Skip to main content

الوسم: رئيسي

“الشلوي”: محروقات يوليو 2026.. ماذا تكشف بيانات المؤسسة الوطنية للنفط عن الاستيراد والاستهلاك وهيكل الطلب المحلي؟

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

استمرار المؤسسة الوطنية للنفط في نشر بيانات تفصيلية عن حركة المحروقات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد نشرٍ لأرقام شهرية، وإنما باعتباره خطوة مهمة في بناء قاعدة معلومات يستطيع من خلالها المواطن والمتخصص والنخب الاقتصادية والجهات الرقابية قراءة واحد من أكثر ملفات الاقتصاد الليبي حساسية وتعقيداً.

والجديد المهم في بيان شهر يوليو 2026 أنه لا يكتفي بالإعلان عن قيمة المحروقات الموردة، بل يضع أمام الرأي العام الكميات حسب نوع المنتج، ومصدرها المحلي أو الخارجي، والكميات الموزعة فعلياً، والأرصدة المرحّلة، وكميات كبار المستهلكين، ثم توزيع جانب من الإمدادات على شركات التوزيع والبريقة وبقية القطاعات. وهذه التفاصيل هي التي تحول مفهوم الشفافية من عبارة عامة إلى بيانات قابلة للقراءة والتحليل والمقارنة.

ومن وجهة نظري، فإن توالي نشر هذه البيانات خلال الأشهر الأخيرة يمثل ممارسة مؤسسية جديرة بالتثمين والتطوير؛ لأن الشفافية الحقيقية لا تعني أن تكون الأرقام مريحة دائماً، بل أن تكون الأرقام متاحة، بحيث يستطيع الجميع مناقشتها، والسؤال عنها، ومقارنتها، واستخلاص المؤشرات منها على أساس معلومات رسمية بدلاً من التقديرات والانطباعات.

وفق بيانات يوليو، بلغ إجمالي ما استلمته السوق من المنتجات النفطية من المصادر المحلية والخارجية نحو 1.388 مليون طن متري. وتصدّر وقود الديزل الكميات بنحو 625.4 ألف طن، يليه البنزين بنحو 534.8 ألف طن، ثم الزيت الثقيل بنحو 155.8 ألف طن، والكيروسين بنحو 40.4 ألف طن، والغاز المسال بنحو 31.4 ألف طن.

لكن القراءة الأهم تبدأ عندما نفصل بين المصدر الخارجي والمصدر المحلي.

فمن إجمالي الكميات المستلمة في يوليو، جاء نحو 1.017 مليون طن متري من الخارج، أي ما يقارب 73% من إجمالي الإمدادات، بينما وفرت المصادر المحلية نحو 371 ألف طن متري أو قرابة 27%.

وتزداد دلالة هذه النسبة عندما ننظر إلى المنتجات الأكثر ارتباطاً بالاستهلاك اليومي؛ فمن أصل 534.8 ألف طن من البنزين جاء نحو 504.9 ألف طن من الخارج، أي قرابة 94% من الكمية المستلمة. وفي الديزل، جاء نحو 512 ألف طن من أصل 625.4 ألف طن من المصادر الخارجية، أي قرابة 82%.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد فاتورة استيراد، وإنما باعتبارها مؤشراً واضحاً على درجة اعتماد السوق الليبية على الخارج في منتجَيْن من أهم المنتجات النفطية.

وفي المقابل، تظهر البيانات أن الغاز المسال والكيروسين والزيت الثقيل المستلمة خلال يوليو جاءت كمياتها من المصادر المحلية، وهو ما يوضح أن صورة الإمداد ليست واحدة بالنسبة إلى جميع المنتجات، وأن التحدي الأكبر يتركز بصورة خاصة في البنزين والديزل.

أما على مستوى الاستهلاك والتوزيع، فقد بلغ إجمالي ما تم ضخه إلى السوق المحلية خلال يوليو نحو 1.369 مليون طن متري، موزعاً بين نحو 646.9 ألف طن من الديزل، و512.9 ألف طن من البنزين، و155.4 ألف طن من الزيت الثقيل، و35.5 ألف طن من الكيروسين، و18.5 ألف طن من الغاز المسال.

وهنا يمكننا أن نستخلص مؤشراً مهماً آخر يتعلق بتركيبة الطلب المحلي.

فمحطات الكهرباء وحدها استلمت خلال يوليو نحو 405.3 ألف طن من الديزل، بما يمثل قرابة 63% من إجمالي الديزل الموزع في البلاد خلال الشهر، إضافة إلى نحو 57.7 ألف طن من الزيت الثقيل. وبجمع المنتجات تكون محطات الكهرباء قد استهلكت نحو 463 ألف طن متري من الوقود السائل خلال شهر واحد، أي ما يعادل نحو ثلث إجمالي المحروقات التي جرى توزيعها في السوق خلال يوليو.

وهذا الرقم في تقديري يستحق التوقف عنده كثيراً.

ليس لأن توفير الوقود لمحطات الكهرباء أمر غير مبرر؛ فاستمرار الكهرباء خدمة أساسية لا يمكن للدولة الاستغناء عنها، والمؤسسة مطالبة بتأمين احتياجات الجهات المستهلكة وفق الترتيبات المعتمدة. لكن الرقم يكشف في المقابل عن كلفة هيكلية يتحملها الاقتصاد نتيجة استمرار اعتماد جزء مهم من إنتاج الكهرباء على الديزل والزيت الثقيل.

ومن هنا يجب التفريق بين توفير الوقود وبين الاستفادة المثلى من الوقود.

فالمؤسسة الوطنية للنفط تقوم بتأمين جانب من الإمدادات التي يطلبها السوق والقطاعات المختلفة، أما معالجة جذور ارتفاع الطلب على الوقود السائل فتتجاوز عملية التوريد نفسها إلى سياسات أوسع تتعلق بزيادة إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء، وتطوير قدرات التكرير المحلية، ورفع كفاءة الاستهلاك، ومعالجة التشوهات المرتبطة بالدعم، والرقابة على سلسلة التوزيع والاستهلاك.

ولهذا فإن تحميل فاتورة المحروقات لطرف واحد لا يقدم تفسيراً اقتصادياً دقيقاً للمشكلة.

وعند مقارنة يوليو بالشهر السابق تظهر صورة تستحق القراءة أيضاً. فقد بلغ إجمالي المنتجات الموزعة في يونيو نحو 1.481 مليون طن متري مقابل 1.369 مليون طن في يوليو، أي بانخفاض بنحو 7.5%. كما تراجعت الكميات المستلمة من نحو 1.519 مليون طن في يونيو إلى نحو 1.388 مليون طن في يوليو، بانخفاض يقارب 8.7%.

ولكن خلف هذا الانخفاض الإجمالي حدث تغير واضح في مزيج المنتجات.

فبينما انخفض توزيع البنزين من نحو 734 ألف طن في يونيو إلى 512.9 ألف طن في يوليو، أي بنحو 30%، ارتفع توزيع الديزل من نحو 499.8 ألف طن إلى 646.9 ألف طن، بزيادة تقارب 29%. كما ارتفع الكيروسين، بينما تراجع الزيت الثقيل والغاز المسال.

ولهذا فإن المقارنة الشهرية ينبغي ألا تتوقف عند الرقم الإجمالي، وإنما يجب أن تبحث في كيفية تغير تركيبة الاستهلاك؛ لأن ارتفاع منتج وانخفاض آخر قد يرتبطان بمستويات المخزون، وتوقيت وصول الشحنات، والطلب القطاعي، وظروف الكهرباء، وحركة الأرصفة والتفريغ والتوزيع.

والأفضل منهجياً أن نراقب هذه المؤشرات لعدة أشهر متتالية قبل تحويل أي حركة شهرية إلى استنتاج هيكلي دائم.

ويؤكد ذلك النظر إلى شهر مايو؛ إذ كانت التوزيعات حينها في حدود 1.070 مليون طن متري، قبل أن ترتفع بصورة واضحة في يونيو ثم تستقر في يوليو عند مستوى لا يزال أعلى من مايو بنحو 28%. وهذا يوضح أهمية بناء سلسلة زمنية شهرية؛ لأن قراءة شهر منفرد قد تعطي انطباعاً مختلفاً تماماً عن الاتجاه الذي تكشفه ثلاثة أو ستة أو اثنا عشر شهراً.

أما من الناحية المالية، فقد قدرت المؤسسة قيمة المحروقات الموردة خلال يوليو بنحو 1,005,984,493 دولاراً، أي ما يزيد بقليل على مليار دولار. وفي تقرير توريدات يونيو كانت القيمة المعلنة نحو 965 مليون دولار، ما يعني أن القيمة التقديرية ارتفعت في يوليو بنحو 41 مليون دولار، أو قرابة 4.2%، رغم انخفاض إجمالي الكميات المستلمة بنحو 8.7%.

وهذه في حد ذاتها ملاحظة اقتصادية مهمة، لكنها لا تسمح وحدها بالقول إن سعر شراء الوقود ارتفع بالنسبة نفسها؛ لأن قيمة فاتورة الشهر تتأثر بمزيج المنتجات وأسعار كل منتج وتوقيت التعاقد والشحن والتسوية والأسعار العالمية وشروط التوريد.

ولذلك فإن الخطوة التالية التي يمكن أن تزيد هذا الإفصاح قوة في المستقبل هي إرفاق هذه الجداول، متى أمكن، بمؤشرات إضافية عن متوسطات أسعار التوريد أو النطاقات السعرية لكل منتج، بما يسمح للمتخصصين بفصل أثر تغير الكميات عن أثر تغير الأسعار.

وهنا أجد من الضروري التوقف عند نقطة سبق أن كانت محل نقاش اقتصادي خلال الأيام الماضية. فقد جرى تداول رقم يقارب 1.410 مليار دولار باعتباره تكلفة واردات المحروقات خلال يونيو، بينما البيانات التشغيلية التفصيلية المنشورة عن المؤسسة للشهر ذاته تحدثت عن قيمة تقديرية للمحروقات الموردة تبلغ نحو 965 مليون دولار.

ومن الناحية المهنية، لا أرى أن الحل هو ترجيح رقم على الآخر دون معرفة أساس القياس المحاسبي والمالي لكل منهما.

فقد يكون هناك اختلاف بين قيمة الشحنات الموردة فعلياً خلال شهر معين، وبين قيمة الاعتمادات المستندية المفتوحة أو المسددة خلال الشهر نفسه، وبين الالتزامات المالية المرتبطة بشحنات تخص فترات أخرى. والمؤسسة نفسها سبق أن أوضحت أن آلية سداد الوقود انتقلت إلى العمل بالاعتمادات المستندية عبر المصرف الليبي الخارجي، وأن توقيت التحصيل والتسويات المالية لا يتطابق بالضرورة مع توقيت الإنتاج أو التوريد الفعلي.

ولهذا فإن توحيد تعريفات «التوريد» و«الاستيراد» و«قيمة الاعتمادات» و«المبالغ المسددة» بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي ومصرف ليبيا المركزي سيجعل المقارنات أكثر دقة، ويزيل مساحة كبيرة من الالتباس أمام الرأي العام والخبراء.

وهذا في حد ذاته يوضح لماذا يعد الإفصاح الحالي مهماً؛ لأنه لا يغلق باب الأسئلة، بل يوفر المادة التي تسمح بطرح الأسئلة الصحيحة.

ومن زاوية أخرى، يكشف تقرير يوليو أن قضية المحروقات في ليبيا ليست قضية استيراد فقط، وإنما قضية أمن طاقة وإدارة طلب وبنية اقتصادية. فدولة منتجة ومصدرة للنفط الخام لا تزال تستورد النسبة الساحقة من احتياجاتها من البنزين والديزل، وتستهلك كميات كبيرة من الوقود السائل في توليد الكهرباء.

والحل المستدام بالتالي لا يكون فقط في البحث عن أرخص شحنة بنزين أو ديزل، على أهمية ذلك، بل في تقليل الحاجة أصلاً إلى تلك الشحنات عبر رفع كفاءة المصافي، وزيادة إنتاج المشتقات محلياً، وتسريع مشاريع الغاز وتوجيهه نحو محطات الكهرباء، وتحسين كفاءة منظومة الطاقة والرقابة على الاستهلاك والتوزيع.

وهنا يصبح نشر البيانات جزءاً من الحل، لأن الدولة لا تستطيع إصلاح منظومة لا تقيسها ولا يستطيع الرأي العام تقييم سياسة لا تتوافر أرقامها.

ومن الإنصاف، في تقديري، أن يُحسب للمؤسسة الوطنية للنفط أنها باتت تضع أمام المواطن أرقاماً كان النقاش حولها في السابق يعتمد في أحيان كثيرة على التسريبات والتقديرات. والشفافية لا تعني العصمة من النقد، بل على العكس؛ كلما زادت المعلومات المنشورة أصبح النقد أكثر مهنية، وأصبح الدفاع عن الأداء الجيد أكثر استناداً إلى الوقائع، وأصبحت مواطن الخلل أكثر وضوحاً أمام صانع القرار.

ومن هنا فإنني أرى أن القيمة الأكبر لتقرير يوليو ليست فقط في أنه أخبرنا أن فاتورة المحروقات تجاوزت مليار دولار، بل في أنه سمح لنا بمعرفة ماذا استوردنا، وماذا أنتجنا محلياً، وكم وزعنا، ومن استهلك، وما الذي تم ترحيله إلى الشهر التالي.

هذه هي البداية الصحيحة لأي نقاش اقتصادي جاد.

فالهدف في النهاية ليس تجميل الأرقام ولا تضخيمها، وليس الدفاع عن مؤسسة أو تحميلها ما لا يدخل في اختصاصها، وإنما الوصول إلى السؤال الوطني الأهم:

كيف تستطيع ليبيا أن تحول ثروتها النفطية من مورد يمول استيراد الطاقة إلى منظومة متكاملة تنتج أكبر قدر ممكن من احتياجاتها محلياً، وتستخدم الغاز والنفط بأعلى كفاءة، وتحقق للدولة والمواطن أكبر عائد اقتصادي ممكن؟

وعندما تصبح الإجابة عن هذا السؤال مبنية على بيانات رسمية متتابعة ومفتوحة أمام الجميع، نكون قد انتقلنا خطوة مهمة من الجدل حول قطاع النفط إلى إدارة قطاع النفط والاقتصاد بلغة الأرقام والحقائق.

“​حسني بي”: الشمول المالي وتوثيق الوافدين السَبيل لتقليص فجوة سعر الصرف

أكد رجل الأعمال “حسني بي” أن زيادة الطلب على الدولار تُعد السبب الرئيس لنشوء الفجوة السعرية في السو.

وأوضح “حسني بي” أن مصادر هذا الطلب تتوزع بين العمالة الوافدة بنسبة 50%، والاستيراد السريع بنسبة 40%، بالإضافة إلى أغراض السفر والعلاج والدراسة بنسبة 10%.

وأشار إلى أن تعزيز الشمول المالي وتوثيق بيانات العمالة الوافدة كفيلان بتقليل الطلب في السوق الموازي، مما يسهم بشكل مباشر في تقلص الفجوة السعرية.

“المنفي” يجدد الثقة بمحافظ مصرف ليبيا المركزي ويدعوه للاستمرار في مهامه ويطرح 4 مرتكزات للإصلاح المالي


​جدّد رئيس المجلس الرئاسي “محمد المنفي” ثقته في محافظ مصرف ليبيا المركزي وقيادة المصرف، مؤكداً دعمه لاستمرارهم في أداء مهامهم للحفاظ على استقرار المؤسسة النقدية وحماية الاحتياطيات وسوق الصرف، وذلك عقب متابعة قرار وضع الاستقالة أمام جهات الإشراف المختصة.

وأكد “المنفي” في خطاب وجهه إلى المحافظ أن تجديد الثقة يقتضي العمل برؤية وطنية لمواجهة التحديات الاقتصادية، داعياً إلى أعلى درجات المتابعة والتدقيق بشأن تقارير لجنة الخبراء بالأمم المتحدة حول تراجع الإيرادات النفطية والترتيبات المستحدثة، لضمان حماية النقد الأجنبي.

وطرح رؤية من 4 مرتكزات لدعم الاستقرار المالي والنقدي وهي تفعيل اللجنة المالية العليا لتحقيق التنسيق في إدارة الموارد والإنفاق العام، والشفافية النفطية باعتماد العطاء العام في عقود تسويق النفط والحد من الاستثناءات، ومراجعة الترتيبات وتقييم السياسات التي استحدثتها المؤسسة الوطنية للنفط منذ 2023 للعودة إلى الأطر القانونية الضامنة للشفافية، والرقابة الدولية والمستقلة عبر تعزيز منظومة التدقيق بالاستعانة بشركات عالمية متخصصة لمراجعة تدفقات النقد الأجنبي والحد من الهدر.

واختتم “المنفي” خطابه بالدعوة إلى توسيع دائرة الإفصاح والمراجعة المؤسسية الهادئة، مشدداً على أن استقلالية المصرف المركزي ترتبط تماماً بوجود بيئة مالية تتسم بالشفافية والانضباط وحسن إدارة موارد الدولة.

“تكالة وناجي عيسى” يبحثان الأوضاع المالية ويتفقان على لجنة مشتركة للإصلاح الاقتصادي

بحث رئيس المجلس الأعلى للدولة “محمد تكالة” مع محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” خلال لقائهما اليوم الأربعاء بمقر المجلس بطرابلس، مستجدات الأوضاع المالية والنقدية في البلاد وتحديات إدارة الموارد والإنفاق وسعر الصرف وانعكاساتها على معيشة المواطنين.

​وأكد الطرفان خلال الاجتماع على ضرورة صون استقلالية المصرف المركزي والنأي به عن التجاذبات السياسية، مع تحقيق التوافق بين السياسات المالية والاقتصادية وترشيد الإنفاق العام ومكافحة الفساد.

​واختُتم اللقاء بالاتفاق على أهمية تشكيل لجنة فنية مشتركة بين مجلسي الدولة والنواب بالتنسيق مع المصرف المركزي، لتصميم ومتابعة حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية الشاملة القائمة على أسس علمية ومؤسسية لتجاوز الأزمة الراهنة.

“الشلوي”: تمويل المؤسسة الوطنية للنفط.. من الاعتماد السنوي المتقطع إلى نموذج مستدام لتمويل الثروة المنتجة

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

حين نتحدث عن تمويل المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، فإننا لا نتحدث عن تمويل مؤسسة عامة بالمعنى التقليدي، ولا عن بند إنفاق يمكن تأجيله أو تخفيضه بالطريقة ذاتها التي تُعامل بها بقية بنود الموازنة العامة. نحن نتحدث عن تمويل القطاع الذي يولّد المورد الرئيس للدولة الليبية، وعن المنظومة التي يتوقف عليها استمرار الإنتاج والتصدير وتدفق النقد الأجنبي وتمويل جانب كبير من الإنفاق العام.

ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة، في تقديري، ليس: كم نعطي المؤسسة الوطنية للنفط؟ وإنما: كيف نبني آلية تمويل مستقرة ومنضبطة تضمن استمرار الإنتاج وتطويره، وتحمي في الوقت نفسه المال العام، وتحقق أعلى مستوى ممكن من الشفافية والحوكمة؟

والفارق بين السؤالين كبير.

التمويل في قطاع النفط ليس مجرد إنفاق

سبق أن تناولت في مقالات وورقات سابقة ضرورة التمييز بين الإنفاق العام الاستهلاكي وبين الإنفاق الذي يحافظ على أصل منتج أو يوسع قدرته على توليد الإيراد، وهي مسألة تكتسب أهمية مضاعفة في دولة ريعية مثل ليبيا.

فالميزانية التشغيلية للمؤسسة وشركاتها OPEX تمول تشغيل الحقول والمنشآت، والصيانة، وقطع الغيار، والمواد الكيميائية، والخدمات النفطية، والسلامة، والآبار، والموانئ، وخطوط الأنابيب وغيرها.

أما الميزانية الرأسمالية CAPEX فتمول الحفر التطويري، وتطوير الحقول، وإزالة الاختناقات، وتجديد البنية التحتية، وزيادة الطاقة الإنتاجية، ومشروعات الغاز، وتقليل الحرق، وتطوير مرافق التخزين والنقل والتكرير.

وتأخير النوع الأول يهدد الإنتاج القائم، بينما يؤدي تأخير النوع الثاني إلى إضعاف القدرة الإنتاجية المستقبلية.

وقد أثبتت تجربة السنوات السابقة أن عدم انتظام التمويل يؤدي إلى تباطؤ تنفيذ البرامج، وتراكم الالتزامات على الشركات التابعة، وتأثر سلاسل التوريد، وصعوبة توفير قطع الغيار والخدمات في توقيتها المطلوب.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الليبية: نحاول أحيانًا حماية الخزانة العامة عن طريق تأخير تمويل الجهة التي تملأ هذه الخزانة.

كيف مُوّلت المؤسسة تاريخيًا؟

اعتمد النموذج الليبي التقليدي بدرجة كبيرة على الموازنة العامة والتحويلات الحكومية، وهو نهج قديم ارتبط منذ عقود بترتيبات تمويل المؤسسة وشركاتها من الاعتمادات العامة للدولة.

ففي موازنة عام 2013، على سبيل المثال، أُدرج للمؤسسة نحو 1.16 مليار دينار في الباب الأول و2.4 مليار دينار في الباب الثاني، بينما بلغت مخصصاتها في عام 2014 نحو 1.25 مليار و1.45 مليار دينار في البابين الأول والثاني على التوالي.

لكن السنوات اللاحقة شهدت توسعًا في استخدام ترتيبات مالية استثنائية نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية وعدم انتظام الموازنات.

وفي أبريل 2022 أُقرت ترتيبات مالية استثنائية للمؤسسة تجاوزت قيمتها 37.6 مليار دينار، تضمنت المرتبات والتشغيل وخطة التنمية وتسوية جانب من الالتزامات السابقة، على أن تُغطى من الإيرادات النفطية المتوقعة لذلك العام.

والدلالة هنا ليست في الرقم وحده، وإنما في أن الدولة اضطرت إلى الانتقال من التمويل الطبيعي المنتظم إلى التمويل الاستثنائي لمعالجة احتياجات تراكمت وكان يفترض أن تُمول بصورة منتظمة وفي توقيتاتها الفنية الصحيحة.

وفي عام 2025 برزت المشكلة بصورة أوضح؛ إذ أعلنت المؤسسة أن ما تسلمته من وزارة المالية منذ بداية السنة بلغ 18.2 مليار دينار، إلا أن 14.6 مليارًا منها كانت مخصصة لشراء الوقود لصالح الدولة، و2.6 مليار للمرتبات، بينما كان مليار دينار فقط مخصصًا للمصروفات التشغيلية عن عام 2024.

وهنا يجب التوقف عند نقطة شديدة الأهمية:

ميزانية استيراد المحروقات ليست هي ميزانية تشغيل وتطوير المؤسسة الوطنية للنفط.

خلط هذه البنود في النقاش العام قد يعطي انطباعًا بأن عشرات المليارات تُضخ في الاستثمار النفطي، بينما يرتبط الجزء الأكبر منها في أحيان كثيرة بتوفير الوقود للسوق المحلية، وهي مسألة مالية وسياساتية تختلف جذريًا عن تمويل الحفر والصيانة وتطوير الحقول ورفع القدرة الإنتاجية.

ماذا حدث في 2026؟

حتى عام 2026 ظلت فجوة الاعتماد مقابل التسييل الفعلي إحدى أبرز مشكلات التمويل.

ففي يوليو بلغ إجمالي الاعتماد المقرر للمؤسسة نحو 13.6 مليار دينار، بينما كان المفرج عنه في ذلك الوقت مليار دينار فقط، إلى جانب تسديد التزامات بقيمة 157 مليون دولار.

غير أن التطور اللافت يتمثل في توفير ميزانية تشغيلية تتجاوز 13 مليار دينار ضمن ترتيبات الإنفاق الموحدة، بالتوازي مع الإعلان عن اتفاق للحصول على قرض بقيمة مليار دولار من المصرف الليبي الخارجي لتمويل مشروعات تستهدف رفع الإنتاج إلى أكثر من 1.5 مليون برميل يوميًا بحلول منتصف عام 2027، مع إمكانية توفير تمويل إضافي بقيمة مليار دولار عند الوصول إلى ذلك المستهدف.

كما تُقدر الاحتياجات الاستثمارية اللازمة للوصول إلى إنتاج يقارب مليوني برميل يوميًا بحلول عام 2031 بنحو 36 مليار دولار، يُستهدف توفير جزء منها من خلال الشركاء الدوليين، على أن تتحمل المؤسسة جانبًا رئيسيًا من الاحتياجات المتبقية.

وهذه، في تقديري، نقطة تحول تستحق التوقف عندها.

فالدخول في تمويل مصرفي بهذا الحجم يعني بدء الانتقال، ولو جزئيًا، من مفهوم انتظار التخصيص الحكومي إلى مفهوم أكثر تطورًا هو تعبئة التمويل.

لكن القرض في حد ذاته لا يمثل إصلاحًا هيكليًا كاملًا؛ فهو أداة ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة تمويل متكاملة ومستدامة.

ما هو التمويل الضروري وما هو التمويل الممكن؟

أرى ضرورة الفصل بين مستويين رئيسيين.

التمويل الضروري هو التمويل الذي لا ينبغي أن يخضع للمساومات أو التأخير، ويشمل تشغيل الحقول والمنشآت، وسلامة الأصول، والصيانة الوقائية والعاجلة، والحفر الضروري لتعويض التناقص الطبيعي، وتأمين المواد وقطع الغيار، ومعالجة الاختناقات الحرجة، والوفاء بالالتزامات التعاقدية الأساسية.

فهذه الأموال لا تتعلق بترف استثماري، بل بالمحافظة على الإنتاج الموجود أصلًا.

أما التمويل الاستراتيجي أو الممكن تنويع مصادره فيشمل مشروعات زيادة الإنتاج، وتطوير الاكتشافات الجديدة، ومشروعات الغاز، والتكرير والبتروكيماويات، وخطوط الأنابيب الجديدة، ومرافق التخزين، وتقليل الحرق، وغيرها من المشروعات ذات التدفقات النقدية المستقبلية القابلة للقياس.

وهذه المشروعات لا يلزم بالضرورة أن تُمول جميعها من الخزانة العامة.

بل إن تحميل الموازنة العامة كامل متطلبات التوسع النفطي قد لا يكون اقتصاديًا، وربما لا يكون ممكنًا أصلًا مع ضخامة الاحتياجات الاستثمارية المطلوبة.

ماذا نستفيد من Aramco وADNOC وSonatrach؟

تصبح المقارنة الإقليمية مفيدة عندما نبحث عن المبادئ وليس عن النسخ الحرفي للتجارب.

فـ Saudi Aramco، رغم بقاء الدولة المالك الأكبر لها، تعمل ضمن بنية مالية ومؤسسية تمكنها من توليد تدفقات نقدية ضخمة، والاقتراض، والدخول إلى أسواق الدين، والاستفادة من السندات والصكوك إلى جانب التمويل الناتج عن عملياتها.

وفي الإمارات لا تعتمد ADNOC على أداة واحدة، بل تستخدم مزيجًا من التدفقات الذاتية، والشراكات، والتمويل المصرفي، والسندات والصكوك، وتمويل بعض الأصول والمشروعات وفق هياكل مالية مختلفة.

أما Sonatrach الجزائرية، وهي ربما الأقرب نسبيًا من حيث الملكية والدور السيادي، فتعمل وفق ميزانيات وبرامج تطوير تمتد لعدة سنوات، مع توجيه استثمارات كبيرة إلى الاستكشاف والتطوير والإنتاج، واستخدام الشراكات الدولية لتقاسم المخاطر وتسريع تنفيذ المشروعات.

إذن، القاسم المشترك ليس الخصخصة، وليس التخلي عن ملكية الدولة للثروة.

القاسم المشترك هو وجود شركة وطنية قادرة ماليًا، تخطط لعدة سنوات، وتملك مزيجًا من التدفقات الذاتية والشراكات والتمويل المصرفي وأسواق رأس المال.

فلماذا لا نفعل الشيء نفسه في ليبيا فورًا؟

لأن الوصول إلى أسواق التمويل ليس قرارًا إداريًا يصدر في يوم واحد.

المصارف والمؤسسات المالية لا تمول الاحتياطي النفطي الموجود تحت الأرض لمجرد ضخامته، وإنما تمول شركة أو مشروعًا له شخصية قانونية واضحة، وتدفقات نقدية قابلة للتنبؤ، وحسابات مالية مدققة، ونظام حوكمة، وقدرة على خدمة الدين، وعقود قابلة للتنفيذ، ومخاطر سياسية وتشغيلية يمكن تقييمها وتسعيرها.

وهنا يظهر مفهوم Bankability – القابلية للتمويل.

ولا ينبغي فهم هذا المفهوم وكأن المؤسسة الوطنية للنفط أو شركاتها لا تملك قيمة اقتصادية؛ فالعكس تمامًا. الاحتياطيات والأصول والخبرة والقدرات الفنية تمنح القطاع الليبي قيمة استثنائية، لكن تحويل هذه القيمة إلى قدرة على الاقتراض بشروط تنافسية يحتاج إلى إطار قانوني ومالي ومؤسسي واضح.

وهنا نصل إلى معادلة مهمة: لا استقلال مالي مطلق، ولا تبعية مالية كاملة، وإنما مرونة مالية منضبطة تحكمها الشفافية والمساءلة والنتائج.

النموذج الذي أراه مناسبًا لليبيا

لا أدعو إلى إخراج المؤسسة الوطنية للنفط من رقابة الدولة، كما لا أدعو إلى منحها شيكًا مفتوحًا على الإيرادات النفطية.

ما أقترحه هو نموذج تمويل هجين ومنضبط يقوم على ثلاث طبقات مترابطة.

أولًا: تمويل تشغيلي تلقائي ومحمي

تُعتمد موازنة تشغيلية سنوية قبل بداية السنة المالية، ضمن إطار مالي يمتد لثلاث إلى خمس سنوات، وتُحدد وفق معايير فنية تشمل حجم الإنتاج، وعدد الآبار والمنشآت، واحتياجات الصيانة والسلامة، والبرامج التشغيلية المخطط لها.

ثم تُحول المخصصات إلى المؤسسة بصورة شهرية أو ربع سنوية وفق جدول واضح وتلقائي، بدل الدخول في كل مرة في سلسلة طويلة من المراسلات والموافقات والإفراجات الاستثنائية.

ويمكن قانونًا تصميم آلية تربط هذه التدفقات بجزء محدد ومسبق من الإيرادات النفطية، ضمن سقف سنوي معتمد، دون أن يعني ذلك منح المؤسسة ملكية الإيرادات أو سلطة مفتوحة عليها.

ثانيًا: برنامج استثماري متعدد السنوات

لا يمكن إدارة تطوير الحقول النفطية بعقلية موازنة تبدأ في يناير وتنتهي في ديسمبر.

المشروعات النفطية الكبرى تمتد بطبيعتها لعدة سنوات.

ولهذا يجب اعتماد برنامج استثماري رأسمالي متعدد السنوات – Capital Investment Programme يمتد لثلاث أو خمس سنوات، ويحدد المشروعات حسب الأولوية الاقتصادية والفنية، مع بيان تكلفة كل مشروع، وأثره المتوقع في الإنتاج أو الاحتياطيات، وفترة تنفيذه، وعائده الاقتصادي، ومخاطره.

ويُصرف التمويل على مراحل مرتبطة بنسب الإنجاز والنتائج المحققة.

ثالثًا: التمويل التجاري وتمويل المشروعات

وهنا توجد، في تقديري، المساحة الأكبر التي يمكن تطويرها في ليبيا.

فبعد استكمال المتطلبات القانونية والمالية، يمكن للمؤسسة وشركاتها الاستفادة من القروض المصرفية المحلية والدولية، وتمويل المشروعات Project Finance، والشراكات مع الشركات النفطية الدولية، وترتيبات Carry Financing التي يتحمل فيها الشريك جزءًا من الإنفاق وفق شروط متفق عليها، إضافة إلى إمكانية إصدار السندات أو الصكوك مستقبلًا، وتأسيس شركات ذات غرض خاص SPVs لمشروعات محددة في خطوط الأنابيب أو التخزين أو الغاز أو التكرير.

كما يمكن الاستفادة من التمويل المرتبط بعقود شراء طويلة الأجل للمشروعات التي تنتج تدفقات نقدية مستقرة، ودراسة مساهمة المؤسسات الاستثمارية الوطنية والمصارف الليبية في مشروعات نفطية محددة على أسس تجارية واضحة.

والمطلوب في كل ذلك هو ألا تتحول هذه الالتزامات تلقائيًا إلى ديون سيادية غير معلنة تتحملها الدولة دون ضوابط.

قبل إصدار السندات… علينا بناء الجدارة الائتمانية

لا أعتقد أن البداية الصحيحة هي أن نقول غدًا: لتصدر المؤسسة سندات دولية.

البداية الصحيحة هي إعداد المؤسسة لتصبح قادرة على ذلك.

وهذا يتطلب حسابات مالية موحدة ومدققة وفق معايير معترف بها دوليًا، وتقييمًا مستقلًا للاحتياطيات والأصول، ووضوحًا قانونيًا بشأن قدرة المؤسسة وشركاتها على الاقتراض، وتحديد الجهة التي تملك صلاحية إنشاء الدين ومن يتحمل الالتزام.

كما يتطلب الأمر سياسة معلنة للدين وسقوف الاقتراض، وتصنيفًا ائتمانيًا مناسبًا، وحسابات مستقلة للمشروعات الممولة، وقواعد مشتريات وتعاقد شفافة، ولجان تدقيق ومخاطر فاعلة، وضوابط تمنع إنشاء ضمانات سيادية ضمنية أو التزامات غير معلنة على الدولة.

ومن المهم كذلك الفصل بين دين المؤسسة القائم على تدفقاتها التجارية وبين الدين السيادي للدولة.

فإذا كانت الدولة ستضمن كل قرض بصورة غير مشروطة، فإننا نكون قد غيرنا اسم التمويل فقط، ولم نغير طبيعته أو مخاطره.

الحوكمة والتمويل… لا تعارض بينهما

من الأخطاء التي تتكرر في النقاش العام وضع خيارين متعارضين: إما أن نمول المؤسسة، أو أن نطالب بالرقابة.

والصحيح أننا نحتاج الأمرين معًا.

كلما اتسعت المرونة التمويلية، وجب أن ترتفع معها درجة الشفافية والمساءلة.

لكن الرقابة التي نحتاج إليها ليست رقابة تعطل القرار التشغيلي والفني، وإنما رقابة تقيس النتائج.

ما تكلفة إنتاج البرميل؟

كم أُنفق على الصيانة؟

كم انخفضت التوقفات غير المخططة؟

ماذا أضاف كل مشروع إلى الإنتاج أو الاحتياطيات؟

هل نُفّذ في موعده؟

كم كانت التكلفة المعتمدة وكم أصبحت التكلفة النهائية؟

وما العائد الفعلي على الإنفاق الرأسمالي؟

هذه هي الحوكمة القائمة على الأداء، حيث يصبح التمويل مرتبطًا بمؤشرات كمية وفنية قابلة للقياس، من بينها تكلفة البرميل، وكفاءة الإنفاق الرأسمالي، ومعدلات التوقف غير المخطط، والاستدامة الإنتاجية.

الإيرادات النفطية ملك للدولة

من المهم هنا التأكيد على مبدأ سيادي لا ينبغي المساس به:

الإيرادات النفطية ملك للدولة الليبية، وليست ملكًا للمؤسسة الوطنية للنفط.

لكن هذا لا يتعارض مع إنشاء قاعدة قانونية تسمح بتمويل المؤسسة آليًا من جزء معلوم ومسبق من تلك الإيرادات وفق ميزانية معتمدة وضوابط واضحة.

والفرق جوهري.

ففي الحالة الأولى تصبح المؤسسة صاحبة الإيراد، وهذا ليس المقصود.

أما في الحالة الثانية فتبقى الإيرادات للدولة، لكن الدولة تقرر مسبقًا أن تكلفة حماية الأصل الذي يولد هذه الإيرادات وتطويره تتمتع بالأولوية ضمن قواعد واضحة وخاضعة للرقابة.

الأمر يشبه من يمتلك مصنعًا ناجحًا؛ فلا يمكنه سحب كامل إيرادات المصنع باستمرار، ثم مطالبته بالاستمرار في الإنتاج دون أن يترك له ما يكفي للصيانة والتجديد والاستثمار.

تمويل المؤسسة ليس امتيازًا لها… بل حماية للإيراد السيادي

في اقتصاد متنوع، يمكن أن يتعرض قطاع معين لنقص التمويل دون أن تتعرض المالية العامة للدولة كلها للخطر.

أما في ليبيا فالوضع مختلف.

فأي تراجع مستدام في إنتاج النفط ينعكس على تدفقات النقد الأجنبي، وعلى الموازنة العامة، والاحتياطيات، وسعر الصرف، وقدرة الدولة على تمويل المرتبات والدعم والتنمية والخدمات العامة.

لذلك فإن استقرار تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس شأنًا خاصًا بالمؤسسة، بل هو جزء من الأمن المالي والاقتصادي للدولة الليبية.

وقد أكدتُ في أكثر من مناسبة أن الإشكالية الليبية لا تكمن في ضعف الموارد الطبيعية، وإنما في كيفية إدارة عوائد هذه الموارد وتحويل جزء أكبر منها من الإنفاق الاستهلاكي إلى الاستثمار المنتج.

ومن المفارقات أن أول استثمار ينبغي حمايته هو الاستثمار في الأصل الذي يولد الريع ذاته.

القرض الأخير… بداية جيدة وليس نهاية الطريق

أرى أن الاتجاه نحو الاقتراض المصرفي لتمويل مشروعات إنتاجية يمثل تطورًا مهمًا؛ لأنه يفتح الباب أمام التفكير في التمويل التجاري وربط التمويل بمستهدفات إنتاجية واقتصادية واضحة.

لكن ينبغي أن يكون ذلك بداية لمسار مؤسسي متكامل، لا مجرد حالة استثنائية تُضاف إلى سلسلة الاستثناءات.

فإذا أثبتت المؤسسة قدرتها على اقتراض مليار دولار، وتوجيهه إلى مشروعات محددة، وتحقيق زيادة إنتاجية حقيقية، وخدمة الدين من العائد المتولد، والإفصاح عن النتائج بصورة واضحة، فإنها تكون قد بدأت في بناء سجل ائتماني Track Record.

ومن هذا السجل يمكن مستقبلًا الانتقال إلى تمويلات أكبر وأطول أجلًا، وربما بتكلفة أقل وشروط أفضل.

وهكذا تُبنى Bankability فعليًا، لا بالشعارات وإنما بالأداء والنتائج والثقة.

الخلاصة: لا موازنة مفتوحة… ولا تمويل بالقطارة

ما تحتاجه المؤسسة الوطنية للنفط ليس موازنة مفتوحة بلا رقابة، كما أنها لا تستطيع الاستمرار بمنطق الإفراج المتقطع عن الأموال ومعالجة كل أزمة بترتيب مالي استثنائي.

الحل بين الاثنين.

تمويل أساسي ثابت ومنتظم للتشغيل والصيانة، وبرنامج رأسمالي متعدد السنوات، وتمويل تجاري وشراكات للمشروعات القابلة لذلك، ضمن إطار قوي للحوكمة والتدقيق والإفصاح وربط الإنفاق بالنتائج.

بهذا فقط يمكن أن تنتقل المؤسسة تدريجيًا من مؤسسة تعتمد أساسًا على ما تفرج عنه الخزانة إلى شركة وطنية ذات قدرة مالية حقيقية، مملوكة للدولة وتعمل لصالحها، لكنها في الوقت نفسه قادرة على تعبئة رأس المال وإدارة استثماراتها وفق المعايير المهنية الحديثة.

والهدف ليس تقليد Aramco أو ADNOC أو Sonatrach لمجرد أنها نماذج ناجحة، فالظروف القانونية والسياسية والمؤسسية مختلفة.

ما يجب أن نستفيد منه هو المبدأ: الدولة تحتفظ بالثروة والسيادة، والشركة الوطنية تحصل على المساحة المالية والتشغيلية اللازمة لتنمية هذه الثروة، والرقابة تنتقل تدريجيًا من التحكم في كل حركة مالية إلى محاسبة المؤسسة على النتائج والكفاءة والعائد.

وأرى أن ليبيا اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى هذا النموذج.

فهدف الوصول إلى مليوني برميل يوميًا ليس مجرد مسألة فنية تتعلق بعدد الحفارات والآبار، وليس مجرد سؤال عن كيفية توفير 36 مليار دولار.

إنه، قبل ذلك كله، سؤال عن شكل المؤسسة التي ستدير هذه الأموال، وكيف ستمول نفسها، وكيف ستقاس نتائجها، وما إذا كنا نريدها مجرد وحدة إنفاق داخل الموازنة العامة، أم شركة وطنية حديثة وقوية وقابلة للتمويل، تستطيع المحافظة على أهم أصل اقتصادي تمتلكه الدولة الليبية وتنميته للأجيال القادمة.

وهنا، في تقديري، يبدأ الإصلاح الحقيقي.

المحافظ يرهن عدوله عن الاستقالة بتنفيذ حزمة إصلاحات مالية واقتصادية عاجلة

ربط محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” قرار العدول عن الاستقالة باشتراط التزام الأطراف المعنية بتنفيذ حزمة إصلاحات عاجلة، تهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني وضمان الاستقرار المالي وسعر الصرف.

​وتشمل الشروط المطروحة مراجعة شاملة للإنفاق العام والإيرادات، وتطبيق الاتفاق الموحد، إضافة إلى إقرار سياسات تجارية صارمة تحافظ على موارد الدولة واحتياطياتها النقدية، وتكافح تهريب السلع والمحروقات.

​وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع اتصالات مكثفة أجرتها عدة أطراف مع المحافظ لثنيه عن الاستقالة، حيث من المرتقب عقد اجتماعات رسمية لتحديد آليات تنفيذ هذه الإصلاحات لضمان استمرارية قيادة المصرف في أداء مهامها.

“علي الجهاني”: استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي: المواطن يدفع الثمن.. وتعرية “معادلة الاقتصاد غير المستدامة”

كتب: المستشار المصرفي “علي الجهاني”

شهدت الأروقة الاقتصادية والسياسية في ليبيا تطوراً مفصلياً بتقديم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى كتاب اعتذار عن الاستمرار في منصبه إلى رئيسي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بتاريخ 9 أغسطس 2026. ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تتصاعد المضاربات وتتراجع القدرة الشرائية للدينار، ليجد المواطن البسيط نفسه مجدداً الضحية الأولى لمعارك نفوذ وسوء إدارة لا يد له فيها.

والاستقالة لم تُحسم بعد: فقد رفضها المجلس الأعلى للدولة وطالب المحافظ بالاستمرار في مهامه كاملةً — بما فيها ضبط الإنفاق العام ومنع التجاوزات في استخدامات النقد الأجنبي — إلى حين البت فيها، بينما لم يحسم مجلس النواب موقفه. ونحن إذاً أمام وضع أخطر من الشغور لا أقل منه: محافظ يمارس صلاحيات كاملة برصيد شرعية متآكل. وقد سعّر السوق هذا الغموض فوراً؛ إذ تجاوز الدولار في السوق الموازية حاجز التسعة دنانير بعد استقرار عند حدود 8.40.

وقد وضع تحليل رجل الأعمال حسني بي الأزمة في نصابها الصحيح؛ فالاستقالة ليست حدثاً إدارياً، بل إعلان عن وصول نموذج إدارة الاقتصاد الليبي إلى حدود قدرته القصوى على الاستمرار. ومع ذلك يجب التحفظ: فالكتاب لم يذكر الأسباب، ومن غير المهني الجزم بأن ملفاً بعينه هو السبب المباشر. لكن ما يمكن قوله بثقة إن البيئة التي عمل فيها المحافظ جعلت المهمة غير قابلة للأداء بالأدوات المتاحة.

أولاً: المواطن في مرمى النيران.. كلفة الأزمات المتتالية

في كل جولة من جولات الصراع السياسي أو التخبط المؤسسي، تتحول القرارات المالية فوراً إلى أعباء معيشية يكتوي بنارها الشارع الليبي:

تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. بمجرد انتشار شائعات الاستقالة والتجاذبات، تشتعل الأسعار في السوق الموازية. ونتيجة لغياب الرقابة وتراجع قيمة الدينار، تنعكس الفروق فوراً في شكل موجات غلاء تضرب السلع الأساسية والمواد الغذائية والدواء — لأن الجزء الأكبر من استهلاك الليبي مستورد.

أزمة السيولة وتجميد الحياة المعيشية. يدفع الغموض الإداري واضطراب السياسات النقدية إلى تعقيد إجراءات فتح الاعتمادات وتدفقات النقد الأجنبي، مما يعيد طوابير المصارف إلى الواجهة، ويحرم المواطن من الوصول إلى مرتبه أو مدخراته لقضاء حاجياته الضرورية.

تحمل فاتورة الفجوة السعرية. عندما يُطلب من المصرف المركزي تثبيت سعر صرف غير قادر على تحمّله، ينشأ “ريع اقتصادي” يستفيد منه المضاربون وأصحاب الاعتمادات الرخيصة، بينما يدفع المواطن الثمن تضخماً في الأسواق العامة. وحجم هذا الريع ليس تقديرياً: فقد بلغت استخدامات المصارف من النقد الأجنبي في الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 12.9 مليار دولار وفق تقرير المصرف المركزي. أي أن إدارة سعر الصرف ليست قراراً تقنياً بشأن رقم، بل آلية لتوزيع عشرات المليارات سنوياً — وكل دينار من الفارق بين السعرين تحويل صافٍ من حامل الدينار إلى من يملك حق الوصول إلى الدولار الرسمي.

ثانياً: الصراع الحقيقي.. هل الأزمة نقدية أم مالية؟

كما أوضح تحليل حسني بي، يكمن جوهر المشكلة في صراعين اقتصاديين متداخلين يصنعان معاً حلقة مفرغة:

  1. الصراع الأول (مالي): الاتفاق المنفلت

ليبيا تحصل على معظم إيراداتها بالدولار من النفط والغاز، وتنفق بالدينار: نحو 73 ملياراً للمرتبات، و37 ملياراً للدعم، وتم الاتفاق على إنفاق موحد على مستوى كامل التراب الليبي منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً وفق بيان المصرف المركزي. لكنه وحّد الأرقام ولم يوحّد الانضباط: أقرّ سقوفاً دون آلية تلقائية تعيد ضبطها عند تغيّر الإيرادات النفطية الفعلية، ودون جهة تنفيذية واحدة تتحمل مسؤولية التجاوز. والمفارقة أن بيان المصرف عند التوقيع وصف الإطار بأنه قائم على “القدرة المالية الفعلية للدولة” — وهو المبدأ الذي لم تُرفق به أداة تنفيذ واحدة.

وهنا يصبح الاتفاق منفلتاً: التزامات بالدينار مُقرّة سياسياً ومحمية بتوافق بين مجلسين، في مقابل إيرادات بالدولار خاضعة لتقلبات الإنتاج والأسعار والإغلاقات. وقد ظهر ذلك عملياً في يونيو 2026، حين وجّه رئيس لجنة الإنفاق الموحد بمجلس النواب رسالة إلى المحافظ حذّر فيها من أن المجلس قد يعتبر نفسه في حلّ من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق إذا استمر ما وصفه بتعطيل تنفيذه — أي أن الاتفاق كان قابلاً للتنصل منه من طرف واحد بعد شهرين فقط من توقيعه.

وبذلك تحوّل المصرف المركزي إلى نقطة تصادم: السلطة السياسية تطالبه بتوفير الدينارات والسيولة، بينما يحذر هو وصندوق النقد الدولي من أن كل مليار دينار إضافي ينقلب خلال أسابيع إلى طلب إضافي على الدولار والسلع المستوردة. وقد حذّر الصندوق في مشاورات 2026 من أن استمرار الإنفاق المرتفع يبقي الضغط على سعر الصرف ويستنزف الاحتياطيات، وأن السياسات القائمة غير مستدامة على المدى المتوسط.

  1. ثقب المحروقات الأسود

الدولة لا تدعم البنزين والديزل بالدينار فقط، بل تدفع جزءاً ضخماً من الفاتورة بالدولار لاستيراد وقود يُباع محلياً بأسعار شبه مجانية، ثم يتسرب جانب كبير منه إلى التهريب.

والمحصلة معادلة تستنزف نفسها بنفسها: تبيع الدولة الطاقة بالدولار، ثم تعيد شراءها بالدولار، بينما يُقيَّد المقابل بالدينار في اتفاق إنفاق لا سقف فعلياً له. وهي دائرة لا تستطيع أي سياسة نقدية بمفردها إغلاقها، لأن أدواتها تعالج الطلب على النقد الأجنبي ولا تمس مصدره.

  1. الصراع الثاني (نقدي): الدفاع عن سعر الصرف أم حماية الاحتياطيات؟

عندما تتجاوز الالتزامات بالدينار الموارد الدولارية المتاحة، يقع المركزي بين خيارات أحلاها مر: إما استنزاف الاحتياطيات، أو فرض قيود على الدولار، أو خفض قيمة الدينار، أو ترك السوق الموازية تتسع. والامتناع عن الاختيار هو في ذاته اختيار للمسار الأخير — وهو أسوأها توزيعاً للعدالة، لأنه يسلّم تسعير الاقتصاد كله للمضاربة.

ثالثاً: ما تقوله تجارب الدول

توضح التجارب الدولية أن تغيير الأشخاص دون معالجة الخلل المالي لا يحل المشكلة. ففي تركيا (2019–2021) أدت الإقالات والاستقالات المتتالية لمحافظي البنك المركزي بضغط سياسي إلى فقدان الليرة جانباً كبيراً من قيمتها وارتفاع التضخم، نتيجة عدم احترام استقلالية المؤسسة النقدية. وفي لبنان (2019–2023) أدى تمويل عجز الحكومة بأدوات نقدية، مع تجاذب إداري ممتد، إلى انهيار العملة وتآكل مدخرات المواطنين. أما مصر، التي تُقدَّم أحياناً نموذجاً لسرعة حسم الفراغ الإداري بعد استقالة محافظها في أغسطس 2022، فقد اتسعت فيها الفجوة بين السعر الرسمي والموازي بعد التغيير لا قبله، ولم تُغلق إلا بتصحيح شامل لسعر الصرف في مارس 2024 اقترن بضبط مالي وتدفقات خارجية. والخلاصة واحدة: قيمة العملة تستقر حين يُضبط الإنفاق، لا حين يتغيّر المسؤول عن المصرف المركزي — فالمحافظ لا يملك أدوات تصنع الدولار؛ يملك فقط أدوات توزّع الموجود منه.

رابعاً: من يتحمل كلفة التصحيح؟ والقرارات الواجب اتخاذها

كما أورد حسني بي، لا يوجد خيار بلا تكلفة؛ والسؤال الحقيقي: هل تُوزَّع كلفة الإصلاح بصورة واعية وعادلة، أم تُترك لتتوزع عشوائياً عبر التضخم وتآكل مدخرات الشارع؟

  1. قرارات عاجلة لطمأنة الشارع والسوق

حسم المسار الإداري للمصرف خلال مدة قصيرة ومعلنة، بقرار موحد من المجلسين: إما قبول الاستقالة مع تكليف قيادة تكنوقراطية بصلاحيات كاملة، أو رفضها مع ضمانات مكتوبة لاستقلالية القرار النقدي. والأسوأ من الخيارين هو تركهما معلقين.

ضمان استمرار ضخ العملة الأجنبية بإصدار تعاميم وتدابير عملية تؤكد استمرار فتح الاعتمادات للسلع الأساسية والأغراض الشخصية، لقطع الطريق على شائعات السوق الموازية.

نشر التقرير الفني الذي أرفقه المحافظ بكتابه المؤرخ في 2 أغسطس عن أداء مجلس الإدارة وتشخيص المخاطر، أو نشر ملخصه — فالسوق يسعّر الغموض بأعلى مما يسعّر الأخبار السيئة.

تفعيل التداول الجماعي لمجلس الإدارة بكامل صلاحياته التكنوقراطية، لتفادي رهن القرارات السيادية بشخص واحد.

  1. قرارات إصلاحية هيكلية (إيقاف النزيف)

ربط سقف الإنفاق بالإيراد الفعلي بآلية تلقائية: مراجعة ربع سنوية معلنة تعدّل الاعتمادات صعوداً وهبوطاً وفق الحصيلة النفطية المحققة لا وفق التقديرات. هذا هو الفارق بين اتفاق منضبط واتفاق منفلت.

إصلاح ملف دعم المحروقات: البدء الجاد في استبدال الدعم العيني للوقود بدعم نقدي مباشر للمواطنين، بجدول زمني معلن وتعويض محدد للفئات الأدنى دخلاً، لإغلاق باب التهريب وتوفير المليارات من النقد الأجنبي.

التنسيق بين السياسة النقدية والمالية: تشكيل لجنة دائمة تضم المصرف المركزي ووزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط، لموازنة الالتزامات بالدينار مع التدفقات بالدولار قبل الإقرار لا بعده.

قاعدة إفصاح شهرية عن الإيرادات والاحتياطي ومبيعات النقد الأجنبي وحجم الاعتمادات المفتوحة. الشفافية هنا ليست ترفاً حوكمياً؛ إنها أرخص أداة متاحة لخفض علاوة المخاطر في السوق الموازية.

خاتمة

إن استقالة المحافظ ناجي عيسى تؤكد أن السياسة قد تستطيع تأجيل الإصلاح، لكنها لا تستطيع إلغاء الفاتورة. والاتفاق الذي وحّد أرقام الإنفاق دون أن يوحّد قواعد انضباطه لم يُنهِ الانقسام المالي؛ بل حوّله من انقسام معلن بين حكومتين إلى ضغط صامت على مؤسسة واحدة.

وإذا لم تتحمل المالية العامة مسؤوليتها اليوم بتعديل الإنفاق والدعم، فسيدفع الفاتورة غداً الاحتياطي، أو الدينار، والنتيجة النهائية سيدفعها المواطن من قوته اليومي.

البريقة لتسويق النفط: وضع الإمدادات مطمئن وازدحام طرابلس ناتج عن ضغط مؤقت

أكد المتحدث الرسمي باسم شركة البريقة لتسويق النفط أن الازدحام المسجل في عدد من محطات الوقود بالعاصمة طرابلس، ولا سيما المناطق الممتدة من جنزور إلى الكريمية والسواني، يعود إلى ارتفاع استثنائي ومؤقت في الطلب عقب الحريق الذي تعرض له الخزان رقم (402)، وما ترتب عليه من توقف جزئي للعمليات بمستودع الزاوية النفطي وتأثر مؤقت في وتيرة تزويد عدد من محطات الوقود بالمنطقة الغربية.

​وأضاف أنه بالتنسيق مع المؤسسة الوطنية للنفط، صدرت التوجيهات بتسخير الإمكانات الفنية والتشغيلية اللازمة للتعامل مع تداعيات الحادث، وتعزيز إمدادات الوقود للمناطق المتأثرة، وضمان استمرارية عمليات التزويد وفق أعلى معايير السلامة والكفاءة التشغيلية. كما تم تفعيل خطة تشغيلية استثنائية لإعادة توزيع الإمدادات وتغطية الاحتياجات الناتجة عن التوقف الجزئي للعمليات بمستودع الزاوية، من خلال زيادة الكميات المخصصة للمحطات الواقعة غرب طرابلس وجنوبها، ورفع وتيرة عمليات الاستلام والتحميل والتوزيع عبر مستودع طرابلس النفطي وميناء طرابلس البحري، وفق متابعة مباشرة لحركة الطلب والاحتياج الفعلي في كل منطقة.

​كما أكد أن وضع الإمدادات مطمئن في ظل توافر كميات كبيرة من البنزين بمستودع طرابلس النفطي، بالتزامن مع استمرار الناقلة (Avanti) في تفريغ شحنتها بميناء طرابلس، ووجود الناقلة (Easterly Symphony) على المخطاف محمّلة بشحنة إضافية من البنزين، بما يعزز المخزون ويدعم استمرارية عمليات التزويد.

​وأشار إلى أن ما تشهده بعض المحطات لا يعكس نقصًا في الوقود، إنما يمثل ضغطًا مؤقتًا على منظومة التوزيع نتيجة الظروف الاستثنائية التي شهدتها مدينة الزاوية، مؤكدًا أن فرق الشركة تعمل على مدار الساعة لتسريع حركة الإمداد وتعزيز الكميات الموجهة إلى المناطق الأكثر طلبًا، وصولًا إلى استعادة الانسيابية المعتادة بالمحطات.

مصرف ليبيا المركزي ينفي إيقاف بيع النقد الأجنبي ويؤكد استمرار تغطية الاعتمادات

نفى مسؤول بمصرف ليبيا المركزي لـ”تبادل” الشائعات المتداولة بشأن توقف أو عرقلة معاملات النقد الأجنبي، مؤكداً أن عمليات بيع العملة الأجنبية للأغراض الشخصية وتغطية الاعتمادات المستندية تسير بشكل طبيعي ودون انقطاع.

​وأوضح المصدر أن إدارات القطاعات المعنية داخل المصرف المركزي تواصل تقديم موافقاتها وتنفيذ المعاملات المالية المعتادة وفق الضوابط المعمول بها، داعياً المواطنين ووسائل الإعلام إلى توخي الدقة واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية للحد من الشائعات التي تستهدف الاستقرار المالي والتجاري في البلاد.

“عبد الحميد الفضيل”: استقالة المحافظ.. الوضع أكثر كارثية مما نتخيل!

كتب: عبد الحميد الفضيل – أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة

إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي استقالته صراحةً ودون ذكر الأسباب “لحساسيتها” ليس مجرد انسحاب إداري، بل هو جرس إنذار صريح بالدخول في النفق المظلم الذي حذرنا منه مراراً وتكراراً.

وحسب تقديري، فإن هذه الاستقالة تقف خلفها أسباب مباشرة وخطيرة، من أهمها:

▪️ انفلات الإنفاق المزدوج والانهيار الكامل لوعود توحيد الإنفاق العام.

▪️ النزيف الحاد للإيرادات النفطية جراء القفزات القياسية لتكلفة واردات المحروقات (1.41 مليار دولار في يونيو فقط)، بالتوازي مع تهريب وتصدير النفط الخام عبر قنوات غير رسمية.

▪️ التآكل المتسارع للاحتياطيات بتفاقم عجز النقد الأجنبي ليتجاوز 24.8 مليار دولار خلال عامين ونصف فقط.

▪️ ارتهان جانب من السياسة النقدية للضغوط والتعليمات السياسية والأمنية.

وصل المحافظ أخيراً إلى قناعة بأن استمرار هذا الوضع يجعل “السماء هي الحد الوحيد” لارتفاع سعر الصرف، وانخفاض القوة الشرائية للدينار، وتدني الاحتياطيات!

أخيراً… رغم أن قرار الاستقالة يُحسب للمحافظ، إلا أن ما يُؤخذ عليه عدم ذكر الأسباب، فضلاً عن بقاء المصرف المركزي طيلة الفترة الماضية صامتاً دون تبيان حقيقة المؤشرات الاقتصادية والوضع المالي الحرج للدولة.