“الشلوي”: لماذا تحتاج ليبيا إلى عودة الشركات النفطية الأميركية الكبرى؟
كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”
من يتابع تاريخ الصناعة النفطية الليبية يدرك أن العلاقة بين ليبيا والشركات الأميركية لم تكن في يوم من الأيام علاقة عابرة أو هامشية، بل يمكن القول إن جزءاً مهماً من البنية الحديثة للقطاع النفطي الليبي تشكل في الأصل عبر الخبرة والتكنولوجيا والاستثمارات التي قادتها الشركات الأميركية منذ بدايات اكتشاف النفط الليبي في ستينيات القرن الماضي.
فشركات مثل “كونوكو فيليبس”، و”أوكسيدنتال بتروليوم”، و”ماراثون أويل”، و”هيس كوربورايشن”، لم تكن مجرد شركات تشغيل تقليدية داخل ليبيا، بل كانت جزءاً من مرحلة تأسيسية كاملة للصناعة النفطية الليبية الحديثة؛ سواء من حيث تطوير الحقول، أو بناء الكفاءات، أو إدخال التقنيات، أو إنشاء نماذج الإدارة والتشغيل التي سمحت لاحقاً بتحول ليبيا إلى أحد أهم منتجي النفط في أفريقيا والمتوسط.
كما أنه بالرغم من أن الحضور الأوروبي ظل بعد ذلك أكثر استمرارية، خصوصاً عبر إيني الإيطالية، وتوتال إنرجيز الفرنسية، وبي بي البريطانية، فإنني أعتقد أن المرحلة القادمة تفرض على ليبيا إعادة النظر بجدية في أهمية استعادة الحضور الأميركي الكبير داخل قطاع الطاقة الليبي؛ ليس بدافع سياسي ضيق، بل من منطلق وطني واقتصادي وتقني واستراتيجي طويل الأجل.
المسألة ليست نفطاً فقط
الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو النظر إلى الشركات النفطية باعتبارها مجرد مستثمرين يبحثون عن الربح والإنتاج، لكن في الواقع أصبحت الشركات النفطية العملاقة أدوات تأثير جيوسياسي وتكنولوجي ومالي تتجاوز بكثير فكرة استخراج النفط الخام.
لذلك، عندما نتحدث عن الشركات الأميركية بشكل محدد، فنحن لا نتحدث فقط عن شركات ذات ملاءة مالية ضخمة، بل عن منظومة كاملة تشمل:
التكنولوجيا المتقدمة.
إدارة المشاريع العملاقة.
القدرات التمويلية.
مراكز البحث والتطوير.
شبكات الخدمات النفطية.
النفوذ داخل الأسواق العالمية للطاقة.
العلاقة غير المباشرة مع مراكز القرار الأميركية والدولية.
لهذا فإن وجود هذه الشركات داخل ليبيا لا ينعكس فقط على الإنتاج النفطي، بل على موقع ليبيا نفسه داخل منظومة الطاقة العالمية.
لماذا أرى أن ليبيا تحتاج الشركات الأميركية اليوم؟
أولاً: لأن ليبيا تدخل مرحلة نفطية أكثر تعقيداً تقنياً
النفط الليبي تاريخياً كان من أسهل أنواع النفط إنتاجاً وأقلها تكلفة على المستوى العالمي، لكن المرحلة القادمة لن تكون بنفس البساطة، فالعديد من الحقول الليبية الكبرى أصبحت حقولاً ناضجة تحتاج إلى:
رفع معامل الاستخلاص.
إعادة تأهيل المكامن.
إدارة ذكية للإنتاج.
تقنيات متقدمة للحفاظ على الضغط.
تطوير البنية التحتية المتهالكة.
الاستثمار في الغاز المصاحب وغير المصاحب.
التوسع في المناطق البحرية والاستكشافات المعقدة.
هنا تظهر الأهمية الحقيقية للشركات الأميركية لأنها ما تزال تقود عالمياً التكنولوجيا النفطية الأكثر تقدماً، سواء في الاستخلاص المعزز، الحفر الأفقي، المكامن المعقدة، الرقمنة والذكاء الاصطناعي، إدارة البيانات الجيولوجية، وتطوير الغاز البحري. علماً بأن هذه ليست رفاهية تقنية، بل ضرورة حقيقية إذا أرادت ليبيا الحفاظ على طاقتها الإنتاجية خلال العقود القادمة.
ثانياً: لأن ليبيا تحتاج إلى تنويع الشركاء لا الارتهان لمحور واحد
خلال السنوات الماضية أصبح قطاع الطاقة الليبي أقرب بصورة كبيرة إلى النفوذ الأوروبي، خصوصاً الإيطالي، وهذا أمر مفهوم بحكم الجغرافيا والتاريخ وخطوط الغاز والأسواق التقليدية. لكن من منظور استراتيجي، لا أرى أن من مصلحة ليبيا أن يبقى قطاعها النفطي مرتبطاً بمحور دولي واحد فقط. فكلما توسعت دائرة الشركاء الكبار داخل ليبيا، ارتفع مستوى التوازن، وتحسنت القدرة التفاوضية، وزادت المنافسة التقنية والمالية، وتراجعت فرص الاحتكار السياسي أو الاقتصادي، وأصبحت ليبيا أكثر قدرة على المناورة دولياً. من هنا، فإن عودة الشركات الأميركية ليست موجهة ضد الأوروبيين، بل ضرورية لإعادة التوازن داخل قطاع يمثل شريان الاقتصاد الليبي بالكامل.
ثالثاً: لأن الشركات الأميركية تتحرك بمنطق استراتيجي طويل الأجل
إذا نظرنا إلى تحركات الشركات الأميركية اليوم، سنلاحظ أنها عادت بقوة إلى أقاليم الطاقة القريبة من أوروبا، مثل شرق المتوسط، مصر، قبرص، والخليج وشمال أفريقيا. كما أنه من المعلوم أن شركات مثل شيفرون وإكسون موبيل لم تعد تنظر إلى المتوسط باعتباره مجرد منطقة ثانوية، بل باعتباره جزءاً من معادلة الطاقة العالمية الجديدة بعد الحرب الأوكرانية والتحولات الجيوسياسية الكبرى.
بطبيعة الحال، هذا مهم جداً بالنسبة لليبيا لأنها تمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، والموقع الجغرافي الاستثنائي، والقرب المباشر من أوروبا، واحتياطات الغاز غير المستغلة بالكامل، وسواحل واسعة ما تزال أقل استكشافاً مقارنة بشرق المتوسط. أي أن ليبيا تملك كل المقومات لتكون جزءاً رئيسياً من منظومة الطاقة المتوسطية الجديدة، لكن ذلك يحتاج إلى شركات قادرة على التفكير الاستراتيجي وليس فقط تشغيل الحقول التقليدية.
المقارنة مع الشركات الأوروبية
أنا لا أقلل على الإطلاق من أهمية الشركات الأوروبية، بل إن بعضها يمتلك خبرة تاريخية عميقة داخل ليبيا، لكن هناك فرق مهم: الشركات الأوروبية في الغالب ما تتحرك وفق احتياجات السوق الأوروبية المباشرة، بينما الشركات الأميركية تتحرك عادة بمنطق عالمي أوسع يرتبط بإعادة تشكيل خرائط الطاقة والنفوذ. كما أن بعض الشركات الأوروبية أصبحت أكثر تحفظاً استثمارياً بسبب التحول الطاقوي، الضغوط البيئية، القيود السياسية داخل أوروبا، وتراجع شهية الاستثمار طويل الأجل في النفط التقليدي. بينما ما تزال الشركات الأميركية أكثر استعداداً للدخول في المشاريع الكبرى طويلة الأمد عندما ترى جدوى استراتيجية واضحة.
الجانب السياسي الذي لا يجب تجاهله
في عالم الطاقة لا يوجد استثمار نفطي منفصل بالكامل عن السياسة. والواقع أن وجود شركات أميركية كبرى داخل ليبيا قد يخلق اهتماماً أميركياً أكبر باستقرار ليبيا، وحماية أكبر لاستمرارية الإنتاج، وضغطاً دولياً أقل تجاه تعطيل القطاع النفطي، وانخراطاً أعمق للمؤسسات المالية والاستثمارية العالمية. لكنني هنا لا أدعو إلى تسييس النفط أو الارتهان لأي دولة، بل إلى استخدام التوازنات الدولية لصالح المصلحة الوطنية الليبية؛ فالسياسة الناجحة في قطاع الطاقة ليست أن تنحاز لمحور واحد، بل أن تجعل الجميع يملك مصلحة في استقرار ليبيا.
الخلاصة
بصفتي أؤمن بأن النفط والغاز ليسا مجرد ثروة خام بل أدوات سيادة وتنمية واستقرار، فأنا أرى أن إعادة توسيع حضور الشركات الأميركية الكبرى داخل ليبيا يجب أن ينظر إليه كجزء من رؤية وطنية طويلة الأجل لإعادة بناء قطاع الطاقة الليبي على أسس أكثر توازناً وتطوراً وقدرة على المنافسة.
ليبيا لا تحتاج فقط إلى شركات تنتج النفط، بل إلى شركاء قادرين على نقل التكنولوجيا، تطوير الغاز، تحديث البنية التحتية، بناء الكفاءات، فتح قنوات التمويل والاستثمار، وربط ليبيا بخريطة الطاقة العالمية الجديدة. وفي اعتقادي، فإن التوازن بين الحضور الأوروبي التقليدي والحضور الأميركي المتجدد قد يكون أحد أهم المفاتيح التي تسمح لليبيا بالتحول من مجرد دولة منتجة للنفط إلى دولة تمتلك موقعاً استراتيجياً مؤثراً داخل معادلة الطاقة في المتوسط والعالم.
