Skip to main content

الوسم: رئيسي

“الشلوي”: من أزمة الكهرباء إلى تصدير الطاقة.. خارطة طريق ليبية حتى عام 2050

كتب: د.عبد المنصف الشلوي – خبير نفطي واقتصادي

الجزء الثالث..

ليس المطلوب أن ننافس… بل أن نستعد.

بعد استعراض التحولات العالمية في أسواق الطاقة، وما تمتلكه ليبيا من مقومات طبيعية واستراتيجية، قد يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع: هل ينبغي أن يكون هدف ليبيا هو منافسة المغرب أو مصر أو غيرهما في تصدير الكهرباء إلى أوروبا؟

في تقديري، الإجابة هي: لا؛ فالدول لا تُبنى بالمنافسة الإعلامية، وإنما ببناء قدراتها الوطنية وفق أولوياتها الخاصة.

إن نجاح أي دولة في تنفيذ مشروع معين لا ينبغي أن يدفعنا إلى تقليده، بل إلى فهم الدروس المستفادة منه، ثم صياغة نموذج ليبي يتناسب مع ظروفنا ومواردنا واحتياجاتنا.

ولذلك، فإن الأولوية الليبية يجب أن تبقى واضحة: تأمين احتياجات المواطن الليبي من الكهرباء بصورة مستقرة، قبل التفكير في تصدير أي كيلوواط/ساعة إلى الخارج.

الكهرباء… قضية أمن قومي

لم تعد الكهرباء خدمة عامة فحسب، بل أصبحت أحد أهم عناصر الأمن القومي والاقتصادي؛ فكل مصنع يتوقف، وكل مستشفى يتعطل، وكل مشروع استثماري يتأخر بسبب انقطاع الكهرباء، يمثل خسارة مباشرة للاقتصاد الوطني.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الكهرباء لا ينبغي النظر إليه باعتباره تكلفة، وإنما استثماراً في الإنتاج، وفي الاستقرار، وفي تحسين جودة الحياة.

وعندما تصبح الشبكة الكهربائية مستقرة، يصبح الحديث عن التوسع في الطاقة المتجددة والربط الإقليمي أكثر واقعية وجدوى.

المؤسسة الوطنية للنفط… شريك في التحول وليس بديلاً عنه

خلال السنوات الماضية، أثبتت المؤسسة الوطنية للنفط قدرتها على المحافظة على الإنتاج وزيادته تدريجياً رغم الظروف الاستثنائية. كما أولت اهتماماً متزايداً بتطوير مشاريع الغاز، والحد من حرقه، وتحسين الاستفادة منه، وهي خطوات تمثل في الواقع جزءاً من التحول الطاقي، حتى وإن لم تُصنف ضمن مشاريع الطاقة المتجددة.

فالغاز الطبيعي سيظل خلال العقود المقبلة الوقود الانتقالي الذي يضمن استقرار الشبكة الكهربائية، ويكمل إنتاج الطاقة الشمسية والرياح، ولا يتعارض معهما.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح مشاريع الغاز اليوم هو استثمار مباشر في نجاح مشاريع الطاقة المتجددة غداً.

خارطة طريق حتى عام 2050

إذا أرادت ليبيا أن تتحول تدريجياً إلى مركز إقليمي للطاقة، فإن ذلك يتطلب رؤية متدرجة، يمكن تلخيصها في سبع مراحل:

2026 – 2030:

  • إنهاء أزمة طرح الأحمال بصورة مستدامة.
  • استكمال مشاريع تطوير الغاز.
  • تقليل حرق الغاز إلى أدنى مستوى ممكن.
  • تحديث شبكات النقل والتوزيع.
  • إطلاق مشاريع شمسية ورياح تجريبية في عدة مناطق.

2030 – 2035:

  • التوسع في محطات الطاقة الشمسية في الجنوب.
  • إعادة إطلاق مشروع سيدي عون – درنة لطاقة الرياح، وإنشاء مشاريع إضافية في الجبل الأخضر.
  • إدخال أنظمة تخزين الطاقة على نطاق تجاري.
  • تعزيز الربط الكهربائي مع دول الجوار.

2035 – 2040:

  • رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني.
  • توطين بعض الصناعات المرتبطة بالطاقة، مثل الهياكل المعدنية، والكابلات، والمحولات، ومراكز الصيانة.
  • إعداد الدراسات النهائية للربط الكهربائي البحري مع أوروبا.

2040 – 2050:

  • تشغيل خطوط الربط الإقليمية والدولية إذا أثبتت الدراسات جدواها.
  • إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء على نطاق تجاري.
  • تصدير فائض الكهرباء النظيفة بعد ضمان الاكتفاء المحلي.
  • ترسيخ مكانة ليبيا كمركز للطاقة التقليدية والنظيفة في جنوب المتوسط.

الهيدروجين الأخضر… الفرصة القادمة

قد يكون الحديث اليوم منصباً على الكهرباء، لكن العالم بدأ بالفعل ينظر إلى ما بعدها؛ فالكهرباء المتجددة ستكون وسيلة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يُتوقع أن يلعب دوراً محورياً في إزالة الانبعاثات من الصناعات الثقيلة، والنقل البحري، والطيران، وغيرها من القطاعات التي يصعب كهربتها مباشرة.

وبالنسبة لليبيا، فإن الجمع بين الطاقة الشمسية والغاز والخبرة الصناعية والموقع الجغرافي يمنحها فرصة حقيقية لدخول هذا السوق مستقبلاً، شريطة أن تبدأ من الآن في بناء الأطر التشريعية والمؤسسية اللازمة.

رسالة إلى صانع القرار

إن الاستثمار في الطاقة المتجددة ليس مشروع وزارة بعينها، ولا مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هو مشروع دولة، ويتطلب تنسيقاً بين:

  • المؤسسة الوطنية للنفط.
  • وزارة النفط والغاز.
  • الشركة العامة للكهرباء.
  • وزارة التخطيط.
  • وزارة الاقتصاد.
  • الجهات التشريعية.
  • الجامعات ومراكز البحوث.
  • القطاع الخاص.
  • الشركاء الدوليين.

فالتحول الطاقي الناجح لا يقوم على القرارات الفردية، بل على تكامل السياسات.

الخاتمة

لقد منحت الطبيعة ليبيا ثروات استثنائية؛ فالنفط منحها مكانة في أسواق الطاقة التقليدية، والغاز منحها القدرة على دعم أمنها الكهربائي، والشمس والرياح يمنحانها اليوم فرصة للدخول إلى أسواق الطاقة النظيفة.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل نستثمر هذه الموارد كلٌ على حدة، أم نبني بينها جسوراً تجعلها منظومة واحدة تخدم الاقتصاد الوطني لعقود مقبلة؟

في تقديري، فإن المستقبل لن يكون للدول التي تمتلك مورداً واحداً، بل للدول التي تنجح في إدارة جميع مواردها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة. ولعل هذا هو التحدي الأكبر، والفرصة الأكبر، أمام ليبيا في القرن الحادي والعشرين.

لقد منحت الطبيعة ليبيا النفط تحت الأرض، والغاز بين الصخور، والشمس فوق الرمال، والرياح على السواحل. أما الثروة الخامسة، وهي الإدارة الرشيدة، فهي وحدها القادرة على تحويل هذه النعم إلى مستقبل مزدهر للأجيال القادمة.

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: حين تتغير خريطة الطاقة العالمية.. لماذا ينبغي أن تلتفت ليبيا الآن؟

رابط الجزء الثاني من المقال:

“الشلوي”: ليبيا الدولة الأقرب إلى أوروبا والأغنى بالطاقة.. لماذا لم تبدأ بعد؟

مصرف ليبيا المركزي يعلن عزمه ضخ 2 مليار دولار للاعتمادات والأغراض الشخصية اعتبارًا من الأحد القادم

أعلن مصرف ليبيا المركزي عزمه البدء في ضخ ملياري دولار اعتباراً من يوم الأحد القادم، بواقع مليار دولار لتغطية طلبات الاعتمادات المستندية، ومليار دولار للأغراض الشخصية، وذلك وفقاً للحجوزات المسجلة بالمنظومة الإلكترونية، وذلك بعد الانتهاء من عملية حصر البيانات والطلبات.

​وأكد المصرف المركزي استمراره في إصدار الموافقات الجديدة للاعتمادات والحوالات المالية، مبيناً أنه تقرر تمديد ساعات العمل بالمصارف التجارية حتى الساعة السابعة مساءً للتسهيل على المواطنين وإتمام المعاملات بمرونة.

“حسني بي” يكتب: من أين يأتي الدينار؟.. السؤال الذي يتجاهله الجميع في الأزمة الاقتصادية الليبية

كتب : رجل الأعمال “حسني بي”

في كل مرة يتراجع فيها سعر صرف الدينار، أو ترتفع معدلات التضخم، أو تتسع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ينشغل الرأي العام والاقتصاديون بالجدل حول استقلالية مصرف ليبيا المركزي، أو تعديل سعر الصرف، أو إعادة العمل بسعر الفائدة، أو تحميل الحكومة مسؤولية التوسع في الإنفاق.

ورغم أهمية هذه القضايا، فإنها في تقديري لا تمثل جوهر الأزمة، بل تتعامل مع نتائجها وأعراضها. أما السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل هذه النقاشات فهو سؤال واحد: من أين يأتي الدينار الذي تُنوَّل به الميزانية العامة للدولة؟

قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في الحقيقة مفتاح فهم الأزمة الاقتصادية الليبية بأكملها، وهو السؤال الذي غاب عن معظم النقاشات الاقتصادية خلال العقود الماضية ومنذ إقرار “شركاء لا أجراء، والبيت لساكنه، والأرض ليست ملكاً لأحد، والسيارة لمن يقودها” مع تبني منظومة اقتصادية ريعية بسبب إيرادات النفط.

فليبيا تحولت من اقتصاد صناعي أو زراعي يعتمد على الضرائب أو الإنتاج المحلي لتمويل إنفاقه العام الذي كان يموله القطاع الخاص بما يتعدى 50% عام 1978، ومن خلال السياسات العشوائية تم تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على صادرات النفط والغاز لتوفير النقد الأجنبي ولتغطية الإنفاق العام بالدينار، وخلال العهود الماضية أصبح يعتمد النشاط الاقتصادي المحلي بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي.

وهنا تكمن الحقيقة الأساسية التي كثيراً ما يتم تجاهلها.

فالحكومة الليبية لا تمتلك دينارات جاهزة لتمويل المرتبات، أو الدعم، أو الإنفاق التسييري، أو الإنفاق التنموي. كما أن مصرف ليبيا المركزي لا يملك مطبعة اقتصادية تنتج الثروة، وإنما يمتلك أداة إصدار العملة فقط.

ولذلك فإن تمويل الإنفاق العام يمر بآلية اقتصادية واضحة: تقوم الدولة ببيع دولارات النفط والغاز إلى مصرف ليبيا المركزي، والذي بدوره ملزم بأن يعيد بيع الدولارات مقابل شراء دينارات من عرض النقود، ويحصل المصرف مقابلها على الدينارات الموجودة في الاقتصاد، ثم يعيد ضخ هذه الدينارات لتمويل الميزانية العامة بأبوابها.

أي أن الدينار يجب ألا يُخلق من فراغ، بل يجب أن يستند إلى بيع ثروة حقيقية يمثلها النفط والغاز من خلال بيع دولارات النفط.

وهنا يصبح المصرف المركزي عملياً أمام خيارين لا ثالث لهما:

  • الخيار الأول: هو تمويل الإنفاق من خلال بيع دولارات إيرادات النفط والغاز، وشراء وسحب الدينارات الموجودة في الاقتصاد، ثم إعادة استخدامها في تمويل الميزانية لإحداث التوازن النقدي.
  • الخيار الثاني: إذا لم يتم بيع كمية كافية من النقد الأجنبي مع استمرار الإنفاق العام والتمويل بالعجز، فهو اللجوء إلى خلق دينارات جديدة من العدم.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

فعندما تُخلق النقود دون أن يقابلها إنتاج وضرائب، أو تمويل من خلال بيع دولارات الاحتياطيات أو بيع فعلي للنقد الأجنبي المحقق من خلال بيع النفط، ترتفع القاعدة النقدية، ويتوسع عرض النقود، ويرتفع التضخم، وتتراجع القوة الشرائية للدينار، وتتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، ويزداد الطلب على الدولار، وتتسع المضاربة وندخل في دوامة الحلقة المفرغة.

هذه ليست فرضية نظرية اقتصادية، بل تمثل تجربة عاشتها ليبيا أكثر من 3 مرات منذ عام 1982.

فقد شهد الاقتصاد الليبي هذه الدورة خلال الفترة من 1982 إلى 2004، ثم تكررت بصورة أوضح بين عامي 2014 و2021، عندما تم تمويل جانب كبير من الإنفاق من خلال التوسع النقدي. كما ظهرت بوادرها مرة أخرى خلال عام 2023 والربع الأول من عام 2024، عندما تم استخدام فائض إيرادات النفط لعام 2022 في تعزيز الاحتياطيات وشراء الذهب، بينما جرى تمويل جزء كبير من الإنفاق العام عبر التوسع في خلق النقود، مما أدى إلى زيادة عرض النقود بنحو 40 مليار دينار خلال نحو خمسة عشر شهراً.

ولهذا السبب، فإن اختزال الأزمة في استقلالية المصرف المركزي وحدها لا يقدم تفسيراً كاملاً.

فاستقلالية المصرف المركزي ضرورة في أي اقتصاد حديث، لكنها ليست عصاً سحرية، ولا تستطيع وحدها معالجة اختلالات ناتجة عن سياسة مالية توسعية في اقتصاد يعتمد بالكامل تقريباً على مصدر واحد للنقد الأجنبي.

كما أن إعادة العمل بسعر الفائدة، أو تطوير أدوات السياسة النقدية، قد يساعد في تحسين إدارة السيولة، لكنه لن يحل المشكلة الأساسية إذا ظل الإنفاق العام ينمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توفير التمويل الحقيقي له.

وفي المقابل، فإن تحميل الحكومة وحدها المسؤولية لا يقدم الصورة الكاملة أيضاً.

فالحكومة مسؤولة عن حجم الإنفاق، وعن الرواتب، والدعم، وأولويات التنمية، وضبط التهريب، والإصلاح الإداري، لكن نجاح هذه السياسات يتطلب أيضاً سياسة نقدية قادرة على إدارة السيولة والحفاظ على استقرار قيمة العملة.

وبالتالي فإن الأزمة الليبية ليست أزمة نقدية فقط، وليست أزمة مالية فقط، بل هي أزمة غياب التنسيق بين السياستين المالية والنقدية داخل اقتصاد يعتمد على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل، وهو ما يمول الإنفاق العام بنسبة 93%.

ومن هنا يصبح التمييز بين الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق التنموي للحكومة أمراً بالغ الأهمية.

فالإنفاق الجاري للحكومة على الرواتب والدعم والاستهلاك ينتهي أثره بمجرد صرفه، بينما الإنفاق التنموي المنتج في البنية التحتية والطاقة والنقل والمياه والتعليم والصحة يرفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، ويزيد العرض، ويخلق مصادر دخل مستقبلية تساعد على تخفيف الضغوط التضخمية.

ولذلك فإن وقف التنمية ليس علاجاً للتضخم إذا ما كان إنفاقاً مستداماً، بل قد يكون سبباً في تضخم أكبر مستقبلاً، إذا لم يكن مستداماً، نتيجة ضعف الإنتاج واستمرار نمو الطلب.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من سعر الصرف، ولا من الفائدة، ولا من استقلالية المصرف المركزي وحدها، وإنما يبدأ من إعادة تصميم العلاقة بين الإنفاق العام وإيرادات النفط وعرض النقود حتى لا يُنوَّل أي إنفاق بالعجز من خلال خلق الأموال من العدم.

ويتحقق ذلك من خلال ضبط الإنفاق الاستهلاكي عامة، ومنها إصلاح دعم المحروقات من خلال الاستبدال النقدي، والحد من التوسع غير المنتج في بند المرتبات والزيادات، والاستمرار في تمويل الميزانية عبر بيع إيرادات النفط والغاز بدلاً من خلق نقود جديدة، مع إعطاء الأولوية للاستثمار المنتج الذي يوسع القاعدة الاقتصادية ويخلق مصادر دخل جديدة خارج قطاع النفط وبعيداً عن الإنفاق العام.

وفي الوقت نفسه، ينبغي تطوير أدوات السياسة النقدية بما يتناسب مع خصوصية الاقتصاد الليبي، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتنويع الاقتصاد، حتى لا يبقى استقرار الدينار مرهوناً بأسعار النفط وحدها.

إن السؤال الذي يجب أن يقود أي نقاش اقتصادي في ليبيا ليس: هل نرفع سعر الفائدة؟ أو هل المصرف المركزي مستقل؟ بل السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو: إذا لم تُستخدم إيرادات النفط والغاز لشراء الدينارات التي تموّل الإنفاق العام، فمن أين ستأتي هذه الدينارات؟

إذا كانت الإجابة هي “من خلق نقود جديدة”، فإننا نكون قد اخترنا مرة أخرى الطريق نفسه الذي قاد إلى أزمات 1982–2004، ثم 2014–2021، ثم الاختلالات التي شهدناها في 2023 والربع الأول من 2024.

أما إذا كان التمويل يتم من خلال إدارة رشيدة لإيرادات النفط، وربط الإنفاق بالقدرة الحقيقية للاقتصاد، وإعطاء الأولوية للاستثمار المنتج، فإن استقرار الدينار لن يكون هدفاً صعب المنال، بل نتيجة طبيعية لسياسات اقتصادية واقعية ومستدامة.

فالاقتصادات لا تنهار لأنها تبيع الدولار، وإنما تنهار عندما تخلق دينارات لا يقابلها إنتاج أو ثروة أو إيرادات حقيقية. وهنا يكمن جوهر الأزمة الليبية.

“الشلوي”: ليبيا الدولة الأقرب إلى أوروبا والأغنى بالطاقة.. لماذا لم تبدأ بعد؟

كتب : الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

الجزء الثاني

ليبيا لا ينقصها المورد… بل المنظومة

حين نتحدث عن مستقبل الطاقة المتجددة في ليبيا، فإن أول ما ينبغي تصحيحه هو الفكرة السائدة بأن المشكلة تكمن في نقص الإمكانات الطبيعية.

فالواقع يقول العكس تماماً.

ليبيا ليست دولة تبحث عن الشمس أو الرياح أو الأراضي المناسبة أو الموقع الجغرافي، بل هي دولة تمتلك كل هذه العناصر بدرجات استثنائية. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل تستطيع ليبيا إنتاج الكهرباء النظيفة؟ وإنما: كيف يمكن تحويل هذه الإمكانات إلى صناعة وطنية مستدامة؟

وهنا يكمن الفرق بين امتلاك الموارد وامتلاك الرؤية.

لقد أثبت التاريخ الاقتصادي أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع النهضة، وإنما تصنعها الإدارة الرشيدة، والاستقرار المؤسسي، والتشريعات الجاذبة، والقدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى وفق خطط طويلة الأجل.

الميزة الجغرافية التي لا تحظى بما تستحقه من الاهتمام

من وجهة نظري، لم يحظَ الموقع الجغرافي الليبي بالدراسة التي يستحقها في سياق الطاقة المتجددة.

فغالبية النقاشات تركز على الإنتاج، بينما تهمل عنصر القرب من الأسواق، وهو أحد أهم عناصر نجاح أي مشروع للطاقة.

فعلى سبيل المثال:

  • طرابلس تمثل أقرب نقطة ليبية إلى مالطا، وهي مسافة بحرية قصيرة نسبياً مقارنة بالعديد من مشاريع الربط الكهربائي القائمة حول العالم.
  • درنة تقع في مواجهة مباشرة تقريباً لجنوب اليونان (جزيرة كريت)، وهي من أقرب المدن الليبية إلى الأراضي الأوروبية، وهو ما يجعلها ذات أهمية خاصة عند دراسة أي سيناريو مستقبلي للربط الكهربائي البحري.
  • كما أن أمساعد، في أقصى الشرق الليبي، تُعد من أقرب النقاط الليبية إلى قبرص، وهو معطى جغرافي يستحق أن يكون جزءاً من الدراسات المستقبلية، حتى وإن لم يكن الخيار الأول فنياً.

هذه الحقائق لا تعني أن خطوط الربط ستُنفذ من هذه المواقع بالضرورة، فذلك تحدده الدراسات الهندسية والاقتصادية والبيئية، لكنها تؤكد أن ليبيا تتمتع بمرونة جغرافية لا تتوفر لكثير من الدول المنافسة.

درنة… أكثر من مدينة ساحلية

عندما تُذكر درنة في وسائل الإعلام، غالباً ما يرتبط اسمها بالكوارث الطبيعية أو بالأحداث السياسية، بينما تغيب حقيقة أنها قد تكون إحدى أهم المدن الليبية من منظور الطاقة المستقبلية.

فالمنطقة الممتدة من درنة إلى الجبل الأخضر تتميز بعدة خصائص فريدة:

  • سرعات رياح مناسبة لإنتاج الكهرباء.
  • تضاريس تساعد على استقرار حركة الرياح في مواقع محددة.
  • قرب مباشر من البحر المتوسط.
  • مسافة بحرية قصيرة نسبياً باتجاه جنوب أوروبا.
  • وجود مساحات قابلة لتطوير مشاريع الرياح دون تعارض كبير مع الأنشطة العمرانية.

ومن هنا، فإن إعادة إحياء مشروع مزرعة الرياح في سيدي عون – درنة ينبغي ألا تُفهم على أنها إعادة لمشروع قديم فقط، بل باعتبارها خطوة تأسيسية لقطاع جديد يمكن أن يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الليبي مستقبلاً.

ولعل من المناسب أن تتولى الجهات المختصة إعادة تقييم المشروع وفق المعايير والتقنيات الحديثة، بعد أن شهدت صناعة توربينات الرياح تطوراً كبيراً وانخفاضاً ملحوظاً في تكاليفها خلال العقد الأخير.

الصحراء الليبية… أكبر محطة شمسية لم تُبنَ بعد

إذا كانت درنة والجبل الأخضر يمثلان بوابة ليبيا لطاقة الرياح، فإن الصحراء الليبية تمثل بلا شك أعظم كنوزها في مجال الطاقة الشمسية.

فالمساحات الشاسعة، والإشعاع الشمسي المرتفع، والانخفاض النسبي في الكثافة السكانية، كلها عوامل تجعل الجنوب الليبي مؤهلاً لاستضافة مجمعات شمسية عملاقة يمكن أن تنافس أكبر المشاريع العالمية.

غير أن النجاح لا يُقاس بعدد الألواح الشمسية التي تُركّب، وإنما بقدرة الدولة على دمج هذه المشاريع ضمن شبكة كهربائية حديثة، وربطها بمراكز الاستهلاك، ثم الانتقال تدريجياً إلى إنتاج فائض يسمح بالتصدير.

الغاز… ليس منافساً للطاقة المتجددة

من أكثر المفاهيم التي أراها بحاجة إلى تصحيح، الاعتقاد بأن التوسع في الطاقة الشمسية والرياح يعني تقليص دور الغاز الطبيعي.

والحقيقة أن التجارب العالمية تثبت العكس.

فالغاز الطبيعي سيظل، خلال العقود المقبلة، الوقود الأكثر قدرة على تحقيق التوازن في الشبكات الكهربائية؛ لأنه يوفر المرونة اللازمة لتعويض التذبذب الطبيعي في إنتاج الطاقة الشمسية والرياح.

ولهذا، فإن ليبيا تمتلك ميزة إضافية لا تحظى بها كثير من الدول، وهي إمكانية بناء نموذج يقوم على التكامل بين الغاز والطاقة المتجددة، بحيث يدعم كل منهما الآخر بدلاً من أن يحل محله.

إن تطوير مشاريع الغاز، وتقليل حرقه، وزيادة كفاءة استغلاله، لا يتعارض مع التوسع في الطاقة المتجددة، بل يمثل القاعدة التي سيُبنى عليها هذا التوسع.

من أين نبدأ؟

في رأيي، ينبغي أن تكون الأولويات واضحة ومتدرجة:

  1. إنهاء أزمة طرح الأحمال بصورة مستدامة.
  2. استكمال مشاريع تطوير الغاز وتخفيض حرقه.
  3. تحديث شبكات النقل والتوزيع.
  4. إطلاق مشاريع شمسية ورياح على مراحل.
  5. إعادة إحياء مشروع سيدي عون – درنة كمشروع وطني رائد لطاقة الرياح.
  6. إعداد الدراسات الفنية والاقتصادية لمشاريع الربط الكهربائي البحري مع أوروبا.
  7. بناء صناعة وطنية مساندة تشمل الكوابل، والمحولات، والهياكل المعدنية، وخدمات التشغيل والصيانة.

فالتسرع في الحديث عن التصدير قبل بناء منظومة داخلية قوية سيكون خطأ استراتيجياً، أما بناء هذه المنظومة أولاً فسيجعل التصدير نتيجة طبيعية وليس هدفاً بحد ذاته.

خاتمة

إن ما يميز ليبيا عن كثير من الدول ليس امتلاكها النفط أو الغاز فقط، بل اجتماع عناصر نادرة في مكان واحد: الشمس، والرياح، والغاز، والساحل الطويل، والقرب من أوروبا.

ويبقى العنصر الوحيد الذي لا تمنحه الجغرافيا ولا توفره الطبيعة، هو الإدارة الرشيدة والرؤية بعيدة المدى.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد:

هل تستطيع ليبيا أن تصبح مركزاً للطاقة في جنوب المتوسط؟

بل أصبح:

هل نبدأ اليوم في بناء هذا المستقبل، أم نترك الآخرين يسبقوننا إليه؟

يتبع في الجزء الثالث والأخير…

عنوان الجزء الثالث:

من أزمة الكهرباء إلى تصدير الطاقة… خارطة طريق ليبية حتى عام 2050.

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: حين تتغير خريطة الطاقة العالمية.. لماذا ينبغي أن تلتفت ليبيا الآن؟

“الفارسي”: خطة المصرف المركزي لاحتواء أزمة السيولة وتنظيم السياسة النقدية (2026)

كتب: د. أيوب محمد الفارسي- عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي

​وضع مصرف ليبيا المركزي حزمة من الأهداف والخطوات التنفيذية الواضحة والجدول الزمني المحدد لمعالجة الاختناقات النقدية، والتحول نحو الاقتصاد الرقمي المنظم، وتتلخص هذه الإجراءات ومبرراتها ونتائجها المتوقعة في الآتي:
​1. إدارة الكتلة النقدية الورقية وضخ السيولة المنتظم
​التعاقد على طباعة 90 مليار دينار ليبي لتعويض النقص وإحلال عملات جديدة محل المسحوبة، مع إصدار فئتي 50 و10 دنانير من ورق “البوليمر” بمواصفات عالمية. وبدءًا من أغسطس 2026، ستتسارع التدفقات النقدية المطبوعة لضخ 5 مليارات دينار شهريًا في فروع المصارف وآلات السحب الذاتي (ATMs).
وذلك لتحقيق انتظام كامل ومستدام في توفر السيولة للمواطنين، وبناء الثقة في الشبكة المصرفية وآلات السحب الذاتي، وضمان استقرار التعاملات اليومية.
​2. الطفرة الرقمية والتوسع في الدفع الإلكتروني
التوسع الشامل في أدوات الدفع الإلكتروني، التي بلغت 500 مليار حتى نهاية يوليو من هذا العام 2026، مع توقع بأن تتجاوز المعاملات الإلكترونية 800 مليار دينار بحلول نهاية العام.
ويدف المركزي من خلال ذلك إلى تقليص الاعتماد المفرط على النقد الورقي (الكاش) الذي كان يسبب اختناقًا دوريًا في المنظومة المصرفية، وتقديم بدائل دفع سريعة وآمنة.
ويؤكد المركزي حدوث تراجع كبير ومستمر لاستخدام النقود الورقية في الاقتصاد الليبي، والتحول التدريجي نحو الاقتصاد الرقمي الذي يرفع كفاءة المعاملات التجارية ويقلل تكاليف طباعة وإدارة النقد.
​3. إنهاء تشوهات الأسعار (الفجوة بين الكاش والصكوك)
إنجاز مالي أدى إلى تلاشي الفارق بين الشراء النقدي للدولار “الكاش” والشراء عبر الصكوك، ليتقلص من 1.6 دينار للدولار الواحد إلى 100 درهم فقط.
وذلك يعد إعادة للقيمة الاعتبارية والقانونية الكاملة للصكوك وأدوات الدفع الإلكتروني لتتساوى مع النقد الورقي، مما يحمي القوة الشرائية للمواطنين وينهي مضاربات التجار في الأسواق الموازية.
​4. إدراج العمالة الوافدة في المنظومة المالية الرسمية
وذلك من خلال تنظيم العمالة الوافدة بربطها بوسائل الدفع والمحافظ الإلكترونية الرسمية. وذلك بهدف الحد من تداول حجم ضخم من الأموال السائلة (الكاش) خارج القطاع المصرفي من قبل فئات عمالية واسعة، وتجنب تسربها إلى قنوات غير رسمية، وتخفيف الضغط الهائل على طلب النقود الورقية، ودمج المعاملات المالية للعمالة الوافدة تحت مظلة رقابية وآمنة تُسهم في تنظيم عرض النقود.
​5. الأطر التشريعية لمحاربة الاكتناز
اعتماد مشروع قانون “منع الاكتناز وتنظيم تداول النقد الليبي” وفق قيم وسقوف محددة لكافة الأنشطة الاقتصادية، بهدف محاصرة الظاهرة السلبية المتمثلة في الاحتفاظ بكتل نقدية هائلة في الخزائن المنزلية والخاصة للتجار والمواطنين خارج الدورة المصرفية.
​تعكس هذه المستجدات لعام 2026 رؤية متكاملة للمصرف المركزي؛ فهو لا يكتفي بـ “علاج العَرَض” عبر طباعة وضخ السيولة النقدية بانتظام، بل يعالج “أصل المرض” عبر التطوير الرقمي، وإنهاء تشوهات الأسعار، وسن تشريعات تمنع الاكتناز، وهو ما يبشر بانتقال الاقتصاد الليبي إلى مرحلة متقدمة من الاستقرار النقدي، إذا ما تضافرت جهود كل السياسات وتناغمت مع السياسة النقدية للمركزي.

الشركة العامة للكهرباء تعلن بدء العودة التدريجية للشبكة عقب استئناف العمل بمجمع مليتة

أعلنت الشركة العامة للكهرباء بدء العودة التدريجية للشبكة الكهربائية إلى وضعها التشغيلي الطبيعي، وذلك إثر استئناف العمل بمجمع مليتة الصناعي وعودة تدفق الغاز الطبيعي إلى محطات التوليد، مؤكدة أن التغذية الكهربائية ستشهد تحسنًا ملحوظًا خلال الساعات القادمة.​

وأوضحت الشركة أن الأزمة تسير نحو الانفراج مع استمرار دخول وحدات التوليد إلى الخدمة تباعًا، مشيرة إلى أن الإغلاق المفاجئ تسبب في تعطيل وقتي لجهود فنية مكثفة بذلتها فرقها طوال الأسابيع الماضية لاستقرار المنظومة.

كما جددت الشركة دعوة كافة الأطراف إلى تحييد المنشآت الحيوية والمؤسسات الخدمية عن أي تجاذبات لضمان استمرار تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

حكومة الوحدة الوطنية تؤكد تأمين مجمع مليتة واستئناف ضخ الغاز إلى محطات الكهرباء

أكدت حكومة الوحدة الوطنية أن قوات وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة المكلفة من قبل رئيس الحكومة “عبد الحميد الدبيبة”، تمكنت من تأمين مجمع مليتة الصناعي للنفط والغاز، بما يضمن سلامة العاملين، واستئناف ضخ الغاز إلى محطات توليد الكهرباء، تمهيدا لعودة التيار الكهربائي تدريجيا واستقرار الشبكة العامة.

وشددت الحكومة في بيان لها بأنها لن تسمح بأي اعتداء على المنشآت الحيوية أو المساس بمقدرات الليبيين، وأنها ستتعامل بكل حزم ووفق القانون، مع أي محاولات تهدد أمن المرافق الاستراتيجية أو تعطل الخدمات الأساسية للمواطنين.

الشركة العامة للكهرباء تحذر من إظلام تام في ليبيا إثر إغلاق خطوط الغاز بمجمع مليتة​

حذّرت الشركة العامة للكهرباء من خطر انهيار الشبكة الكهربائية والدخول في حالة إظلام تام (Blackout) عقب اقتحام مجموعات لمجمع مليتة وإغلاق خطوط الغاز المغذية لمحطات التوليد.

وأكدت الشركة في بيان لها أن الوضع الفني حرج للغاية، حيث يهدد هبوط ضغط الغاز بخروج وحدات التوليد عن الخدمة تباعًا. كما أخلت الشركة مسؤوليتها الوطنية والقانونية أمام المواطنين والجهات الرسمية عن التداعيات الناجمة عن توقف الإمدادات، مطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة تدفق الغاز وضمان استمرار التغذية الكهربائية.

“الشلوي”: حين تتغير خريطة الطاقة العالمية.. لماذا ينبغي أن تلتفت ليبيا الآن؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

مقدمة

طوال أكثر من ستة عقود، ارتبط اسم ليبيا بالنفط والغاز، حتى أصبحت إحدى أهم الدول المنتجة للطاقة في أفريقيا وحوض البحر المتوسط. غير أن العالم اليوم يشهد تحولاً عميقاً في مفهوم الطاقة؛ فلم تعد المنافسة تقتصر على إنتاج النفط والغاز، بل امتدت إلى إنتاج الكهرباء النظيفة، والهيدروجين الأخضر، وشبكات الربط الكهربائي العابرة للحدود.

لقد أصبحت الكهرباء سلعة استراتيجية، وأصبح أمن الطاقة يُقاس بقدرة الدول على تنويع مصادرها وربط شبكاتها الإقليمية، وهو ما يفسر تسارع مشاريع الربط الكهربائي بين أوروبا وشمال أفريقيا، ومنها المشاريع التي تربط أو تخطط لربط المغرب بالأسواق الأوروبية.

غير أن السؤال الذي ينبغي أن يهمنا في ليبيا ليس: لماذا نجح الآخرون؟ بل: هل تمتلك ليبيا المقومات التي تؤهلها لتكون جزءاً من هذا التحول العالمي؟

في تقديري، الإجابة هي نعم… ولكن بشروط.

من النفط إلى الكهرباء… كيف تغير العالم؟

شهد العقدان الأخيران تحولاً جذرياً في أسواق الطاقة العالمية. فبعد أن كان النفط والغاز يمثلان العمود الفقري لأمن الطاقة، أصبحت الطاقة المتجددة تحتل موقعاً متقدماً في سياسات الدول، مدفوعةً بعوامل اقتصادية وتقنية وبيئية.

هذا التحول لم يكن إعلاناً لنهاية عصر النفط، كما تصور البعض، وإنما إعادة صياغة لمزيج الطاقة العالمي. فالنفط والغاز سيبقيان عنصرين أساسيين لعقود مقبلة، لكنهما سيعملان جنباً إلى جنب مع الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والهيدروجين الأخضر، وتقنيات التخزين.

ومن هنا، فإن الدول التي ستقود أسواق الطاقة مستقبلاً ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية، بل تلك التي تنجح في إدارة مزيج طاقي متكامل يجمع بين الموارد التقليدية والمتجددة.

أوروبا تبحث جنوباً

أحد أهم التحولات الاستراتيجية في السنوات الأخيرة هو توجه أوروبا نحو تنويع مصادر الكهرباء النظيفة، وعدم الاكتفاء بالإنتاج المحلي.

فالمشروعات العابرة للحدود، سواء القائمة أو المخطط لها، تعكس قناعة أوروبية بأن جنوب المتوسط سيصبح خلال العقود المقبلة أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة.

ولذلك، فإن مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وأوروبا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نجاحاً مغربياً فحسب، بل باعتباره مؤشراً على اتجاه استراتيجي جديد، يفتح الباب أمام دول أخرى تمتلك مقومات مماثلة أو حتى أفضل.

وهنا تبرز ليبيا.

هل تمتلك ليبيا ما تؤهلها لذلك؟

إذا نظرنا إلى المقومات الطبيعية فقط، فإن ليبيا تمتلك عناصر يصعب اجتماعها في دولة واحدة:

  • أكثر من 300 يوم مشمس سنوياً في معظم المناطق.
  • أحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم.
  • مساحة تقارب 1.76 مليون كيلومتر مربع، معظمها صالح لإنشاء مشاريع طاقة واسعة النطاق.
  • شريط ساحلي يزيد على 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.
  • احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي يمكن أن تمثل الوقود الانتقالي لدعم استقرار الشبكة الكهربائية.
  • موقع جغرافي يجعلها على مسافات بحرية قصيرة نسبياً من جنوب أوروبا.

هذه المعطيات لا تجعل ليبيا دولة نفطية فقط، بل تمنحها فرصة لأن تكون دولة طاقة متكاملة إذا ما استُثمرت هذه الموارد ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

ليست الصحراء وحدها هي الثروة

حين يُذكر مستقبل الطاقة المتجددة في ليبيا، تتجه الأنظار مباشرة إلى الصحراء، وهذا أمر طبيعي نظراً لما تتمتع به من إشعاع شمسي استثنائي.

لكن الصورة لا تكتمل دون الالتفات إلى الساحل الشرقي، ولا سيما منطقة درنة والجبل الأخضر، التي تمتلك إمكانات واعدة في مجال طاقة الرياح.

وقد كان مشروع مزرعة الرياح في سيدي عون – درنة من أوائل المشاريع التي لفتت الانتباه إلى هذه الإمكانات، إلا أنه تعثر قبل أن يرى النور. واليوم، ومع التطور الكبير في تقنيات توربينات الرياح وانخفاض تكاليفها، ربما حان الوقت لإعادة تقييم هذا المشروع ضمن رؤية وطنية جديدة.

سؤال المرحلة

إن القضية لم تعد تتعلق بما إذا كانت ليبيا تمتلك الشمس أو الرياح، فذلك أمر محسوم.

السؤال الحقيقي هو:

هل نمتلك الإرادة والرؤية والمؤسسات القادرة على تحويل هذه الموارد الطبيعية إلى قوة اقتصادية واستراتيجية؟

يتبع في الجزء الثاني…

عنوان الجزء الثاني:

ليبيا… الدولة الأقرب إلى أوروبا والأغنى بالطاقة: لماذا لم تبدأ بعد؟

“الشلوي”: الغاز الطبيعي خيار ليبيا الاستراتيجي بين اقتصاد الكهرباء وأمن الطاقة.. قراءة فنية في تكلفة إنتاج الكهرباء وإدارة الثروة الوطنية

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

عندما تُناقش أزمة الكهرباء في ليبيا، غالباً ما ينصرف الاهتمام إلى ساعات طرح الأحمال أو نقص الوقود أو الأعطال الفنية، بينما يغيب سؤال أكثر أهمية وتأثيراً في مستقبل الاقتصاد الوطني:

ما هو الوقود الذي ينبغي أن تعتمد عليه ليبيا لإنتاج الكهرباء؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط تكلفة تشغيل محطات التوليد، وإنما ترسم ملامح السياسة الطاقية للدولة لعقود قادمة وتنعكس آثارها على الموازنة العامة واحتياطيات النقد الأجنبي والدعم والبيئة، وأمن الطاقة وحتى تنافسية الاقتصاد الوطني.

من واقع الخبرة الفنية والاقتصادية، فإن الأرقام تقود إلى نتيجة واضحة: الغاز الطبيعي ليس مجرد وقود أقل تكلفة، بل هو الركيزة الاستراتيجية الأكثر كفاءة لتحقيق أمن الطاقة والتنمية المستدامة في ليبيا.

أولاً: ماذا تقول الأرقام؟

تكشف المقارنات الاقتصادية الخاصة بتكاليف إنتاج الكهرباء عن تسلسل واضح في كفاءة أنواع الوقود.

فإنتاج الكهرباء باستخدام الغاز الطبيعي المحلي في محطات الدورة المركبة تبلغ تكلفته ما بين 30 و55 دولاراً لكل ميغاواط/ساعة، وهو أقل مستوى تكلفة بين جميع البدائل التقليدية.

أما عند استخدام الغاز الطبيعي المحلي في محطات الدورة البسيطة فترتفع التكلفة قليلاً لتتراوح بين 45 و85 دولاراً لكل ميغاواط/ساعة، لكنها تبقى ضمن النطاق الأكثر تنافسية.

ثم تبدأ التكلفة بالارتفاع تدريجياً مع استخدام الوقود السائل، حيث تبلغ:

أ. زيت الوقود الثقيل (HFO): بين 105 و135 دولاراً/ميغاواط/ساعة.
ب. زيت الوقود منخفض الكبريت (FO/VLSFO): بين 135 و170 دولاراً/ميغاواط/ساعة.
ج. الغاز الطبيعي المسال المستورد (LNG): بين 120 و155 دولاراً/ميغاواط/ساعة.

أما عند تشغيل المحطات بواسطة الديزل، فتقفز التكلفة بصورة كبيرة:

أ. محركات الديزل الكبيرة: بين 195 و235 دولاراً/ميغاواط/ساعة.
ب. المولدات الصغيرة منخفضة الكفاءة: بين 250 وأكثر من 400 دولار/ميغاواط/ساعة.

بمعنى آخر، فإن إنتاج نفس كمية الكهرباء قد يكلف الدولة سبعة إلى أكثر من ثلاثة عشر ضعفاً عند استخدام مولدات الديزل الصغيرة مقارنة بمحطات الدورة المركبة العاملة بالغاز الطبيعي المحلي.

وهنا تكمن الرسالة الاقتصادية الأولى: كلما ابتعدنا عن الغاز الطبيعي، ارتفعت تكلفة الكهرباء بصورة متسارعة.

ثانياً: رسالة اقتصادية يغفل عنها كثيرون

من أهم ما تكشفه هذه المقارنات أن الغاز الطبيعي يظل الخيار الاقتصادي الأفضل حتى إذا تم شراؤه من المستثمرين وفق الأسعار المرجعية العالمية (TTF).

هذه نقطة في غاية الأهمية؛ لأن البعض يفترض أن شراء الغاز من المستثمرين سيجعل استخدامه غير مجدٍ اقتصادياً.

غير أن الأرقام تؤكد العكس؛ إذ إن تكلفة إنتاج الكهرباء باستخدام الغاز تبقى أقل بكثير من تكلفة إنتاجها باستخدام الديزل، حتى مع احتساب سعر شراء الغاز وفق المؤشرات العالمية.

وهذا يعني أن القضية ليست في سعر الغاز، وإنما في ارتفاع التكلفة الجوهرية للوقود السائل، سواء من حيث ثمن الوقود نفسه أو كفاءة الاحتراق أو تكاليف التشغيل والصيانة.

ثالثاً: لماذا يتفوق الغاز الطبيعي فنياً؟

الغاز الطبيعي ليس الأرخص فقط، بل هو أيضاً الأفضل من الناحية التشغيلية، فهو يتميز بـ:

  1. سرعة التشغيل والإيقاف.
  2. استقرار عملية الاحتراق.
  3. احتراق نظيف يقلل الترسبات داخل التوربينات والغلايات.
  4. انخفاض معدلات الأعطال.
  5. انخفاض تكاليف الصيانة.
  6. إطالة العمر التشغيلي للمعدات.

كما أن محطات الدورة المركبة العاملة بالغاز تحقق كفاءة تحويل للطاقة قد تصل إلى (60–64%) مقارنة بنحو (33–40%) في كثير من المحطات التقليدية العاملة بالوقود السائل.

أي أن كمية الوقود نفسها تنتج كهرباء أكبر، وهو ما ينعكس مباشرة على انخفاض التكلفة.

رابعاً: لماذا يتفوق اقتصادياً؟

من الناحية الاقتصادية، لا تقتصر مزايا الغاز الطبيعي على انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء.

فالاعتماد على الغاز المحلي يؤدي إلى:

  1. خفض فاتورة استيراد الديزل والوقود السائل.
  2. تقليل الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي.
  3. تخفيض تكلفة الدعم الحكومي.
  4. تحسين كفاءة الإنفاق العام.
  5. رفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
  6. تقليل تكلفة الصيانة وقطع الغيار.
  7. زيادة العمر التشغيلي لمحطات التوليد.

ومن المهم الإشارة إلى أن تكلفة إنتاج الكهرباء الواردة أعلاه تمثل تكلفة التوليد فقط، ولا تشمل تكاليف النقل أو التوزيع أو فاقد الشبكة أو تكاليف التمويل أو الظروف التشغيلية، وهو ما يعني أن أي توفير في مرحلة التوليد ينعكس إيجاباً على التكلفة الإجمالية لمنظومة الكهرباء.

خامساً: لماذا يتفوق بيئياً؟

يُعد الغاز الطبيعي أنظف أنواع الوقود الأحفوري المستخدمة في إنتاج الكهرباء، فهو:

أ. يخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالوقود السائل.
ب. يكاد يخلو من انبعاثات الكبريت.
ج. يقلل الجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء.
د. يخفض أكاسيد النيتروجين بدرجات ملحوظة.
هـ. يحسن جودة الهواء في المدن القريبة من محطات الكهرباء.

كما أن التوسع في استغلال الغاز المحلي يساهم في تقليل حرق الغاز المصاحب، وهو أحد الملفات التي تمثل تحدياً اقتصادياً وبيئياً في ليبيا؛ إذ إن الغاز الذي كان يُحرق دون قيمة يمكن أن يتحول إلى وقود لتوليد الكهرباء أو مادة أولية للصناعات البتروكيماوية.

سادساً: ماذا تعني هذه الأرقام بالنسبة لليبيا؟

ليبيا ليست دولة تبحث عن الغاز في الأسواق العالمية، بل هي دولة تمتلك احتياطيات غاز كبيرة وبنية تحتية للإنتاج والمعالجة والنقل وخبرة تراكمية تمتد لعقود.

من ثم، فإن كل مشروع جديد لتطوير حقول الغاز أو جمع الغاز المصاحب أو إنشاء وحدات معالجة جديدة، لا يمثل استثماراً في قطاع النفط فحسب، بل يمثل استثماراً مباشراً في:

  1. استقرار الشبكة الكهربائية.
  2. تخفيض تكلفة الكهرباء.
  3. تقليل استيراد الوقود.
  4. توفير النقد الأجنبي.
  5. تحسين الميزان التجاري.
  6. تعزيز أمن الطاقة الوطني.

ومن هذا المنطلق، فإن استراتيجية تطوير مشاريع الغاز التي تتبناها المؤسسة الوطنية للنفط تتجاوز كونها خطة لزيادة الإنتاج، لتصبح ركيزة أساسية لتحقيق أمن الطاقة الليبي.

في المقابل، فإن التوسع في محطات الدورة المركبة ورفع كفاءة التوليد يمثلان المهمة المكملة التي تضطلع بها الشركة العامة للكهرباء، بما يجعل نجاح المنظومة مرهوناً بالتكامل بين القطاعين، لا بجهود أي مؤسسة منفردة.

سابعاً: ماذا ينبغي أن تكون الأولويات؟

في ضوء هذه الحقائق، فإن الأولويات الاستراتيجية يمكن تلخيصها في:

  1. الإسراع في تنفيذ مشاريع تطوير حقول الغاز.
  2. استكمال مشاريع جمع واستثمار الغاز المصاحب وخفض الحرق.
  3. إعطاء الأولوية لمحطات الدورة المركبة في أي توسعات جديدة.
  4. تقليل الاعتماد على الديزل ليقتصر على حالات الطوارئ.
  5. تعزيز التنسيق المؤسسي بين المؤسسة الوطنية للنفط والشركة العامة للكهرباء.
  6. ربط سياسات الطاقة بالاستدامة المالية وحماية البيئة.

الخلاصة

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الرأي العام ليست أن الغاز الطبيعي هو الأقل تكلفة فحسب، بل إنه الوقود الذي يجمع بين الكفاءة الفنية والجدوى الاقتصادية والاستدامة البيئية وأمن الطاقة في آن واحد.

فكل زيادة في إنتاج الغاز المحلي وكل مشروع لتجميع الغاز المصاحب وكل محطة دورة مركبة تدخل الخدمة، لا تعني فقط إنتاج كهرباء بكلفة أقل، بل تعني أيضاً خفض الضغط على الموازنة العامة وتوفير النقد الأجنبي وتقليل الانبعاثات وتعزيز موثوقية الشبكة الكهربائية وتحويل جزء أكبر من الثروة الطبيعية إلى قيمة مضافة يستفيد منها المواطن والاقتصاد الوطني.

لهذا، فإن الاستثمار في الغاز الطبيعي ليس خياراً تقنياً يخص قطاع النفط أو الكهرباء وحدهما، بل هو خيار سيادي واستراتيجي يرتبط بمستقبل التنمية في ليبيا وبقدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة وعدالة واستدامة، بما يحقق مصلحة الوطن ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.