Skip to main content

الوسم: رئيسي

“الشلوي”: السيادة البحرية الليبية.. من تثبيت الحقوق إلى بناء تسوية عادلة في شرق المتوسط

كتب: د. عبد المنصف الشلوي — الخبير النفطي والاقتصادي

إن التعامل مع ملف الحدود البحرية الليبية في شرق البحر الأبيض المتوسط لا ينبغي أن يُختزل في سجال سياسي عابر، أو أن يُقاس بمدى التقارب مع هذه الدولة أو الاختلاف مع تلك؛ فهو ملف يرتبط بالسيادة الوطنية، ومستقبل الموارد الطبيعية، وحقوق الأجيال القادمة، ومكانة ليبيا في معادلات الطاقة والاقتصاد الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، أرى أن مصادقة مجلس النواب الليبي، في 20 أكتوبر 2026، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019 تمثل تطورًا مهمًا في مسار هذا الملف، وتأكيدًا على ضرورة أن تكون لليبيا رؤية واضحة ومؤسساتية في الدفاع عن مصالحها البحرية، بدلاً من ترك هذه المساحة الاستراتيجية لتفاهمات إقليمية تتشكل دون حضور ليبي فاعل. وقد أثارت هذه الخطوة اعتراضات يونانية ومواقف رافضة من أطراف إقليمية أخرى، وهو ما يؤكد أن الملف يتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين طرابلس وأنقرة.

أولاً: ملف قديم لا خلاف وُلد مع الاتفاقية التركية

من المهم تصحيح الانطباع القائل إن الخلافات البحرية الليبية مع اليونان بدأت بتوقيع مذكرة التفاهم مع تركيا. فالمسألة أقدم من ذلك، وترتبط بتباين المطالبات البحرية، وبالتطورات التي شهدتها المنطقة منذ عقود، ثم بتسارع الاهتمام الدولي باكتشافات الغاز الطبيعي وإقامة مشروعات الربط والتصدير في شرق المتوسط.

وقد شهدت المنطقة اتفاقيات لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، وتشكّلت أطر إقليمية للتعاون في مجال الغاز، من بينها منتدى غاز شرق المتوسط الذي أُعلن تأسيسه عام 2019، فضلاً عن مشروعات طموحة لنقل الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

وفي خضم هذه التحولات، ظلت ليبيا بحاجة إلى استكمال رؤيتها التفاوضية البحرية، وتحديد مصالحها بصورة أكثر وضوحًا، بما يتناسب مع طول ساحلها وموقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية المحتملة.

وليس المقصود من استعراض هذه المحطات توجيه الاتهام إلى أي دولة، وإنما استخلاص درس استراتيجي واضح: إن غياب الدولة عن طاولة التفاوض لا يحمي حقوقها، وإن تأخرها في بناء موقف قانوني وفني متكامل قد يحدّ من قدرتها على التأثير في الترتيبات الإقليمية.

ثانيًا: ماذا تعني المصادقة البرلمانية بالنسبة إلى ليبيا؟

إن أهمية المصادقة على مذكرة التفاهم لا تكمن فقط في بعدها السياسي، بل في كونها تعزز الموقف الليبي في إطار العلاقة التعاقدية مع تركيا، وتؤكد أن ملف الحدود البحرية يجب أن يحظى باهتمام المؤسسات التشريعية والتنفيذية والفنية المختصة.

لكن الموضوعية تقتضي التمييز بين نفاذ الاتفاقية بين طرفيها وبين مدى الاحتجاج بها في مواجهة الدول الأخرى. فالمصادقة الليبية، مهما كانت أهميتها، لا تعني وحدها أن جميع الاعتراضات القانونية قد حُسمت، أو أن حقوق الدول الأخرى قد سقطت، أو أن ترسيم الحدود البحرية أصبح نهائيًا في مواجهة أطراف ثالثة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية العمل القانوني والدبلوماسي المتكامل؛ فالدفاع عن الحقوق لا يكون بالشعارات، بل بملفات فنية دقيقة، وإحداثيات مدروسة، وحجج قانونية تستند إلى قواعد القانون الدولي، وقدرة على إدارة التفاوض بثقة ومسؤولية.

ومن ثم، فإنني أرى أن الخطوة البرلمانية ينبغي أن تكون بداية لمسار وطني متكامل، لا نهاية للملف.

ثالثًا: مصر الشقيقة.. الاختلاف في المصالح لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف في العلاقات

وفي هذا السياق، من الضروري التأكيد على احترام جمهورية مصر العربية الشقيقة، قيادةً وشعبًا، وتقدير الروابط التاريخية والجغرافية والاقتصادية التي تجمع البلدين.

إن اختلاف وجهات النظر بشأن الحدود البحرية لا ينبغي أن يُفسَّر باعتباره خصومة بين الشعبين، ولا أن يتحول إلى مادة للمزايدات أو التجريح. فمصر دولة معنية بمصالحها البحرية والاقتصادية، وليبيا كذلك، ومن الطبيعي أن تسعى كل دولة إلى حماية حقوقها وفق ما تراه من اعتبارات قانونية واستراتيجية.

وقد وقّعت مصر واليونان اتفاقًا لترسيم جزء من مناطقهما الاقتصادية الخالصة عام 2020، في سياق التنافس على تحديد الحقوق البحرية في شرق المتوسط. وهذا واقع يستوجب من ليبيا التعامل معه بمقاربة قانونية وفنية واضحة، بعيدًا عن الانفعال أو افتراض النيات.

والأجدر بالبلدين الشقيقين أن ينظرا إلى هذا الملف باعتباره فرصة لتعزيز الحوار والتعاون، لا سببًا لإضعاف العلاقات الثنائية. فالمصالح المشتركة بين ليبيا ومصر في التجارة والطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي أكبر من أن تُختزل في خلاف قابل للمعالجة عبر التفاوض.

رابعًا: القانون الدولي هو الإطار الذي ينبغي أن يجمع الجميع

إن ترسيم الحدود البحرية ليس مسألة تُحسم بمجرد إعلان موقف سياسي، أو بتبني تفسير منفرد للخريطة الجغرافية؛ بل هو عملية قانونية وفنية تراعي طبيعة السواحل، والمسافات، والحقوق البحرية ذات الصلة، والظروف الجغرافية الخاصة، ومبدأ التوصل إلى حل منصف.

وتوفر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 إطارًا مهمًا في هذا المجال. فالمادتان 74 و83 تتناولان ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتلاصقة، وتؤكدان ضرورة التوصل إلى حل منصف.

كما تنظم الاتفاقية سبل تسوية المنازعات، بما في ذلك الوسائل القضائية والتحكيمية، وفق شروط الاختصاص والالتزامات القانونية المنطبقة على الأطراف المعنية.

ومن المهم هنا عدم الخلط بين أحكام الاتفاقية وبين انطباقها التعاهدي على كل دولة؛ فالدول التي ليست أطرافًا فيها لا تُلزم تلقائيًا بجميع أحكامها لمجرد ورودها في الاتفاقية، مع مراعاة ما قد يكون لبعض القواعد من صفة عرفية في القانون الدولي.

ومع ذلك، فإن ليبيا تستطيع أن تتبنى مبادرة سياسية وقانونية أوسع من الحد الأدنى للالتزامات، وأن تدعو جميع الدول المعنية إلى اعتماد مبادئ الاتفاقية مرجعًا مشتركًا للتفاوض، وإلى الالتزام بما يتم الاتفاق عليه في إطار تسوية متبادلة ومتوازنة.

وهذا في تقديري يعزز موقف ليبيا، لأنه ينقل النقاش من تبادل الاعتراضات إلى اختبار الحجج القانونية والفنية على طاولة واحدة.

خامسًا: شرق المتوسط ليس مجرد خريطة.. بل مستقبل اقتصادي

من منظور نفطي واقتصادي، فإن القيمة الحقيقية لهذا الملف تتجاوز مسألة تحديد خطوط على الخرائط. فشرق المتوسط أصبح منطقة تتقاطع فيها اكتشافات الغاز، ومشروعات الاستكشاف البحري، وخطوط الأنابيب، وممرات النقل، ومصالح الشركات الدولية والأسواق الأوروبية.

وليبيا، بما تمتلكه من موقع استراتيجي على جنوب المتوسط، وخبرة طويلة في صناعة النفط والغاز، وإمكانات تستحق مزيدًا من التقييم والاستكشاف، ينبغي أن تعمل على تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

وهذا يتطلب تطوير البيانات الجيولوجية والبحرية، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، وتهيئة بيئة قانونية مستقرة للاستثمار، وتطوير الشراكات التقنية والمالية مع الشركات الدولية، بما يضمن تعظيم العائد الوطني من أي موارد تثبت جدواها التجارية.

كما أن وضوح الحدود البحرية، متى جرى التوصل إليه بصورة قانونية ومستقرة، من شأنه أن يحد من المخاطر المرتبطة بالاستثمار والاستكشاف، ويعزز الثقة في المشروعات طويلة الأجل.

وبالتالي، فإن حماية السيادة البحرية ليست غاية رمزية فحسب؛ إنها جزء من حماية فرص التنمية، وتنويع الاقتصاد، وتوسيع قاعدة الإيرادات الوطنية، وخلق فرص عمل للأجيال الليبية القادمة.

سادسًا: المبادرة الليبية المطلوبة.. من الاعتراض إلى التفاوض الشامل

أعتقد أن أفضل مسار يمكن أن تتبناه ليبيا في المرحلة المقبلة هو البناء على المصادقة البرلمانية، من خلال مبادرة دبلوماسية متوازنة تدعو الدول المعنية بملف الحدود البحرية في شمال شرق المتوسط إلى حوار جاد، يهدف إلى الوصول إلى ترسيم عادل ومنصف، يحفظ الحقوق المشروعة للجميع.

ويمكن أن تتضمن هذه المبادرة الخطوات الآتية:

  1. تشكيل فريق وطني متخصص يضم خبراء في القانون الدولي للبحار، والجغرافيا البحرية، والمساحة والهيدروغرافيا، والطاقة والاقتصاد، يتولى إعداد ملف ليبي متكامل يستند إلى الخرائط والإحداثيات والدراسات الفنية والقانونية.
  2. دعوة الدول المعنية إلى مفاوضات مباشرة ومتعددة الأطراف، عند الاقتضاء، مع إمكان الاستعانة بخبراء مستقلين أو بوساطة دولية مقبولة، دون التفريط في الحقوق الليبية أو افتراض نتيجة مسبقة للمفاوضات.
  3. اعتماد مبادئ اتفاقية قانون البحار لعام 1982 مرجعًا تفاوضيًا مشتركًا، حتى بالنسبة إلى الدول التي ليست أطرافًا فيها، متى وافقت على ذلك، وبما لا ينتقص من القواعد العرفية الواجبة التطبيق أو من الحقوق القانونية القائمة.
  4. النظر في التوقيع على اتفاق إطاري مشترك تلتزم بموجبه الدول المشاركة بالمبادئ والإجراءات التي تتفق عليها لتسوية الخلافات، وبالامتناع عن أي خطوات تصعيدية من شأنها تعقيد المفاوضات، مع احترام الحقوق والالتزامات القانونية لكل طرف.
  5. العمل على التوصل إلى ترتيبات مؤقتة وعملية عند الحاجة، مثل التعاون الفني أو تنظيم بعض الأنشطة البحرية باتفاق الأطراف المعنية، دون أن يُفهم ذلك تنازلاً عن المطالبات أو حسمًا نهائيًا للحدود.
  6. إبقاء خيارات التسوية القانونية مفتوحة، بما فيها التوفيق والتحكيم والقضاء الدولي، وفق شروط الاختصاص وموافقة الأطراف أو الأسس القانونية التي تتيح اللجوء إلى كل مسار.

إن مثل هذه المبادرة ستُظهر ليبيا باعتبارها دولة تدافع عن مصالحها بثقة، لكنها في الوقت ذاته تؤمن بالحوار، وتحترم القانون، وتسعى إلى الاستقرار الإقليمي بدلاً من تأجيج النزاعات.

الخلاصة: السيادة مسؤولية.. والحقوق تحتاج إلى إدارة

إن مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم البحرية الليبية التركية تمثل محطة مهمة في مسار ملف استراتيجي لا يجوز التعامل معه بالتجاهل أو التبسيط. وهي خطوة ينبغي أن تتبعها أعمال مؤسسية وفنية ودبلوماسية تضمن أن يتحول الموقف الليبي إلى قوة تفاوضية حقيقية.

وفي المقابل، فإن احترام مصر الشقيقة وسائر الدول المعنية لا يتعارض مع الدفاع عن المصالح الليبية؛ بل إن التفاوض المسؤول، القائم على القانون والإنصاف، هو الطريق الأجدى لحماية تلك المصالح وتجنب تحويل الخلافات البحرية إلى أزمات سياسية طويلة الأمد.

إن ليبيا لا تحتاج إلى خصومات إضافية، بل إلى حضور أقوى في الملفات التي تمس مستقبلها الاقتصادي والسيادي. ولا تحتاج إلى الاكتفاء بإعلان حقوقها، بل إلى بناء الأدلة الفنية والقانونية، وإدارة المفاوضات، وتهيئة الظروف التي تسمح بتحويل إمكاناتها البحرية إلى فرص تنمية واستثمار.

إن البحر المتوسط ينبغي أن يكون مساحة للتعاون والتنمية، لا ساحة لإقصاء ليبيا أو تصادم دوله. ومصلحة ليبيا العليا تقتضي أن تكون حاضرة في رسم مستقبله، شريكة في استقراره، وصاحبة موقف قانوني راسخ في الدفاع عن حقوقها، ومنفتحة على تسوية عادلة تحفظ مصالح الجميع.

من يقود الاستقرار النقدي في ليبيا.. المحافظ أم المالية العامة؟قراءة مقارنة في رؤيتين حول أزمة السياسة النقدية الليبية

أعاد النقاش الأخير حول دور محافظ مصرف ليبيا المركزي فتح سؤال يتجاوز الأشخاص والأسماء: هل أزمة السياسة النقدية في ليبيا هي أزمة قيادة داخل المصرف المركزي، أم أن حدود السياسة النقدية نفسها أصبحت مقيدة بطبيعة المالية العامة والنموذج الاقتصادي القائم؟

يتقاطع في هذا النقاش طرحان مختلفان في نقطة الانطلاق، وإن كانا يلتقيان في جانب مهم من النتيجة.

الطرح الأول، الذي قدمه الخبير الاقتصادي “د.محمد الشحاتي” يركز على نوعية القيادة النقدية والمؤسسة التي تنتج القرار. أما الطرح الثاني والذي قدمه رجل الأعمال “حسني بي” فيركز على خصوصية الاقتصاد الليبي وهيمنة السياسة المالية على المجال النقدي، بحيث يصبح المحافظ، مهما بلغت كفاءته، مقيداً إلى حد بعيد بحجم الإنفاق العام والعجز وطريقة تمويله.

الرؤية الأولى: المشكلة في كيفية صناعة السياسة النقدية

ينطلق “د. الشحاتي” من تمييز مهم بين «سلطة المحافظ» و«قيادة الفكر النقدي».

فالمحافظ، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يكون مجرد مدير للمصرف أو صاحب سلطة على الاحتياطيات والمدفوعات والقرارات الإدارية، بل قائداً لعملية إنتاج السياسة النقدية.

ومن هنا جاءت المقارنة مع ميلتون فريدمان وبول فولكر وآلان غرينسبان.

فريدمان مثّل الإطار الفكري الذي أعاد التأكيد على أهمية النقود في تفسير التضخم، وفولكر جسّد القدرة على تحويل الرؤية النقدية إلى إجراءات عملية صعبة لكبح التضخم، بينما قدم غرينسبان نموذجاً في إدارة المؤسسة وبناء التوافق حول السياسة النقدية.

وفق هذه الرؤية، فإن تقييم تجربة مصرف ليبيا المركزي منذ 2011 لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: ما القرارات التي اتخذها المحافظ؟

بل يجب أن يشمل أسئلة أعمق:

  • هل كانت هناك رؤية نقدية متماسكة تأخذ في الاعتبار خصوصية اقتصاد يعتمد في أكثر من 90% من إيراداته العامة على النقد الأجنبي؟
  • هل كانت لجنة السياسة النقدية فاعلة فعلاً في إنتاج التوازن المطلوب؟
  • هل كان مجلس الإدارة شريكاً حقيقياً في القرار، خصوصاً خلال السنوات التي تعطلت فيها اجتماعاته أو تقلص فيها دوره؟
  • وهل استندت القرارات إلى إطار تحليلي واضح يمكن قياس نتائجه ومراجعته وفق الواقع الليبي، لا وفق نظريات مستوردة من اقتصادات تختلف جذرياً في بنيتها؟

ويحمل هذا الطرح نقداً لنمط إدارة اعتمد في فترات طويلة على قوة موقع المحافظ والمؤسسة أكثر من اعتماده على صناعة سياسة نقدية جماعية ومستدامة.

كما يفتح سؤالاً أكثر تحديداً: هل انصب الاهتمام أكثر على لِمَنْ يُخصص الدولار وكيف يُوزع، بدلاً من السؤال الأسبق: بأي سعر يجب بيع الدولار حتى يتحقق قدر معقول من التوازن المالي والنقدي؟

الرؤية الثانية: المشكلة تبدأ قبل المصرف المركزي

الرؤية الثانية لا تنفي أهمية القيادة النقدية، لكنها ترى أن التحليل لا يكتمل دون فهم خصوصية النموذج الليبي.

فالدولة تحصل على الجزء الساحق من إيراداتها من النفط، أي بالنقد الأجنبي، بينما تنفق تقريباً كامل مصروفاتها المحلية بالدينار.

وبالتالي تصبح وظيفة المصرف المركزي مختلفة جزئياً عن وظيفة البنوك المركزية في اقتصادات تعتمد بدرجة أكبر على الضرائب المحلية والأسواق المالية والدين العام التقليدي.

الحكومة الليبية تحتاج إلى الدينار لدفع المرتبات والدعم والتسيير والتنمية، لكنها تحصل على أصل دخلها بالدولار.

ومن هنا يصبح المصرف المركزي في قلب عملية تحويل الإيراد النفطي الخارجي إلى قدرة إنفاق محلية.

ولهذا يسبق سؤال سعر الفائدة أو المدرسة النقدية سؤال أكثر جوهرية: كم تنفق الدولة؟ وكيف تمول الفرق عندما يتجاوز الإنفاق الإيرادات المستدامة؟

إذا تم تمويل العجز بخلق نقود جديدة، تنتقل المشكلة مباشرة إلى المجال النقدي: سيولة أكبر ← طلب أعلى على السلع والواردات ← طلب أعلى على الدولار ← ضغط على سعر الصرف والاحتياطيات ← فجوة بين الرسمي والموازي ← مضاربة ← تضخم وتراجع في القوة الشرائية.

وفق هذا التصور، فإن جزءاً أساسياً من الأزمة النقدية يبدأ في الموازنة قبل أن يصل إلى المصرف المركزي.

لكن هذا لا يعفي المركزي من المسؤولية؛ لأنه هو المؤسسة التي يفترض أن تدرك حدود التوازن وتوضحها للسلطات العامة.

فالمشكلة تصبح أكبر عندما يسود الاعتقاد بأن القرار الإداري يستطيع فرض قيمة للعملة بمعزل عن المعطيات الاقتصادية.

الاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يحترم سعراً إدارياً لا تسنده علاقة متوازنة بين حجم الإنفاق، وعرض النقود، وإيرادات النقد الأجنبي، والطلب عليه.

هل يستطيع «فولكر ليبي» أن يكرر تجربة فولكر الأمريكي؟

هنا يظهر الاختلاف العملي بين الرؤيتين.

الرؤية الأولى ترى أن ليبيا تحتاج إلى محافظ يمتلك رؤية نقدية واضحة ويستطيع قيادة المؤسسة في مواجهة التضخم.

أما الرؤية الثانية فتسأل: هل يمتلك المحافظ الليبي الأدوات نفسها التي امتلكها فولكر؟

في الولايات المتحدة، عمل فولكر داخل اقتصاد يتمتع بسوق دين عميقة، وائتمان واسع، وقطاع مصرفي متطور، وآلية قوية لانتقال سعر الفائدة إلى الاقتصاد الحقيقي.

أما في ليبيا، فما يزال الائتمان المصرفي محدوداً نسبياً، والدولة تهيمن على جانب واسع من الاقتصاد، كما أن القطاع الخاص المنظم أصغر من أن يجعل سعر الفائدة وحده أداة كافية لإدارة الطلب الكلي.

ومن ثم، فإن تطوير سعر سياسة نقدية وأدوات سوق مفتوحة قد يكون ضرورياً، لكنه لن يكون كافياً إذا ظل العجز المالي يولد سيولة جديدة بصورة مستمرة.

أين يقع دعم الطاقة في المعادلة؟

يتركز جزء كبير من النقاش العام حول فاتورة المرتبات، التي تمثل وفق التقديرات الواسعة قرابة 30% من الإنفاق العام الحقيقي.

لكن الرؤية الثانية توسع التحليل ليشمل منظومة الطاقة والمحروقات، التي قد تتجاوز كلفتها الاقتصادية الشاملة 40% من الإنفاق العام عند احتساب الوقود المستورد، والغاز، والمشتقات المكررة محلياً.

وبذلك تصبح الطاقة والمحروقات واحدة من أكبر مناطق التشوه المالي في الاقتصاد الليبي.

فالمشكلة لا تقتصر على ما يظهر رسمياً تحت بند «الدعم»، بل تشمل كذلك القيمة الاقتصادية للنفط المكرر محلياً والغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء والطاقة، إضافة إلى الفارق الهائل بين تكلفة هذه الموارد والسعر الذي يدفعه المستهلك.

هنا يظهر خلاف أساسي في فلسفة الدعم.

الطرح التقليدي يرى أن إبقاء السعر منخفضاً يحمي المواطن.

أما الطرح الإصلاحي فيرى أن الدعم السعري نفسه أصبح مصدراً للهدر والتهريب والاستفادة غير المتكافئة، ويقترح بدلاً منه: دعم المواطن نقداً، لا دعم السلعة سعرياً.

وبهذا لا يكون الهدف إلغاء الدعم الاجتماعي، بل تغيير طريقة وصوله إلى المستفيد.

القطاع الخاص والاقتصاد غير الرسمي

تضيف الرؤية الثانية بعداً آخر: ضعف الإيرادات المحلية غير النفطية.

فحتى تنويع الاقتصاد لا يكفي وحده إذا ظل النشاط الجديد معفياً ضريبياً، أو يعتمد بدوره على طاقة ومحروقات مدعومة بنسبة تقارب كامل قيمتها الاقتصادية، أو يعمل خارج الاقتصاد الرسمي.

ولهذا فإن المطلوب لا يقتصر على «التنويع بعيداً عن النفط»، بل يشمل أيضاً إدماج الاقتصاد غير الرسمي في النظام المالي والضريبي والمصرفي.

فالاقتصاد قد ينتج قيمة مضافة حقيقية، ولكن إذا لم تتحول هذه القيمة إلى ضرائب ورسوم وأرباح عامة وإيرادات قابلة للتحصيل، فإنها لا تمول الخزانة.

ومن هنا فإن السؤال ليس فقط: كم يبلغ حجم القطاع الخاص؟ بل أيضاً: كم يساهم فعلياً في تمويل المالية العامة؟

أين تتفق الرؤيتان؟

رغم اختلاف نقطة الانطلاق، فإن مساحة الالتقاء واسعة.

كلتا الرؤيتين ترفضان اختزال السياسة النقدية في شخص المحافظ.

وكلتاهما تؤكدان ضرورة وجود مجلس إدارة فاعل، ولجنة سياسة نقدية حقيقية، وقرار قابل للقياس والمراجعة.

وكلتاهما ترفضان معالجة التضخم والسوق الموازية بالقرارات الإدارية وحدها.

كما تتفقان على أن الاستقرار النقدي لا يمكن فصله عن الانضباط المالي.

لكن الاختلاف يكمن في ترتيب الأولويات والسببية.

الرؤية الأولى تبدأ من إصلاح المؤسسة النقدية وطريقة صناعة القرار.

أما الثانية فتقول إن هذه المؤسسة، مهما تحسنت، ستظل تدير نتائج الأزمة إذا لم يجرِ ضبط الإنفاق العام الكلي شرقاً وغرباً، والعجز، وتمويله، وسعر الصرف الذي يمثل الحلقة المركزية بين المالية العامة والاقتصاد النقدي.

من المسؤول إذن؟

من الصعب تحميل طرف واحد المسؤولية.

الحكومة أو الحكومات والسلطات المالية مسؤولة عن حجم الإنفاق والعجز وتركيب المصروفات.

أما المصرف المركزي، فهو مسؤول عن إدارة السيولة والاحتياطيات وسعر الصرف والأدوات النقدية، وعن توضيح الحدود التي يفرضها الواقع الاقتصادي.

ومن هنا يمكن تعريف القيادة النقدية الحقيقية بأنها القدرة على الربط بين المجالين.

أي أن يقول المحافظ بوضوح:

  • هذا هو حجم الإنفاق الذي يستطيع الاقتصاد تمويله.
  • وهذا هو معدل نمو النقود المتوافق مع استقرار الأسعار.
  • وهذا هو صافي النقد الأجنبي المتاح.
  • وهذا هو سعر الصرف الذي يمكن الدفاع عنه بصورة مستدامة.
  • وهذا هو تكلفة تجاوز تلك الحدود.

وهنا تلتقي الرؤيتان أكثر مما تختلفان.

الخلاصة

الخلاف الحقيقي ليس حول أهمية المحافظ الكفء، بل حول حدود قدرة أي محافظ على النجاح داخل بيئة مالية غير منضبطة.

الرؤية الأولى تقول إن ليبيا تحتاج إلى قيادة نقدية أفضل، ومجلس إدارة فاعل، ولجنة سياسة نقدية حقيقية، وإطار فكري واضح.

أما الرؤية الثانية فتقول إن كل ذلك ضروري، لكنه لن يكون كافياً إذا استمر العجز المالي، والتمويل النقدي، والدعم السعري المشوه، والاعتماد شبه الكامل على النفط.

والخلاصة الأكثر توازناً أن ليبيا تحتاج إلى الاثنين معاً: سياسة مالية منضبطة لا تنتج الاختلال، وسياسة نقدية مؤسسية ومستقلة تعرف كيف تتعامل معه.

فإذا غابت الأولى، تحولت السياسة النقدية إلى إدارة مستمرة للأزمة.

وإذا غابت الثانية، فقدت المالية العامة أداة أساسية لحماية الاستقرار النقدي.

وعليه، ربما لا يكون السؤال الأهم: من يجب أن يقود: المحافظ أم الحكومة؟

بل: كيف تُبنى منظومة مالية ونقدية تعمل داخل قيد اقتصادي واحد، بدلاً من أن تنتج السياسة المالية الاختلال ثم يُطلب من المصرف المركزي تصحيح نتائجه بقرار إداري؟

فجوهر الأزمة الليبية قد لا يكون في غياب القرار، بل في الاعتقاد المتكرر بأن القرار يستطيع أن يحل محل التوازن.

البعثة الأممية تدعو للحفاظ على استقلالية “المركزي” وتحذر من تداعيات الضغوط المالية والسياسية

أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على أهمية الحفاظ على الاستقلالية التشغيلية لمصرف ليبيا المركزي ونزاهة ووحدة عملياته، باعتبارها عناصر أساسية لحماية الموارد العامة والاستقرار المالي، وذلك على خلفية التطورات المرتبطة بقرار رئاسة مجلس النواب بشأن قيادة المصرف.​

وشددت البعثة على أن أي تغييرات قيادية يجب أن تنطلق من التزام بتحسين الحوكمة وتعزيز الرقابة والإجراءات القانونية والمؤسسية النافذة، وحذرت في السياق ذاته من أن استمرار الضغوط على المصرف لتمويل الإنفاق العام قد يؤدي إلى تفاقم التضخم وزيادة الضغط على سعر الصرف واستنزاف الاحتياطيات على حساب الشعب الليبي.

المؤسسة الوطنية للنفط تعلن إغلاق صمام خط (الحمادة– الزاوية) وتحذر من تراجع الإنتاج والإيرادات

أكدت المؤسسة الوطنية للنفط بقيام أفراد بالدخول إلى محطة استقبال الزيت الخام التابعة لشركة الخليج العربي للنفط والمجاورة لمصفاة الزاوية، وإغلاق صمام العزل بخط نقل النفط الخام (الحمادة – الزاوية) بقطر 18 بوصة دون علم أو تنسيق مسبق مع الجهات التشغيلية.

​وحذرت المؤسسة من أن استمرار هذا الإغلاق سيؤدي إلى فقدان كميات من إنتاج النفط الخام وتراجع معدلاته، مما يؤثر سلباً على استقرار العمليات النفطية والإيرادات، مشددة على ضرورة تحييد المنشآت النفطية عن أي تدخلات يعرقل سير العمل، وداعية الجهات المختصة للتدخل الفوري لإعادة فتح الصمام وتأمين الموقع لضمان استمرار تدفق النفط.

“الشلوي”: حقل البوري البحري.. 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً تتحول من مورد مهدور إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية لليبيا

كشفت المؤسسة الوطنية للنفط عن نيتها استكمال إجراءات التشغيل النهائية لمشروع إنشاء وتركيب وحدة جديدة لاستغلال الغاز المصاحب بحقل البوري البحري عبر شركة مليتة للنفط والغاز بنهاية شهر أكتوبر الجاري، ولتوضيح أهداف هذا المشروع تواصلنا مع الخبير النفطي “عبد المنصف الشلوي” الذي أمدنا بهذا التصريح:

يمثل التوجه نحو استكمال إجراءات تشغيل مشروع استغلال الغاز المصاحب بحقل البوري البحري إنجازاً مهماً في مسار تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد الهيدروكربونية الليبية، وخطوة استراتيجية تتجاوز في أهميتها الجانب التشغيلي إلى أبعاد اقتصادية وبيئية ترتبط بأمن الطاقة وكفاءة إدارة الثروة الوطنية.

إن استغلال نحو 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً وفقاً للطاقة المستهدفة للمشروع، يعني توظيف مورد طبيعي كان جزء منه يُحرق دون تحقيق الاستفادة الاقتصادية المثلى منه، وتحويله إلى قيمة مضافة تدعم إمدادات السوق المحلي وقطاع توليد الكهرباء وتخفف الضغوط على منظومة الطاقة. كما أن هذه الكميات تمثل مورداً مهماً يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة استخدام الغاز وتعزيز موثوقية الإمدادات، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني.

تبرز أهمية المشروع أيضاً في مردوده البيئي، من خلال الحد من حرق الغاز وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 1.5 مليون طن سنوياً، وفقاً للبيانات المعلنة. وهذا يعكس إمكانية تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من الموارد الطبيعية والوفاء بالمتطلبات البيئية، دون النظر إلى حماية البيئة باعتبارها عبئاً على النشاط النفطي، بل باعتبارها جزءاً من كفاءة التشغيل وحسن إدارة الأصول.

ومن المنظور الاقتصادي والفني، فإن القيمة الحقيقية لهذه المشروعات لا تُقاس فقط بحجم الغاز الذي ستتم استعادته، وإنما كذلك بقيمة ما توفره من موارد، وما تدعمه من إمدادات محلية، وما تحققه من تقليل للهدر ورفع لكفاءة البنية التحتية النفطية. فكل كمية من الغاز يجري استغلالها بدلاً من حرقها تمثل فرصة لتعزيز العائد من الثروة الوطنية وتحسين توظيفها في خدمة الاقتصاد.

ويؤكد هذا المشروع أهمية مواصلة الاستثمار في تقنيات جمع الغاز المصاحب ومعالجته ونقله، والتوسع في المشروعات المماثلة بمختلف الحقول، ضمن رؤية متكاملة تربط بين خطط الإنتاج واحتياجات السوق المحلي ومتطلبات توليد الكهرباء والاعتبارات البيئية. كما أن نجاح هذه المشروعات يتطلب ضمان استدامة التشغيل والصيانة وقياس النتائج الفعلية حتى تتحول الطاقة التصميمية المعلنة إلى إمدادات منتظمة ومنافع اقتصادية ملموسة.

إن مشروع البوري يمثل خطوة معتبرة في الاتجاه الصحيح، ويعكس أهمية الانتقال من التعامل مع الغاز المصاحب باعتباره ناتجاً ثانوياً لعمليات إنتاج النفط إلى اعتباره أصلاً اقتصادياً يستحق الاستثمار والتطوير. ومواصلة هذا النهج من شأنها دعم مستهدفات المؤسسة الوطنية للنفط في الحد من الحرق الروتيني والوصول إلى الحرق الصفري بحلول عام 2030، وتعزيز مكانة قطاع النفط والغاز بوصفه ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ليس فقط من خلال زيادة الإنتاج، بل أيضاً من خلال رفع كفاءة استغلال كل مورد متاح.

مسؤول بـ”المركزي”: توقعات بتجاوز الإيرادات النفطية 8.5 مليار دولار خلال الربع الأخير من العام 2026

أكد مسؤول بمصرف ليبيا المركزي أهمية مراجعة ملف صادرات النفط والإيرادات وآلية توريد المحروقات لرفع مستوى الشفافية وتنظيم التدفقات اليومية والأسبوعية للسيولة والمدفوعات بالعملة الأجنبية، مشدداً على ضرورة وضع آلية محكمة للإيرادات باعتبارها مالاً عاماً، ومؤكداً دعم المصرف لجهود المؤسسة الوطنية للنفط لزيادة الإنتاج.

وتوقع المسؤول؛ استناداً لأحدث المراجعات وارتفاع أسعار النفط لتتجاوز 106 دولارات للبرميل، أن تتجاوز الإيرادات النفطية خلال أكتوبر الجاري 2.5 مليار دولار، وأن تتعدى 3 مليارات دولار في شهري نوفمبر وديسمبر، موضحاً أن هذه التدفقات ستعزز قدرة المصرف المركزي على تغطية المدفوعات الخارجية خلال الربع الأخير من عام 2026 والربع الأول من عام 2027.

“حسني بي”: إصلاح الاقتصاد الليبي يبدأ من جذور الخلل لا من أعراضه.. الأرقام أولاً بعيداً عن العواطف والشعبويات

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

الاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يخضع للرغبات أو القرارات الإدارية. تحكمه قواعد العرض والطلب، والإيرادات والإنفاق، والإنتاج والتمويل. ومهما اختلفنا حول دقة الأرقام، تبقى العبرة بالآليات والقواعد الاقتصادية، لا بالشعارات والشعبويات.

أولاً: لنتوقف عن معالجة الأعراض ونواجه الأسباب.

السرقات، والمضاربة، والفجوة بين سعري الصرف، وارتفاع الطلب على الدولار، والسوق الموازية، وتهريب المحروقات، جميعها أعراض واختلالات يغذيها النموذج الاقتصادي القائم. مكافحتها ضرورية، لكنها لن تعالج جذور الأزمة ما لم تتغير الحوافز التي تنتجها.

ثانياً: أين تُنفق أموال الليبيين؟

وفق تقديراتي، تجاوز الإنفاق العام الليبي خلال عام 2025 نحو 270 مليار دينار، موزعة على النحو التالي:

أوجه الإنفاقمليار دينار
المحروقات والطاقة108
المرتبات والأجور – الباب الأول76
النفقات التسييرية – الباب الثاني14
الدعم والنفقات الأخرى – الباب الرابع18
التنمية وما في حكمها، بما فيها الإنفاق الموازي54
الإجمالي270

هذه تقديرات تستوجب المطابقة مع الحسابات الفعلية، لكنها تكشف بوضوح حجم المشكلة وأولويات الإصلاح.

فالمحروقات وحدها تمثل 40% من الإنفاق، والمرتبات 28%، والتنمية وما في حكمها 20%. أي إن هذه البنود الثلاثة تستحوذ على نحو 88% من إجمالي الإنفاق العام.

فهل يعقل أن ننشغل بالمضاربين ونتجاهل بنية الإنفاق التي تولّد الطلب على الدولار وتموّل الاختلالات؟

ثالثاً: قوة الدينار لا تُقاس بحجم الاحتياطيات وحدها.

لا توجد علاقة مباشرة أو آلية تضمن قوة الدينار لمجرد امتلاك احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي. فالاحتياطيات توفر قدرة على التدخل والدفاع عن العملة، لكنها لا تعوض الاختلال المالي والنقدي المستمر.

تتحدد استدامة قيمة الدينار بالدرجة الأولى من خلال حجم الإيرادات العامة، وحجم الإنفاق العام، وكيفية تمويل العجز، ونمو الكتلة النقدية، والطلب الحقيقي على النقد الأجنبي.

وفي اقتصاد تعتمد إيراداته العامة بنسبة تقارب 93% على النفط والغاز المقومين بالدولار، بينما تُدفع معظم النفقات بالدينار، يصبح سعر تحويل الإيرادات الدولارية إلى الدينار متغيراً حاسماً في التوازن المالي.

ولهذا فإن تصحيح سعر الصرف، عندما يكون مبالغاً في تقييم الدينار، يمثل أداة أساسية لاستعادة التوازن، لكنه ليس بديلاً عن ضبط الإنفاق والإصلاح الهيكلي.

رابعاً: كيف نتحقق من حقيقة الإنفاق؟

لا يكفي النظر إلى الموازنة المعلنة. يجب إعداد حساب مالي ونقدي موحد يطابق الإيرادات النفطية وغير النفطية، وتدفقات النقد الأجنبي، والتغير في الاحتياطيات، ونمو القاعدة النقدية، والالتزامات والتمويل خارج الموازنة، مع منع ازدواج احتساب التدفقات بين الخزانة والمصرف المركزي.

بهذه المطابقة يمكن كشف الإنفاق الفعلي ومصادر تمويله، بدلاً من الاكتفاء بالأرقام الإدارية المعلنة.

خامساً: من أين يبدأ الإصلاح؟

الأرقام تحدد الأولويات، لا العواطف:

  • المحروقات والطاقة (108 مليارات دينار): إصلاح منظومة الدعم والتوريد والتوزيع، واستبدال الدعم من السلعي إلى دعم المواطن مباشرة “نقدا” أو بتعويض نقدي مباشر وعادل للمواطن، مع وقف الهدر والتهريب.
  • المرتبات (76 مليار دينار): ضبط التوظيف والازدواج الوظيفي، وربط الأجور بالإنتاجية والخدمة الفعلية، دون المساس التعسفي بحقوق العاملين.
  • التنمية والإنفاق الموازي (54 مليار دينار): إخضاع جميع الالتزامات لخزينة موحدة، وربط الصرف بمشروعات قابلة للقياس والعائد الاقتصادي، ومنع الإنفاق خارج الرقابة.
  • سعر الصرف والتمويل: اعتماد سعر صرف أقرب إلى التوازن الاقتصادي، وتوحيد سوق النقد الأجنبي، ووقف التمويل النقدي غير المنضبط للعجز، مع حماية الفئات محدودة الدخل.

الخلاصة

ليبيا لا تعاني أساساً من نقص الموارد، بل من خلل في إدارة الموارد وتوزيعها وتسعيرها وتمويل الإنفاق العام.

لا يمكن الدفاع عن دينار قوي إدارياً في ظل إنفاق غير منضبط، ولا يمكن القضاء على السوق الموازية بقرارات المنع، ولا على التهريب بالعقوبات وحدها ما دامت الفجوات السعرية تخلق أرباحاً استثنائية.

الإصلاح يبدأ من أكبر بنود الإنفاق، ومن تصحيح سعر الصرف والحوافز الاقتصادية، لا من مطاردة النتائج وتجاهل الأسباب.

فالاقتصاد لا يجامل الحكومات، ولا يحترم الشعارات، ولا ينتظر التوافق السياسي. إما أن نحترم قواعده، أو نستمر في دفع تكلفة تجاهلها من قيمة الدينار والقوة الشرائية ومستقبل الأجيال.

“الفضيل”: تكلفة واردات المحروقات تسجل قفزات تاريخية وتستنزف 41% من الإيرادات

أكد الخبير الاقتصادي “عبد الحميد الفضيل” أن الأرقام توضح قفزات غير مسبوقة في المتوسط الشهري لتكلفة واردات المحروقات خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2026.

​وأوضح “الفضيل” أن المتوسط الشهري بلغ في فترة ما قبل المقايضة عام 2020 نحو 233 مليون دولار، ليرتفع في فترة المقايضة عام 2024 إلى 767 مليون دولار شهرياً بقفزة بلغت نسبتها 229%، بينما سجل في فترة العمل بقرار مجلس الوزراء رقم (525) لسنة 2026 نحو 1,040 مليون دولار شهرياً، مسجلاً زيادة بنسبة 35.6% مقارنة بفترة المقايضة، وبنسبة 346% مقارنة بفترة ما قبل المقايضة.​

وحذر “الفضيل” من أن الأخطر يكمن في أن تكلفة المحروقات خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2026 شكلت ما نسبته 41% من إيرادات النفط الموردة إلى مصرف ليبيا المركزي، مما يمثل استنزافاً خطيراً للاحتياطيات من النقد الأجنبي.​

وأشار إلى أن ما يحدث يتجاوز مفهوم التهريب التقليدي ليصبح عملاً منظماً تقوده «مافيات» تحمل صفة مسؤولين عسكريين ومدنيين، يقومون بتضخيم تكاليف التوريد كمرحلة أولى تليها عمليات التهريب عبر المنافذ البحرية والبرية، مبيناً أن تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة أكدت بوضوح تورط شخصيات نافذة في هذا الفساد المنظم.

“الشلوي”: الإيرادات النفطية بين حقيقة التحصيل وآلية التوريد.. قراءة في التوضيحات المتبادلة

كتب: د. عبد المنصف الشلوي – الخبير الاقتصادي والنفطي

إن النقاش الذي أثارته التوضيحات الأخيرة الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي بشأن الإيرادات النفطية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد اختلاف في عرض الأرقام، بل بوصفه فرصة لتعزيز الإفصاح المالي وتطوير آليات التنسيق بين المؤسسات التي تتولى إدارة أهم مورد اقتصادي للدولة الليبية.

فالمؤسسة الوطنية للنفط، بحكم مسؤوليتها عن إدارة العمليات النفطية وتسويق الخام ومتابعة الإيرادات المرتبطة به، معنية بتوضيح مسار الإيرادات وآلية توريدها والتسويات المالية ذات الصلة. وفي المقابل، يضطلع مصرف ليبيا المركزي بدوره في إثبات المبالغ التي ترد فعليًا إلى حساباته ومتابعة تدفقات النقد الأجنبي. وهنا تبرز أهمية التمييز بين الأدوار المحاسبية المختلفة، بدلًا من اختزال دورة الإيرادات النفطية في رقم واحد قد لا يعكس جميع مراحلها.

أولًا: ليست كل الأرقام المتداولة تعبيرًا عن المرحلة المحاسبية نفسها

إن جوهر المسألة يتمثل في ضرورة التمييز بين الإيرادات النفطية المحققة، والمبالغ التي استحقت أو أُدرجت ضمن التسويات المالية، والتحويلات التي صدرت بشأنها إجراءات توريد، والمبالغ التي وصلت بالفعل إلى الحسابات المصرفية وقُيدت فيها.

فهذه مراحل مترابطة، لكنها ليست متطابقة بالضرورة من حيث التوقيت أو المعالجة المحاسبية. وقد ينشأ اختلاف بين الأرقام المنشورة نتيجة اختلاف تاريخ القطع المحاسبي، أو نطاق البيانات، أو طبيعة المبالغ التي يتناولها كل بيان.

ومن هذا المنطلق، فإن توضيح المؤسسة الوطنية للنفط بشأن آلية توريد الإيرادات والتنسيق القائم مع الجهات المعنية يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يلفت الانتباه إلى أن فهم حركة الإيرادات النفطية يتطلب النظر إلى الدورة المالية كاملة، وليس إلى المبالغ التي تظهر في مرحلة واحدة منها فحسب.

ثانيًا: أهمية توضيح المؤسسة الوطنية للنفط

إن القيمة الأساسية في بيان المؤسسة لا تكمن فقط في الرقم الذي أوردته، بل في تأكيد ضرورة فهم الآليات المالية والإدارية التي تحكم انتقال الإيرادات النفطية، وما يرتبط بها من اعتمادات وتسويات والتزامات معتمدة.

فالمؤسسة الوطنية للنفط ليست مجرد جهة إنتاج وتصدير، وإنما تمثل حلقة محورية في سلسلة اقتصادية تبدأ من الإنتاج والتسويق والتحصيل، وتمتد إلى توريد الإيرادات وتمويل الالتزامات اللازمة لاستمرار العمليات النفطية.

ومن ثم، فإن أي قراءة موضوعية لبيانات الإيرادات ينبغي أن تراعي طبيعة هذه الدورة، وأن تتيح للمؤسسة توضيح البيانات التي تقع ضمن نطاق مسؤوليتها، مع مطابقتها بالبيانات المصرفية والمالية لدى الجهات الأخرى.

وهذا لا يعني افتراض صحة كل رقم قبل مراجعته، ولا التشكيك في بيانات أي مؤسسة، بل يعني اعتماد منهج مهني يقوم على التحقق والمطابقة وتحديد المسؤولية عن كل مرحلة من مراحل التدفق المالي.

ثالثًا: الإيرادات النفطية لا تنفصل عن الالتزامات التي تحافظ على مصدرها

من المهم كذلك ألا يقتصر النقاش على المبالغ الموردة إلى الحسابات، بل أن يمتد إلى الالتزامات المالية المرتبطة باستمرار الإنتاج، بما في ذلك مشروعات التطوير والصيانة ورفع الكفاءة التشغيلية والمحافظة على البنية التحتية النفطية.

فالقطاع النفطي هو المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية في ليبيا، والمحافظة على قدرته الإنتاجية ليست مسألة تشغيلية تخص المؤسسة وحدها، بل ضرورة اقتصادية ترتبط باستدامة الإيرادات العامة وتوافر النقد الأجنبي.

ومن هنا، فإن التمييز بين الإنفاق الاستهلاكي والالتزامات التي تحافظ على الأصل المنتج يظل ضروريًا عند تقييم التدفقات المالية. فالمبالغ الموجهة إلى تطوير الحقول وصيانة المنشآت قد تسهم في حماية الإيرادات المستقبلية، بينما يؤدي تأخر التمويل اللازم إلى مخاطر تشغيلية وخسائر قد تتجاوز قيمة التمويل المطلوب.

وهذه نقطة سبق التأكيد عليها في التحليلات المتعلقة بإعادة توجيه الإنفاق النفطي: لا يكفي أن نعرف حجم الإيراد، بل ينبغي أن نفهم أيضًا كيف تُدار الالتزامات التي تضمن استمراره.

رابعًا: المطلوب ميزان موحد للإيرادات النفطية والتدفقات المالية

إن المعالجة الأكثر فائدة لهذه المسألة تتمثل في اعتماد آلية دورية موحدة للمطابقة بين بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، ووزارة المالية، ومصرف ليبيا المركزي، والجهات الرقابية المختصة، وفقًا للاختصاصات القانونية لكل جهة.

وينبغي أن توضح هذه الآلية، بصورة قابلة للتحقق، قيمة الإيرادات المحققة خلال الفترة، والمبالغ المستحقة، والتحويلات الصادرة، والمبالغ المقيدة فعليًا في الحسابات، وأي أرصدة معلقة أو تسويات قائمة، مع بيان أسباب الفروق وتواريخها والجهة المسؤولة عن استكمال إجراءاتها.

كما أن نشر هذه البيانات في جداول دورية متسقة من شأنه أن يقلل مساحة الالتباس، ويمنع المقارنة بين أرقام تختلف في نطاقها أو تاريخها المحاسبي، ويعزز ثقة الرأي العام في المؤسسات المعنية بإدارة المال العام.

خامسًا: من تبادل البيانات إلى التكامل المؤسسي

إن ما تحتاج إليه ليبيا اليوم ليس توسيع دائرة الجدل حول الأرقام، بل الانتقال إلى مستوى أعلى من التكامل المؤسسي، تكون فيه البيانات المالية قابلة للمطابقة، وتكون فيه مسؤولية كل جهة واضحة، وتُعالج الفروق المحاسبية والإجرائية في إطار مهني ورقابي منظم.

وفي هذا السياق، فإن توضيح المؤسسة الوطنية للنفط يمثل مساهمة مهمة في عرض جانب من آلية إدارة الإيرادات، ويستحق أن يُقرأ ضمن الجهد المطلوب لاستكمال الصورة المالية بكامل عناصرها. كما أن توضيح المصرف المركزي للمبالغ المقيدة فعليًا في حساباته يظل جزءًا أساسيًا من عملية المطابقة الشاملة.

ولا تعارض بين الأمرين؛ بل إن الجمع بينهما هو الطريق إلى معرفة حقيقة التدفقات النفطية، وتحديد ما تم تحصيله وما تم توريده وما لا يزال قيد التسوية.

الخلاصة

إن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على إصدار البيانات فحسب، بل بقدرتها على بناء منظومة مشتركة تجعل البيانات قابلة للتحقق والمقارنة، وتحوّل الشفافية من ردود توضيحية متبادلة إلى ممارسة مؤسسية منتظمة.

والمؤسسة الوطنية للنفط، باعتبارها الركيزة الأساسية لتوليد الإيرادات النفطية، تحتاج إلى منظومة مالية متكاملة تضمن وضوح مسار الإيرادات، وسرعة استكمال إجراءات توريدها، وتوفير التمويل اللازم لاستدامة الإنتاج والتطوير. كما يحتاج مصرف ليبيا المركزي إلى بيانات مكتملة ومتطابقة تمكّنه من عرض صورة دقيقة عن التدفقات الفعلية للنقد الأجنبي.

فالمعيار الاقتصادي الصحيح ليس فقط كم بلغت الإيرادات النفطية، ولا فقط كم قُيد منها في الحسابات، بل كيف انتقلت عبر مراحلها المختلفة، وما الالتزامات المرتبطة بها، وكيف أسهمت في حماية الإنتاج والاستقرار المالي للدولة.

وهنا تحديدًا تبرز أهمية التكامل بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي وسائر المؤسسات المعنية؛ لأن حماية الإيرادات النفطية تبدأ من حماية مصدرها، وتكتمل بحسن إدارتها ووضوح مسارها ومساءلة كل جهة عن المرحلة التي تقع ضمن اختصاصها.

“الفضيل”: اجتماعات صندوق النقد الدولي.. هل كشفت ما وراء التلويح بالاستقالة من جديد؟

كتب: عبدالحميد الفضيل – أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة

​على ما يبدو، كشفت مشاورات المصرف المركزي مع صندوق النقد الدولي عن بيانات وحقائق صادمة بشأن التوسع المفرط في الإنفاق العام من جانب حكومة الوحدة الوطنية، وحكومة حماد، وصندوق الإعمار.

​في ظل غياب أي أمل قريب في توحيد الإنفاق العام، بالتزامن مع تراجع إيرادات النفط نتيجة تضخم فاتورة المحروقات، وتصدير النفط خارج القنوات الرسمية «أركنو»، فضلًا عن عدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي، وغياب استقلالية المصرف.

​هذه الحقائق وضعت المصرف المركزي أمام عجز شبه تام عن كبح استنزاف الاحتياطي، في ظل الضغوط المتزايدة من النافذين شرقًا وغربًا للحصول على مزيد من الأموال خارج الأطر الرسمية، وبمستويات تتجاوز القدرة الاستيعابية للاقتصاد.

​إن التلويح بالاستقالة مجددًا يُعدّ، ضمنيًا، بمثابة رفع للراية الحمراء وإنذار بخطورة الوضع. وفي حال استمرار هذه الأوضاع، فإن مزيدًا من الانخفاض في قيمة الدينار الليبي لن يكون سوى مسألة وقت، وربما بوتيرة متسارعة!