Skip to main content

الوسم: رئيسي

“الفضيل”: أزمة الوقود الحالية مفتعلة للضغط باتجاه استمرار صفقات مقايضة النفط

اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة “عبد الحميد الفضيل” أن أزمة الوقود الخانقة التي تشهدها البلاد في الوقت الراهن ليست مجرد خلل فني عابر، بل هي “ردة فعل” وافتعال ممنهج للأزمات؛ للضغط على التحركات الرقابية والقانونية الأخيرة.

​وأوضح “الفضيل” في منشور له، أن الأزمة تزامنت مع ضغوطات قوية ومساعٍ حثيثة يقودها مكتب النائب العام وديوان المحاسبة لإنهاء ملف مقايضة النفط الخام بالمحروقات وتصحيح مساره القانوني.

​وأشار إلى أن إنفاق 8 مليار دولار سنوياً على واردات المحروقات دون حل الأزمة، يعطي مؤشراً قوياً على أن هناك أطرافاً تريد إرسال رسالة صريحة لصنّاع القرار والجهات الرقابية مفادها: “إما استمرار صفقات المقايضة المريبة، أو جحيم الطوابير الطويلة”.

“الشلوي”: مصفاة رأس لانوف بين خيار التصدير الخام والتكرير المحلي.. قراءة اقتصادية نفطية موضوعية لصنّاع القرار في ليبيا

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

تشهد ليبيا في المرحلة الراهنة عودة أحد أهم الأصول النفطية الاستراتيجية إلى دائرة العمل الوطني الكامل، والمتمثلة في مصفاة ومجمع رأس لانوف الصناعي، بعد سنوات طويلة من التوقف والتحديات الفنية والأمنية والتشغيلية. ومع الإعلان عن عودة المصفاة إلى حضن المؤسسة الوطنية للنفط والإدارة السيادية الكاملة، عاد إلى الواجهة سؤال اقتصادي وفني بالغ الأهمية، يتكرر كثيراً في الأوساط النفطية والاقتصادية وصنع القرار:

هل من الأفضل اقتصادياً لليبيا تشغيل مصفاة رأس لانوف وتكرير النفط محلياً، أم أن تصدير الخام مباشرة سيكون أكثر جدوى وربحية للدولة؟

الإجابة العلمية على هذا السؤال ليست بسيطة أو أحادية الاتجاه، بل تعتمد على مجموعة معقدة من المتغيرات الفنية والاقتصادية والمالية والاستراتيجية، فضلاً عن طبيعة المصفاة نفسها، وتركيبة المنتجات، ومستقبل أسعار النفط، وسياسات الدعم المحلي، ونمو الطلب الداخلي على الطاقة.

ومن هنا، فإن المقاربة الموضوعية تقتضي دراسة السيناريوهين معاً، بعيداً عن الانطباعات أو القناعات الشخصية، ومن منظور يخدم المصلحة الوطنية الليبية على المدى القصير والمتوسط والطويل.

أولاً: الخصائص الفنية والاقتصادية لمصفاة رأس لانوف
مصفاة رأس لانوف ليست مجرد وحدة تكرير تقليدية، بل هي جزء من مجمع صناعي متكامل يرتبط بالصناعات البتروكيميائية وإنتاج المشتقات الوسيطة والثقيلة، وقد صُممت تقنياً لتغذية عدد من الأنشطة الصناعية اللاحقة، وليس فقط لإنتاج الوقود المحلي.

وتتبوأ الطاقة التصميمية المستهدفة للتكرير نحو 220 ألف برميل يومياً، وهي كمية كبيرة نسبياً قياساً بحجم السوق المحلي الليبي، كما أن جزءاً مهماً من مخرجاتها، وخاصة الديزل، سيكون موجهاً إلى مسارين:

السوق المحلي لتغطية الطلب المتزايد على المحروقات.

الصناعات البتروكيميائية والمجمعات الصناعية المرتبطة بالمصفاة.

وهذا يعني أن تقييم جدوى تشغيل المصفاة لا يمكن أن يُبنى فقط على هامش الربح المباشر من بيع الوقود، بل يجب أن يشمل أيضاً القيمة المضافة الصناعية، وتقليل الواردات، وتأمين الإمدادات، والأثر الاقتصادي غير المباشر.

ثانياً: السيناريو الأول — استمرار توقف المصفاة وتصدير الخام
في هذا السيناريو، يتم تصدير كامل كمية الـ 220 ألف برميل يومياً كنفط خام دون تكرير محلي.

وبحسب بعض التقديرات المبنية على توقعات المؤسسات الدولية، ومنها توقعات “غولدمان ساكس” (Goldman Sachs) لأسعار النفط خلال عام 2026، والتي ترجح وصول سعر البرميل إلى حدود 90 دولاراً، فإن التدفقات النقدية النفطية الليبية قد تصل إلى حوالي:

31 مليار دولار كتدفقات نقدية إجمالية (Cash Flow) بعد خصم حصة الشركاء وبعض عمليات التكرير المحلية القائمة.

لكن في ظل توقف مصفاة رأس لانوف، ستضطر الدولة إلى الاستمرار في استيراد كميات كبيرة من المحروقات، وخاصة الديزل، لتغطية الطلب المحلي المتزايد. وعليه، وبعد خصم فاتورة استيراد الوقود، ينخفض صافي الدخل النفطي إلى حوالي:

23 مليار دولار خلال 2026.

أي ما يعادل تقريباً 151 مليار دينار ليبي وفق سعر الصرف المستخدم في التقديرات.

غير أن الصورة المستقبلية تبدو أكثر حساسية عند النظر إلى عام 2030، حيث تشير بعض التقديرات الاقتصادية الدولية، ومنها توقعات “أكسفورد إيكونوميكس” (Oxford Economics)، إلى احتمال انخفاض أسعار النفط عالمياً نتيجة التحول التدريجي في أسواق الطاقة وزيادة الضغوط على الوقود الأحفوري. وفي هذه الحالة قد ينخفض:

التدفق النقدي إلى حوالي 25 مليار دولار.

وصافي الدخل إلى نحو 19 مليار دولار.

بما يعادل قرابة 93 مليار دينار ليبي فقط.

وهنا تظهر نقطة محورية شديدة الأهمية: الاعتماد الكامل على تصدير الخام يجعل الاقتصاد الليبي أكثر عرضة لتقلبات السوق العالمية وأسعار النفط، دون وجود قيمة مضافة صناعية محلية حقيقية.

ثالثاً: السيناريو الثاني — تشغيل مصفاة رأس لانوف
في هذا السيناريو، يتم سحب 220 ألف برميل يومياً من الطاقة التصديرية الخام، وتوجيهها إلى عمليات التكرير داخل ليبيا.

ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك نظرياً إلى انخفاض حجم الصادرات الخام، لكن بالمقابل ستنتج المصفاة:

الديزل.

الكيروسين.

غاز البترول المسال.

بعض المنتجات الثقيلة.

مدخلات للصناعات البتروكيميائية.

جزء من هذه المنتجات سيغطي السوق المحلي، بينما يمكن تصدير جزء آخر أو استخدامه في صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة أعلى.

ووفق بعض التقديرات الاقتصادية، فإن العائد المتوقع في هذا السيناريو قد يصل خلال عام 2026 إلى حوالي:

152 مليار دينار ليبي.

وهو رقم قريب من سيناريو التصدير الخام، مما يعني أن الفارق النقدي المباشر ليس حاسماً في المدى القصير.

لكن بحلول عام 2030، ومع تغيرات السوق النفطية العالمية، قد ينخفض العائد إلى نحو:

82 مليار دينار ليبي.

وهنا تبدأ التحديات الحقيقية في الظهور؛ لأن تشغيل المصفاة بحد ذاته لا يضمن تلقائياً تحقيق أعلى عائد اقتصادي، خاصة إذا استمرت سياسات الدعم الحالية واستهلاك الطاقة غير المنضبط.

رابعاً: العامل الحاسم — سياسة الدعم واستهلاك الطاقة
أحد أهم التحديات الاقتصادية في ليبيا لا يتعلق فقط بالإنتاج أو التكرير، بل بنمط الاستهلاك المحلي للطاقة. فليبيا تُعد من الدول ذات الكثافة العالية جداً في استهلاك المحروقات مقارنة بحجم الاقتصاد وعدد السكان، ويرجع ذلك إلى:

الدعم الواسع للمحروقات.

انخفاض الأسعار المحلية بشكل كبير.

التهريب.

ضعف كفاءة الاستهلاك.

غياب سياسات ترشيد الطاقة.

وتشير العديد من الدراسات الاقتصادية إلى وجود علاقة قوية بين النمو الاقتصادي واستهلاك الطاقة، تصل في بعض التقديرات إلى نحو 64%، مما يعني أن أي نمو اقتصادي غير منضبط قد يقود إلى تضخم كبير في الطلب المحلي على الوقود.

وهنا تبرز إشكالية خطيرة: كلما توسع الاستهلاك المحلي المدعوم، زادت كميات النفط التي تُسحب من التصدير لصالح السوق الداخلي، وبالتالي ينخفض الدخل النقدي للدولة.

خامساً: هل التكرير أفضل أم التصدير الخام؟
علمياً واقتصادياً، لا يمكن القول بشكل مطلق إن أحد الخيارين أفضل دائماً من الآخر؛ فالنتيجة تعتمد على مجموعة من الشروط المصاحبة.

يكون تشغيل المصفاة أكثر جدوى عندما:

يتم تقليل فاتورة استيراد الوقود.

تُربط المصفاة بصناعات بتروكيميائية ذات قيمة مضافة.

تتحسن كفاءة التشغيل الفنية.

يتم إصلاح سياسات الدعم تدريجياً.

تُرفع الطاقة الإنتاجية الإجمالية للنفط الليبي.

تُدار المصفاة بمعايير تجارية واقتصادية عالية.

بينما يصبح تصدير الخام أكثر ربحية عندما:

تكون أسعار النفط مرتفعة جداً.

تكون هوامش التكرير العالمية ضعيفة.

ترتفع تكاليف التشغيل والصيانة محلياً.

تكون كفاءة المصفاة منخفضة.

يستمر الاستهلاك المحلي المدعوم بالنمو دون ضوابط.

سادساً: البعد الاستراتيجي الوطني
بعيداً عن الحسابات المالية المباشرة، هناك بعد استراتيجي لا يمكن تجاهله. فامتلاك ليبيا لقدرات تكرير وصناعات تحويلية محلية يمثل عنصراً مهماً في:

الأمن الطاقوي الوطني.

تقليل الاعتماد على الاستيراد.

خلق فرص عمل صناعية.

دعم التنمية الإقليمية.

توطين الصناعات النفطية.

بناء سلاسل قيمة محلية.

لكن في المقابل، فإن نجاح هذا المسار يتطلب إدارة اقتصادية دقيقة؛ لأن التكرير المحلي دون إصلاحات اقتصادية موازية قد يتحول إلى عبء مالي بدلاً من أن يكون مصدر قيمة مضافة.

الخلاصة
الحقيقة الاقتصادية والفنية بشأن مصفاة رأس لانوف ليست أبيض أو أسود، بل تقع في منطقة وسطى معقدة تتداخل فيها اعتبارات السوق والطاقة والسياسات العامة.

تشغيل المصفاة قد يمنح ليبيا قيمة صناعية واستراتيجية كبيرة، لكنه ليس ضمانة تلقائية لتعظيم الإيرادات النقدية، خاصة في ظل الدعم المرتفع والنمو المتسارع لاستهلاك الطاقة. وفي المقابل، فإن الاعتماد الكامل على تصدير الخام قد يوفر تدفقات نقدية أعلى في بعض الفترات، لكنه يبقي الاقتصاد الليبي رهينة لتقلبات الأسواق النفطية العالمية دون تنويع حقيقي للقيمة المضافة.

وعليه، فإن الخيار الأكثر توازناً ربما لا يكمن في المفاضلة بين التصدير أو التكرير، بل في الجمع الذكي بينهما عبر:

رفع الإنتاج النفطي الإجمالي،

وتحسين كفاءة التكرير،

وربط الصناعات البتروكيميائية،

وإصلاح سياسات الدعم تدريجياً،

والتحكم في نمو الاستهلاك المحلي للطاقة.

ففي النهاية، القضية ليست فقط كم ننتج من النفط، بل كيف ندير كل برميل بما يخدم مستقبل ليبيا الاقتصادي واستقرارها الوطني على المدى الطويل.

“المركزي” يؤكد ضخ 20 مليار دينار للحسابات في شهر مايو ويعتذر عن الانقطاع الذي حصل في خدمات الدفع الإلكتروني

أصدر مصرف ليبيا المركزي بيانا اليوم الثلاثاء، تقدم فيه بالشكر لكل العاملين بالقطاع المصرفي الليبي، تقديراً لجهودهم المتواصلة في توزيع السيولة النقدية المحلية والاجنبية على المواطنين عبر فروع المصارف في مختلف أنحاء البلاد رغم التحديات والصعوبات التي واجهت المصارف في عملية توزيع السيولة.

وأوضح “المركزي” بأنه خلال شهر مايو فقط تمت إضافة مرتبات شهري أبريل ومايو إلى حسابات المواطنين بقيمة 13.2 مليار دينار، وعلاوة الزوجة والأبناء بقيمة بلغت 1.7 مليار دينار، فضلاً عن التزامات الجهات الحكومية والقطاع الخاص، ومرتبات صندوق التضامن الاجتماعي والائمة ومحفظي القرآن الكريم والشركات العامة والخاصة والتي بلغت 4.8 مليار دينار، ليصل الإجمالي إلى نحو 20 مليار دينار.

وتقدم مصرف ليبيا المركزي باعتذاره نيابة عن المصارف التجارية عن بعض الانقطاعات التي حدثت في خدمات الدفع الالكتروني في بعض المصارف، نتيجة حجم العمليات الكبير جداً، حيث بلغ عدد العمليات على نقاط البيع ليوم الأمس الاثنين عدد 2 مليون عملية على عدد 67 الف نقطة بيع، مؤكدا بأنه قد تمت معالجة هذه الانقطاعات وإعادة الخدمات إلى وضعها الطبيعي.

“الشلوي”: طوابير الوقود في ليبيا.. بين وفرة الموارد واختلال منظومة الدعم والتوزيع

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

خلال زيارتي لمدينتي درنة لقضاء إجازة عيد الأضحى المبارك رفقة الوالد، كان السؤال الأكثر حضوراً في لقاءاتي مع الأقارب والأصدقاء والمعارف يتعلق بأزمة الوقود وطوابير السيارات الممتدة أمام محطات التوزيع في مختلف المدن الليبية.

ولأن الجميع يعلم أنني أعمل في قطاع النفط والغاز، فقد تكرر السؤال بصيغ مختلفة، لكن مضمونه واحد: كيف تعاني دولة تنتج أكثر من مليون ونصف برميل نفط يومياً من طوابير البنزين والديزل؟

وقد زادت قناعتي بأهمية الحديث في هذا الموضوع عندما قدت سيارتي بنفسي من منطقة البريقة إلى درنة عبر الطريق البري، وشاهدت بعيني الازدحام الكبير أمام محطات الوقود في عدد من المدن والقرى التي مررت بها.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بكل وضوح وموضوعية، أنني لم أتساءل لماذا توجد طوابير، لأنني أعلم يقيناً أن المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط تبذلان جهوداً تشغيلية كبيرة ومقدّرة لضمان استمرار الإمدادات، رغم الظروف الدولية والإقليمية المعقدة، وما تشهده أسواق الطاقة وسلاسل التوريد من اضطرابات مرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية وتقلبات النقل والشحن والتكرير عالمياً.

لكن في المقابل، فإن الواقع لا يمكن تجاهله أيضاً: هناك شح وازدحام متكرر في محطات الوقود على مستوى ليبيا، وهذه الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بتأخر ناقلة أو زيادة موسمية في الاستهلاك، بل أصبحت تعكس خللاً هيكلياً أعمق في منظومة الدعم والتوزيع والرقابة.

المشكلة ليست فقط في التوريد
من المهم توضيح نقطة جوهرية يغفل عنها كثيرون.

اليوم تصل شحنات البنزين والديزل إلى الموانئ الليبية بشكل منتظم نسبياً، والمؤسسة الوطنية للنفط أعلنت مؤخراً عن رسو ناقلات في موانئ طرابلس وبنغازي ومصراتة والزاوية وطبرق محملة بكميات كبيرة من البنزين والديزل، بالتزامن مع تشغيل عدد من المحطات على مدار 24 ساعة للمساهمة في تخفيف الأزمة.

إذن، الإشكالية الحقيقية لا تبدأ عند وصول الوقود إلى الموانئ أو المستودعات، بل تبدأ بعد خروج هذه الشحنات من المستودعات ودخولها في مراحل النقل والتوزيع والتداول. وهنا تظهر بوضوح أزمة التهريب والتسرب غير المشروع للمحروقات، والتي أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه منظومة توزيع الوقود في ليبيا.

التهريب يستنزف الدعم ويخلق السوق الموازية
الدولة الليبية تنفق مليارات الدولارات سنوياً لتوفير الوقود بأسعار مدعومة للمواطن، لكن جزءاً معتبراً من هذه الكميات لا يصل فعلياً إلى مستحقيه. فالفارق الكبير بين الأسعار المحلية المدعومة وأسعار الوقود في دول الجوار خلق بيئة خصبة للتهريب والاتجار غير المشروع، سواء عبر المنافذ البرية أو البحرية أو عبر الصحراء.

ولهذا فإن أي جهود لتحسين الإمدادات أو زيادة الكميات ستظل تحت الضغط ما لم تتم معالجة ظاهرة التهريب بصورة حازمة وفعالة.

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن نجاح منظومة التزويد لا يُقاس فقط بوصول الشحنات إلى الموانئ والمستودعات، بل بوصول كل لتر وقود إلى المواطن داخل المسار القانوني المخصص له. فكل لتر يتسرب خارج هذا المسار يمثل استنزافاً مباشراً للدعم، ويؤثر بشكل مباشر على توفر الوقود داخل السوق المحلي، ويزيد من الضغط على المحطات ومنظومة التوزيع.

ومن المعروف أن شركة البريقة تتولى استلام المحروقات وتخزينها وتوزيعها وفق الخطط التشغيلية المعتمدة، لكن الجزء الأكبر من تحديات التهريب والتسرب يظهر بعد خروج الوقود من المستودعات، وهو ما يتطلب رقابة أمنية وميدانية صارمة ومستمرة حتى وصول الوقود إلى المستهلك النهائي.

زيادة الإمدادات وحدها ليست حلاً دائماً
قد تختفي الطوابير أحياناً مع وصول شحنات جديدة أو مع اتخاذ إجراءات مؤقتة، لكنها ستعود مرة أخرى ما دامت جذور المشكلة ما زالت قائمة. لأن ضخ كميات إضافية في منظومة غير محكمة يعني ببساطة أن جزءاً من هذه الكميات سيذهب مجدداً إلى السوق السوداء أو التهريب. ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة التوريدات، بل في إصلاح المنظومة بالكامل.

رفع الدعم النقدي أصبح ضرورة اقتصادية
قد يختلف البعض حول هذه النقطة، لكنها من الناحية الاقتصادية أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها طويلاً. إن استمرار الدعم السلعي المفتوح للبنزين والديزل بصورته الحالية يعني استمرار النزيف المالي، واستمرار التهريب، واستمرار الهدر.

والحل الأكثر واقعية وعدالة يتمثل في التحول التدريجي إلى الدعم النقدي المباشر، وفق قانون واضح يصدر عن السلطة التشريعية، يطمئن المواطن إلى استمرارية الدعم ويحافظ على قدرته الشرائية، بدلاً من أن يذهب الجزء الأكبر من الدعم إلى المهربين والسوق الموازية.

الدعم يجب أن يذهب للمواطن، لا للمهرب. لكن نجاح هذه الخطوة يتطلب تنفيذها بصورة مدروسة وعادلة، مع توفير قاعدة بيانات دقيقة، وآليات رقابية فعالة، وضمانات اجتماعية تحمي أصحاب الدخل المحدود.

البطاقة الذكية ضرورة لتنظيم الاستهلاك
منظومة توزيع الوقود في ليبيا تحتاج إلى تحول رقمي كامل. إن استخدام البطاقة الذكية أو أي منظومة إلكترونية مشابهة أصبح ضرورة وطنية لضبط الاستهلاك، ومراقبة حركة الوقود، والحد من التسرب، وتوجيه الدعم لمستحقيه الحقيقيين. هذه المنظومات أثبتت نجاحها في عدد من الدول من خلال تقليل الفاقد، وتحسين الرقابة، ومنع التلاعب.

لكن يجب التأكيد أن البطاقة الذكية وحدها ليست عصاً سحرية، بل جزء من حزمة إصلاحات متكاملة تشمل:
تشديد الرقابة الأمنية على حركة الوقود.
تتبع الصهاريج إلكترونياً.
ربط المحطات بمنظومات مراقبة مركزية.
مكافحة السوق السوداء.
تفعيل العقوبات الرادعة بحق المتورطين في التهريب.
بناء قاعدة بيانات دقيقة للاستهلاك الحقيقي.

ليبيا بحاجة إلى مخزون استراتيجي حقيقي
من غير المنطقي أن يبقى استقرار سوق الوقود في دولة نفطية مرهوناً بوصول ناقلة من البحر أو تأخرها بسبب الأحوال الجوية أو ظروف السوق العالمية. أي دولة تحترم أمنها الطاقوي تحتفظ بمخزون استراتيجي يغطي احتياجاتها لعدة أشهر على الأقل.

ولهذا فإن بناء مخزون استراتيجي للمحروقات والمحافظة عليه يجب أن يكون أولوية سيادية، تشرف عليها المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة والأجهزة الرقابية المختصة.

الحل الجذري يبدأ من التكرير المحلي
أما على المدى المتوسط والبعيد، فإن الحل الحقيقي يكمن في تقليل الاعتماد على استيراد البنزين أصلاً. وهنا تبرز أهمية الإسراع في تنفيذ مشاريع تطوير المصافي، وعلى رأسها:
مشروع تطوير مصفاة الزاوية لتحويل النافتا إلى بنزين سيارات.
الاستفادة من المكثفات المنتجة في مليتة وغيرها لإنتاج البنزين محلياً.
تطوير مصفاة رأس لانوف للاستفادة من النافتا الفائضة عن احتياجات مصنع الإيثيلين وتحويلها إلى بنزين سيارات.

فلا يعقل أن يبقى مصير دولة كاملة معلقاً بوصول سفينة وقود من الخارج، في حين أنها تمتلك هذه الثروة النفطية الضخمة والإمكانات الفنية والبشرية القادرة على تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

الخلاصة
بكل إنصاف، لا يمكن تحميل مسؤولية أزمة الطوابير لجهة واحدة فقط، كما لا يمكن اختزال المشكلة في نقص الإمدادات وحده. لدينا منظومة دعم تستنزف الميزانية، وشبكات تهريب تستفيد من فارق الأسعار، وضعف في الرقابة بعد مرحلة التوزيع، واعتماد مفرط على الاستيراد، وغياب لمنظومة استهلاك ذكية ومنظمة.

وقد تقل الطوابير أحياناً وتختفي مؤقتاً، لكنها ستعود مرة ومرتين وربما أكثر، ما لم تُتخذ قرارات جذرية وشجاعة تعالج أصل الأزمة لا أعراضها فقط.

ليبيا لا تعاني من نقص الموارد، بل من الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة، ورؤية اقتصادية واضحة، وإرادة حقيقية لحماية المال العام وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة عادلة ومنظمة ومستدامة.

“أبوسيف اغنيه” يكتب: نداء وطني لاستحداث منظومة الدعم النقدي المباشر في ليبيا

كتب: د. أبوسيف الزروق اغنيه / الخبير المالي والاقتصادي الدولي ورئيس صندوق ليبيا للتنمية الصناعية

أخي المواطن الكريم، أختي المواطنة الكريمة، الإخوة والأخوات المهتمين بالشأن العام والاقتصادي في ليبيا..

في ظل انسداد قنوات التواصل المؤسسي التقليدية وصعوبة إيصال المقترحات الهيكلية عبر المسارات الدولية البيروقراطية المعتادة، اخترت أن أشارككم من خلال هذا المنبر الرقمي الحر رؤية ومبادرة وطنية تم صياغتها استناداً إلى عقود من الخبرة الدولية في المجال الاقتصادي والمالي والحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر. إن هذا المنبر يمثل اليوم وسيلتنا المباشرة لكسر طوق الصمت، وطرح بدائل حقيقية تسهم في معالجة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تمس حياة كل مواطن.

أكتب إليكم اليوم لا بصفتي خبيراً عاصر تجارب الإصلاح والتطوير والتنمية في أكثر من 57 دولة حول العالم فحسب، بل بصفتي أخاً محباً يتألم لما تمرون به، وقلباً كبيراً يريد الخير لكل عائلة وكل فرد في هذا الوطن المعطاء.

عزيزي، عزيزتي، هل تعلمون أين تذهب ثرواتكم؟

دعونا نتحدث بلغة الأرقام الصادقة التي لا تجامل؛ عائلتك المكونة من 6 أفراد تكلف الدولة الليبية حالياً (مايو 2026) ما يقارب 6,000 دينار شهرياً لتغطية ميزانية الطاقة والمحروقات. السؤال الكبير الذي يجب أن نطرحه جميعاً: أين تذهب هذه الأموال؟ وكم يصل منها فعلياً إلى جيبك ليدعم أسرتك ويسهل حياة أولادك؟

الحقيقة المرة هي أن الدعم العيني الحالي (البنزين الرخيص، الكهرباء المهدورة) لا يستفيد منه المواطن البسيط بالشكل العادل؛ المستفيد الأكبر هو شبكات التهريب الدولية والعابرة للحدود، وأصحاب المصالح في السوق السوداء. نحن ندعم وقوداً يُهرب لدول الجوار، بينما يقف المواطن الليبي الشريف في طوابير محطات البنزين! لقد حان الوقت لننتقل من هذه المنظومة التقليدية الفاشلة إلى منظومة الدعم النقدي المباشر وفق خطة مبتكرة تضمن دخول الأموال إلى جيوب الليبيين البسطاء مباشرة.

ملامح الخطة المبتكرة لاستبدال الدعم: أموالك في جيبك أولاً

التحول الرقمي الشامل (حساب المواطن الليبي): الربط الفوري بالرقم الوطني عبر إنشاء منصة رقمية موحدة مرتبطة مباشرة بمنظومة الأحوال المدنية، لضمان أعلى درجات الامتثال والنزاهة، ومحاربة التزوير، وضمان وصول كل درهم لمستحقيه الفعليين.

المحافظ الإلكترونية الذكية: تحويل القيمة النقدية (الـ 6,000 دينار شهرياً، أو ما تحدده الدراسات بدقة وبعدد أفراد كل أسرة) مباشرة إلى الحسابات المصرفية والمحافظ الرقمية للهواتف (سداد، تداول، موني، وغيرها)، بلا طوابير، بلا وساطة، وبلا تأخير.

التدرج الذكي لمنع الصدمات والتضخم

المرحلة الأولى (وقود السيارات): الرفع التدريجي لأسعار الوقود على مدار 18 إلى 24 شهراً؛ فالرفع الفجائي بنسبة 100% هو انتحار اقتصادي لن نسمح به.

الدفع المسبق (Cashback): يستلم المواطن القيمة النقدية في حسابه أولاً، ثم يتم تحريك أسعار الوقود في المحطات لاحقاً (بعد 3 أشهر)، لضمان عدم حدوث أي هزة في القدرة الشرائية.

مؤشر مرن لغلاء المعيشة: ربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم وأسعار السوق لحماية الطبقات الهشة بشكل مستمر ومدروس.

ابتكار بطاقة الطاقة الذكية (مكافأة الترشيد)

لتجنب ضخ سيولة كاش ضخمة قد تسبب تضخماً، تقسم القيمة إلى قسمين:

50% دعم نقدي مباشر: يدخل الحساب المصرفي للتصرف فيه بحرية.

50% رصيد في بطاقة طاقة ذكية: مخصصة حصرياً لشراء البنزين، الديزل، دفع فواتير الكهرباء، أو غاز الطهي.

المفاجأة؟ إذا نجحت العائلة في ترشيد استهلاكها ولم تستهلك كامل الرصيد، يتم تحويل المتبقي تلقائياً إلى كاش في حسابهم نهاية الشهر كمكافأة ترشيد.

حماية قطاع النقل والخدمات (العمود الفقري للأسعار)

لحماية أسعار السلع والخدمات من الارتفاع:

تخصيص جزء من وفورات الدعم لدعم وقود شاحنات نقل البضائع، سيارات الإسعاف، والخدمات العامة.

توجيه استثمارات فورية لإنشاء شبكة نقل عام حديثة ومتطورة (ترامواي) بكل من طرابلس وربطها بالزاوية، وبنغازي، وسبها، ومصراتة، والبيضاء، وتعميم هذه الوسيلة على المدن الكبيرة بليبيا لاحقاً.

بالأرقام والحقائق.. كيف ستتغير حياتك اليومية؟

عند تطبيق هذه الرؤية المستلهمة من أفضل الممارسات الدولية، سنشهد نتائج ملموسة على كافة الأصعدة:

توجيه ضربة قاضية للتهريب: عندما يصبح سعر الوقود الليبي مساوياً للسعر العالمي، سيتوقف التهريب فوراً؛ فلن يجد المهرب هامش ربح يدفعه للمخاطرة.

عدالة اجتماعية حقيقية: العائلة البسيطة التي تملك سيارة واحدة (أو لا تملك) ستتساوى في قيمة الدعم مع العائلة الميسورة التي تملك أسطول سيارات، مما يعيد توزيع الثروة بعدالة.

إنعاش المنظومة المصرفية والقضاء على أزمة السيولة: ضخ هذه المليارات عبر القنوات الرقمية والمصرفية سيقضي على أزمة السيولة المزمنة في المصارف الليبية نهائياً.

إعادة بناء البنية التحتية: الأموال الضخمة التي كانت تذهب هباء في قاع التهريب، ستُوجه لترميم قطاعات الصحة، التعليم، صيانة شبكة الكهرباء المتهالكة لضمان توفر الطاقة 24 ساعة، وتقليل الحوادث المرورية عبر صيانة الطرق.

شرط النجاح الحاسم: الثقة والأمان

من واقع خبرتي الدولية، لن يكتب النجاح لهذه الخطة إلا بشرط واحد ووحيد: بناء جسر من الثقة المطلقة بين المواطن والدولة. يجب أن يرى المواطن الأموال في حسابه المصرفي بانتظام وبشكل مسبق وقبل أي خطوة لرفع الأسعار.

هل نتوقع معارضة؟ نعم، وبشدة! ولكن اعلموا يا إخوتي أن هذه المعارضة لن تكون من المواطن البسيط الذي يريد ستر عائلته، بل ستكون من المتنفذين والمهربين الذين يقتاتون ويتقاتلون على ثرواتكم ويستفيدون من فرق أسعار النفط والكهرباء وغيرها.

والله إني لكم ناصح أمين، أضع خبرة السنين بين أيديكم غيرة على هذا الوطن. تكرموا بالتعميم والمشاركة إن كنتم تشاركونني الرأي، وتكرموا بالتعليق والتعميم أيضاً إن كنتم تختلفون معي، لنثري الحوار ونتعرف على حلول بديلة وآراء ابتكارية تخدم ليبيا.

أكرم الغزيوي يكتب: “ليبيا.. حين يصبح الإصلاح مسرحية”

كتب: أكرم عبدالله الغزيوي / باحث اقتصادي والأمين العام المساعد للاتحاد الليبي للتأمين

لسنا بحاجة إلى لجان رباعية وخماسية أخرى، ولا إلى تقرير آخر، ولا إلى خبير دولي يأتي بحقيبة مليئة بالتوصيات ليغادر بعدها إلى بلد يعمل فيه القانون.. نحن بحاجة إلى أن نسمّي المشكلة باسمها الحقيقي، فالمشكلة ليست الجهل؛ بل الأمان.

في ليبيا، من يملك القرار لا يدفع ثمن قراراته؛ هذه هي المعادلة الحقيقية التي تفسّر كل شيء، المسؤول الذي يعطّل إصلاح منظومة التأمين أبناؤه مؤمَّن عليهم في الخارج، والذي يحول دون بناء مؤسسة دولة حقيقية أمواله خارج ليبيا، والذي يمثل ليبيا في المؤسسات الدولية ويعود بيده فارغة راتبه يصله في الأول من كل شهر دون انقطاع.

حين لا تحرق يدك بالنار، لماذا ستُطفئها؟

نظرية “كينز” لن تنقذنا، ولا “آدم سميث”، ولا أي نظرية أخرى.. الحلول الاقتصادية تعمل حين تُطبَّق في بيئة تؤمن بالمساءلة ولديها قوة القانون، وفي غيابها؛ تتحول أفضل النظريات إلى أدوات لتوزيع الغنائم بطريقة أكثر أناقة، ليبيا جرّبت الاشتراكية فأفقرت الناس وأثرت النخبة، وجرّبت انفتاح السوق فأفقرت الناس وأثرت نخبة أخرى. النتيجة واحدة لأن المعادلة الأساسية لم تتغير: القرار بلا مساءلة يساوي فساد منظّم بأسماء مختلفة.

مهاتير لم يأتِ من السماء

حين أتذكر ماليزيا عام 1981 أتساءل: ما الذي جعل مهاتير مهاتير؟
لم يكن عبقرياً خارقاً، كان طبيباً يفهم أن المريض يموت إذا تأخر العلاج، كان زعيماً يعرف أن فشله الشخصي مرتبط بفشل بلده؛ لا فكاك من ذلك، الفارق الحقيقي بينه وبين كثير من قادتنا: كان مضطراً للنجاح لأنه لم يملك خياراً آخر.. في ليبيا، الفشل لا يُكلّف شيئاً، بل يُكافأ صاحبه ويصبح مليونيراً.

لن أقول لك إن الحل سهل، لكنني أقول إن الحل معروف ومجرَّب:

قوة القانون أو انتفاضة شعب
شعب يرفض أن يكون متفرجاً. نخبة مهنية تتوقف عن الاكتفاء بالتذمر في المجالس الخاصة وتطالب بمكانها في صناعة القرار. ومؤسسات مدنية تجعل تكلفة الفساد أعلى من تكلفة الإصلاح.. التغيير الحقيقي في التاريخ لم يأتِ يوماً من فوق، جاء حين قرر من في الأسفل أنه لم يعد يقبل، “ليبيا لا تنتظر معجزة، تنتظر قراراً”.

“أبوشيحة” يعتمد 13 قراراً لفتح وتمديد فروع لشركات أجنبية ووكلات تجارية

اعتمد وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية “سهيل أبوشيحة” اليوم الأحد، 13 قراراً تتعلق بشركات أجنبية والمشتركة، شملت فتح فروع جديدة وتمديد مدة فروع قائمة، إلى جانب تنظيم نشاط وكالة تجارية.

ويأتي هذا الإجراء ضمن جهود الوزارة لتعزيز مناخ الاستثمار وتشجيع توسّع نشاط الشركات والوكالات التجارية في السوق الليبي، إلى جانب تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين بما يسهم في جذب رؤوس الأموال وتنشيط مختلف القطاعات الاقتصادية.

“الشلوي”: البوري.. حين تتحول الشعلة المهدورة إلى ثروة وطنية واستراتيجية طاقة مستدامة

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

يشهد قطاع النفط والغاز في ليبيا تحولات استراتيجية متسارعة، لم تعد تقتصر على المحافظة على معدلات الإنتاج أو تطوير البنية التحتية التقليدية، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة العلاقة بين الصناعة النفطية والبيئة والاقتصاد الوطني في آنٍ واحد. وفي هذا السياق، يبرز مشروع استغلال الغاز بحقل البوري البحري، الذي تنفذه شركة مليتة للنفط والغاز، باعتباره أحد أهم المشاريع التقنية والاستراتيجية التي تعكس انتقال المؤسسة الوطنية للنفط من مرحلة إدارة الموارد إلى مرحلة تعظيم القيمة الاقتصادية وتقليل الفاقد وتحقيق الاستدامة.

فالنجاح في رفع وتركيب وحدات استغلال الغاز على المنصة رقم (4) بحقل البوري، بأوزان تجاوزت 5200 طن، لا يمكن النظر إليه كمجرد إنجاز هندسي معقد في مجال الرفع الثقيل فحسب، بل يمثل تحولاً نوعياً في فلسفة إدارة الغاز المصاحب في ليبيا، خاصة وأن المشروع يستهدف استثمار نحو 120 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز، كانت كميات معتبرة منه تُهدر سابقاً عبر الحرق الروتيني.

ومن المعروف لدى المختصين أن ظاهرة حرق الغاز المصاحب تُعد من أكثر التحديات التي تواجه الدول المنتجة للنفط، ليس فقط بسبب آثارها البيئية السلبية، وإنما لأنها تعني ببساطة حرق ثروة وطنية قابلة للاستثمار والتسويق والتصنيع. فالغاز الذي يُحرق في المشاعل النفطية ليس “نفايات تشغيلية”، بل مادة اقتصادية عالية القيمة يمكن توجيهها لإنتاج الكهرباء، والصناعات البتروكيماوية، وتغذية الشبكة الصناعية، وحتى دعم خطط التصدير مستقبلاً.

ومن هنا تأتي الأهمية الاستراتيجية لمشروع البوري، الذي ينسجم بصورة مباشرة مع التزام المؤسسة الوطنية للنفط بتحقيق هدف “صفر حرق” بحلول عام 2030، وهو التزام يعكس وعياً متقدماً بالتحديات البيئية العالمية ومتطلبات أسواق الطاقة الحديثة، خاصة في ظل التوجه الدولي المتزايد نحو خفض الانبعاثات الكربونية ورفع كفاءة استغلال الموارد الهيدروكربونية.

وعلى المستوى الفني، فإن تنفيذ عمليات رفع وتركيب بهذا الحجم داخل بيئة بحرية معقدة يُعد مؤشراً واضحاً على تطور القدرات الوطنية في مجالات الهندسة البحرية، وإدارة المشاريع الثقيلة، والتكامل بين العمليات التشغيلية والصيانة والتوسعات المستقبلية. كما أن استغلال فترة التوقف التشغيلي المبرمج للمنصتين لإجراء أعمال الربط والتحديث والصيانة يعكس مستوى متقدماً من التخطيط التشغيلي وتقليل الفاقد الزمني والتكاليف التشغيلية.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن الاستثمار في مشاريع استغلال الغاز يُعد من أعلى المشاريع عائداً على الاقتصاد الوطني، نظراً لأن الغاز المصاحب يمثل مورداً جاهزاً للإنتاج دون الحاجة إلى تكاليف استكشاف إضافية. وعندما تتمكن ليبيا من استرجاع مئات الملايين من الأقدام المكعبة التي كانت تُحرق يومياً، فإن ذلك ينعكس مباشرة على زيادة الإيرادات، وتقليل استهلاك الوقود السائل في محطات الكهرباء، ورفع كفاءة مزيج الطاقة الوطني.

ولا يخفى أن أزمة الكهرباء في ليبيا ترتبط جزئياً بنقص إمدادات الغاز لمحطات التوليد، وبالتالي فإن أي مشروع يرفع من كميات الغاز المستغلة محلياً يساهم بصورة غير مباشرة في دعم استقرار الشبكة الكهربائية وتقليل الاعتماد على الوقود السائل الأعلى تكلفة والأكثر تلوثاً.

أما البعد البيئي، فهو اليوم لم يعد ترفاً إعلامياً أو استجابة شكلية للضغوط الدولية، بل أصبح جزءاً أساسياً من معايير التنافسية في قطاع الطاقة العالمي. فالدول والشركات التي لا تُظهر التزاماً واضحاً بخفض الانبعاثات الكربونية ستواجه مستقبلاً تحديات في التمويل، والتسويق، وجذب الشراكات والاستثمارات الدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن توجه المؤسسة الوطنية للنفط نحو “صفر حرق” بحلول 2030 يُعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، ليس فقط لتحسين الصورة البيئية للقطاع، بل لضمان استدامة الصناعة النفطية الليبية نفسها في عالم يتجه تدريجياً نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات.

اللافت في مشروع البوري أيضاً أنه يعكس تكاملاً واضحاً بين القرار السيادي والدور التنفيذي للشركات الوطنية، حيث يظهر دعم المؤسسة الوطنية للنفط لمشاريع البنية التحتية والتطوير التقني، إلى جانب قدرة الكوادر الليبية على تنفيذ عمليات هندسية معقدة وفق أعلى معايير السلامة والكفاءة.

وفي تقديري، فإن ليبيا تمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى نموذج إقليمي في إدارة الغاز المصاحب إذا ما استمرت هذه المشاريع بوتيرة متصاعدة، وتم ربطها بخطط أوسع لتطوير الصناعات الغازية والبتروكيماوية وتوسعة البنية التحتية للنقل والمعالجة. فالعالم اليوم لا يقيس قوة الدول النفطية بحجم إنتاج النفط الخام فقط، بل بمدى قدرتها على تعظيم القيمة المضافة من مواردها وتقليل الفاقد وتحقيق التوازن بين الاقتصاد والبيئة.

إن ما تحقق في حقل البوري لا يمثل مجرد نجاح تشغيلي لشركة مليتة، بل رسالة واضحة بأن قطاع النفط الليبي قادر، رغم التحديات، على الانتقال من مرحلة المعالجة المؤقتة للمشكلات إلى مرحلة بناء مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، تُعزز الاقتصاد الوطني وتحافظ على البيئة وتؤسس لصناعة طاقة أكثر كفاءة واستدامة للأجيال القادمة.

“المسلاتي” : زيادة الطلب على الديزل واحتياجات قطاع الكهرباء من أبرز أسباب الضغط على منظومة التزويد

قال المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط “أحمد المسلاتي” إن ما تشهده بعض محطات الوقود من ازدحام على وقود الديزل (النافطة) يرتبط بجملة من العوامل التشغيلية والفنية، يأتي في مقدمتها الارتفاع الملحوظ في الطلب على هذا المنتج خلال الفترة الأخيرة نتيجة زيادة احتياجات الشركة العامة للكهرباء من الوقود لدعم إنتاج الطاقة والمحافظة على استقرار الشبكة الكهربائية.

وأوضح “المسلاتي” أن جزءًا كبيرًا من كميات الديزل التي تستقبلها البلاد يُخصص لتشغيل محطات توليد الكهرباء، مشيرًا إلى أن دخول مصنع الغاز في أعمال العمرة والصيانة الدورية استدعى تشغيل بعض الوحدات الكهربائية باستخدام وقود الديزل بدل الغاز الطبيعي بصورة مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى زيادة إضافية في معدلات الاستهلاك ورفع حجم الطلب على المنتج.

وأشار إلى أن شركة البريقة لتسويق النفط، باعتبارها الجهة المعنية باستلام المحروقات الواردة إليها وتخزينها وتوزيعها على مختلف مناطق البلاد، تعمل ضمن منظومة تشغيلية ولوجستية متكاملة، إلا أن التحديات المرتبطة بعمليات التوريد والتخزين تظل من العوامل التي تفرض ضغوطًا إضافية على منظومة الإمدادات وتؤثر على مستوى توفر المنتج في بعض الفترات.

وأكد المسلاتي أن شركة البريقة تواصل العمل على تعزيز الإمدادات ودعم المستودعات ومواقع التشغيل بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة كل حسب اختصاصه، مع متابعة أوضاع التزويد والتوزيع بشكل يومي وعلى مدار الساعة، لضمان استمرار الإمدادات وتلبية احتياجات المواطنين والقطاعات الحيوية بمختلف أنحاء البلاد.

وشدد المسلاتي على أهمية تعزيز الرقابة على حركة المحروقات والحد من التهريب والتسرب غير المشروع، وضمان انتظام التوريدات بما يتناسب مع احتياجات السوق الفعلية، إلى جانب دعم مشاريع إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لمنظومة التخزين والتوزيع، باعتبارها من الركائز الأساسية لتحقيق استقرار مستدام لمنظومة الإمدادات خلال المرحلة المقبلة.

جهاز مكافحة الجرائم المالية يحبط عملية احتيال رقمي بالعملات المشفرة عبر “واتساب”

أعلن جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، نجاح إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية المالية التابعة له، في كشف وإحباط عملية احتيال مالي رقمي منظمة استهدفت أحد المواطنين عبر تطبيق “واتساب”.

​وأوضح الجهاز أن العملية بدأت عقب استيلاء المتهم على مبلغ مالي قدره 49 ألف دينار ليبي من مواطن، بعد إيهامه بالاتجار بالعملات الرقمية المشفرة (USDT)؛ حيث باشرت الفرق الفنية المختصة عمليات التتبع والتحري الرقمي الدقيق، والتي أسفرت عن تحديد هوية المتهم وضبطه متلبساً بالأدلة التقنية الدامغة.

وأشار الجهاز إلى إحالة المتهم إلى نيابة النظام العام؛ لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة، داعياً المواطنين إلى الحذر من المعاملات المالية غير الرسمية عبر الفضاء الرقمي.