Skip to main content

الوسم: رئيسي

وزارة الاقتصاد تمنح الخطوط القطرية إذن فتح فرع في ليبيا تمهيداً لإعادة الرحلات

منحت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية الإذن للخطوط الجوية القطرية لفتح فرع لها داخل ليبيا، وذلك في خطوة تمهيدية لاستكمال الإجراءات التشغيلية لإعادة تفعيل الرحلات الجوية وربط البلاد بشبكة النقل الدولي.

​وأوضحت الوزارة أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود تطوير بيئة الأعمال وتعزيز ثقة الشركات العالمية بالسوق الليبي، بما يدعم حركة التجارة والاستثمار ويوفر خيارات لوجستية أكبر للقطاعين العام والخاص، مؤكدة استمرار العمل على تحسين الإجراءات التنظيمية لتسهيل اندماج الاقتصاد المحلي في الأسواق الإقليمية والدولية.

مهندس كهربائي يُشَخِّصُ مشاكل الكهرباء في ليبيا ويدق ناقوس الخطر للجهات المسؤولة

كتب : مستشار “صالح عمر رمضان” – المتخصص في مجال تخطيط ودراسات شبكات نقل الطاقة الكهربائية

يتساءل المواطن: ليبيا بلدٌ نفطيٌ غنيّ، فلماذا نعاني من طرح الأحمال، وانقطاعات التيار، والإطفاءات الشاملة المتكررة؟

يرجع سبب مشاكل الكهرباء في مناطق الشرق (أجدابيا – طبرق) في الغالب إلى تراكمات المرحلة التي مرت بها هذه المناطق؛ مما منع أو عرقل تنفيذ مشاريع استراتيجية؛ ابتداءً من سنوات أحداث ما قبل عملية الكرامة، وسنوات حرب التحرير، وسنوات حكومات طرابلس. فطوال هذه السنوات مجتمعة، والتي تُقدّر بـ 15 سنة، لم تُنفّذ مشاريع استراتيجية في مناطق الشرق، عدا محطة توليد طبرق الغازية لأن ميزانيتها كانت مرصودة منذ فترة.

مع العلم: أن ميزانية المشاريع الاستراتيجية في الغالب تتعدى الـ 500 مليون دولار لكل مشروع، مثل: إنشاء محطات التوليد، تنفيذ مشروع شبكة 400 ك.ف، والتطوير الشامل في شبكة التوزيع والجهد المتوسط لمواكبة التطور والنمو في الأحمال.

الواقع الحالي

إن البنية التحتية للكهرباء في مناطق الشرق بشكل عام في وضع حرج أو حرج للغاية، والشبكة بوضعها الحالي غير قادرة على مواكبة الوضع القائم حالياً، وتنهار بشكل متكرر خاصة في فصل الصيف نتيجة تشغيل المكيفات بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

تنبيه هام

في المستقبل القريب، مع دخول عدد من المشاريع التنموية والمجمعات السكنية الضخمة على الشبكة، يُتوقع أن تكون الانقطاعات في التيار الكهربائي أسوأ وساعات طرح الأحمال أكثر، ما لم ندقّ ناقوس الخطر للجهات المسؤولة ونضع الأمور في مسارها ونصابها الصحيح والسليم على النحو الآتي:

أزمة التوليد والأحمال

  • مكونات الشبكة: الكهرباء عبارة عن محطات توليد، شبكات نقل، شبكات توزيع، ونمو في الأحمال.
  • معدل نمو الاستهلاك: خلال الـ 15 سنة الماضية ارتفع الاستهلاك في مناطق الشرق من 1,300 إلى 2,300 م.وات حالياً، (والأحمال تنمو بسرعة نحو 3,000 م.وات).
  • المشاريع المنفذة مقابل التقادم: طوال هذه الفترة، المشروع الاستراتيجي الوحيد الذي نُفِّذ هو محطة توليد طبرق الغازية بقدرة 740 م.وات. بالمقابل، تقادمت وحدات التوليد الموجودة في الخدمة بـ 15 سنة من أصل عمر افتراضي يبلغ 30 سنة، وهي حالة تُنذر بوضع حرج خلال السنوات القادمة، ما لم تُخصص ميزانيات وتُوضع حلول حقيقية، وننتبه لملف الكهرباء بشكل عام وليس في أوقات الطوارئ فقط.
  • المشاريع المتوقفة: في الوقت الحالي، كان المفروض أن تكون محطة توليد شمال بنغازي الجديدة (بتكلفة تصل من 600 إلى 700 مليون دولار) في الخدمة، وكان المفروض أن ينطلق العمل في مشروع محطة توليد غرب بنغازي (بتكلفة لا تقل عن 700 مليون دولار)، ولكن لا شيء من هذه المشاريع موجود على الأرض إلى الآن.

أزمة شبكات النقل والبنية التحتية

  • الوضع الراهن: شبكات النقل تمثل البنية التحتية الفعلية لشبكة الكهرباء؛ ففي منتصف السبعينيات وبداية الثمانينيات أُنشئت شبكة نقل جهد 220 ك.ف تعمل إلى الآن، وطاقة تحمل هذه الشبكة لا تتعدى 1,500 م.وات. وكان من المفروض وجود بنية تحتية متكاملة من شبكة جهد 400 ك.ف في الخدمة.
  • المطلوب: في ظل النهضة العمرانية والمشاريع الصناعية الجاري تنفيذها، المطلوب هو تنفيذ لا يقل عن 2,000 كم من خطوط جهد 400 ك.ف، بينما المُنَفَّذ حالياً هو مسار واحد فقط جهد 400 ك.ف من دائرتين بطول 23 كم في كل المنطقة من (أجدابيا – طبرق).
  • النتيجة: البنية التحتية الفعلية للكهرباء في مناطق الشرق غير موجودة حالياً، ونعتمد على شبكة أُنشئت منذ 50 سنة؛ ولهذا تتكرر الإطفاءات الشاملة عند حدوث حالات طارئة.
  • التمويل المطلوب: قبل أحداث فبراير 2011م انطلق عدد من مسارات جهد 400 ك.ف في مناطق الشرق ولم تُنجز ثم توالت الأحداث. حالياً نحتاج من 1.5 إلى 2 مليار دولار لتنفيذ كامل مشاريع شبكة 400 ك.ف من (أجدابيا – طبرق).

الحلول والمسار الصحيح للمرحلة القادمة

  1. ترتيب الأولويات: بالوضع الحالي كيف يمكن أن نواجه أحمال مشاريع استراتيجية قيد الإنشاء مثل (الحديد، المناطق الحرة في جليانة والمريسة والمقرون، مصانع الإسمنت، والمجمعات السكنية الضخمة)؟ المسار الصحيح حالياً يقضي بأنه يجب أن تتجه التنمية نحو تأمين مصادر الطاقة (من كهرباء وغاز) لمحطات توليد الكهرباء، من خلال تنفيذ عدد من المشاريع الاستراتيجية الهامة في التوليد والنقل وتحسين وضع شبكات الجهد المتوسط والتوزيع، والحدّ من كل مشاريع الإعمار الجديدة إلى أن يتم البتّ في ملف الكهرباء بشكل واضح وملموس.
  2. الربط الإقليمي: نحتاج إلى الربط مع الشبكة المصرية على جهد 400 ك.ف؛ لأن ذلك يدعم الشبكة بشكل كبير ويساعد على استقرار الوضع في الحالات الطارئة.
  3. توفير إمدادات الغاز: للحصول على كهرباء مستقرة وبتكلفة معقولة، لا يجب أن نغفل أو نتأخر عن تنفيذ مشروعات نقل وتوفير وقود الغاز إلى محطات التوليد الجديدة في كل من (طبرق، درنة، وبنغازي) من خلال مد أنابيب ومنظومة متكاملة لتزويد محطات التوليد بوقود الغاز.
  4. الإدارة والميزانيات: ملف الكهرباء كبير وثقيل؛ لأننا خلال الـ 15 عاماً الماضية اكتفينا فقط بالتشغيل والصيانة نتيجة ظروف المرحلة وحالة الانقسام في البلاد. ولكن مع حالة الأمن والاستقرار والإعمار يجب أن يتغير كل هذا.

وننبه إلى: ضرورة وجود وزارة للكهرباء في المرحلة القادمة مهما كانت الحكومة مصغرة، بحيث تعمل هذه الوزارة جنباً إلى جنب مع الإعمار، بالإضافة إلى تخصيص ميزانيات خاصة لمناطق الشرق لتعويض السنوات الماضية، حيث تم ضخ ميزانيات ضخمة في شبكة غرب البلاد ولم يُنفّذ أي شيء يذكر في مناطق الشرق، والوضع يتراكم بينما نكتفي نحن فقط بأعمال الصيانة والتشغيل.

“الشلوي”: غرب المتوسط مصرياً وشرقه ليبياً.. ماذا تقول نتائج “فيلوكس-1X” لليبيا؟​

كتب: عبد المنصف الشلوي – خبير نفطي واقتصادي

منذ ساعات قليلة مضت، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن نتائج تعد من أبرز التطورات الاستكشافية في البحر المتوسط خلال الفترة الأخيرة.. بعد نجاح أعمال حفر البئر البحرية (فيلوكس-1X) في رصد شواهد بترولية واعدة واستخراج عينة من الزيت الخام.. ورغم أن الإعلان لا يرقى حتى الآن إلى مستوى الاكتشاف التجاري.. فإن أهميته الحقيقية تكمن في الرسائل الجيولوجية والاستثمارية التي يبعث بها.. ليس إلى مصر وحدها.. بل إلى جميع الدول المطلة على البحر المتوسط، وفي مقدمتها ليبيا..

​قبل قراءة دلالات هذا التطور.. من المهم الإشارة إلى مسألة جغرافية قد تبدو بسيطة.. لكنها مهمة لفهم الموضوع.. فالمنطقة التي تصفها مصر بأنها تقع في غرب البحر المتوسط هي كذلك من منظورها الجغرافي.. بينما تقع من المنظور الليبي في الاتجاه المقابل لشرق وشمال شرق المجال البحري الليبي.. ومن ثم، فإن الحديث عن (غرب المتوسط) في الإعلان المصري لا يعني أنه بعيد عن المصالح الليبية.. بل على العكس، فهو يقع ضمن المشهد الجيولوجي الإقليمي الذي ينبغي لليبيا أن تتابعه بدقة واهتمام..

وفي الوقت ذاته، ينبغي عدم الخلط بين وجود شواهد بترولية وبين الاكتشاف التجاري.. فما أعلنته مصر حتى الآن يؤكد وجود نظام بترولي فعّال ووجود زيت خام في البئر.. لكنه لا يعني بعد ثبوت احتياطيات قابلة للإنتاج الاقتصادي، إذ ما زالت أعمال التقييم والاختبارات الفنية هي التي ستحدد القيمة التجارية للاكتشاف..​

لماذا يستحق الخبر اهتمام ليبيا؟

​لأن صناعة الاستكشاف لا تُبنى على الأخبار، وإنما على المعلومات.. وكل بئر استكشافية ناجحة، حتى وإن لم تتحول إلى حقل منتج، تضيف كَمًّا هائلاً من البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية التي تساعد على فهم الحوض الرسوبي وتحسين النماذج الجيولوجية وإعادة تفسير البيانات الزلزالية وتوجيه الاستثمارات المستقبلية..

من هذه الزاوية تحديداً، فإن ما حدث في المياه المصرية يمثل مؤشراً علمياً مهماً يستحق أن ** يُقرأ** بعناية داخل ليبيا، لا باعتباره نجاحاً لدولة مجاورة فحسب، وإنما باعتباره معلومة جديدة تخص أحد أهم أحواض البحر المتوسط..

​لكن من الضروري أيضاً التأكيد على حقيقة علمية لا تحتمل المبالغة.. وهي أن تشابه الأحواض الرسوبية أو تقاربها لا يعني بالضرورة وجود احتياطيات مماثلة على جانبي الحدود البحرية.. فالتركيب الجيولوجي وصخور المصدر والخزانات والأغطية ومسارات الهجرة والمصائد البترولية.. قد تختلف من موقع إلى آخر حتى داخل الحوض نفسه..

​لذلك فإن القراءة المهنية لا تقوم على إطلاق توقعات متفائلة أو متشائمة، وإنما على الاستفادة من البيانات الجديدة لتطوير الفهم العلمي للمناطق البحرية الليبية..

​الرسالة الأهم ليست جيولوجية فقط

​ما يلفت الانتباه أيضاً هو استمرار تدفق الاستثمارات العالمية إلى البحر المتوسط. فالشركات الدولية لا تضخ استثمارات بمئات الملايين من الدولارات اعتماداً على التوقعات فقط، وإنما تستند إلى بيانات متراكمة وإلى بيئة استثمارية مستقرة وعقود واضحة وسرعة في اتخاذ القرار..​

هنا تكمن إحدى الرسائل المهمة بالنسبة لليبيا؛ فالمنافسة في قطاع الاستكشاف لم تعد بين الدول من حيث الموارد الطبيعية فقط.. بل أصبحت بين بيئات الاستثمار وبين من يستطيع توفير المعلومات والاستقرار والتمويل والقرارات السريعة والإطار القانوني الجاذب..

ماذا ينبغي أن تفعل ليبيا؟​

في تقديري، لا تحتاج ليبيا إلى ردود فعل إعلامية أو بيانات انفعالية.. إنما إلى برنامج عمل وطني هادئ يستند إلى العلم والمصلحة الوطنية.. ويشمل:

​1/ إعادة تقييم وتفسير البيانات الزلزالية البحرية باستخدام أحدث التقنيات..

2/ توسيع أعمال المسح البحري، خاصة في المناطق التي لم تحظ باستكشافٍ كافٍ..

3/ إعداد خريطة وطنية تحدد أولويات الاستكشاف البحري خلال السنوات المقبلة..

4/ متابعة جميع الاكتشافات ونتائج الحفر في شرق ووسط وغرب البحر المتوسط للاستفادة العلمية منها..

5/ تعزيز جاهزية المؤسسة الوطنية للنفط لاستقطاب الاستثمارات البحرية النوعية عندما تنضج الظروف المناسبة..

​كما أن هذا التطور يعيد التأكيد على أهمية استمرار الاهتمام بالمساحات البحرية الليبية.. بما فيها المناطق التي سبق أن تناولنا أهميتها الاستراتيجية في مقالات سابقة.. باعتبارها تمثل رصيداً سيادياً واقتصادياً للأجيال القادمة، يستحق أن يدار بمنهج علمي بعيد عن المبالغات أو التقليل من أهميته..

​الخلاصة..​

إن ما أعلنت عنه مصر منذ ساعات ليس اكتشافاً تجارياً مؤكداً.. لكنه بلا شك تطور استكشافي مهم يستحق المتابعة..​

أما بالنسبة لليبيا.. فإن الرسالة ليست أن النفط أصبح أقرب أو أبعد.. بل أن المعرفة الجيولوجية في البحر المتوسط تتطور باستمرار، وأن الدول التي تواكب هذا التطور بالعلم والاستثمار والتخطيط هي التي ستكون الأقدر على تحويل إمكاناتها الطبيعية إلى ثروة حقيقية..​

لهذا.. فإن قراءة نتائج (فيلوكس-1X) يجب ألا تكون من منظور المنافسة مع مصر.. بل من منظور تعظيم الفرص الليبية والاستفادة من كل معلومة جديدة تدعم فهم أحواضنا البحرية وتعزز فرص الاستثمار وتحافظ على حقوق ليبيا السيادية.. بما يخدم أمنها الاقتصادي ومستقبل أجيالها..​

في النهاية.. فإن الثروات الطبيعية لا تصنع وحدها قصص النجاح؛ بل تصنعها البيانات الدقيقة والرؤية الاستراتيجية والقرار الرشيد والاستثمار المستدام، وهذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن تستخلصها ليبيا من هذا التطور الإقليمي..

وزارة الاقتصاد تطرح مناقصة لتأسيس مركز بيانات حديث يدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي

أعلن مركز المعلومات والتوثيق الاقتصادي التابع لوزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية عن إطلاق مبادرة استراتيجية لتحديث البنية التحتية المعلوماتية للوزارة، تتضمن إنشاء مركز بيانات متكامل وتطوير شبكات عالية التوفر ونظم تخزين مؤسسية.

​وأوضح المركز أن المبادرة تهدف إلى تعزيز كفاءة خدمات تكنولوجيا المعلومات ودعم خطط التحول الرقمي، بما يتيح استضافة التطبيقات والتقنيات الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتلبية متطلبات العمل المستقبلية.

​ودعا المركز الشركات والموردين المؤهلين إلى تقديم عروضهم الفنية والمالية للحلول الشاملة المطلوبة، مشيرًا إلى أن كراسة المواصفات صُممت وفق معايير المحايدة والمفاضلة العادلة، على أن يكون آخر موعد لتقديم العروض بنهاية دوام يوم الأحد الموافق 13 سبتمبر 2026.

“الشلوي”: الإفصاح والشفافية في ليبيا خلال النصف الأول من 2026.. قراءة مقارنة بين “المركزي والوطنية للنفط”

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

عند تقييم مستوى الإفصاح والشفافية في المؤسسات السيادية، لا يكفي النظر إلى عدد البيانات المنشورة، بل يجب قياس مدى انتظامها واستمراريتها ووضوح محتواها وإمكانية الاستفادة منها لدى النخب وصناع القرار ووسائل الإعلام والرأي العام.

من خلال متابعة البيانات الصادرة خلال النصف الأول من عام 2026، يُلاحظ أن المؤسسة الوطنية للنفط حققت تقدماً واضحاً في انتظام الإفصاح الدوري، إذ واصلت نشر بياناتها الشهرية المتعلقة بالإنتاج والصادرات والإيرادات النفطية والتزويدات الموجهة إلى السوق المحلي ومحطات الكهرباء والمصافي، إلى جانب إصدار توضيحات فنية ومالية عند ظهور أي التباس في بعض الأرقام.

وقد ساعد هذا الانتظام على توفير صورة أقرب إلى الواقع عن نشاط القطاع النفطي، ومكّن المتابع من المقارنة بين الأشهر ورصد تطور الإنتاج والإيرادات وفهم جانب مهم من العلاقة بين ما تنتجه الدولة وما تحققه من موارد مالية.

في المقابل، يظل -ومن المفترض أن يكون- مصرف ليبيا المركزي هو صاحب المنظومة الأوسع من حيث تنوع البيانات، نظراً لما ينشره من مؤشرات نقدية ومصرفية وبيانات عن النقد الأجنبي والتضخم وأوضاع المصارف والمالية العامة، إلا أن اتساع نطاق البيانات لا يعوض دائماً غياب الانتظام في بعض الإصدارات الأساسية، وفي مقدمتها بيان الإيراد والإنفاق العام الذي يمثل الوثيقة الأكثر ارتباطاً باهتمام المواطن والنخب الاقتصادية.

هنا تظهر نقطة التفوق الأساسية للمؤسسة الوطنية للنفط خلال الفترة محل القراءة، فالمؤسسة لم تكن الأوسع اختصاصاً، لكنها كانت الأكثر وضوحاً واستمرارية في الإفصاح عن نشاطها الرئيسي؛ وهذه نقطة مهمة لأن قيمة البيانات لا ترتبط فقط بحجمها أو تنوعها، وإنما بصدورها في موعد منتظم، ووفق نسق يسمح بالمقارنة والمتابعة.

كما أن أهمية إفصاحات المؤسسة لا تقتصر على المختصين في قطاع النفط، لأن النفط يمثل المصدر الرئيسي للدخل العام والنقد الأجنبي في ليبيا، لذلك فإن بيانات الإنتاج والتصدير والإيرادات تهم المواطن بقدر ما تهم الخبير وصاحب القرار، فهي تشكل الحلقة الأولى في فهم الوضع المالي والاقتصادي للدولة.

أما بيانات المصرف المركزي فتمثل الحلقة التالية، لأنها توضح ما تم تحصيله وإيداعه وكيف استُخدمت الموارد وحجم الإنفاق العام، واستخدامات النقد الأجنبي وتأثير ذلك في الاحتياطيات والسيولة والأسعار.

من هنا فإن المقارنة لا تعني وضع المؤسستين في حالة تنافس، لأن لكل منهما اختصاصاً مختلفاً، لكنها تكشف أن المؤسسة الوطنية للنفط بدت خلال النصف الأول من عام 2026 أكثر التزاماً بالإفصاح الدوري المنتظم، في حين احتفظ المصرف المركزي بالتفوق من حيث شمول وتنوع البيانات بحكم تخصصه ومهامه، دون أن يحقق المستوى نفسه من الاستمرارية في بعض البيانات الأساسية.

والتشخيص الأهم هو أن ليبيا لا تعاني من غياب كامل للمعلومات، بل من تشتتها بين جهات متعددة وااختلاف توقيت نشرها وعدم وجود منصة موحدة تربط بين الإنتاج النفطي والإيرادات المحصلة والمبالغ المحالة والإنفاق العام.

فقد تعلن المؤسسة إيرادات تخص شحنات تم تحصيلها خلال شهر معين، بينما تظهر لدى المصرف في فترة لاحقة بسبب فروق التوقيت بين الإنتاج والتصدير والتحصيل والإيداع والتسوية، ولهذا فإن أي مقارنة مباشرة بين أرقام الجهتين يجب أن تراعي هذه الفروق الفنية والمحاسبية قبل إصدار الأحكام.

تتمثل التوصية الأساسية في إنشاء آلية إفصاح مشتركة تضم المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية والمصرف الليبي الخارجي لإصدار بيان شهري مبسط يوضح مسار الإيراد النفطي من الإنتاج والتصدير إلى التحصيل والإيداع والإنفاق.

كما أن من المهم اعتماد مستويات واضحة للإفصاح، تبدأ ببيانات تشغيلية مختصرة، ثم بيانات شهرية موحدة، وتقارير فصلية تحليلية، وتقرير سنوي مدقق يتيح قراءة متكاملة لأداء القطاع النفطي والمالية العامة.

الخلاصة:

إذا كان معيار المقارنة هو اتساع مجالات البيانات، فإن مصرف ليبيا المركزي يمتلك المنظومة الأشمل بطبيعة عمله، أما إذا كان المعيار هو الانتظام والاستمرارية والوضوح في الإفصاح عن النشاط الأساسي، فإن المؤسسة الوطنية للنفط تتقدم بوضوح خلال النصف الأول من عام 2026.

هذا التقدم لا ينبغي النظر إليه باعتباره تفوقاً مؤسسياً شكلياً، بل نموذجاً يمكن البناء عليه وتطويره وصولاً إلى منظومة وطنية تجعل من الممكن تتبع مسار الثروة العامة بوضوح: من البئر، إلى التصدير، إلى المصرف، ثم إلى الخزانة العامة وأوجه الإنفاق.

“الشلوي”: قراءة في أبعاد كشف الغاز الجديد بالصحراء الغربية المصرية

في تعليقه على إعلان وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن تحقيق شركة خالدة للبترول كشفاً جديداً للغاز الطبيعي في الصحراء الغربية، بمعدل إنتاج أولي يبلغ نحو 40 مليون قدم مكعبة يومياً، قال الخبير النفطي والاقتصادي الليبي “عبد المنصف الشلوي” إن هذا الكشف يمثل تطوراً إيجابياً في نشاط الاستكشاف والإنتاج البري في مصر، ويستحق قراءة فنية واقتصادية هادئة تتجاوز الرقم المعلن إلى دلالاته التشغيلية والاستثمارية.

وأوضح “الشلوي” أن معدل إنتاج يبلغ 40 مليون قدم مكعبة يومياً لا يضع الكشف ضمن فئة الحقول العملاقة، إلا أنه يعد نتيجة جيدة ومهمة لبئر برية منفردة، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن القيمة الحقيقية لأي كشف لا تقاس بحجم التدفق فقط، بل أيضاً بسرعة ربطه بالبنية التحتية القائمة وتحويله إلى إنتاج فعلي يصل إلى الشبكة والسوق.

وأضاف أن هذه الكمية تعادل نظرياً نحو 14.6 مليار قدم مكعبة سنوياً، أو ما يقارب 0.41 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وهي كمية يمكن أن تسهم في دعم إمدادات محطات الكهرباء والقطاع الصناعي، وتخفيف جزء محدود من احتياجات السوق المصرية، دون أن تمثل بمفردها تحولاً جذرياً في ميزان الغاز المصري أو الإقليمي.

وأشار إلى أن القيمة الاقتصادية الإجمالية النظرية لهذه الكمية قد تتراوح، بحسب أسعار الغاز وآليات التسعير، بين عشرات الملايين وما يزيد على مئة مليون دولار سنوياً، قبل احتساب تكاليف التشغيل والمعالجة وحصص الشركاء والالتزامات المالية والضريبية، وهو ما يؤكد أن حتى الاكتشافات المتوسطة يمكن أن تحقق أثراً اقتصادياً مهماً إذا جرى تطويرها بكفاءة وفي توقيت مناسب.

مدى صلة هذا الكشف النفطي بالحدود الليبية

وفيما يتعلق بموقع الكشف وصلته بالحدود الليبية، أكد “الشلوي” أن الإحداثيات الدقيقة للبئر لم تُنشر بصورة رسمية حتى الآن، ومن ثم لا يجوز فنياً أو مهنياً ربط هذا الكشف بأي امتداد داخل الأراضي الليبية أو القول إنه يقع بمحاذاة الحدود دون بيانات موثقة.

وأوضح أن من المهم التمييز بين مفهوم الحدود الاقتصادية البحرية وبين الحدود البرية الدولية؛ فالمنطقة الاقتصادية الخالصة ترتبط بالمجالات البحرية، أما في الصحراء بين ليبيا ومصر فهناك حدود برية دولية، وتخضع الموارد الطبيعية الواقعة داخل كل دولة لسيادتها، ما لم تثبت الدراسات الجيولوجية والفنية وجود مكمن هيدروكربوني واحد ممتد عبر الحدود.

وأضاف أن مجرد وجود أحواض رسوبية أو تراكيب جيولوجية متشابهة على جانبي الحدود لا يعني تلقائياً وجود مكمن مشترك أو أن إنتاج بئر في إحدى الدول يؤثر في موارد الدولة الأخرى، إذ إن إثبات ذلك يتطلب بيانات سيزمية، وسجلات آبار، ودراسات ضغط، وتحليلات بتروفيزيائية، وقرائن على وجود اتصال هيدروديناميكي مباشر داخل المكمن نفسه.

وأكد “الشلوي” أن الكشف لا يحمل أثراً مالياً مباشراً على الدولة الليبية، ولا يمثل تهديداً لمواردها أو حقوقها، لكنه يقدم في المقابل مجموعة من الدروس الفنية والاقتصادية المهمة التي تستحق الاهتمام من النخب الليبية وصناع القرار في قطاع الطاقة.

وبيّن أن أول هذه الدروس يتمثل في أن الأحواض الرسوبية الناضجة لا تزال قادرة على تقديم اكتشافات تجارية جديدة، خصوصاً عند إعادة معالجة البيانات الزلزالية القديمة، واستخدام تقنيات تفسير أكثر تطوراً، واستهداف طبقات أعمق لم تكن محل اهتمام كافٍ في مراحل سابقة.

وأضاف أن الدرس الثاني يتعلق بأهمية البنية التحتية القائمة، لأن قرب الكشف من خطوط التجميع والمعالجة والنقل يختصر زمن التطوير ويخفض التكلفة، ويجعل الانتقال من مرحلة الاكتشاف إلى الإنتاج أسرع وأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.

وأشار إلى أن الدرس الثالث يتمثل في أن نجاح صناعة الغاز لا يعتمد فقط على انتظار الحقول العملاقة، وإنما على تراكم سلسلة من الاكتشافات الصغيرة والمتوسطة، وربطها بالتسهيلات القائمة، بما يسهم في تعويض التناقص الطبيعي في الحقول المنتجة والمحافظة على استقرار الإمدادات.

ليبيا تمتلك إمكانات واعدة تحتاج إلى تحويلها لآبار منتجة

وأوضح “الشلوي” أن ليبيا تمتلك بدورها إمكانات واعدة في أحواض سرت ومرزق وغدامس، فضلاً عن المناطق البحرية، كما تمتلك فرصاً مهمة في تطوير الغاز الحر والغاز المصاحب، وخفض معدلات حرق الغاز، ورفع كفاءة عمليات التجميع والمعالجة والاستفادة من الموارد القريبة من البنية التحتية الحالية.

وأكد أن ليبيا لا تحتاج فقط إلى الإعلان عن حجم احتياطياتها أو إمكاناتها الجيولوجية، بل إلى تحويل هذه الإمكانات إلى احتياطيات مثبتة، ثم إلى مشروعات ممولة وآبار منتجة وكميات تصل فعلياً إلى محطات الكهرباء والمصانع وشبكات التصدير.

وأضاف أن الكمية المصرية المعلنة، رغم محدوديتها على مستوى دولة، يمكنها نظرياً دعم قدرة كهربائية تقدر بمئات الميغاوات بحسب كفاءة محطات التوليد والقيمة الحرارية للغاز، وهو ما يبرز أهمية كل قدم مكعبة من الغاز عندما تُوظف بكفاءة في قطاع الكهرباء بدلاً من فقدانها أو تأخير الاستفادة منها.

واختتم “الشلوي” تصريحه بالقول: “إن هذا الكشف لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية المقارنة أو القلق، بل من زاوية فنية واقتصادية موضوعية. فنجاح أي دولة مجاورة في تحويل كشف غازي إلى إنتاج سريع هو مؤشر إيجابي لصناعة الطاقة في المنطقة، كما أنه يذكرنا بأن القيمة الحقيقية للموارد لا تتحقق بوجودها في باطن الأرض فقط، وإنما بقدرة المؤسسات على استكشافها وتطويرها وربطها بالسوق بكفاءة وسرعة واستمرارية. وهذه رسالة مهمة لليبيا، التي تمتلك إمكانات كبيرة وتحتاج إلى مواصلة الاستثمار في الاستكشاف وتطوير الغاز والبنية التحتية وتعظيم الاستفادة من كل مورد متاح“.

مصرف ليبيا المركزي يعلن إطلاق استراتيجية جديدة لتوزيع السيولة بدءاً من أغسطس

أعلن مصرف ليبيا المركزي عن قُرب إطلاق استراتيجية جديدة لتوزيع السيولة النقدية عبر كافة فروع ووكالات المصارف التجارية في جميع مناطق ليبيا شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وذلك بعد ورود كميات من العملة الجديدة بشكل منتظم والمطبوعة بمواصفات أمنية وجودة عالية غير قابلة للتزييف.

​وأضاف المصرف المركزي بأنه سيشرع في توفير السيولة بدءاً من مطلع شهر أغسطس القادم لتستمر في التوافر عبر شبابيك فروع المصارف وماكينات الصرف الآلي “ATM” بأسقف تُلبي احتياجات المواطنين من النقد الورقي.

مسؤول بالمركزي لـ”تبادل”: مبيعات العملة الأجنبية للمصارف بلغت 15.7 مليار دولار حتى اليوم

كشف مسؤول بمصرف ليبيا المركزي لـ”تبادل” بأن إجمالي ما تم بيعه من عملة أجنبية للمصارف التجارية حتى تاريخ اليوم وصل إلى نحو 15.7 مليار دولار، خصص منها 10.7 مليار دولار للاعتمادات والحوالات وبطاقات صغار التجار، إضافة إلى خمسة مليارات دولار للأغراض الشخصية.

وأضاف بأن مصرف ليبيا المركزي قد منح موافقات على طلبات الاعتمادات المستندية والحوالات بقيمة تقارب 3.5 مليار دولار، سيتم بيعها للمصارف خلال الفترة القادمة، ليصل حجم الطلب المستلم من المصرف المركزي للاعتمادات والحوالات نحو 14 مليار دولار، وهذا سيغطي احتياجات السوق للأشهر القادمة.

وأشار إلى أن مصرف ليبيا المركزي سيواصل بيع العملة الأجنبية للمصارف التجارية لكافة الأغراض، لتوفير كافة احتياجات السوق المحلي من السلع، وذلك بهدف احتواء الطلب المتراكم واستقرار السوق من حيث أسعار العملة وتوافر السلع بجميع أصنافها.

“أبوشيحة” يبحث مع قيادات مجلس أصحاب الأعمال بالمنطقة الشرقية تنظيم السوق وتحفيز الاستثمار

بحث وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية “سهيل أبوشيحة” في اجتماع موسع بمقر ديوان الوزارة بطرابلس مع قيادات مجلس أصحاب الأعمال الليبيين بالمنطقة الشرقية، آليات تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتطوير التشريعات والسياسات الاقتصادية بما يواكب متطلبات المرحلة.

وتناول الاجتماع إيجاد آلية تواصل مباشر ونقل التحديات والمقترحات بفاعلية، لرفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي وخلق فرص العمل، واستعراض قرار مجلس الوزراء رقم (81) لسنة 2025 بشأن لائحة دعم وضمان تمويل الشركات الناشئة الابتكارية ورعاية رواد الأعمال، ومناقشة قرار وزير الاقتصاد بشأن ضوابط عمل الوكالات التجارية الأجنبية وتعزيز الشفافية في السوق.

​وأكد الوزير في ختام اللقاء حرص الوزارة على مواصلة تطوير الأطر التشريعية والاستماع لمجتمع الأعمال، لترسيخ شراكة حقيقية ترفع من تنافسية الاقتصاد الوطني.

“الشلوي”: الغاز الطبيعي.. الرهان الاستراتيجي الذي قد يعيد رسم مستقبل الاقتصاد الليبي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

​في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في أسواق الطاقة، لم يعد النفط وحده معيار القوة الاقتصادية للدول المنتجة، بل أصبح الغاز الطبيعي أحد أهم عناصر الأمن الاقتصادي والجيوسياسي، وأحد أبرز أدوات تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز أمن الطاقة. ومن هذا المنطلق، فإن انعقاد النسخة الثانية من ورشة العمل الخاصة باستراتيجية تطوير مشاريع الغاز الطبيعي في ليبيا يمثل أكثر من مجرد فعالية فنية؛ فهو يعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة تموضع ليبيا ضمن خريطة الطاقة الإقليمية والدولية.

لقد أثبتت التطورات الدولية خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما منذ أزمة الطاقة الأوروبية، أن الغاز الطبيعي سيظل الوقود الانتقالي الأكثر أهمية خلال العقدين المقبلين، حتى مع التوسع في الطاقة المتجددة. ولهذا، أصبحت الدول التي تمتلك احتياطيات غازية وبنية تحتية مناسبة تحظى باهتمام متزايد من الأسواق والمستثمرين وشركات الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، تمتلك ليبيا فرصة استثنائية؛ فهي تجمع بين الاحتياطيات الكبيرة، والموقع الجغرافي القريب من أوروبا، والبنية التحتية القائمة، وفي مقدمتها خط Greenstream الرابط مع إيطاليا، إضافة إلى خبرة تشغيلية تراكمت على مدى عقود، وشراكات راسخة مع شركات دولية كبرى.

إن هذه المقومات تمنح ليبيا أفضلية تنافسية لا تقتصر على التصدير، بل تمتد إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

فالغاز الطبيعي هو الوقود الرئيسي لمحطات الكهرباء الحديثة، وهو المادة الخام للصناعات البتروكيماوية والأسمدة والحديد والصلب والإسمنت والزجاج وغيرها من الصناعات التحويلية، ما يعني أن كل وحدة غاز يتم استثمارها محلياً تحقق قيمة اقتصادية مضافة تفوق بكثير تصديرها كمادة خام، وتسهم في خلق فرص عمل، وتحفيز الاستثمار، وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن التوسع في مشاريع الغاز يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود السائل في إنتاج الكهرباء، ويخفض تكاليف التشغيل، ويحد من استيراد بعض المشتقات النفطية، ويحسن كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، وهو ما ينعكس إيجاباً على الميزانية العامة وميزان المدفوعات.

كما أن تطوير قطاع الغاز يمثل أحد أهم مفاتيح تعزيز أمن الطاقة الوطني. فالاستقرار في إمدادات الغاز يعني استقراراً في إنتاج الكهرباء، وانخفاضاً في احتمالات الانقطاعات، ودعماً لقدرة الاقتصاد على النمو، وهو ما يجعل الاستثمار في الغاز استثماراً في استقرار الدولة نفسها.

ومن القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً، استمرار الجهود الرامية إلى خفض حرق الغاز المصاحب وتقليل انبعاثات غاز الميثان. فهذا الملف لا يقتصر على البعد البيئي، بل يحمل بعداً اقتصادياً واضحاً؛ إذ إن كل كمية من الغاز يتم استردادها بدلاً من حرقها تمثل مورداً إضافياً يمكن توجيهه إلى محطات الكهرباء أو الصناعات المحلية أو التصدير، بما يحقق عائداً اقتصادياً ويحافظ في الوقت ذاته على البيئة، ويعزز التزام ليبيا بالمبادرات الدولية لخفض الانبعاثات.

وقد سبق أن أكدت في أكثر من مناسبة أن الوصول إلى هدف «صفر حرق روتيني للغاز بحلول عام 2030» ليس مجرد التزام دولي، بل يمثل مشروعاً وطنياً يعزز كفاءة استغلال الموارد، ويرفع القيمة الاقتصادية للقطاع، ويواكب أفضل الممارسات العالمية في صناعة النفط والغاز.

كما أن تطوير الغاز لا يعتمد على توفر الاحتياطيات وحدها، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل التمويل، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والاستقرار التشريعي، والحوكمة، وبيئة استثمارية قادرة على جذب رؤوس الأموال ونقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا.

وفي هذا الإطار، فإن استمرار التعاون مع الشركات العالمية يعد عاملاً مهماً في تسريع تنفيذ المشاريع، وتطوير الكفاءات الوطنية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما يعزز تنافسية القطاع الليبي ويزيد من قدرته على تنفيذ المشاريع الكبرى بكفاءة.

ومن منظور استراتيجي أوسع، فإن الغاز أصبح اليوم أحد أدوات السياسة الاقتصادية والعلاقات الدولية. فالدول التي تمتلك قدرة على إنتاج وتصدير الغاز بصورة مستقرة تحظى بأهمية متزايدة في معادلات أمن الطاقة، خصوصاً في منطقة البحر المتوسط، التي أصبحت إحدى أهم مناطق المنافسة والتعاون في قطاع الغاز.

ومن هنا، فإن تطوير مشاريع الغاز في ليبيا لا يخدم الاقتصاد الوطني فحسب، بل يعزز أيضاً مكانة الدولة كشريك موثوق في منظومة الطاقة الإقليمية، ويفتح آفاقاً أوسع للاستثمار والتعاون مع الأسواق الأوروبية والدولية.

كما أن هذا التوجه يتكامل مع المشاريع الجاري تنفيذها في البحر واليابسة، ويواكب خطط رفع إنتاج الغاز خلال السنوات المقبلة، بما يعزز قدرة ليبيا على تلبية الطلب المحلي المتزايد، ودعم خطط زيادة إنتاج النفط، وتوسيع الصادرات، وتعظيم العوائد الاقتصادية.

وفي تقديري، فإن نجاح استراتيجية تطوير مشاريع الغاز لن يُقاس فقط بزيادة الإنتاج، وإنما بقدرتها على تحويل الثروة الغازية إلى قيمة اقتصادية مضافة، وبناء صناعات جديدة، وتحقيق أمن الطاقة، وتعزيز الاستدامة البيئية، ورفع مساهمة القطاع في التنمية الاقتصادية الشاملة.

إن ليبيا تمتلك اليوم فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كأحد أهم منتجي الغاز في جنوب المتوسط، مستفيدة من مواردها الطبيعية، وموقعها الجغرافي، وشراكاتها الدولية، وخبراتها الوطنية. ويبقى الرهان الحقيقي هو الاستمرار في تنفيذ المشاريع وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على الكفاءة والحوكمة والاستدامة وتعظيم القيمة المضافة.

فالغاز الطبيعي لم يعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبح ركيزة للأمن الاقتصادي، ومحركاً للتنمية الصناعية، وأداة لتعزيز الاستقرار، وجسراً يربط بين موارد ليبيا الطبيعية وطموحاتها في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة في عالم تتغير فيه موازين الطاقة بوتيرة متسارعة.