Skip to main content

الوسم: رئيسي

“الشلوي”: حقل البوري البحري.. 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً تتحول من مورد مهدور إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية لليبيا

كشفت المؤسسة الوطنية للنفط عن نيتها استكمال إجراءات التشغيل النهائية لمشروع إنشاء وتركيب وحدة جديدة لاستغلال الغاز المصاحب بحقل البوري البحري عبر شركة مليتة للنفط والغاز بنهاية شهر أكتوبر الجاري، ولتوضيح أهداف هذا المشروع تواصلنا مع الخبير النفطي “عبد المنصف الشلوي” الذي أمدنا بهذا التصريح:

يمثل التوجه نحو استكمال إجراءات تشغيل مشروع استغلال الغاز المصاحب بحقل البوري البحري إنجازاً مهماً في مسار تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد الهيدروكربونية الليبية، وخطوة استراتيجية تتجاوز في أهميتها الجانب التشغيلي إلى أبعاد اقتصادية وبيئية ترتبط بأمن الطاقة وكفاءة إدارة الثروة الوطنية.

إن استغلال نحو 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً وفقاً للطاقة المستهدفة للمشروع، يعني توظيف مورد طبيعي كان جزء منه يُحرق دون تحقيق الاستفادة الاقتصادية المثلى منه، وتحويله إلى قيمة مضافة تدعم إمدادات السوق المحلي وقطاع توليد الكهرباء وتخفف الضغوط على منظومة الطاقة. كما أن هذه الكميات تمثل مورداً مهماً يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة استخدام الغاز وتعزيز موثوقية الإمدادات، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني.

تبرز أهمية المشروع أيضاً في مردوده البيئي، من خلال الحد من حرق الغاز وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 1.5 مليون طن سنوياً، وفقاً للبيانات المعلنة. وهذا يعكس إمكانية تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من الموارد الطبيعية والوفاء بالمتطلبات البيئية، دون النظر إلى حماية البيئة باعتبارها عبئاً على النشاط النفطي، بل باعتبارها جزءاً من كفاءة التشغيل وحسن إدارة الأصول.

ومن المنظور الاقتصادي والفني، فإن القيمة الحقيقية لهذه المشروعات لا تُقاس فقط بحجم الغاز الذي ستتم استعادته، وإنما كذلك بقيمة ما توفره من موارد، وما تدعمه من إمدادات محلية، وما تحققه من تقليل للهدر ورفع لكفاءة البنية التحتية النفطية. فكل كمية من الغاز يجري استغلالها بدلاً من حرقها تمثل فرصة لتعزيز العائد من الثروة الوطنية وتحسين توظيفها في خدمة الاقتصاد.

ويؤكد هذا المشروع أهمية مواصلة الاستثمار في تقنيات جمع الغاز المصاحب ومعالجته ونقله، والتوسع في المشروعات المماثلة بمختلف الحقول، ضمن رؤية متكاملة تربط بين خطط الإنتاج واحتياجات السوق المحلي ومتطلبات توليد الكهرباء والاعتبارات البيئية. كما أن نجاح هذه المشروعات يتطلب ضمان استدامة التشغيل والصيانة وقياس النتائج الفعلية حتى تتحول الطاقة التصميمية المعلنة إلى إمدادات منتظمة ومنافع اقتصادية ملموسة.

إن مشروع البوري يمثل خطوة معتبرة في الاتجاه الصحيح، ويعكس أهمية الانتقال من التعامل مع الغاز المصاحب باعتباره ناتجاً ثانوياً لعمليات إنتاج النفط إلى اعتباره أصلاً اقتصادياً يستحق الاستثمار والتطوير. ومواصلة هذا النهج من شأنها دعم مستهدفات المؤسسة الوطنية للنفط في الحد من الحرق الروتيني والوصول إلى الحرق الصفري بحلول عام 2030، وتعزيز مكانة قطاع النفط والغاز بوصفه ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ليس فقط من خلال زيادة الإنتاج، بل أيضاً من خلال رفع كفاءة استغلال كل مورد متاح.

مسؤول بـ”المركزي”: توقعات بتجاوز الإيرادات النفطية 8.5 مليار دولار خلال الربع الأخير من العام 2026

أكد مسؤول بمصرف ليبيا المركزي أهمية مراجعة ملف صادرات النفط والإيرادات وآلية توريد المحروقات لرفع مستوى الشفافية وتنظيم التدفقات اليومية والأسبوعية للسيولة والمدفوعات بالعملة الأجنبية، مشدداً على ضرورة وضع آلية محكمة للإيرادات باعتبارها مالاً عاماً، ومؤكداً دعم المصرف لجهود المؤسسة الوطنية للنفط لزيادة الإنتاج.

وتوقع المسؤول؛ استناداً لأحدث المراجعات وارتفاع أسعار النفط لتتجاوز 106 دولارات للبرميل، أن تتجاوز الإيرادات النفطية خلال أكتوبر الجاري 2.5 مليار دولار، وأن تتعدى 3 مليارات دولار في شهري نوفمبر وديسمبر، موضحاً أن هذه التدفقات ستعزز قدرة المصرف المركزي على تغطية المدفوعات الخارجية خلال الربع الأخير من عام 2026 والربع الأول من عام 2027.

“حسني بي”: إصلاح الاقتصاد الليبي يبدأ من جذور الخلل لا من أعراضه.. الأرقام أولاً بعيداً عن العواطف والشعبويات

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

الاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يخضع للرغبات أو القرارات الإدارية. تحكمه قواعد العرض والطلب، والإيرادات والإنفاق، والإنتاج والتمويل. ومهما اختلفنا حول دقة الأرقام، تبقى العبرة بالآليات والقواعد الاقتصادية، لا بالشعارات والشعبويات.

أولاً: لنتوقف عن معالجة الأعراض ونواجه الأسباب.

السرقات، والمضاربة، والفجوة بين سعري الصرف، وارتفاع الطلب على الدولار، والسوق الموازية، وتهريب المحروقات، جميعها أعراض واختلالات يغذيها النموذج الاقتصادي القائم. مكافحتها ضرورية، لكنها لن تعالج جذور الأزمة ما لم تتغير الحوافز التي تنتجها.

ثانياً: أين تُنفق أموال الليبيين؟

وفق تقديراتي، تجاوز الإنفاق العام الليبي خلال عام 2025 نحو 270 مليار دينار، موزعة على النحو التالي:

أوجه الإنفاقمليار دينار
المحروقات والطاقة108
المرتبات والأجور – الباب الأول76
النفقات التسييرية – الباب الثاني14
الدعم والنفقات الأخرى – الباب الرابع18
التنمية وما في حكمها، بما فيها الإنفاق الموازي54
الإجمالي270

هذه تقديرات تستوجب المطابقة مع الحسابات الفعلية، لكنها تكشف بوضوح حجم المشكلة وأولويات الإصلاح.

فالمحروقات وحدها تمثل 40% من الإنفاق، والمرتبات 28%، والتنمية وما في حكمها 20%. أي إن هذه البنود الثلاثة تستحوذ على نحو 88% من إجمالي الإنفاق العام.

فهل يعقل أن ننشغل بالمضاربين ونتجاهل بنية الإنفاق التي تولّد الطلب على الدولار وتموّل الاختلالات؟

ثالثاً: قوة الدينار لا تُقاس بحجم الاحتياطيات وحدها.

لا توجد علاقة مباشرة أو آلية تضمن قوة الدينار لمجرد امتلاك احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي. فالاحتياطيات توفر قدرة على التدخل والدفاع عن العملة، لكنها لا تعوض الاختلال المالي والنقدي المستمر.

تتحدد استدامة قيمة الدينار بالدرجة الأولى من خلال حجم الإيرادات العامة، وحجم الإنفاق العام، وكيفية تمويل العجز، ونمو الكتلة النقدية، والطلب الحقيقي على النقد الأجنبي.

وفي اقتصاد تعتمد إيراداته العامة بنسبة تقارب 93% على النفط والغاز المقومين بالدولار، بينما تُدفع معظم النفقات بالدينار، يصبح سعر تحويل الإيرادات الدولارية إلى الدينار متغيراً حاسماً في التوازن المالي.

ولهذا فإن تصحيح سعر الصرف، عندما يكون مبالغاً في تقييم الدينار، يمثل أداة أساسية لاستعادة التوازن، لكنه ليس بديلاً عن ضبط الإنفاق والإصلاح الهيكلي.

رابعاً: كيف نتحقق من حقيقة الإنفاق؟

لا يكفي النظر إلى الموازنة المعلنة. يجب إعداد حساب مالي ونقدي موحد يطابق الإيرادات النفطية وغير النفطية، وتدفقات النقد الأجنبي، والتغير في الاحتياطيات، ونمو القاعدة النقدية، والالتزامات والتمويل خارج الموازنة، مع منع ازدواج احتساب التدفقات بين الخزانة والمصرف المركزي.

بهذه المطابقة يمكن كشف الإنفاق الفعلي ومصادر تمويله، بدلاً من الاكتفاء بالأرقام الإدارية المعلنة.

خامساً: من أين يبدأ الإصلاح؟

الأرقام تحدد الأولويات، لا العواطف:

  • المحروقات والطاقة (108 مليارات دينار): إصلاح منظومة الدعم والتوريد والتوزيع، واستبدال الدعم من السلعي إلى دعم المواطن مباشرة “نقدا” أو بتعويض نقدي مباشر وعادل للمواطن، مع وقف الهدر والتهريب.
  • المرتبات (76 مليار دينار): ضبط التوظيف والازدواج الوظيفي، وربط الأجور بالإنتاجية والخدمة الفعلية، دون المساس التعسفي بحقوق العاملين.
  • التنمية والإنفاق الموازي (54 مليار دينار): إخضاع جميع الالتزامات لخزينة موحدة، وربط الصرف بمشروعات قابلة للقياس والعائد الاقتصادي، ومنع الإنفاق خارج الرقابة.
  • سعر الصرف والتمويل: اعتماد سعر صرف أقرب إلى التوازن الاقتصادي، وتوحيد سوق النقد الأجنبي، ووقف التمويل النقدي غير المنضبط للعجز، مع حماية الفئات محدودة الدخل.

الخلاصة

ليبيا لا تعاني أساساً من نقص الموارد، بل من خلل في إدارة الموارد وتوزيعها وتسعيرها وتمويل الإنفاق العام.

لا يمكن الدفاع عن دينار قوي إدارياً في ظل إنفاق غير منضبط، ولا يمكن القضاء على السوق الموازية بقرارات المنع، ولا على التهريب بالعقوبات وحدها ما دامت الفجوات السعرية تخلق أرباحاً استثنائية.

الإصلاح يبدأ من أكبر بنود الإنفاق، ومن تصحيح سعر الصرف والحوافز الاقتصادية، لا من مطاردة النتائج وتجاهل الأسباب.

فالاقتصاد لا يجامل الحكومات، ولا يحترم الشعارات، ولا ينتظر التوافق السياسي. إما أن نحترم قواعده، أو نستمر في دفع تكلفة تجاهلها من قيمة الدينار والقوة الشرائية ومستقبل الأجيال.

“الفضيل”: تكلفة واردات المحروقات تسجل قفزات تاريخية وتستنزف 41% من الإيرادات

أكد الخبير الاقتصادي “عبد الحميد الفضيل” أن الأرقام توضح قفزات غير مسبوقة في المتوسط الشهري لتكلفة واردات المحروقات خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2026.

​وأوضح “الفضيل” أن المتوسط الشهري بلغ في فترة ما قبل المقايضة عام 2020 نحو 233 مليون دولار، ليرتفع في فترة المقايضة عام 2024 إلى 767 مليون دولار شهرياً بقفزة بلغت نسبتها 229%، بينما سجل في فترة العمل بقرار مجلس الوزراء رقم (525) لسنة 2026 نحو 1,040 مليون دولار شهرياً، مسجلاً زيادة بنسبة 35.6% مقارنة بفترة المقايضة، وبنسبة 346% مقارنة بفترة ما قبل المقايضة.​

وحذر “الفضيل” من أن الأخطر يكمن في أن تكلفة المحروقات خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2026 شكلت ما نسبته 41% من إيرادات النفط الموردة إلى مصرف ليبيا المركزي، مما يمثل استنزافاً خطيراً للاحتياطيات من النقد الأجنبي.​

وأشار إلى أن ما يحدث يتجاوز مفهوم التهريب التقليدي ليصبح عملاً منظماً تقوده «مافيات» تحمل صفة مسؤولين عسكريين ومدنيين، يقومون بتضخيم تكاليف التوريد كمرحلة أولى تليها عمليات التهريب عبر المنافذ البحرية والبرية، مبيناً أن تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة أكدت بوضوح تورط شخصيات نافذة في هذا الفساد المنظم.

“الشلوي”: الإيرادات النفطية بين حقيقة التحصيل وآلية التوريد.. قراءة في التوضيحات المتبادلة

كتب: د. عبد المنصف الشلوي – الخبير الاقتصادي والنفطي

إن النقاش الذي أثارته التوضيحات الأخيرة الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي بشأن الإيرادات النفطية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد اختلاف في عرض الأرقام، بل بوصفه فرصة لتعزيز الإفصاح المالي وتطوير آليات التنسيق بين المؤسسات التي تتولى إدارة أهم مورد اقتصادي للدولة الليبية.

فالمؤسسة الوطنية للنفط، بحكم مسؤوليتها عن إدارة العمليات النفطية وتسويق الخام ومتابعة الإيرادات المرتبطة به، معنية بتوضيح مسار الإيرادات وآلية توريدها والتسويات المالية ذات الصلة. وفي المقابل، يضطلع مصرف ليبيا المركزي بدوره في إثبات المبالغ التي ترد فعليًا إلى حساباته ومتابعة تدفقات النقد الأجنبي. وهنا تبرز أهمية التمييز بين الأدوار المحاسبية المختلفة، بدلًا من اختزال دورة الإيرادات النفطية في رقم واحد قد لا يعكس جميع مراحلها.

أولًا: ليست كل الأرقام المتداولة تعبيرًا عن المرحلة المحاسبية نفسها

إن جوهر المسألة يتمثل في ضرورة التمييز بين الإيرادات النفطية المحققة، والمبالغ التي استحقت أو أُدرجت ضمن التسويات المالية، والتحويلات التي صدرت بشأنها إجراءات توريد، والمبالغ التي وصلت بالفعل إلى الحسابات المصرفية وقُيدت فيها.

فهذه مراحل مترابطة، لكنها ليست متطابقة بالضرورة من حيث التوقيت أو المعالجة المحاسبية. وقد ينشأ اختلاف بين الأرقام المنشورة نتيجة اختلاف تاريخ القطع المحاسبي، أو نطاق البيانات، أو طبيعة المبالغ التي يتناولها كل بيان.

ومن هذا المنطلق، فإن توضيح المؤسسة الوطنية للنفط بشأن آلية توريد الإيرادات والتنسيق القائم مع الجهات المعنية يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يلفت الانتباه إلى أن فهم حركة الإيرادات النفطية يتطلب النظر إلى الدورة المالية كاملة، وليس إلى المبالغ التي تظهر في مرحلة واحدة منها فحسب.

ثانيًا: أهمية توضيح المؤسسة الوطنية للنفط

إن القيمة الأساسية في بيان المؤسسة لا تكمن فقط في الرقم الذي أوردته، بل في تأكيد ضرورة فهم الآليات المالية والإدارية التي تحكم انتقال الإيرادات النفطية، وما يرتبط بها من اعتمادات وتسويات والتزامات معتمدة.

فالمؤسسة الوطنية للنفط ليست مجرد جهة إنتاج وتصدير، وإنما تمثل حلقة محورية في سلسلة اقتصادية تبدأ من الإنتاج والتسويق والتحصيل، وتمتد إلى توريد الإيرادات وتمويل الالتزامات اللازمة لاستمرار العمليات النفطية.

ومن ثم، فإن أي قراءة موضوعية لبيانات الإيرادات ينبغي أن تراعي طبيعة هذه الدورة، وأن تتيح للمؤسسة توضيح البيانات التي تقع ضمن نطاق مسؤوليتها، مع مطابقتها بالبيانات المصرفية والمالية لدى الجهات الأخرى.

وهذا لا يعني افتراض صحة كل رقم قبل مراجعته، ولا التشكيك في بيانات أي مؤسسة، بل يعني اعتماد منهج مهني يقوم على التحقق والمطابقة وتحديد المسؤولية عن كل مرحلة من مراحل التدفق المالي.

ثالثًا: الإيرادات النفطية لا تنفصل عن الالتزامات التي تحافظ على مصدرها

من المهم كذلك ألا يقتصر النقاش على المبالغ الموردة إلى الحسابات، بل أن يمتد إلى الالتزامات المالية المرتبطة باستمرار الإنتاج، بما في ذلك مشروعات التطوير والصيانة ورفع الكفاءة التشغيلية والمحافظة على البنية التحتية النفطية.

فالقطاع النفطي هو المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية في ليبيا، والمحافظة على قدرته الإنتاجية ليست مسألة تشغيلية تخص المؤسسة وحدها، بل ضرورة اقتصادية ترتبط باستدامة الإيرادات العامة وتوافر النقد الأجنبي.

ومن هنا، فإن التمييز بين الإنفاق الاستهلاكي والالتزامات التي تحافظ على الأصل المنتج يظل ضروريًا عند تقييم التدفقات المالية. فالمبالغ الموجهة إلى تطوير الحقول وصيانة المنشآت قد تسهم في حماية الإيرادات المستقبلية، بينما يؤدي تأخر التمويل اللازم إلى مخاطر تشغيلية وخسائر قد تتجاوز قيمة التمويل المطلوب.

وهذه نقطة سبق التأكيد عليها في التحليلات المتعلقة بإعادة توجيه الإنفاق النفطي: لا يكفي أن نعرف حجم الإيراد، بل ينبغي أن نفهم أيضًا كيف تُدار الالتزامات التي تضمن استمراره.

رابعًا: المطلوب ميزان موحد للإيرادات النفطية والتدفقات المالية

إن المعالجة الأكثر فائدة لهذه المسألة تتمثل في اعتماد آلية دورية موحدة للمطابقة بين بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، ووزارة المالية، ومصرف ليبيا المركزي، والجهات الرقابية المختصة، وفقًا للاختصاصات القانونية لكل جهة.

وينبغي أن توضح هذه الآلية، بصورة قابلة للتحقق، قيمة الإيرادات المحققة خلال الفترة، والمبالغ المستحقة، والتحويلات الصادرة، والمبالغ المقيدة فعليًا في الحسابات، وأي أرصدة معلقة أو تسويات قائمة، مع بيان أسباب الفروق وتواريخها والجهة المسؤولة عن استكمال إجراءاتها.

كما أن نشر هذه البيانات في جداول دورية متسقة من شأنه أن يقلل مساحة الالتباس، ويمنع المقارنة بين أرقام تختلف في نطاقها أو تاريخها المحاسبي، ويعزز ثقة الرأي العام في المؤسسات المعنية بإدارة المال العام.

خامسًا: من تبادل البيانات إلى التكامل المؤسسي

إن ما تحتاج إليه ليبيا اليوم ليس توسيع دائرة الجدل حول الأرقام، بل الانتقال إلى مستوى أعلى من التكامل المؤسسي، تكون فيه البيانات المالية قابلة للمطابقة، وتكون فيه مسؤولية كل جهة واضحة، وتُعالج الفروق المحاسبية والإجرائية في إطار مهني ورقابي منظم.

وفي هذا السياق، فإن توضيح المؤسسة الوطنية للنفط يمثل مساهمة مهمة في عرض جانب من آلية إدارة الإيرادات، ويستحق أن يُقرأ ضمن الجهد المطلوب لاستكمال الصورة المالية بكامل عناصرها. كما أن توضيح المصرف المركزي للمبالغ المقيدة فعليًا في حساباته يظل جزءًا أساسيًا من عملية المطابقة الشاملة.

ولا تعارض بين الأمرين؛ بل إن الجمع بينهما هو الطريق إلى معرفة حقيقة التدفقات النفطية، وتحديد ما تم تحصيله وما تم توريده وما لا يزال قيد التسوية.

الخلاصة

إن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على إصدار البيانات فحسب، بل بقدرتها على بناء منظومة مشتركة تجعل البيانات قابلة للتحقق والمقارنة، وتحوّل الشفافية من ردود توضيحية متبادلة إلى ممارسة مؤسسية منتظمة.

والمؤسسة الوطنية للنفط، باعتبارها الركيزة الأساسية لتوليد الإيرادات النفطية، تحتاج إلى منظومة مالية متكاملة تضمن وضوح مسار الإيرادات، وسرعة استكمال إجراءات توريدها، وتوفير التمويل اللازم لاستدامة الإنتاج والتطوير. كما يحتاج مصرف ليبيا المركزي إلى بيانات مكتملة ومتطابقة تمكّنه من عرض صورة دقيقة عن التدفقات الفعلية للنقد الأجنبي.

فالمعيار الاقتصادي الصحيح ليس فقط كم بلغت الإيرادات النفطية، ولا فقط كم قُيد منها في الحسابات، بل كيف انتقلت عبر مراحلها المختلفة، وما الالتزامات المرتبطة بها، وكيف أسهمت في حماية الإنتاج والاستقرار المالي للدولة.

وهنا تحديدًا تبرز أهمية التكامل بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي وسائر المؤسسات المعنية؛ لأن حماية الإيرادات النفطية تبدأ من حماية مصدرها، وتكتمل بحسن إدارتها ووضوح مسارها ومساءلة كل جهة عن المرحلة التي تقع ضمن اختصاصها.

“الفضيل”: اجتماعات صندوق النقد الدولي.. هل كشفت ما وراء التلويح بالاستقالة من جديد؟

كتب: عبدالحميد الفضيل – أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة

​على ما يبدو، كشفت مشاورات المصرف المركزي مع صندوق النقد الدولي عن بيانات وحقائق صادمة بشأن التوسع المفرط في الإنفاق العام من جانب حكومة الوحدة الوطنية، وحكومة حماد، وصندوق الإعمار.

​في ظل غياب أي أمل قريب في توحيد الإنفاق العام، بالتزامن مع تراجع إيرادات النفط نتيجة تضخم فاتورة المحروقات، وتصدير النفط خارج القنوات الرسمية «أركنو»، فضلًا عن عدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي، وغياب استقلالية المصرف.

​هذه الحقائق وضعت المصرف المركزي أمام عجز شبه تام عن كبح استنزاف الاحتياطي، في ظل الضغوط المتزايدة من النافذين شرقًا وغربًا للحصول على مزيد من الأموال خارج الأطر الرسمية، وبمستويات تتجاوز القدرة الاستيعابية للاقتصاد.

​إن التلويح بالاستقالة مجددًا يُعدّ، ضمنيًا، بمثابة رفع للراية الحمراء وإنذار بخطورة الوضع. وفي حال استمرار هذه الأوضاع، فإن مزيدًا من الانخفاض في قيمة الدينار الليبي لن يكون سوى مسألة وقت، وربما بوتيرة متسارعة!

“ناجي عيسى” يتفق مع نائب مدير صندوق النقد الدولي على إطلاق حزمة من برامج التدريب والدعم الفني

بحث محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” مع نائب المدير العام لصندوق النقد الدولي “كينجي أوكامورا”، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، المنعقدة في العاصمة التايلاندية بانكوك، مستجدات الأوضاع الاقتصادية والمالية في ليبيا، وجهود مصرف ليبيا المركزي في تحقيق الاستقرار النقدي والمالي وتعزيز الاستدامة في البلاد.

​وأسفر الاجتماع عن الاتفاق على إطلاق حزمة من برامج التدريب والدعم الفني لكوادر مصرف ليبيا المركزي خلال الربع الرابع من العام الجاري، تشمل إعداد الإحصاءات النقدية، ميزان المدفوعات وإدارة الاحتياطيات، الاستقرار المالي، الرقابة المصرفية المبنية على المخاطر، مراجعة القوانين ذات العلاقة، وتقييم تطبيق ميثاق شفافية واستقلالية البنوك المركزية.

“الشلوي”: كهرباء ليبيا بين الاستثمار الخاص والالتزام الحكومي.. من يدفع التكلفة الحقيقية؟

كتب: الخبير الاقتصادي والنفطي “عبد المنصف الشلوي”

قراءة اقتصادية في نماذج BOT وBOO وتمويل مشروعات التوليد

أعادت أزمة الكهرباء في ليبيا، وما صاحبها من انقطاعات خلال الصيف، فتح النقاش حول إصلاح المنظومة، خصوصاً الدعوات إلى توسيع مشاركة القطاع الخاص في التوليد والطاقة المتجددة، باستخدام نماذج مثل البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، والبناء والتملك والتشغيل (BOO)، وغيرها من الصيغ التمويلية.

وقد تابعت الندوة الحوارية التي نظمها حزب السلام والازدهار يوم السبت 10 أكتوبر 2026م، وما طرح خلالها من رؤى بشأن معالجة اختلالات القطاع. ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن مشاركة القطاع الخاص خيار يستحق الدراسة، لكن لا ينبغي اعتبارها حلاً تلقائياً للأزمة أو وسيلة لإعفاء الدولة من أعباء التمويل.

فالسؤال الأساسي ليس فقط: من سيبني محطات الكهرباء؟ بل أيضاً: من سيوفر الوقود، ومن سيشتري الإنتاج، ومن سيتحمل مخاطر التحصيل والطلب، ومن سيدفع الفارق إذا لم تكفِ الإيرادات لتغطية التكلفة؟

أولاً: وفرة النفط والغاز لا تعني انخفاض تكلفة الكهرباء

تمتلك ليبيا موارد نفطية وغازية مهمة، لكن وفرتها لا تعني بالضرورة توافر الوقود بالكميات المطلوبة وفي الوقت المناسب. كما أن الغاز المستخدم في التوليد له تكلفة اقتصادية، حتى عندما يُورَّد بسعر إداري منخفض، نظراً إلى تكلفة إنتاجه ومعالجته ونقله، وإلى العائد البديل الممكن تحقيقه من استخدامه صناعياً أو تصديره.

أما الديزل وزيت الوقود، فتتأثر تكلفتهما بمصادر الإمداد وقدرات التكرير والنقل والتخزين، فضلاً عن أعباء التشغيل والصيانة. لذلك، ينبغي تقييم خيارات التوليد وفق التكلفة الاقتصادية الكاملة للوقود، لا سعره المحاسبي فقط.

ويمكن للطاقة الشمسية أن تسهم في خفض استهلاك الوقود وتنويع مصادر التوليد، لكن جدواها لا تُقاس بتكلفة الألواح أو إنتاج الكيلوواط/ساعة وحدهما؛ إذ يجب احتساب متطلبات التخزين عند الحاجة، والربط بالشبكة، والقدرة الاحتياطية، واستمرارية الإمداد. فزيادة القدرة الاسمية المركبة لا تعني بالضرورة توافر الكهرباء عند ذروة الطلب.

ثانياً: BOT وBOO لا يعنيان الخصخصة أو التمويل المجاني

من المهم التمييز بين خصخصة قطاع الكهرباء وإشراك القطاع الخاص في إنشاء محطات محددة وتشغيلها.

ففي نموذج (BOT)، يتولى المستثمر بناء المشروع وتشغيله خلال فترة تعاقدية ثم نقل ملكيته وفق شروط العقد، بينما يسمح نموذج (BOO) للمستثمر ببناء المشروع وتملكه وتشغيله.

ويمكن لهذه النماذج جذب رأس المال والخبرة، لكنها لا تعني بالضرورة إعفاء الدولة من التكلفة النهائية. فالمستثمر يحتاج إلى إيرادات موثوقة لاسترداد رأس المال وتغطية التشغيل وخدمة التمويل وتحقيق عائد مناسب.

وإذا لم تكفِ إيرادات بيع الكهرباء لتغطية هذه الالتزامات، فقد يتطلب المشروع اتفاقيات طويلة الأجل لشراء الطاقة، أو ضمانات حكومية، أو ترتيبات تضمن مدفوعات مقابل الطاقة المنتجة أو القدرة المتاحة، بحسب شروط العقد.

وهنا تظهر المفارقة: قد تتجنب الدولة الإنفاق الرأسمالي المباشر اليوم، لكنها تتحمل التزامات مالية لسنوات طويلة. وإذا تضمنت العقود مدفوعات لا ترتبط بالكامل بالطلب الفعلي، فقد يتحول نقص التمويل الحالي إلى أعباء مستقبلية يصعب تعديلها.

ولا يعني ذلك رفض الاستثمار الخاص، بل ضرورة تحقيق توازن بين جاذبية المشروع للمستثمر وحماية المال العام، مع توزيع المخاطر بصورة اقتصادية سليمة، بدلاً من تحميل الدولة معظم مخاطر الوقود والتحصيل والطلب، مع حماية العائد الاستثماري إلى أقصى حد ممكن.

ثالثاً: تحصيل الإيرادات والقدرة على تحمل التكلفة

ارتفاع الطلب على الكهرباء لا يكفي وحده لجذب الاستثمار؛ إذ يحتاج المستثمر إلى مشترٍ قادر على الدفع وإطار تعاقدي واضح.

فإذا كانت التعرفة لا تغطي التكلفة المعقولة، أو تعذر تحصيل الفواتير، فستستمر الفجوة المالية سواء كانت محطات التوليد مملوكة للدولة أم للقطاع الخاص.

وإذا اختارت الدولة دعم الكهرباء لأسباب اجتماعية، فينبغي تقدير هذا الدعم وإظهاره بوضوح ضمن الحسابات العامة. فالفارق بين التكلفة الاقتصادية والتعرفة المدفوعة لا يختفي، وإنما قد يتحول إلى مديونية على شركة الكهرباء أو التزامات على الميزانية العامة.

وتُظهر التجارب الدولية، ومنها السعودية، إمكانية الفصل بين ملكية محطات التوليد وترتيبات شراء الكهرباء. غير أن نجاح هذه الصيغ يرتبط بوجود مؤسسات قادرة على الوفاء بالتزاماتها، ومشترٍ يتمتع بقدرة ائتمانية مناسبة، وإطار واضح لتسعير الوقود وشراء الإنتاج. لذلك، لا يصح نقل النماذج التعاقدية دون مراعاة الشروط الاقتصادية والمالية اللازمة لنجاحها.

رابعاً: إصلاح المنظومة قبل توسيع الالتزامات

إن اختزال أزمة الكهرباء في الاحتكار الحكومي وحده لا يقدم تشخيصاً كافياً. فالاختلالات الإدارية والتشغيلية، والفاقد، وتأخر الصيانة، وضعف التحصيل، كلها عوامل تستحق المعالجة، ولكل منها أدوات مختلفة.

وقد تكون بعض الحلول أقل تكلفة من إنشاء محطات جديدة، مثل تحسين إدارة الوقود، ورفع كفاءة المحطات القائمة، وخفض الفاقد، وتطوير أنظمة القياس والتحصيل، وإبرام عقود للصيانة والتشغيل ترتبط بمؤشرات أداء واضحة.

كما ينبغي إخضاع أي مشروع جديد لمقارنة اقتصادية تشمل تكاليف الاستثمار والتشغيل والوقود والتمويل والربط بالشبكة، إلى جانب مخاطر التأخير والتعثر والالتزامات الحكومية طويلة الأجل.

فالرؤية الهندسية تحدد الاحتياجات الفنية، لكن إثبات الجدوى يتطلب أيضاً تقدير الطلب القابل للدفع، والتكلفة الكاملة للبدائل، وقدرة الجهة المشترية على الوفاء بالتزاماتها.

الخلاصة: الاستثمار الذي يخفض التكلفة، لا الذي يؤجل المشكلة

إن أزمة الكهرباء في ليبيا ليست مجرد نقص في محطات التوليد، ولا مجرد مشكلة احتكار حكومي، بل هي منظومة مترابطة من الموارد والتكلفة والتمويل والإدارة والتحصيل وتوزيع المخاطر.

ومشاركة القطاع الخاص قد تكون جزءاً مهماً من الحل، سواء في التوليد التقليدي أو الطاقة المتجددة أو التشغيل والصيانة، شريطة أن تستند إلى جدوى اقتصادية مثبتة، وعقود متوازنة، وشفافية في الالتزامات المالية، وقدرة فعلية على الوفاء بالمدفوعات.

أما استدعاء الاستثمار الخاص دون إصلاح أسس المنظومة، فقد لا يخفف العبء عن الدولة، بل قد يستبدل نقص التمويل الحالي بالتزامات حكومية طويلة الأجل.

فالتمويل ليس هو الاستثمار، وجذب رأس المال ليس هو تحقيق الجدوى، ونقل مخاطر المشروع إلى القطاع الخاص لا يتحقق بمجرد توقيع العقد.

والمعيار النهائي لأي إصلاح ينبغي أن يكون توفير كهرباء مستقرة بأقل تكلفة اقتصادية ممكنة، وتحسين كفاءة استخدام موارد النفط والغاز، وحماية المال العام، وتهيئة بيئة تسمح للقطاع الخاص بالمساهمة في التنمية دون تحميل الأجيال المقبلة التزامات غير محسوبة.

“إدريس الشريف”: العدالة في الأجور شرط للعدالة في المطالبة بالعطاء

أكد الخبير الاقتصادي “إدريس الشريف” أن استمرار التفاوت الهائل وغير المبرر في المرتبات والمزايا بين العاملين بالوظيفة العامة، والذي تجاوز عشرين ضعفاً في بعض الحالات، يحول دون مطالبة الفئات المغبونة بتقديم خدمة عامة ذات جودة وكفاءة في قطاعات التعليم وغيرها.

​وأوضح “الشريف” أن هذه الفئات تتلقى أجوراً لا تكفل لها ولأسرها الحد الأدنى من الحياة الكريمة، مشدداً على أن متخذي القرار كان يجب أن يدركوا أن تحقيق العدالة في الأجر هو شرط أساسي للعدالة في المطالبة بالعطاء، بدلاً من إصدار قرارات معيبة تتجاهل هذا الخلل وتحمل تبعاته لمن لم يتسببوا فيه.

“عبدالحميد الفضيل” يكتب: خلق نقود من العدم واستنزاف النقد الأجنبي.. ماذا تخفي الحوالات؟

كتب: عبدالحميد الفضيل – أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة

في تقرير المركزي، استوقفني بند الحوالات: مصرف الاتحاد الوطني 1.109 مليار دولار، ومصرف الوحدة 1.038 مليار دولار، أي نحو 80% من إجمالي الحوالات البالغة 2.681 مليار دولار استحوذ عليها مصرفان فقط!

من المستفيد النهائي؟ ولأي غرض استخدمت هذه الأموال؟ وهل يمكن أن تكون غطاءً لعمليات غسيل أموال لصالح جهات نافذة؟

والأخطر: هل مصدر هذه الأموال هو توسع الائتمان وخلق نقود مصرفية من العدم، ثم تحويلها إلى طلب على النقد الأجنبي؟

إن صحت هذه الفرضية، فنحن أمام آلية (خلق نقود) مستمرة منذ سنوات، ساهمت بقوة في زيادة الطلب على النقد الأجنبي، واستنزاف الاحتياطي والضغط على سعر الصرف.