبيانات في دعم موقف الدولة.

لكن من المهم أيضاً عدم تحميل المؤسسة مسؤولية لا تدخل في اختصاصها؛ لأن ترسيم الحدود البحرية عمل سيادي وقانوني ودبلوماسي، وليس قراراً نفطياً فنياً تتخذه مؤسسة واحدة.

من يتولى ترسيم الحدود؟

يتولى هذا الملف جهاز الدولة المختص، من خلال لجنة الحدود التابعة لوزارة الخارجية، وبمشاركة الوزارات والهيئات والمؤسسات ذات العلاقة، بحيث يجتمع في عملها البعد القانوني والدبلوماسي والفني والأمني.

ويقوم التكامل المؤسسي على أن توفر المؤسسة الوطنية للنفط البيانات والخبرة الجيولوجية والاستكشافية، وتقود وزارة الخارجية المسار الدبلوماسي والتفاوضي، ويقدم الخبراء القانونيون الرأي المستند إلى قواعد قانون البحار والسوابق القضائية.

كما تسهم الجهات الفنية في إعداد الخرائط والإحداثيات وأعمال المسح، وتشارك الجهات الأمنية والعسكرية في تقدير متطلبات حماية المجال البحري، وتسهم الجهات البيئية والاقتصادية والملاحية في تقييم بقية المصالح المتصلة بالمنطقة.

وهذا التوزيع لا يعني تشتت المسؤولية، بل يؤكد أن حماية الحدود البحرية مسؤولية دولة كاملة، وأن قوة الموقف الليبي تعتمد على تضافر جهود الوزارات والمؤسسات والهيئات، لا على عمل جهة واحدة مهما بلغت كفاءتها.

ما علاقة الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا؟

للاتفاق الموقع عام 2019 علاقة بالمشهد العام لترسيم الحدود في شرق المتوسط؛ لأنه استند إلى تصور يمنح السواحل القارية وزناً مهماً، ولا يمنح بعض الجزر اليونانية الأثر الكامل الذي تطالب بها اليونان.

وقد سُجل الاتفاق ضمن وثائق الأمم المتحدة، لكنه يبقى اتفاقاً بين طرفيه ولا يلزم اليونان التي تعترض عليه.

وقد أفاد الاتفاق ليبيا في عدة جوانب؛ إذ منع تجاوزها عند إعادة تشكيل خرائط شرق المتوسط، وأكد وجود امتداد بحري ليبي يجب أخذه في الاعتبار، ودعم فكرة عدم منح الجزر أثراً يؤدي إلى حجب ساحل قاري طويل، ووفر ورقة سياسية وقانونية وتفاوضية إضافية.

لكنه لا يحسم بمفرده الترسيم المقابل مباشرة لشمال درنة وجنوب كريت، ولا يغني عن التفاوض المباشر بين ليبيا واليونان.

وتكون فائدته أكبر عندما يوظف ضمن موقف ليبي مستقل يستند إلى الجغرافيا والقانون والبيانات الفنية، لا عندما يتحول الملف الليبي إلى مجرد امتداد للخلاف اليوناني–التركي.

منتدى غاز شرق المتوسط وغياب ليبيا

المنظمة المقصودة هي منتدى غاز شرق المتوسط، ويضم قبرص ومصر وفرنسا واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين، بينما لا تظهر ليبيا ضمن قائمة أعضائه الرسمية.

ولا توجد وثيقة رسمية منشورة تثبت أن ليبيا تقدمت بطلب عضوية مكتمل ثم رُفض، كما لا توجد وثيقة قاطعة تثبت أن سبب غيابها الوحيد هو وجود إسرائيل ضمن أعضاء المنتدى.

والأقرب أن الغياب الليبي ارتبط بعدة عوامل، منها الانقسام السياسي والمؤسسي وقت تأسيس المنتدى، وغياب سياسة خارجية موحدة للطاقة، والانشغال بالأزمات الداخلية، والحساسية السياسية الليبية تجاه وجود إسرائيل عضواً.

ومن الطبيعي تفهم الاعتبارات التاريخية والشعبية الليبية تجاه القضية الفلسطينية. لكن من زاوية المصالح الاستراتيجية، فإن الغياب الكامل عن منصة تناقش غاز شرق المتوسط والبنية التحتية والأسواق ومسارات التصدير قد تكون له آثار سلبية.

ومن هذه الآثار غياب الصوت الليبي عن صياغة تصورات الطاقة الإقليمية، وضعف القدرة على عرض الموقف الفني والقانوني الليبي، وترك الدول الأخرى تقدم خرائطها ورؤاها دون حضور مقابل، وتراجع فرص التعاون الفني وتبادل الخبرات، وغياب المتابعة المباشرة للنقاشات المتعلقة بخطوط الأنابيب والأسواق والاستثمارات.

ولا يعني الحضور في منظمة إقليمية تبني مواقف جميع أعضائها. ويمكن للدولة دراسة الخيارات المتاحة، سواء عبر العضوية أو صفة المراقب أو المشاركة الفنية، بما يحفظ الثوابت الوطنية ويمنع في الوقت نفسه تحول الغياب إلى فراغ دبلوماسي دائم.

ما المطلوب وطنياً؟

المطلوب ليس إصدار ردود متفرقة عند كل إعلان يوناني أو منح امتياز جديد، بل تحويل الملف إلى برنامج وطني دائم تقوده الدولة، ويتضمن:

  • إعداد قاعدة بيانات بحرية موحدة ومحمية تضم الخرائط والإحداثيات والبيانات السيزمية والجيولوجية والهيدروغرافية.
  • وتحديث تحديد السواحل ذات الصلة ونقاط الأساس والإحداثيات وفق أفضل المعايير الفنية والقانونية.
  • وتشكيل فريق تفاوض دائم يضم خبراء في قانون البحار، والجيوديسيا، والهيدروغرافيا، والاستكشاف البحري، والاقتصاد، والأمن البحري.
  • وحصر جميع الأنشطة والمسوح والتراخيص التي نفذتها أو أعلنتها الدول المقابلة في نطاقات التداخل المحتملة.
  • وإعداد مذكرات قانونية متكاملة تستند إلى أحكام المحاكم الدولية، ولا سيما القضايا التي تناولت أثر الجزر وعدم التناسب وأطوال السواحل.
  • وتطوير القدرة الوطنية على المراقبة البحرية والاستشعار عن بعد ومتابعة سفن المسح والحفر.
  • والحفاظ على اتصال دبلوماسي منتظم مع اليونان، بحيث لا يُترك الملف للأزمات أو التصريحات الإعلامية.
  • ووضع بدائل تفاوضية وقضائية وفنية، تشمل الاتفاق النهائي، أو التحكيم، أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، أو الترتيبات المؤقتة، أو التطوير المشترك إذا ظهرت موارد عابرة للحدود.

كما ينبغي توثيق الخبرات الليبية السابقة في نزاعَي تونس ومالطا، والاستفادة من الذين شاركوا في تلك الملفات ومن الأرشيف الوطني المتصل بها.

مسؤولية وطنية وحق للأجيال المقبلة

إن حماية الحدود البحرية لا ينبغي أن تبقى شأناً محصوراً في جهة فنية أو لجنة تفاوضية، بل يجب أن تكون ملفاً وطنياً جامعاً تتضافر من أجله جهود جميع مؤسسات الدولة الليبية.

فوزارة الخارجية، والمؤسسة الوطنية للنفط، والجهات الأمنية والعسكرية، ووزارات العدل والاقتصاد والمواصلات والبيئة، وهيئات المساحة والموانئ والصيد والبحث العلمي، جميعها تملك أدواراً متكاملة في بناء الموقف الوطني وحماية المصالح البحرية.

ولا يتعلق الأمر فقط بما قد ينتفع به الوطن والمواطن من خيرات النفط والغاز، بل بحق ليبيا في سيادتها، وبحق أجيال لم تولد بعد في ألا تجد أن حدودها ومواردها قد حُسمت في غيابها أو نتيجة تقصير مؤسسي أو انقسام سياسي.

إن حقوق البحر لا تخص حكومة بعينها، ولا إقليماً أو مدينة أو مؤسسة؛ إنها ملك للدولة الليبية ولشعبها كله، وأمانة في أعناق الجيل الحالي تجاه الأجيال القادمة.

الخلاصة

إن ما أشار إليه الصديق المطلع بشأن أهمية المنطقة البحرية الواقعة شمال درنة وجنوب كريت تقدير دقيق؛ لأن هذه المنطقة ليست مجرد مؤمل نفطي أو غازي، بل مساحة تتقاطع فيها السيادة والطاقة والأمن والقانون والمصالح الجيوسياسية.

والترجيح الفني يميل إلى أن الغاز الطبيعي هو الاحتمال الأبرز، مع احتمال وجود المكثفات والنفط، إلا أنه لا توجد حتى الآن احتياطيات تجارية مؤكدة يمكن التعامل معها كحقيقة نهائية.

وتساعد تجربة حقل ظهر المصري على فهم حجم الرهان؛ فقد أثبتت أن اكتشافاً واحداً في مكمن كربوناتي عميق يمكن أن يعيد تشكيل ميزان الطاقة لدولة. لكن هذه المقارنة تفسر أهمية الاستكشاف ولا تثبت وجود حقل مماثل شمال درنة.

أما قانونياً، فتملك ليبيا حججاً معتبرة تستند إلى مبدأ الحل المنصف، وإلى إمكان تعديل خط التساوي في الأبعاد وتقليص أثر بعض الجزر عند مواجهة ساحل قاري طويل.

غير أن ذلك لا يعني إلغاء أثر كريت، بل يجعل موضوع التفاوض الحقيقي هو مقدار أثرها، وبصورة أكثر وضوحاً مقدار أثر غافدوس والجزر الأصغر.

ومن الواجب كذلك الإنصاف في تقييم العمل المؤسسي؛ فالمؤسسة الوطنية للنفط تقوم بدورها الفني والمتخصص وتتابع الملف عبر لجانها وكفاءاتها، بينما تبقى مسؤولية الترسيم وإدارة النزاع من اختصاص وزارة الخارجية واللجنة الوطنية المعنية، في إطار تكامل شامل مع بقية مؤسسات الدولة.

إن قوة الموقف الليبي لن تتحقق بجهة واحدة، بل بتضافر جميع الوزارات والمؤسسات والهيئات، وبوحدة الموقف، ودقة البيانات، وقوة الحجة القانونية، واستمرار المتابعة والتفاوض.

فالحدود البحرية ليست مجرد خطوط على خريطة، وليست حدوداً للنفط والغاز وحدهما؛ إنها حدود للسيادة والأمن والطاقة والغذاء والبيئة والملاحة والاتصالات والنفوذ الإقليمي.

وقد تثبت الآبار مستقبلاً وجود مورد ضخم أو متوسط، وقد تأتي النتائج دون المؤملات. لكن مهما كانت النتيجة الجيولوجية، فإن الحقوق البحرية الليبية تظل قائمة، وحمايتها ليست فقط حقاً لنا، بل واجب تجاه الوطن والمواطن وحق أصيل للأجيال القادمة.

فالسيادة لا تبدأ عند اكتشاف الثروة، بل تبدأ منذ اللحظة التي تعرف فيها الدولة حدودها، وتوثق حقوقها، وتوحد جهودها، وتحسن إدارة مجالها البحري وحمايته.

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثاني

رابط الجزء الثالث من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثالث

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثالث

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

لماذا لم يُحل النزاع إلى محكمة العدل الدولية؟

لا توجد قرينة رسمية قاطعة تبرر الجزم بأن اليونان أعلنت رفضها المطلق اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي؛ والأدق أن المسار المعلن حتى الآن هو التفاوض الثنائي، لا الإحالة القضائية.

كما أن محكمة العدل الدولية لا تستطيع نظر النزاع تلقائياً، بل يجب أن تقبل الدولتان اختصاصها، عادة من خلال اتفاق خاص يحدد موضوع النزاع والمسائل المطلوب من المحكمة الفصل فيها.

وقد يتحفظ أي طرف على الذهاب إلى المحكمة بسبب عدم القدرة على ضمان النتيجة مسبقاً، واحتمال تقليص أثر بعض الجزر مقارنة بالمطالبات اليونانية، أو احتمال منح كريت أثراً أكبر مما تتوقعه بعض التصورات الليبية، إلى جانب فقدان المرونة المتاحة في التفاوض السياسي وإلزامية الحكم النهائي وصعوبة التراجع عنه.

وقد تكون المخاطرة بالنسبة لليونان في أن تعترف المحكمة بحقوق كريت، لكنها تقلص أثر غافدوس والجزر الأصغر أو تعدل خط التساوي في الأبعاد بسبب طول الساحل الليبي وعدم التناسب.

وفي المقابل، تتمثل المخاطرة الليبية في أن تمنح المحكمة كريت أثراً معتبراً بحكم حجمها وسكانها وطول ساحلها.

لذلك فإن اللجوء إلى القضاء ليس ضماناً لانتصار كامل لأي طرف، بل طريق إلى حكم ملزم يُرجح أن يقوم على تسوية قانونية بين الحدين الأقصيين للمطالبتين.

من الدراسات العامة إلى صناعة الأمر الواقع الاستكشافي

لم يقتصر التحرك اليوناني جنوب كريت على نشر الخرائط أو إعلان المواقف السياسية، بل انتقل منذ عام 2011 إلى خطوات استكشافية متدرجة.

ففي سبتمبر 2011 أعلنت وزارة الطاقة اليونانية عن طرح عطاء لأعمال مسح سيزمي في نطاق بحري واسع امتد إلى جنوب كريت، وزادت مساحته المعلنة عن 220 ألف كيلومتر مربع. ثم جرى تركيز المسح على مناطق اعتبرت أكثر احتمالاً، ومنها جنوب غرب كريت، وشملت أعمال المسح ثنائي الأبعاد نحو 12.5 ألف كيلومتر مربع وفق الدراسة الليبية المرفقة.

وتبعت ذلك معالجة للبيانات وتقسيم مناطق إلى رقع استكشافية وطرحها أمام الشركات الدولية، ثم ازداد اهتمام الشركات بعد اكتشاف حقل ظهر المصري سنة 2015.

وهذا التسلسل يوضح أن الخرائط والمسوح والتراخيص ليست أعمالاً منفصلة، بل أدوات متراكمة قد تُستخدم لترسيخ تصور معين للحدود وجذب استثمارات على أساسه، بما يجعل التصدي القانوني والفني المبكر أكثر أهمية من انتظار مرحلة الحفر.

لماذا هذه المنطقة تحديداً؟

ترجع أهمية المنطقة الواقعة شمال درنة وجنوب كريت إلى اجتماع عدة عوامل في نطاق واحد.

  • أولها: وقوعها في امتداد أحواض رسوبية بحرية عميقة يُعتقد أنها قد تحتوي على نظم بترولية واعدة.
  • ثانيها: وجود مؤشرات على تراكيب كربوناتية وطبقات ملحية ومتبخرات قد توفر مكامن وأغطية مناسبة لحجز الهيدروكربونات.
  • ثالثها: قربها من نطاقات في شرق المتوسط أثبتت فيها أعمال الاستكشاف وجود اكتشافات غازية كبيرة.
  • رابعها: قربها النسبي من الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنح أي اكتشاف غازي محتمل قيمة إضافية من زاوية أمن الطاقة ومسارات التصدير.

ولهذا انتقل النشاط جنوب كريت من مرحلة الدراسات العامة إلى المسوحات السيزمية ومنح التراخيص ودخول شركات دولية كبرى، دون أن يعني ذلك أن احتياطيات تجارية قد ثبتت بالفعل.

هل المؤملات نفط أم غاز؟

الاحتمالات تشمل النفط والغاز معاً، لكن الترجيح الفني الحالي يميل بدرجة أكبر إلى الغاز الطبيعي، مع احتمال وجود مكثفات وسوائل غازية، ومن دون استبعاد النفط.

ويرجع ذلك إلى طبيعة الأحواض العميقة، واحتمال وجود صخور مصدر ناضجة، وتراكيب كربوناتية، وأغطية ملحية جيدة، إضافة إلى ما أثبتته اكتشافات شرق المتوسط من إمكان وجود تجمعات غازية ضخمة في المكامن الكربوناتية البحرية العميقة.

لكن يجب التمييز بوضوح بين المؤملات الجيولوجية، والموارد المحتملة، والاكتشاف الذي تؤكده بئر استكشافية، والاحتياطيات القابلة للإنتاج التجاري.

فالمسح السيزمي يستطيع تحديد تركيب جيولوجي وشكله وحجمه المحتمل، لكنه لا يثبت وحده أنه مشبع بالنفط أو الغاز، ولا يحدد قابلية إنتاجه أو جدواه الاقتصادية.

ولذلك لا ينبغي التعامل مع أرقام بمليارات البراميل أو عشرات التريليونات من الأقدام المكعبة باعتبارها احتياطيات مؤكدة قبل الحفر والاختبار والتقييم.

ماذا تضيف المقارنة بحقل ظهر المصري؟

من المفيد، لفهم أهمية المنطقة، الاستئناس بتجربة حقل ظهر المصري، على أن تكون المقارنة توضيحية وليست دليلاً على وجود حقل مماثل شمال درنة.

اكتُشف حقل ظهر سنة 2015 في المياه العميقة المصرية، وقدرت موارده الأولية بنحو 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز الموجود في المكان، أي ما يقارب 850 مليار متر مكعب، ووُصف عند اكتشافه بأنه أكبر اكتشاف غازي في البحر المتوسط.

كما جاء الغاز في مكمن كربوناتي، وهو ما غيّر جانباً مهماً من التفكير الاستكشافي في الإقليم.

فقبل اكتشاف ظهر كان جانب كبير من الاستكشاف في شرق المتوسط يركز على المكامن الرملية، ثم أثبت الحقل أن التراكيب الكربوناتية العميقة قد تستوعب تجمعات غازية عملاقة.

ومن هنا زاد الاهتمام بالتراكيب التي قد تحمل بعض السمات الجيولوجية العامة نفسها في مناطق أخرى من المتوسط، ومنها جنوب كريت وشمال شرق ليبيا.

ولم تأت المقارنة الفنية بحقل ظهر من الانطباعات الإعلامية وحدها؛ فقد ظهرت منذ عام 2016 تحليلات متخصصة لبيانات سيزمية من المنطقة الواقعة بين شمال شرق ليبيا وجنوب كريت، أشارت إلى وجود تراكيب كربوناتية تحمل أوجه تشابه عامة مع النموذج الجيولوجي لحقل ظهر.

غير أن قيمة هذه الدراسات تكمن في توجيه الاهتمام الاستكشافي وترتيب الأولويات، لا في إثبات وجود احتياطيات أو تقدير أحجام تجارية قبل الحفر.

فالتشابه في نوع التركيب أو البيئة الجيولوجية لا يعني تطابق صخور المصدر أو المكمن أو حجم الموارد، ولا يمكن الحديث عن «ظهر آخر» شمال درنة إلا بعد المسوحات الدقيقة وحفر الآبار وإجراء الاختبارات.

والدلالة الأهم للمقارنة أن اكتشافاً واحداً بالحجم الذي مثله حقل ظهر يمكن أن يغير معادلة الطاقة والاقتصاد والأمن الاستراتيجي لدولة كاملة؛ وهذا وحده يفسر لماذا تستحق المنطقة الواقعة شمال درنة وجنوب كريت المتابعة الفنية والقانونية والسيادية المبكرة.

لماذا تصنع الكيلومترات القليلة فارقاً كبيراً؟

في الأحواض البحرية لا يجوز التقليل من أثر تحريك خط الحدود بضعة كيلومترات؛ إذ قد يمتد تركيب جيولوجي أو مكمن واحد عبر جانبي الخط، وقد تقع قمة التركيب أو الجزء الأعلى جودة من المكمن داخل مساحة تختلف تبعيتها باخلاف منهج الترسيم.

وقد أظهرت تجارب شرق المتوسط أن بعض الحقول الكبرى تقع على مسافات محدودة من حدود مناطق بحرية متجاورة.

ولهذا فإن الخلاف على خط بعرض عشرات الكيلومترات لا يمثل فرقاً هندسياً بسيطاً، بل قد يترتب عليه اختلاف جوهري في فرص الاستكشاف، وفي ملكية الموارد، وفي شروط أي تطوير مشترك مستقبلاً.

الأهمية الاقتصادية

إذا أثبت الحفر مستقبلاً وجود موارد تجارية، فقد تتيح المنطقة لليبيا فرصاً واسعة، منها إضافة قاعدة موارد بحرية جديدة إلى الأحواض البرية القائمة، وتنويع مصادر ومواقع الإنتاج، وتوفير الغاز لتوليد الكهرباء والصناعات المحلية، وتقليل استخدام الوقود السائل الأعلى كلفة.

كما قد تدعم الصناعات البتروكيماوية والأسمدة، وتطوير الموانئ وقواعد الخدمات والإمداد البحري في شرق ليبيا، وخلق فرص عمل وتدريب ونقل تكنولوجيا، وفتح إمكانات مستقبلية لتصدير الغاز إلى جنوب أوروبا.

غير أن المياه العميقة تتطلب تقنيات متقدمة واستثمارات ضخمة، وقد تمر سنوات طويلة بين بدء المسح والوصول إلى الإنتاج.

كما أن الجدوى الاقتصادية تعتمد على حجم المورد، وعمق المياه، ونوعية المكمن، وبُعده عن الساحل، وكلفة خطوط النقل، وأسعار الطاقة، والاستقرار القانوني والأمني.

الترسيم ليس الخيار العملي الوحيد

إذا ثبت مستقبلاً وجود تركيب جيولوجي أو مكمن يمتد عبر المنطقة محل النزاع، فقد يكون من الممكن، إلى حين حسم الحدود أو بالتوازي معه، التفاوض على منطقة تطوير مشترك أو اتفاق لتوحيد استغلال المكمن، بحيث تُحدد حصص الطرفين وفق البيانات الفنية.

ويجب أن ينص أي ترتيب من هذا النوع صراحة على أنه لا يشكل تنازلاً عن المواقف القانونية لكل دولة، ولا يحسم السيادة أو خط الترسيم النهائي.

وقد استخدمت ترتيبات التطوير المشترك وتوحيد المكامن في مناطق بحرية متنازع عليها حول العالم؛ لأنها تمنع تجميد المورد لسنوات طويلة، وتوفر إطاراً للاستثمار، مع إبقاء مسألة السيادة منفصلة عن الإدارة التجارية المؤقتة.

لكن هذا الخيار لا ينبغي أن يكون بديلاً عن تثبيت الحقوق الليبية، بل أداة محتملة تُستخدم من موقع قانوني وفني قوي.

الحدود الاقتصادية ليست شأناً اقتصادياً فقط

قد يوحي تعبير «المنطقة الاقتصادية الخالصة» بأن المسألة اقتصادية بالدرجة الأولى، لكن الحقوق البحرية أوسع من قيمة النفط والغاز.

فالمنطقة الاقتصادية الخالصة تمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية واختصاصات محددة في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، سواء كانت حية أو غير حية، وفي إنشاء المنشآت والجزر الاصطناعية، وتنظيم البحث العلمي البحري، وحماية البيئة البحرية.

كما يرتبط المجال البحري بمصالح تتعلق بالثروة السمكية، وخطوط الأنابيب والكابلات، والملاحة، وحماية المنشآت، ومراقبة الأنشطة غير المرخصة، والبنية التحتية الرقمية.

ومن المهم هنا التمييز بين السيادة الكاملة التي تمارسها الدولة في بحرها الإقليمي، والحقوق السيادية والاختصاصات الوظيفية التي تمارسها في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

كذلك فإن البحث والإنقاذ، والهجرة، والتهريب، والملاحة الدولية تخضع لأطر قانونية واتفاقات مختلفة، ولا تنشأ جميعها تلقائياً عن المنطقة الاقتصادية الخالصة، لكنها تتقاطع عملياً مع إدارة المجال البحري وأمنه.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثاني

“ناجي عيسى” يتفق مع محافظ بنك الشعب الصيني على انضمام المصارف الليبية لنظام المدفوعات الصيني العابر للحدود

بحث محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” مع محافظ بنك الشعب الصيني في العاصمة بكين، آفاق تطوير التعاون الثنائي في المجالات المصرفية والمالية، وسبل الارتقاء بالشراكة المؤسسية بين البنكين المركزيين، بما يدعم جهود تطوير القطاع المالي في ليبيا، ويعزز قدرته على مواكبة المتغيرات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

واتفق الجانبان رسمياً على انضمام المصارف الليبية إلى نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود (CIPS)، في خطوة من شأنها تسهيل المعاملات التجارية والمالية، وتيسير عمليات الدفع والتحويلات بين ليبيا والصين، بما يسهم في رفع كفاءة المعاملات المالية وتعزيز انسيابية التجارة ودعم مجتمع الأعمال في البلدين.

كما اتفق الجانبان على إطلاق المنتدى المصرفي الليبي الصيني للمرة الأولى، على أن يُعقد على هامش المنتدى الصيني الأفريقي مطلع عام 2027، ليشكل منصة مؤسسية تجمع البنوك والمؤسسات المالية من البلدين، وتسهم في تعزيز الشراكات الاستثمارية، وتوسيع فرص التعاون في القطاعين المالي والمصرفي.

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثاني

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

من أي جزر تريد اليونان أن يبدأ القياس؟

تتمسك اليونان بأن يبدأ احتساب امتدادها البحري من الساحل الجنوبي لجزيرة كريت، كما تدخل جزيرة غافدوس، الواقعة جنوب كريت، في صلب بعض التصورات اليونانية للترسيم، إلى جانب جزر وصخور بحرية أصغر.

وتكتسب غافدوس أهمية خاصة لأنها تقع جنوب كريت، وأقرب إلى الساحل الليبي من البر اليوناني الرئيسي؛ فإذا مُنحت أثراً كاملاً في توليد منطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، فإن خط الترسيم يتحرك جنوباً، بما يوسع المساحة التي تطالب بها اليونان في الاتجاه المقابل لشمال شرق ليبيا.

أما الحجة الليبية فلا تقوم على إنكار تبعية كريت أو غافدوس لليونان، ولا على إنكار أن للجزر حقوقاً بحرية من حيث الأصل؛ وإنما تستند إلى أن منح جزيرة صغيرة نسبياً، تقع أمام ساحل قاري ليبي طويل، أثراً كاملاً قد يؤدي إلى نتيجة غير متناسبة وغير منصفة.

وتقوم الحجة الليبية على أن الساحل الليبي المقابل ساحل قاري طويل وممتد، وأن الترسيم البحري لا ينبغي أن يتحول إلى عملية هندسية آلية تعتمد خط المنتصف وحده، من دون مراعاة الجغرافيا وطول السواحل وموقع الجزر وحجمها والنتيجة النهائية للترسيم.

كما تستند إلى أن منح غافدوس والجزر الأصغر أثراً كاملاً قد يدفع خط الحدود بصورة كبيرة نحو الساحل الليبي، وأن الجزر الصغيرة لا تحصل بالضرورة، عند الترسيم بين دولتين، على الأثر نفسه الذي تحصل عليه اليابسة القارية.

ومن المهم قانونياً التمييز بين استحقاق الجزيرة لمناطق بحرية من حيث المبدأ وبين مقدار أثرها في خط الحدود النهائي؛ فقد تكون الجزيرة مؤهلة لتوليد منطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، ثم يُخفض أثرها في عملية الترسيم إذا أدى الأثر الكامل إلى حجب ساحل قاري طويل أو إلى اختلال واضح بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

وقد قدرت بعض الدراسات الليبية الأولية السابقة أن الاختلاف بين احتساب غافدوس بأثر كامل أو تقليص أثرها يمكن أن يزيح خط الترسيم بعشرات الكيلومترات في أجزاء من المنطقة. ولا ينبغي التعامل مع هذه التقديرات بوصفها حدوداً نهائية، لكنها توضح حجم المساحة التي قد تتأثر باختيار منهج القياس.

ما القانون الدولي المنظم للخلاف؟

الإطار القانوني الأهم هو اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المعروفة اختصاراً باسم UNCLOS.

وتنظم المادة 121 الوضع القانوني للجزر، وتقرر أن للجزر، من حيث الأصل، مناطق بحرية، مع استثناء الصخور التي لا تستطيع إعالة سكن بشري أو حياة اقتصادية خاصة بها من توليد منطقة اقتصادية خالصة أو جرف قاري.

أما المادتان 74 و83، المتعلقتان بترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة، فلا تفرضان خط المنتصف باعتباره نتيجة نهائية آلية، بل تنصان على ضرورة الوصول إلى حل منصف وفق القانون الدولي.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية وهيئات التحكيم أن الإنصاف هو المبدأ الموجه لعملية الترسيم، مع مراعاة السواحل ذات الصلة والظروف الجغرافية والتناسب في النتيجة.

ويُستخدم في القضاء الدولي عادة منهج من ثلاث مراحل:

  • أولاً: رسم خط مؤقت متساوي الأبعاد.
  • ثانياً: دراسة الظروف ذات الصلة التي قد تستوجب تعديله، مثل طول السواحل وشكلها ووجود الجزر.
  • ثالثاً: اختبار النتيجة للتأكد من عدم وجود تفاوت صارخ بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

وهنا توجد ملاحظة قانونية مهمة: ليبيا وقعت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1984، لكنها لم تستكمل التصديق عليها. ومع ذلك، فإن عدداً من قواعد الترسيم البحري، ولا سيما مبدأ الحل المنصف والاعتداد بالظروف ذات الصلة، أصبح جزءاً من القانون الدولي العرفي الذي تستند إليه المحاكم والهيئات الدولية، ولا يقتصر تطبيقه فقط على الدول الأطراف في الاتفاقية.

الأساس التشريعي الوطني للحقوق البحرية الليبية

لا يقوم الموقف الليبي على قواعد القانون الدولي وحدها، بل يستند أيضاً إلى مجموعة من التشريعات والقرارات الوطنية التي نظمت المجال البحري الليبي عبر مراحل مختلفة.

فقد حدد القانون رقم 2 لسنة 1959 المياه الإقليمية الليبية باثني عشر ميلاً بحرياً. ثم صدرت قرارات بشأن إعلان مناطق الصيد البحري، وخطوط الأساس المستقيمة التي تُقاس منها المياه الإقليمية والمناطق البحرية، ومناطق حماية الصيد.

كما صدر عام 2009 قرار بإعلان المنطقة الاقتصادية الخالصة الليبية. وتوثق هذه التشريعات ممارسة الدولة لاختصاصاتها البحرية وحرصها المبكر على تنظيم حقوقها في البحر المتوسط.

غير أن صدور التشريعات الوطنية لا يحسم وحده الحدود في مواجهة دولة ذات ساحل مقابل؛ إذ ترتبط فاعليتها الخارجية بإيداع الإحداثيات والخرائط لدى الجهات الدولية المختصة، واتساقها مع القانون الدولي، وإتمام الترسيم عبر اتفاق أو حكم قضائي.

خبرة ليبيا السابقة في التقاضي البحري

ليبيا ليست حديثة الخبرة في المنازعات البحرية الدولية؛ فقد سبق لها أن خاضت نزاعات حول الجرف القاري مع كل من تونس ومالطا.

وفي النزاع مع مالطا، اتفقت الدولتان في يوليو 1982 على إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. وتمحور الخلاف بين الحجة الليبية، التي أعطت وزناً للامتداد الطبيعي للجرف القاري والظروف الجغرافية، والحجة المالطية التي تمسكت بدرجة أكبر بالمسافة وخط التساوي في الأبعاد (PDF).

وفي حكمها الصادر عام 1985، راعت المحكمة مبادئ الإنصاف والظروف ذات الصلة، وأخذت في الاعتبار التفاوت بين طول الساحلين، كما لم تمنح بعض التكوينات المالطية غير المأهولة أثراً كاملاً في خط الأساس.

وتفيد هذه السابقة الملف الحالي في جانبين: أولهما أن اللجوء إلى القضاء الدولي يتطلب إعداداً فنياً وقانونياً بالغ الدقة، وثانيهما أن المحاكم لا تكتفي عادة بتطبيق خط المنتصف بصورة آلية، بل تبحث عن نتيجة منصفة وتختبر أثر الجغرافيا وأطوال السواحل والجزر.

هل القانون في صالح ليبيا؟

يمكن القول إن القانون الدولي يمنح ليبيا حججاً معتبرة وقوية، خاصة في مواجهة منح غافدوس والجزر الأصغر أثراً كاملاً يقتطع مساحة واسعة من الامتداد البحري المقابل للساحل الليبي.

وتستفيد ليبيا من مبادئ قضائية مهمة، منها ضرورة الوصول إلى نتيجة منصفة، وإمكان تقليص أثر الجزر في ظروف معينة، والاعتداد بطول السواحل ذات الصلة، وتعديل خط المنتصف عندما يقود تطبيقه الآلي إلى نتيجة غير متوازنة، واختبار التناسب بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

لكن الموضوعية تقتضي القول إن كريت ليست صخرة صغيرة أو جزيرة هامشية؛ فهي جزيرة كبيرة ومأهولة ولها ساحل طويل. ولذلك فمن غير الواقعي قانونياً توقع استبعادها بالكامل من عملية الترسيم.

وعليه، فإن أقوى جوانب الحجة الليبية لا تكمن في المطالبة بإلغاء كل أثر لكريت، بل في مناقشة مقدار الأثر الذي ينبغي منحه لها، وبصورة أكثر وضوحاً مقدار الأثر الذي يمكن منحه لغافدوس والجزر الأصغر.

وبهذا المعنى، لا يمكن القول إن القانون يضمن انتصاراً كاملاً لليبيا، لكنه يمنحها أساساً جدياً للمطالبة بخط أكثر توازناً من بعض الخطوط المطروحة يونانياً.

وسوف تعتمد قوة الموقف الليبي على جودة الخرائط، ودقة تحديد السواحل ذات الصلة، والإحداثيات، والبيانات الفنية، والسوابق القضائية التي يُبنى عليها الملف.

واجب ضبط النفس إلى حين حسم النزاع

لا تتحدث قواعد قانون البحار فقط عن الوصول إلى حل منصف، بل تفرض أيضاً على الدول المتنازعة، قبل إبرام الاتفاق النهائي، السعي إلى ترتيبات مؤقتة عملية، والامتناع عن الإجراءات التي قد تعرض التوصل إلى الاتفاق للخطر أو تعرقله.

ومن ثم فإن تنفيذ أعمال حفر أو استغلال في منطقة متنازع عليها يختلف في طبيعته القانونية عن إجراء دراسات عامة أو مسوح أولية؛ لأن الحفر والاستغلال قد يحدثان تغييراً مادياً دائماً أو يستنزفان مورداً لا يمكن استرداده.

ولهذا ينبغي أن يكون أحد عناصر الموقف الليبي مطالبة جميع الأطراف بعدم فرض أمر واقع في المناطق المتداخلة، مع إمكان الاتفاق على تبادل البيانات، أو تجميد أنشطة معينة في نطاق محدد، أو إنشاء آليات تشاور مؤقتة لا تمس المواقف القانونية النهائية.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الأول

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال

كتب : الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

بناءً على طلب عدد من الإخوة والأصدقاء التعليق على ما طرحه أحد الأصدقاء المطلعين، خلال لقاء تلفزيوني، بشأن أهمية المنطقة البحرية الواقعة شمال درنة وجنوب جزيرة كريت، فإن ما أشار إليه بشأن حساسية هذه المنطقة وقيمتها الاستراتيجية دقيق وفي محله، ويستحق التوسع فيه؛ لأن القضية لا تتعلق فقط باحتمال وجود حقل نفطي أو غازي، بل بمجال بحري تتقاطع فيه السيادة الوطنية مع القانون الدولي والطاقة والأمن والاقتصاد والبيئة والملاحة والمصالح الجيوسياسية.

إن هذه المسألة ليست حقاً للحاضر وحده، ولا يجوز النظر إليها باعتبارها ملفاً فنياً أو تفاوضياً مؤقتاً؛ فهي تتصل بحقوق الأجيال القادمة في أرض الوطن وبحره وثرواته، وبواجب الدولة في حماية امتدادها البحري، سواء ثبت اليوم وجود موارد تجارية أم لم يثبت.

فالسيادة لا تبدأ عند حفر أول بئر، والحقوق البحرية لا تنشأ عند اكتشاف الغاز أو النفط، بل تقوم على الجغرافيا والقانون، وعلى قدرة الدولة على توثيق حقوقها وإدارتها والدفاع عنها.

ما المنطقة المقصودة تحديداً؟

المقصود هو المجال البحري الممتد قبالة الساحل الشمالي الشرقي لليبيا، وتحديداً شمال درنة، باتجاه المياه الواقعة جنوب وجنوب غرب جزيرة كريت.

ولا توجد حتى الآن حدود بحرية نهائية متفق عليها بين ليبيا واليونان في هذا النطاق. ولذلك لا يجوز التعامل مع الخطوط الواردة في الخرائط المتداولة باعتبارها حدوداً محسومة قانوناً، بل هي في جانب كبير منها مطالبات متقابلة وتصورات مختلفة لطريقة احتساب الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

وقد وثقت ليبيا موقفها رسمياً لدى الأمم المتحدة خلال عام 2025، وقدمت إعلاناً وخرائط بشأن الحدود الخارجية لجرفها القاري، ثم اعترضت على أنشطة استكشافية رأت أنها تقع في مناطق بحرية محل نزاع مع اليونان. وردت اليونان برفض الاعتراض الليبي والتمسك بموقفها وخطوطها البحرية.

ويثبت هذا التبادل الرسمي أن الخلاف لا يزال قائماً، ولم يُحسم باتفاق ثنائي نهائي أو بحكم قضائي دولي.

جذور الموقف الليبي أقدم من النزاع الراهن

من المهم التذكير بأن الاهتمام الليبي بهذه المنطقة لم يبدأ مع التطورات الأخيرة في شرق المتوسط، ولا مع منح الامتيازات الحديثة جنوب كريت.

فمنذ عام 2007 نبهت الجهات الليبية المختصة بالطاقة إلى التحركات اليونانية الرامية إلى استكشاف المناطق البحرية المقابلة للساحل الليبي، وأُحيل الموضوع آنذاك إلى الجهات المعنية بالعلاقات الخارجية، ضمن مسار عزز الحاجة إلى إعلان الحقوق البحرية الليبية وتوثيقها.

كما أُعدت دراسات ليبية مبكرة تناولت مصادر الطاقة في المنطقة البحرية شمال شرق ليبيا، والنزاع المحتمل مع اليونان، والمؤملات الهيدروكربونية جنوب كريت، ودعت إلى بناء موقف فني وقانوني ودبلوماسي متكامل.

وهذا التسلسل التاريخي يبين أن الاعتراض الليبي ليس موقفاً طارئاً أو رد فعل على امتياز حديث، بل امتداد لموقف مؤسسي وفني بدأ قبل الانقسام السياسي، واستند منذ البداية إلى ضرورة حماية المجال البحري المقابل للساحل الليبي، وعدم السماح بفرض أمر واقع استكشافي في منطقة لم يكتمل ترسيمها.

يتبع ،،

وزارة الاقتصاد تعلن مؤشرات الشركات الأجنبية بالنصف الأول من عام 2026.. وتستعد لإطلاق منصة لتسجيلها

أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية عن تسجيل 106 قرارا يتعلق بفروع الشركات الأجنبية والمشتركة ومكاتب التمثيل خلال النصف الأول من عام 2026، في مؤشر يعكس تنامي ثقة المستثمرين وجاذبية السوق الليبية.

وشملت البيانات فتح وتمديد 79 فرعاً لشركات أجنبية، وتأسيس 19 شركة مشتركة، إلى جانب 4 مكاتب تمثيل، حيث تصدر قطاع المقاولات بـ 43 قراراً (38%)، يليه قطاع النفط والطاقة بـ 34 قراراً (32%)، ثم قطاعات البيئة والصناعة، وجاءت تركيا في المرتبة الأولى بـ 17 قراراً، تلتها تونس بـ 13 قراراً، ثم الإمارات والصين بـ 7 قرارات لكل منهما.

وكشفت الوزارة عن عزمها إطلاق المنصة الإلكترونية لتسجيل الشركات الأجنبية مطلع شهر أغسطس المقبل؛ لتبسيط إجراءات تسجيل المستثمرين الأجانب والشركات الدولية وتسهيل دخولها للسوق الليبية.

ديوان المحاسبة يناقش حسابات جهاز الخدمات العلاجية ويبحث خطة توطين العلاج بالداخل

ناقشت الإدارة العامة للرقابة على القطاعات الخدمية بديوان المحاسبة خلال اجتماعها بمقر الديوان اليوم الثلاثاء، ردود جهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية على الملاحظات الرقابية الناتجة عن فحص ومراجعة حساباته للسنة المالية 2025.

وتم خلال الاجتماع التوافق على ​وضع آليات فعالة لمعالجة الثغرات القائمة وتصويب مكامن الخلل المالي والإداري؛ بما يضمن الشفافية والحوكمة الرشيدة، كما تم استعراض خطة شاملة لتوطين جراحات القلب والمفاصل محلياً؛ بهدف رفع المعاناة عن المرضى ووقف استنزاف النقد الأجنبي في الساحات الخارجية.

وتم التأكيد على ضرورة تفادي تكرار الأخطاء الإدارية لضمان حسن توظيف الأموال العامة وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

“ناجي عيسى” يؤكد على أهمية استمرار التنسيق والعمل على تطوير خدمات الدفع الالكتروني وتعزيز كفاءتها

أكد محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” على أهمية استمرار التنسيق والتواصل بين المصارف التجارية وشركات الدفع الإلكتروني، والعمل على معالجة الإشكاليات بصورة مستمرة، مع تقديم المقترحات التي تسهم في تطوير خدمات الدفع وتعزيز كفاءتها.

وشدد المحافظ على ضرورة إيلاء أنظمة الأمن السيبراني أولوية قصوى، واتخاذ جميع التدابير اللازمة لتعزيز حماية البنية التحتية الرقمية للمصارف، ورفع جاهزيتها للتصدي للمخاطر والتهديدات السيبرانية، بما يضمن أمن وسلامة الأنظمة المصرفية ويحافظ على بيانات العملاء واستمرارية تقديم الخدمات.

.

“المركزي” يتابع مشروع الدفع ببطاقات “فيزا” محلياً والتوسع في المحافظ الإلكترونية

تابع محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” خلال اجتماعه اليوم الاثنين مع عدد من المدراء العامين للمصارف التجارية ومُمَثِّلي شركات الدفع الإلكتروني، تطوير منظومة المدفوعات الإلكترونية وتعزيز كفاءتها، والوقوف على أبرز التحديات التي تواجه المصارف وشركات الدفع الإلكتروني، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجتها.

وتناول الاجتماع مناقشة رفع كفاءة أنظمة الدفع الإلكتروني، وتحسين بنيتها التحتية التقنية للحد من الانقطاعات ويضمن استمرارية الخدمات المقدمة للمواطنين، واستعراض مستجدات تنفيذ مشروع الدفع عبر بطاقات “فيزا” بالعملة الأجنبية من خلال نقاط البيع المحلية، ومراحل إنجازه، بما يدعم تنويع وسائل الدفع الإلكتروني ويواكب التطورات في القطاع المالي.

كما ناقش الاجتماع نتائج تقييم شركات الدفع الإلكتروني، ومدى التزامها بالمعايير الفنية والرقابية والضوابط الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي والتزامها الكامل بها، إضافة إلى بحث آليات التوسع في استخدام المحافظ الإلكترونية تعزيزاً للشمول المالي وتشجيعاً لاستقطاب العمالة الوافدة للاستفادة من هذه الخدمة، للمساهمة في التوسع في استخدام خدمات الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على التعاملات النقدية.

“الشلوي”: الغاز لا ينتظر أحداً.. ورسائل “إيني” تؤكد أن نافذة الفرصة الليبية قد فُتحت من جديد

كتب : الخبير النفطي “عبد المنصف الشلوي”

لم تكن التصريحات الأخيرة للرئيس التنفيذي لشركة “إيني” مجرد قراءة لحالة الأسواق، بل يمكن النظر إليها باعتبارها رسالة استراتيجية تعكس الاتجاه الذي تسير إليه أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة، ورسالة ينبغي أن تُقرأ جيداً في الدول المنتجة للنفط والغاز، وفي مقدمتها ليبيا.

فحين يتحدث أحد أكبر التنفيذيين في صناعة الطاقة العالمية عن احتمال عودة أزمة الطاقة، وتراجع المخزونات، واشتداد المنافسة على إمدادات النفط والغاز؛ فإن ذلك لا يعني فقط أن أوروبا تستعد لفصل شتاء جديد، وإنما يعني أيضاً أن العالم يدخل مرحلة جديدة أصبح فيها أمن الطاقة يتقدم على كثير من الاعتبارات الأخرى.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة، منذ أزمة الطاقة الأوروبية في عام 2022، أن الغاز الطبيعي لم يعد مجرد وقود انتقالي، بل أصبح أحد أهم عناصر الأمن القومي والاقتصادي للدول. كما أثبتت الأحداث الجيوسياسية أن الدول المستوردة لم تعد تعتمد على معيار السعر فقط، بل أصبحت تبحث عن المورد القريب، والموثوق، والقادر على توفير الإمدادات بصورة مستقرة وطويلة الأجل.

ومن هذا المنطلق، فإن دعوة “إيني” إلى تنويع مصادر الإمداد، والاستمرار في الاستثمار في النفط والغاز بالتوازي مع الطاقة المتجددة، تؤكد أن العالم لم يدخل مرحلة ما بعد الهيدروكربونات كما يعتقد البعض، وإنما دخل مرحلة إدارة أكثر ذكاءً لمزيج الطاقة (Energy Mix)؛ حيث ستستمر مصادر الطاقة التقليدية لعقود مقبلة جنباً إلى جنب مع مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.

وهنا تبرز أهمية شمال أفريقيا بصورة عامة، وليبيا بصورة خاصة.

فالموقع الجغرافي المتميز، والقرب من الأسواق الأوروبية، والبنية التحتية القائمة، وخطوط نقل الغاز المباشرة؛ تمنح ليبيا ميزة تنافسية يصعب أن تتوافر لكثير من المنتجين الآخرين، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف النقل والشحن العالمية.

كما أن استمرار “إيني” في توسيع استثماراتها، والدخول في مشاريع تطوير بحرية جديدة، يعكس بوضوح أن الشركات العالمية الكبرى لا تنظر إلى ليبيا باعتبارها منتجاً حالياً فقط، بل باعتبارها أحد أهم مصادر النمو المستقبلي لإمدادات الغاز في حوض البحر المتوسط.

واللافت للنظر أن البيانات الحالية تؤكد أن “إيني” تنتج ما يقارب 7.7 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وهو ما يمثل نحو 80% من إنتاج الغاز الليبي، بينما يذهب أكثر من 90% من هذا الإنتاج إلى الاستهلاك المحلي؛ ليسهم في تشغيل ما يقارب 70% من إنتاج الكهرباء.

وهذه الأرقام تكشف حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن الغاز الليبي ليس سلعة للتصدير فحسب، بل هو أيضاً ركيزة أساسية لاستقرار منظومة الكهرباء والصناعة والاقتصاد الوطني.

ومن ثَمَّ، فإن أي توسع في إنتاج الغاز لا ينبغي النظر إليه من زاوية زيادة الصادرات فقط، وإنما أيضاً من زاوية تعزيز أمن الطاقة الداخلي، وتقليل الاعتماد على الوقود السائل في محطات الكهرباء، ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتوفير كميات أكبر من النفط الخام للتصدير وتحقيق قيمة اقتصادية أعلى.

كما أن إعلان التزام استثماري مشترك بقيمة 8 مليارات دولار بين المؤسسة الوطنية للنفط و”إيني” لتطوير الحقول البحرية يمثل مؤشراً مهماً على حجم الثقة في الإمكانات الجيولوجية الليبية، ويؤكد أن الاستثمار طويل الأجل لا يزال يجد في ليبيا فرصاً واعدة متى توفرت البيئة التشغيلية المناسبة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن المنافسة المتوقعة على الغاز الطبيعي المسال، والتي أشار إليها الرئيس التنفيذي لـ”إيني”، قد تدفع الأسعار إلى مستويات داعمة للاستثمار، وهو ما يجعل الإسراع في تطوير الاحتياطيات الغازية، واستكمال مشاريع الإنتاج والمعالجة والنقل، أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي تحملها تصريحات “إيني” ليست أن أوروبا تحتاج إلى مزيد من الغاز، فهذا أمر معروف، وإنما أن المنافسة على الأسواق ستكون أكثر شدة خلال السنوات القادمة، وأن الدول التي تنجح في زيادة إنتاجها بسرعة وكفاءة هي التي ستحجز لنفسها موقعاً متقدماً على خارطة الطاقة العالمية.

إن أسواق الطاقة لا تنتظر المترددين، والاستثمارات الدولية تتحرك نحو البيئات القادرة على تنفيذ المشاريع وفق جداول زمنية واضحة، بينما تتغير خرائط التجارة العالمية بوتيرة أسرع مما كانت عليه قبل سنوات قليلة.

ولذلك، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة ليبيا في سوق الغاز الإقليمي والدولى، ليس فقط باعتبارها دولة تمتلك احتياطيات كبيرة، وإنما باعتبارها شريكاً موثوقاً قادراً على الإسهام في أمن الطاقة في منطقة البحر المتوسط وأوروبا، وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات السوق المحلية وتعزيز التنمية الاقتصادية.

إن قراءة تصريحات “إيني” من هذا المنظور تؤكد أن مستقبل الطاقة لن يُبنى على وفرة الموارد وحدها، بل على سرعة تطويرها، وكفاءة إدارتها، واستدامة استثمارها؛ وهو ما يجعل الغاز الليبي أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي يمكن أن تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي، ودعم أمن الطاقة، وترسيخ المكانة الجيوسياسية لليبيا خلال العقود المقبلة