Skip to main content

الوسم: رئيسي

الجمعية العمومية لمصرف السراي “أتيب” تُصادق على نتائج العام 2025 وتناقش رفع رأس ماله إلى 500 مليون دينار

عقد مصرف السراي للتجارة والاستثمار “أتيب” اجتماعيْ جمعيته العمومية العادية وغير العادية برئاسة رجل الأعمال والمساهم بالمصرف “حسني بي”، وبحضور نصاب قانوني تجاوز 70% من رأس مال المصرف.

وشهد الاجتماعان مشاركة واسعة من المساهمين، وأعضاء مجلس الإدارة، وهيئتي المراقبة والرقابة الشرعية، والمراجعين الخارجيين، إلى جانب مندوب مصرف ليبيا المركزي، في أجواء اتسمت بالشفافية والمسؤولية والالتزام بالحقائق والأرقام والمصلحة طويلة الأجل.

قفزة في الأرباح وحضور قوي للودائع

وخلال أعمال الجمعية العمومية العادية، صادق الحاضرون على نتائج أعمال السنة المالية المنتهية للعام 2025 واعتمدوا توزيع الأرباح، وكشفت البيانات المالية الصادرة عن المصرف عن تحقيق نتائج نوعية عكست ملاءته وقوة مركزه المالي في السوق الليبي.

حيث بلغ صافي أرباح مصرف السراي خلال العام الماضي 36.8 مليون دينار، وارتفع إجمالي الإيرادات إلى 142.1 مليون دينار، في حين تجاوزت ودائع العملاء حاجز الثلاثة مليار دينار.

وأكدت الجمعية العمومية لمصرف السراي خلال مناقشة البنود نجاح المصرف في المحافظة على مؤشرات قوية ومستقرة للسلامة المالية ومعدلات الربحية المتنامية.

رفع رأس المال إلى 500 مليون دينار على مرحلتين

وفي شقها غير العادي، ركزت الجمعية العمومية لمصرف السراي على رسم الملامح الاستراتيجية للمرحلة المقبلة من خلال تعزيز القاعدة الرأسمالية للمصرف على النحو التالي:

  1. المرحلة الأولى (قيد التنفيذ): استكمال إجراءات زيادة رأس مال المصرف من 100 مليون إلى 300 مليون دينار، بموافقة مصرف ليبيا المركزي، وذلك عبر رسملة الأرباح والاحتياطيات ومنح سهمين مجانيين لكل سهم قائم.
  2. المرحلة الثانية (مستقبلية): استعراض خطة الوصول برأس المال إلى 500 مليون دينار، مع تكليف جهة استشارية دولية مستقلة بإعداد التقييم العادل للسهم وعلاوة الإصدار.

وفي خطوة تبرز الالتزام بأعلى معايير الحوكمة وحماية حقوق الملكية والعدالة، توافق المساهمون على تأجيل القرار النهائي بشأن المرحلة الثانية إلى الاجتماع القادم، وذلك لحين استكمال مكتب الاستشارات الدولي “KPMG” لتقريره الفني والمالي والخطة المتكاملة للمشروع.

التزام راسخ بالحوكمة الرقمية ومبادئ الاستدامة (ESG)

من جانبه، أكد المراجع الخارجي للمصرف التزام (ATIB) بتعزيز منظومة الحوكمة وإدماج مبادئ الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) ضمن إطار إدارة المخاطر، وهي خطوة هامة نحو تطبيق أفضل الممارسات المصرفية الدولية.

كما شددت الجمعية العمومية على الأهداف التقنية والتنظيمية الحيوية التالية:

  • الحوكمة الرقمية: الإسراع في وتيرة الأتمتة للحد من التدخل البشري في القرارات الائتمانية والتشغيلية.
  • الامتثال الدولي: مواصلة الالتزام التام بمتطلبات مقررات بازل (Basel II & Basel III) ومعايير التقارير المالية الدولية (IFRS).

نموذج يحتذى في الإدارة الرشيدة

وفي تعليق له عقب انتهاء الجلسات، أشاد أحد كبار المساهمين بالمصرف “حسني بي” بالمستوى الراقي للحوار والمسؤولية والشفافية التي أبداها المساهمون والمشرعون والمراجعون، معتبراً أن نجاح الجمعيات العمومية يقاس بجودة نقاشاتها وعمق معلوماتها وليس بمجرد سرعة التصويت.

وأوضح “حسني بي” أن مهمته الرسمية كرئيس لأعمال الجمعية العمومية قد انتهت بمجرد إقفال الجلسات والتوقيع على محاضر الاجتماعات الرسمية، ليعود مجدداً إلى صفته كمساهم فقط في المصرف دون ممارسة أي دور تنفيذي أو إداري داخله، متمنياً لمصرف السراي مواصلة قيادة الابتكار والنمو لخدمة الاقتصاد الوطني.

“الهادي عبدالقادر”: تفويض التمكين والتعلم العميق واستشراف المستقبل برؤية 2030

كتب: الهادي عبد القادر – خبير الشؤون الاستراتيجية والأمن السيبراني للطاقة

بمناسبة الفعالية الرفيعة المستوى لمنتدى الأمم المتحدة السياسي الرفيع المستوى 2026

تمهيد: بين تسخير الجبال الرواسي وعلم الأسماء

خلق الله الكون بقدرة لا تُعقل، وأوجد فيه الجبال الرواسي أوتاداً للأرض، فكانت ثوابت الصمود في وجه الزلازل والتحولات. ثم علم آدم الأسماء كلها، وعرضها على الملائكة؛ ليكون الإنسان مستخلفاً في الأرض، ومُفوّضاً بالتمكين، ومُؤتمناً على عمارتها بالعلم والعدل.

ممرات الطاقة والدفاع الرقمي

فالإنسان – بإرادة الخالق ومنّه – صار قادراً على أن يبني، وأن يحفر الأخاديد في صخور الواقع، وأن يمد ممرات الطاقة والبيانات بين القارات، وأن يبتكر أنظمة دفاعية رقمية تحمي هذه الممرات من كل عابث أو معتد. ولكن هذا التمكين لا يكون كاملاً إلا إذا اقترن بـ “التعلم المستمر العميق”، الذي يُكسِب الإنسان قدرة على قراءة المستقبل، واستيعاب متغيراته، والاستعداد لما لم يحدث بعد.

أولاً: التعلم المستمر العميق.. مفتاح استشراف المستقبل

إن عصرنا الراهن لا يرحم من يتوقف عن التعلم؛ فالتقدم التكنولوجي يتسارع بوتيرة غير مسبوقة، والتهديدات السيبرانية تتطور بشكل أسرع من أي وقت مضى. ولذلك، فإن التعلم المستمر العميق لم يعد رفاهية أكاديمية، بل أصبح ضرورة أمنية واستراتيجية من الدرجة الأولى.

أبعاد التعلم الاستراتيجي

هذا النوع من التعلم لا يقتصر على اكتساب المعرفة النظرية، بل يتعداها إلى:

  • تحليل الأنماط السلوكية للتهديدات السيبرانية، وتوقع الهجمات قبل وقوعها.
  • تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متجددة تتكيف مع البيئات المتغيرة وتتعلم من كل اختراق أو محاولة اختراق.
  • بناء قدرات بشرية مدربة تدريباً عالياً في كل مجالات الأمن الرقمي، على غرار الجبال الرواسي التي لا تتزعزع.
  • تطوير آليات المحاكاة التنبؤية التي تختبر المنظومات الأمنية في بيئات افتراضية، قبل تطبيقها في الواقع.

وهذا يستوجب تفويضاً عميقاً للتمكين، بحيث لا يقتصر على النخب القيادية، بل يصل إلى كل فرد يعمل في منظومة الطاقة والبيانات؛ لأنه الحلقة الأضعف والأقوى في آن واحد.

ثانياً: تفويض التمكين.. من أداة تقنية إلى ثقافة أمنية

إن تفويض التمكين لا يعني فقط إعطاء الصلاحيات، بل يعني بناء نظام متكامل من الثقة والمسؤولية، حيث يكون كل فرد في موقعه قائداً في مجال الأمن السيبراني، ومدركاً أن أي خلل في منظومته قد يؤدي إلى انهيار كامل لممرات الطاقة والبيانات.

ركائز تحقيق التمكين المؤسسي

ولتحقيق هذا التمكين، لا بد من:

  1. تطوير أطر قانونية وتنظيمية ترسخ مبدأ الأمن المشترك، وتلزم جميع الأطراف بحماية بيانات وممرات الطاقة وفق أعلى المعايير.
  2. تمويل برامج التدريب المستدامة التي تواكب التطورات التكنولوجية، وتستثمر في الكوادر البشرية كأغلى ثروة وطنية.
  3. إقامة شراكات دولية شاملة؛ لأن التهديدات لا تعرف حدوداً، ولا يمكن مواجهتها بجهود منفردة.
  4. دمج التعلم العميق في ثقافة المؤسسات، بحيث يكون التعلم جزءاً من الروتين اليومي، وليس حدثاً استثنائياً.

ثالثاً: الابتكار الأمني والمضمون.. من ثوابت القرآن إلى ضوابط 2030

إن الابتكار الأمني الذي ننشده لا يمكن أن ينفصل عن المضمون الأخلاقي الذي يضبطه، فكما أنزل الله القرآن الكريم هدىً للناس، وجعل فيه ثوابت لا تتغير، فإن الأمن السيبراني يجب أن يقوم على أسس راسخة لا تتزعزع، وهي:

مبادئ الاستدامة والنزاهة

  • الشفافية: فلا أمن دون وضوح في الرؤى والإجراءات.
  • المساءلة: فلا تمكين دون محاسبة، ولا تفويض دون رقابة.
  • العدالة: فلا حماية لمسارات الطاقة والبيانات على حساب شعوب أو دول.
  • الاستدامة: فلا بناء حقيقياً دون رؤية بعيدة المدى، كما حددتها رؤية 2030 بأهدافها الطموحة.

وهذه الثوابت الأربعة تلتقي مع الآيات المحكمات من سورتي الإسراء والكهف، وسور الواقعة ومحمد والبقرة، في إطار كوني يربط بين التسخير الإلهي والمسؤولية الإنسانية.

رابعاً: استقراء المستقبل برؤية 2030.. خمس سنوات من الابتكار المضمون

إن وقوفنا اليوم في منتصف عقد تحول الطاقة والرقمنة يفرض علينا أن ننظر إلى المستقبل بمنظار استباقي، لا مجرد ردود فعل على الأحداث. ورؤية 2030 التي ارتكزت على أهداف التنمية المستدامة، تدفعنا إلى صياغة خارطة طريق للأمن السيبراني في مجال الطاقة، تتضمن:

المحور الأول: البنى التحتية الصامدة

  • تطوير شبكات طاقة قادرة على الصمود في وجه الهجمات الإلكترونية، من خلال أنظمة احتياطية متعددة، وممرات بديلة تلقائياً.
  • حماية الكابلات البحرية للألياف البصرية التي تحمل 90% من بيانات العالم، بأساليب دفاعية متطورة ومستمرة التحديث.

المحور الثاني: الثقة الرقمية والحوكمة

  • إنشاء منصات دولية لتبادل المعلومات الاستخباراتية عن التهديدات، تعمل على مدار الساعة.
  • اعتماد ميثاق أخلاقي دولي للذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، يضمن استخدامه بما يخدم الإنسانية، لا ضدها.

المحور الثالث: تمكين الأفراد والمؤسسات

  • إطلاق مبادرات تدريبية نوعية في الأمن السيبراني؛ لإنشاء جيل جديد من المحترفين المتمكنين.
  • تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث وشركات التكنولوجيا، لضمان تسريع الابتكار ونقل المعرفة.

المحور الرابع: التعلم المستمر كأسلوب حياة

  • إدماج مفاهيم التعلم العميق والتكيف المستدام في مناهج التعليم والتدريب المهني.
  • اعتماد أنظمة تقييم مستمرة، ترصد الثغرات وتصوّب المسار بسرعة فائقة.

خامساً: القلم وما يسطرون.. والوحي الإلهي للإبداع البشري

لقد أقسم الله بالقلم وبما يسطرون، تأكيداً على مكانة العلم والمعرفة في منهج الوجود. فالإبداع البشري ليس سوى انعكاس لتلك الإرادة الإلهية التي علمت آدم الأسماء، وألهمت الأنبياء والمرسلين، وأوحت بالخير والنور إلى قلوب المخلصين.

رسالة الأجيال في حماية البيانات

وما نقوم به اليوم في مجال ابتكار الضوابط والإجراءات هو جزء من هذه الرسالة العظيمة، التي تحملها البشرية من جيل إلى جيل؛ لتستمر الحياة وتزدهر، وتستقر المجتمعات وتتعمّر الأوطان.

فكما أن الجبال الرواسي هي ثوابت الأرض، فإن ثوابت الأمن والمضمون هي الجبال الرواسي لعالمنا الرقمي، التي تحمي ممرات الطاقة والبيانات من العواصف والهزات.

خاتمة: لحن الخلود في طي السجل

إننا إذ نكتب هذا المقال في رحاب الأمم المتحدة، ونستحضر قمة الثوابت من القرآن الكريم، ونطمح إلى تحقيق رؤية 2030 في خمس سنوات قادمة، فإننا نؤكد أن المستقبل ليس وهماً أو سراباً، بل هو أطوى سجلٍ يُدوَّن بأحرف من نور، وينتظر من يصوغه بحكمة وإيمان وإتقان.

لقد حان الوقت لننتقل من الوعظ إلى التمكين، ومن التحذير إلى البناء، ومن الرؤى النظرية إلى الإجراءات العملية المدعومة بـ “التعلم العميق” والابتكار المضمون والاستشراف الشامل.

فكما أن السماء تُطوى بأمر الله يوم القيامة، كذلك يُطوى سجل الأمم اليوم بقدر ما تكتبه من إنجازات وأخلاق. فليكن سجلنا عنواناً للقمة، وليكن أثرنا طيباً كطيب ما أنزل الله، وكما خطّ القلم بإذنه، وكما سطّر المرسلون بإلهامهم.

“حسني بي”: السكن المجاني للجميع وهم اقتصادي.. والحل في شراكة تنقذ 380 ألف وحدة سكنية متوقفة

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

النقاش حول أزمة الإسكان في ليبيا يجب أن ينتقل من المزايدات السياسية إلى الحقائق الاقتصادية؛ فالحقيقة لا تتغير بتغير قائلها..

واقعية تصريحات “الدبيبة” وتجارب العالم

قد نختلف أو نتفق مع الساسة والحكومات، لكن ما قاله رئيس حكومة الوحدة الوطنية السيد “عبد الحميد الدبيبة”، بأنه لا توجد دولة في العالم تستطيع توفير سكن مجاني لكل مواطنيها، هو كلام صحيح اقتصادياً ومالياً، وتجارب العالم تؤكد ذلك.

المشكلة ليست في التصريح، وإنما في استمرار بيع الوهم للمواطن الليبي طوال عقود؛ فجميع الدول التي نجحت في معالجة أزمة الإسكان لم تعتمد على منح المساكن المجانية للجميع، بل بنت سياساتها على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، والتمويل العقاري، والإيجار الاجتماعي، ودعم الفئات الأكثر احتياجاً.

فالحق في السكن شيء، وملكية سكن مجاني لكل مواطن شيء آخر تماماً.

فاتورة السياسات الشعبوية

إن ليبيا تدفع اليوم ثمن السياسات الشعبوية التي روجت لإمكانية قيام الدولة ببناء وتمليك مساكن مجانية للجميع، وهو ما أدى إلى تراكم ما يقارب 380 ألف وحدة سكنية متوقفة بمراحل إنجاز مختلفة، وتجميد مليارات الدنانير من الأموال العامة، في حين ما زالت أزمة الإسكان قائمة.

نموذج الشراكة الثلاثي كحل بديل

الحل لا يتمثل في تخصيص ميزانيات جديدة أو إنشاء صناديق إضافية، بل في إعادة توظيف الأصول القائمة وتحويلها إلى مشاريع استثمارية منتجة من خلال نموذج شراكة عادل يضم ثلاثة أطراف: مالك الأرض، والخزانة العامة بما أنفقته من استثمارات، والمستثمر الجديد الذي يتولى استكمال التمويل والتنفيذ؛ بحيث يحصل كل طرف على حصة عادلة تعكس مساهمته.

تأسيس محفظة الإيجار الاجتماعي

حصة الدولة الناتجة عن هذه المشروعات يجب ألا تُباع، وإنما تُخصص لتكوين محفظة وطنية للإيجار الاجتماعي تديرها البلديات أو وزارة الشؤون الاجتماعية، وتوجه إلى محدودي الدخل، وذوي الإعاقة، وكبار السن، والأرامل، والأيتام، وغير القادرين على العمل، مقابل إيجارات رمزية تكفل استدامة الصيانة والإدارة، مع إمكانية منح المستفيد حق التملك التدريجي بعد سنوات طويلة من الإقامة وفق ضوابط واضحة تمنع المضاربة وإساءة استخدام الدعم.

“الشلوي”: من البئر إلى الخزانة في بيان النفط الليبي لشهر يونيو.. قراءة فنية واقتصادية في الإنتاج والتصدير والتكرير والإيرادات

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي

يمثل البيان الذي نشرته المؤسسة الوطنية للنفط عن نتائج شهر يونيو 2026 خطوة مهمة في تطوير الإفصاح عن أداء أهم قطاعات الاقتصاد الليبي، إذ جمع في وثيقة واحدة بيانات الإنتاج، وحصة الدولة والشركاء، والكميات المصدرة والموجهة إلى التكرير ومحطات الكهرباء، إلى جانب الإيرادات النفطية المحصلة والمحالة إلى الحساب السيادي.

وتكمن أهمية هذا النوع من البيانات في أنه ينقل النقاش حول القطاع النفطي من دائرة الانطباعات والتقديرات العامة إلى مساحة الأرقام القابلة للقراءة والتحليل والمقارنة. فالنفط في ليبيا ليس نشاطاً إنتاجياً منفصلاً عن بقية الاقتصاد، بل هو المصدر الأساسي للنقد الأجنبي، والممول الأكبر للإنفاق العام، والعنصر الأكثر تأثيراً في الاستقرار المالي وسعر الصرف والميزان التجاري.

ومن هذه الزاوية، فإن نشر البيانات بصورة دورية يعزز مكانة المؤسسة الوطنية للنفط باعتبارها المرجعية الفنية المسؤولة عن إدارة عمليات الإنتاج والتسويق، ويمنح الدولة والرأي العام قاعدة معلومات تساعد على فهم ما يجري داخل القطاع بصورة أكثر دقة.

إنتاج يقترب من 1.4 مليون برميل يومياً

بلغ إجمالي إنتاج النفط الخام خلال يونيو 2026 نحو: 41,867,126 برميلاً.

وباحتساب ثلاثين يوماً للشهر، يصل متوسط الإنتاج اليومي إلى قرابة: 1,395,571 برميلاً يومياً.

وهذا مستوى إنتاجي مهم، يؤكد قدرة القطاع على المحافظة على معدلات تقترب من 1.4 مليون برميل يومياً، رغم التحديات المرتبطة بقدم بعض المنشآت، والتناقص الطبيعي في الحقول، وااحتياجات الصيانة، وتوفير المواد وقطع الغيار، والظروف التشغيلية واللوجستية التي تحيط بالصناعة النفطية.

وفي الصناعة النفطية، لا يعد تثبيت الإنتاج أمراً تلقائياً؛ فالحقول تتعرض مع مرور الزمن لانخفاض طبيعي في ضغط المكامن ومعدلات التدفق، ما يفرض تنفيذ برامج مستمرة لحفر الآبار، وإجراء العمرات، وصيانة خطوط الأنابيب، وتطوير أنظمة الرفع والإنتاج، ورفع كفاءة الاستخلاص.

وبالتالي، فإن المحافظة على هذا المستوى تعكس عملاً تشغيلياً متواصلاً داخل الحقول والشركات والموانئ، كما تؤكد أهمية استمرار التمويل المنتظم للبرامج الفنية وعدم التعامل مع النفقات التشغيلية والتطويرية للقطاع باعتبارها إنفاقاً عادياً يمكن تأجيله دون أثر.

فالبرميل الذي لا يستثمر في المحافظة عليه اليوم قد يتحول إلى إنتاج مفقود وإيراد ضائع في المستقبل.

حصة الدولة والشركاء: قراءة في البنية التعاقدية

أوضح البيان أن حصة الدولة الليبية بلغت: 29,950,320 برميلاً،

فيما بلغت حصة الشركاء: 10,909,540 برميلاً.

وبذلك تمثل حصة الدولة نحو 71.5% من إجمالي الإنتاج، بينما تمثل حصة الشركاء قرابة 26.1%.

وتبرز هذه الأرقام القيمة المباشرة التي تعود إلى الدولة من منظومة الإنتاج، كما تعكس طبيعة العقود النفطية التي تقوم على توزيع الإنتاج والعوائد وفق التزامات تمويلية وفنية وتعاقدية بين الدولة والشركات الشريكة.

ومن الناحية الحسابية، يقل مجموع حصة الدولة وحصة الشركاء عن إجمالي الإنتاج بنحو: 1,007,266 برميلاً، أي ما يقارب 2.4% من الإنتاج المعلن.

ولا يعني هذا الفرق بالضرورة وجود فاقد أو كمية غير محددة، إذ قد يرتبط بالتسويات الزمنية أو المخزنية، أو بالفروق بين الإنتاج المقاس والاستحقاقات التعاقدية، أو بكميات تخضع لإجراءات القياس والمطابقة في نهاية الفترة.

ومن المفيد مستقبلاً إظهار هذه الكمية في بند توضيحي مستقل، مثل «التسويات والفروقات الفنية والمخزنية»، حتى تكتمل المصالحة الحسابية بين إجمالي الإنتاج وحصص الأطراف.

وهذا النوع من التفصيل لا ينتقص من قيمة البيان، بل يرفع من مستواه الفني، ويساعد غير المتخصصين على قراءة الأرقام دون التباس.

كيف توزعت حصة الدولة؟

توزعت حصة الدولة خلال يونيو بين ثلاثة مسارات رئيسية: بلغت كمية النفط الخام المصدرة: 25,480,272 برميلاً.

وبلغت الكميات المحولة إلى التكرير: 4,097,943 برميلاً.

فيما بلغت الكميات المحولة إلى محطتي كهرباء أوباري ومليتة: 372,105 براميل.

ويلاحظ أن مجموع هذه الكميات يطابق حصة الدولة بالكامل، وهو ما يوفر صورة واضحة عن التصرف في الإنتاج العائد للدولة.

وقد استحوذت الصادرات على نحو 85.1% من حصة الدولة، بينما وجهت قرابة 13.7% إلى التكرير المحلي، ونحو 1.2% إلى محطات الكهرباء.

وبالحساب اليومي، بلغ متوسط النفط الخام المصدر نحو: 849 ألف برميل يومياً،

بينما بلغ متوسط الخام الموجه إلى التكرير نحو: 136.6 ألف برميل يومياً.

وتوضح هذه الأرقام أن المؤسسة تدير معادلة مزدوجة: المحافظة على الصادرات التي توفر الموارد المالية والنقد الأجنبي، وفي الوقت ذاته تخصيص كميات معتبرة لتلبية احتياجات السوق المحلية والطاقة الكهربائية.

وهذه الموازنة بين التصدير والاستهلاك الداخلي أصبحت من أكثر قضايا إدارة الطاقة تعقيداً في الدول المنتجة، خاصة عندما تكون طاقات التكرير المحلية محدودة، ويظل جزء من الطلب على المشتقات معتمداً على الاستيراد.

التكرير المحلي: القيمة ليست في الكمية وحدها

بلغت الكميات المحولة إلى التكرير خلال يونيو نحو 4.1 ملايين برميل، وهو رقم مهم في سياق تعزيز مساهمة المصافي المحلية في توفير الوقود والمنتجات النفطية.

لكن التحليل الاقتصادي لأداء التكرير لا يتوقف عند كمية الخام التي تدخل إلى المصافي؛ فالمؤشر الأكثر دلالة هو حجم المنتجات التي تخرج منها، ونسب التشغيل الفعلية، وكفاءة التحويل، ونوعية المشتقات، وكلفة إنتاجها مقارنة بكلفة استيرادها.

فكل برميل يوجه إلى التكرير المحلي لا يحقق بالضرورة القيمة الاقتصادية نفسها، ما لم تتحول الكمية إلى منتجات مطابقة للمواصفات وبكفاءة تشغيلية مقبولة.

ولهذا فإن تطوير الإفصاح في هذا الجانب يمكن أن يشمل مستقبلاً معدلات تشغيل كل مصفاة، وحجم البنزين والديزل ووقود الطيران والغاز المسال والمنتجات الأخرى الناتجة، إلى جانب نسبة مساهمة الإنتاج المحلي في تغطية الاستهلاك.

إن رفع كفاءة التكرير يمثل أحد أهم مسارات تحسين الاقتصاد النفطي الليبي، لأنه يحقق قيمة مضافة للخام، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويخفف الضغط على النقد الأجنبي، ويعزز أمن الإمدادات.

المخزون المتاح للتصدير: قراءة صحيحة للرقم

أشار البيان إلى وجود: 7,758,304 براميل متاحة للتصدير بتاريخ 30 يونيو 2026.

وقد أوضحت المؤسسة أن هذا الرقم يشمل كميات من إنتاج مايو، إضافة إلى كميات تراكمية موجودة في الخزانات من فترات سابقة.

وبالتالي، لا ينبغي قراءة هذا الرقم باعتباره صادرات إضافية تمت خلال يونيو، وإنما باعتباره رصيداً مخزنياً متاحاً للبيع أو الشحن في نهاية الفترة.

والتمييز بين تدفق الصادرات خلال الشهر والمخزون المتاح في نهاية الشهر ضرورة لفهم الميزان النفطي. فالصادرات تمثل حركة فعلية خلال فترة زمنية، بينما يمثل المخزون لقطة لحظية للكميات الموجودة في الخزانات عند تاريخ محدد.

كما أن وجود مخزون متاح يمنح المؤسسة مرونة في إدارة برامج الشحن والتسويق، والتعامل مع مواعيد الناقلات، والظروف الجوية والتشغيلية، والتغيرات في الأسواق.

ومن شأن إضافة رصيد أول الشهر، والكميات المضافة إلى المخزون، والكميات المسحوبة منه، ورصيد نهاية الشهر، أن توفر ميزاناً نفطياً أكثر تكاملاً.

الإيرادات: التفريق بين الإنتاج والتصدير والتحصيل

بلغت الإيرادات النفطية المحصلة والمحالة إلى الحساب السيادي بالمصرف الليبي الخارجي خلال يونيو: 3,260,938,421.20 دولاراً.

كما بلغت إتاوات وضرائب عقود الامتياز: 2,721,675,652.688 ديناراً ليبياً.

وتبرز هذه الأرقام الدور المالي المركزي الذي يؤديه القطاع النفطي في تمويل الدولة، كما توضح أن مهمة المؤسسة لا تقتصر على إنتاج النفط، بل تشمل تسويقه، ومتابعة الشحنات، وتحصيل قيمتها، وتحويل العائدات وفق الترتيبات المالية المعتمدة.

لكن من المهم في التحليل الفصل بين ثلاثة مفاهيم مختلفة: الإنتاج الفعلي، والتصدير الفعلي، والتحصيل النقدي.

فقد ينتج النفط في شهر، ويشحن في شهر آخر، وتحصل قيمته في فترة لاحقة. ولذلك لا تتطابق الكميات المنتجة أو المصدرة خلال يونيو بالضرورة مع الإيرادات النقدية المحصلة خلال الشهر نفسه.

وفي المحاسبة النفطية، هناك فرق بين أساس الاستحقاق وأساس التحصيل النقدي. فقد تكون قيمة الشحنة مستحقة ومسجلة، لكنها لم تدخل الحساب بعد، كما قد تتضمن إيرادات يونيو متحصلات لشحنات صدرت في مايو أو في فترة سابقة.

ولهذا لا يكون من الدقة قسمة الإيرادات الدولارية المحصلة على كمية الخام المصدرة خلال الشهر، ثم اعتبار الناتج متوسط سعر بيع البرميل؛ لأن طرفي المعادلة قد لا يعودان إلى الفترة نفسها، كما قد تشمل الإيرادات عائدات النفط والغاز والمكثفات والمنتجات، لا الخام وحده.

من الحساب السيادي إلى مصرف ليبيا المركزي

أوضح البيان أن قيمة اعتمادات توريد المحروقات عبر المصرف الليبي الخارجي تستقطع من الإيرادات المحصلة، ثم يحال الرصيد المتبقي إلى مصرف ليبيا المركزي.

وهذه المعلومة تكشف جانباً مهماً من دورة الأموال النفطية، وتوضح أن مبلغ 3.261 مليارات دولار يمثل المبلغ المحصل والمحَوّل إلى الحساب السيادي، لكنه لا يعبر بالضرورة عن صافي المبلغ الذي انتقل في نهاية الدورة إلى مصرف ليبيا المركزي.

ومن المفيد أن تتطور البيانات في هذا الجانب لتظهر بوضوح: إجمالي المتحصلات، وقيمة اعتمادات استيراد المحروقات، وصافي الرصيد المحال إلى مصرف ليبيا المركزي.

ومن شأن هذا التفصيل أن يقدم صورة أكثر اكتمالاً عن العلاقة بين إيرادات التصدير وكلفة تأمين الوقود للسوق المحلية، كما يوضح حجم الالتزامات التي تتحملها المؤسسة ضمن منظومة توفير المحروقات.

والأهم أن هذا النوع من الإفصاح يحول النقاش من تقديرات عامة إلى أرقام يمكن تحليلها، ويتيح فهماً أفضل لما يتحقق من إيرادات وما يستقطع منها لتمويل الاحتياجات الداخلية.

سعر برنت والسعر الفعلي للخامات الليبية

أورد البيان متوسط سعر خام برنت لشهر مايو 2026 عند: 107.554 دولارات للبرميل.

ويمثل برنت مؤشراً مرجعياً رئيسياً في أسواق النفط، لكنه لا يعادل بالضرورة السعر الفعلي الذي تحققه كل شحنة من الخام الليبي.

فالخامات الليبية تختلف في نوعيتها وكثافتها ونسبة الكبريت فيها، كما تختلف أسعارها حسب الميناء وموعد التحميل والطلب في السوق وتكلفة الشحن. وقد تباع بعض الخامات بعلاوة فوق برنت، فيما تباع خامات أخرى بخصم وفق ظروف السوق.

ولهذا يمكن أن يمثل نشر متوسط السعر الفعلي المرجح للصادرات الليبية إضافة مهمة، لأنه يتيح قياس الأداء التسويقي بصورة أدق، ويظهر مدى استفادة ليبيا من جودة خاماتها وقربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية.

كما أن ورود سعر مايو ضمن بيان يونيو يوضح مرة أخرى وجود فجوة زمنية طبيعية بين التسعير والشحن والتحصيل، وهي مسألة مألوفة في تجارة النفط الدولية.

الغاز الطبيعي: ثروة تحتاج إلى ميزان متكامل

بلغ إنتاج الغاز الطبيعي خلال يونيو، وفق الأرقام المنشورة، ما يعادل نحو: 73.324 مليار قدم مكعب،

أي بمتوسط يومي يقارب: 2.44 مليار قدم مكعب يومياً.

وبلغ الغاز المتاح للاستهلاك نحو: 71.661 مليار قدم مكعب،

فيما بلغ الغاز المستعمل فعلياً: 53.379 مليار قدم مكعب،

وبلغت الغازات الحامضية والهيدروكربونية ذات الضغط المنخفض: 11.365 مليار قدم مكعب.

وتؤكد هذه الأرقام أهمية الغاز في منظومة الطاقة الليبية، سواء في تشغيل محطات الكهرباء، أو دعم الصناعة، أو التصدير، أو المحافظة على ضغوط المكامن من خلال إعادة الحقن.

ويظل الغاز أحد أهم الملفات القادرة على إحداث تحول اقتصادي في ليبيا، خاصة من خلال تقليل الحرق، واسترجاع الغاز المصاحب، وتطوير الحقول والمرافق، وتوفير وقود أكثر كفاءة لمحطات الكهرباء، وتعزيز فرص التصدير الإقليمي.

ومن الناحية الفنية، سيكون من المفيد توحيد وحدة القياس في البيانات المنشورة، وتوضيح كامل مسارات الغاز بين الاستهلاك المحلي، والتصدير، وإعادة الحقن، والاستخدامات التشغيلية، والغاز المحروق أو المفقود.

فميزان الغاز لا يقل أهمية عن ميزان النفط، بل قد يصبح في السنوات المقبلة أحد أهم مؤشرات الأمن الطاقي والاقتصادي للدولة.

الإفصاح كأداة لحماية المؤسسة وتعزيز دورها

كلما أصبحت البيانات أكثر انتظاماً وتفصيلاً، تعززت قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على أداء دورها الفني بعيداً عن التخمينات والتأويلات.

فالشفافية في قطاع النفط ليست مجرد استجابة لمطلب إعلامي، بل أداة من أدوات الحوكمة وحماية المؤسسة، لأنها توضح حجم الإنتاج، ومسارات الكميات، والالتزامات المحلية، والعوائد المالية، والتحديات التشغيلية التي تتحملها.

كما أن البيانات الدقيقة تساعد الدولة على التخطيط المالي، وتقدير الإيرادات، وإدارة النقد الأجنبي، ومتابعة كلفة استيراد الوقود، وتحديد الاحتياجات الاستثمارية للقطاع.

والخطوة التالية الطبيعية يمكن أن تكون تطوير البيان الشهري إلى ميزان نفطي ومالي متكامل، يربط بين الإنتاج والمخزون والتصدير والتكرير والتحصيل والتحويلات المالية، مع المحافظة على وضوح العرض وسهولة وصول المعلومة إلى المتخصص وغير المتخصص.

الخلاصة

يكشف بيان يونيو 2026 عن قطاع نفطي يحافظ على مستوى إنتاج مرتفع، ويدير كميات كبيرة من التصدير والتكرير والإمدادات المحلية، ويوفر للدولة تدفقات مالية أساسية في ظروف اقتصادية وتشغيلية معقدة.

كما يعكس البيان تطوراً مهماً في مسار الإفصاح، ويؤكد أن المؤسسة الوطنية للنفط تؤدي وظيفة تتجاوز إدارة الحقول والموانئ؛ فهي تدير العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وتوازن بين متطلبات التصدير واحتياجات الداخل، وتتابع دورة النفط من الإنتاج حتى التحصيل.

ويظل الحفاظ على هذه النتائج مرتبطاً بتوفير التمويل المنتظم، وتسريع برامج الصيانة والتطوير، ورفع كفاءة التكرير، واستثمار الغاز, وتقليل الفاقد والحرق، وتوسيع قاعدة البيانات المنشورة.

فالنفط لا يتحول إلى استقرار اقتصادي بمجرد إنتاجه، بل عندما تدار موارده بكفاءة، وتوضح أرقامه، وتوجه عائداته ضمن رؤية وطنية طويلة الأجل.

ومن هنا، فإن استمرار المؤسسة في أداء واجباتها الفنية، وتطوير الإفصاح، والمحافظة على الإنتاج، يمثل مساراً ضرورياً لحماية الثروة وتعزيز الثقة ودعم قدرة الدولة على التخطيط للمستقبل.

المحافظ يستعرض مع “مالية النواب” إيرادات النصف الأول من 2026 ويؤكد سلامة المنظومات السيبرانية


​التقى محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” اليوم الأحد، رئيس وأعضاء اللجنة المالية بمجلس النواب، وذلك في إطار تعزيز التنسيق المشترك مع السلطة التشريعية ومتابعة مستجدات الأوضاع المالية والاقتصادية في البلاد.

وشهد اللقاء مراجعة شاملة لمؤشرات الإنفاق والإيراد العام للدولة حتى شهر يونيو 2026، بالإضافة إلى استعراض مسار برنامج الإصلاحات الهيكلية وجهود المصرف الرامية إلى تعزيز الاستقرار النقدي، وضمان الاستدامة المالية للدولة وحماية مقدراتها الاقتصادية.

​وفي سياق متصل، قدم المحافظ إحاطة فنية للجنة حول ملف الأمن السيبراني والتدابير العاجلة التي اتخذها المركزي لاحتواء الحادثة التقنية الأخيرة؛ حيث طمأن بسلامة وأمان كافة الحسابات المصرفية والأرصدة وعدم تعرضها لأي عمليات اختراق أو تلاعب، مؤكداً عودة جميع الأنظمة المصرفية والعمليات التشغيلية للعمل بكامل طاقتها وبشكل طبيعي.

“الهادي عبدالقادر”: إعادة إعمار المدينة القديمة بنغازي.. قراءة نقدية في نموذج التمويل خارج الميزانية واشتراطات الحوكمة المؤسسية

كتب: الهادي عبد القادر – خبير اقتصادي وباحث في السياسات النقدية والتنموية

الملخص التنفيذي

يتناول هذا المقال النموذج المقترح لإعادة إعمار المدينة القديمة ببنغازي عبر آلية شركة تنمية عقارية مساهمة (BOCDC) تعتمد على تحويل حقوق الملكية إلى أسهم رأسمالية، كبديل للتمويل الحكومي المباشر. يركز التحليل على خمس ركائز أساسية لضمان نجاح المشروع: حسم الإشكالات القانونية للملكية (خاصة تداعيات القانون رقم 4 لسنة 1978)، توثيق الحقوق العقارية رقمياً (باستخدام تقنية البلوك تشين)، توفير آليات تمويل متوافقة، إشراك الملاك الأصليين والورثة والمهجرين في هيكل الحوكمة، وضمان الشفافية المالية بعيداً عن التدخلات السياسية. يخلص المقال إلى أن المشروع قابل للتطبيق، شريطة أن يُسبق بمرحلة تأسيسية شاملة تعالج الثغرات الهيكلية والقانونية التي أوقفت مشاريع مماثلة سابقاً.

أولاً: أهمية النموذج – كسر هيمنة التمويل الحكومي

في ظل عجز الموازنة العامة المتكرر (الذي يقترب من 80 مليار دينار سنوياً) والضغوط التضخمية الناتجة عن التمويل النقدي للعجز، يُشكل نموذج الشركة المساهمة العقارية التي يملكها أهالي المنطقة والدولة والمستثمرون، نقلة نوعية في فلسفة إعادة الإعمار؛ فهو:

  • يُبعد عبء التمويل عن الخزانة العامة، التي تعاني أصلاً من عجز هيكلي.
  • يُحول العقارات المتضررة إلى أصول رأسمالية قابلة للتداول والرهن والاستثمار.
  • يَخلق سوقاً مالية محلية للأصول العقارية، مما يُسهم في تدوير النقود داخل الاقتصاد المحلي، بدلاً من هروبها نحو الاستيراد والتهريب.

هذا النموذج يتسق مع ما طرحته توصيات منتدى التطوير العقاري الليبي (الدورة الأولى) بضرورة تحويل العقود الإدارية إلى عقود استثمارية، وتفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإعادة هيكلة السجل العقاري ليكون رقماً محورياً في أي عملية تنموية.

ثانياً: المعضلة القانونية – من هو المالك الأصلي؟

تُشكل إشكالية الملكية العائق الأكبر أمام أي مشروع إعمار في ليبيا، وتتجلى في ثلاث طبقات متداخلة:

1. حق الرقبة (الملكية الأصلية)

يمثل الملاك الأصليين الذين امتلكوا الأراضي قبل صدور القانون رقم 4 لسنة 1978 (الذي أقر مبدأ “البيت لساكنه”)، وغالباً ما يكونون قد لجأوا إلى القضاء لاسترداد أملاكهم. في النموذج المقترح، يُمنح هؤلاء 5 أسهم عن كل متر مربع من أرضهم، مما يُحافظ على حقوقهم كملكية رأسمالية.

2. حق الانتفاع (بموجب القانون رقم 4)

هذه الفئة هم “الشاغلون القانونيون” الذين خصصت لهم الدولة مساكن بموجب قانون “البيت لساكنه”، أو من اشترى لاحقاً من هؤلاء. يُمنحون سهماً واحداً عن كل متر مربع مسقوف، مما يُقر بحقهم في الانتفاع، لكن دون مساواتهم بالملكية الأصلية الكاملة للرقبة.

3. الورثة المتعددون والمهجرون

مع مرور الزمن، تشعبت الملكيات عبر الوراثة، وتضاعفت النزاعات، كما أن هناك ملاكاً مهجرين (لأسباب سياسية أو أمنية) يجب أخذ مطالبهم بالاعتبار. يقترح النموذج تشكيل لجنة مستقلة تضم سكاناً قدامى لديهم دراية بالملكية الأصلية، وموظفي سجل عقاري قدامى (حتى لو متقاعدين) يُشهَد لهم بالمعرفة الدقيقة بالعائلات والملكيات، لتقييم الحصص وفق نصيب كل وارث.

ثالثاً: الرقمنة والبلوك تشين – الحل التقني للأزمة العقارية

تتفق الأبحاث الأكاديمية والتطبيقات العملية على أن تقنية البلوك تشين (Blockchain) هي الحل الأكثر فاعلية لإشكاليات السجل العقاري في ليبيا، وذلك للأسباب التالية:

1. الأمان وعدم القابلية للتلاعب

تعتمد البلوك تشين على دفتر حسابات موزع (Distributed Ledger) حيث تُسجل كل معاملة في كتلة مشفرة مرتبطة بالكتلة السابقة، مما يجعل تغيير أي معلومة مستحيلاً عملياً دون توافق جميع الأطراف، ويُنهي ظاهرة “السندات المزدوجة” والاحتيال العقاري.

2. الشفافية والسرعة

تُتيح العقود الذكية (Smart Contracts) تنفيذ المعاملات (بيع، شراء، رهن، توريث) تلقائياً عند استيفاء الشروط، دون حاجة لوسيط؛ مما يخفض التكاليف والوقت من أسابيع إلى دقائق، ويُتيح لأي جهة مخولة (دائرة التسجيل، البنوك، المستثمرين) الاطلاع على سجل الملكية بشفافية.

3. التكامل مع نظم المعلومات الجغرافية (GIS)

يُمكن ربط كل قطعة أرض برقم فريد يعتمد على إحداثياتها الجغرافية (خطوط الطول والعرض)، مما يُنهي النزاعات الحدودية التقليدية المبنية على معالم زائلة (كالمساجد أو المنازل المجاورة)، ويُوثق الملكيات بشكل دقيق لا يقبل الجدل.

4. تطبيقات محلية جاهزة

توجد دراسات تطبيقية من جامعات ليبية (بنغازي، مصراتة، سبها) اقترحت نماذج لتطبيق البلوك تشين في السجل العقاري الليبي، واختُبرت نماذج أولية على منصة “Hyperledger Fabric”، مما يعني أن البنية التقنية متاحة وقابلة للتطبيق فوراً، شريطة توفر الإرادة السياسية والتشريعية.

رابعاً: آليات التمويل – بين المصرفية التقليدية والإسلامية

يُمكن تمويل المشروع عبر مزيج من المصادر، مع مراعاة أن القانون رقم 1 لسنة 2013 (بشأن منع المعاملات الربوية) قد يُشكل عائقاً أمام التمويل المصرفي التقليدي إذا لم يُصمم وفق ضوابط شرعية:

  1. الاقتراض المصرفي بضمان الأصول (عقود مرابحة أو مشاركة).
  2. إصدار صكوك استثمارية (إسلامية) تغطي مراحل التطوير.
  3. سندات تنموية (تقليدية) تُطرح للاكتتاب العام، مع ضمانات سيادية.
  4. شراكات استراتيجية مع شركات إقليمية ودولية (كشركات مصرية وإيطالية وألمانية)، مع اشتراط الشفافية في العقود والمناقصات.
  5. إنشاء صناديق فرعية متخصصة (كصندوق الحفاظ على التراث، وصندوق أجيال المدينة القديمة) بنسبة 10% من الأسهم.

خامساً: ثغرات الحوكمة – دروس من تجارب سابقة

أشارت تقارير مستقلة إلى مخاطر تكرار سيناريوهات سابقة حيث تحولت مشاريع إعادة الإعمار إلى أدوات لتعزيز نفوذ سياسي وعسكري، مع غياب الشفافية في مصادر التمويل وعدم التزام الجهات المنفذة بالتعويض العادل للملاك. لذلك، يُشترط لنجاح النموذج المقترح:

  1. استقلالية الإدارة عن التدخلات السياسية، مع خضوعها لرقابة ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد.
  2. وضوح مصادر التمويل، مع الإفصاح الكامل عن أي قروض أو منح أو مساهمات، وعدم السماح بتمويل المشروع عبر عوائد غير مشروعة (كتهريب الوقود أو النفط).
  3. إشراك المجتمع المحلي (الملاك، الورثة، الشاغلون، وجهاء المنطقة) في الجمعية العمومية ومجلس الإدارة، مع تخصيص مقعد دائم لتمثيلهم.
  4. استكمال الإطار التشريعي بإصدار قوانين تنظم عمل شركات التطوير العقاري المساهمة، وتُحدد آليات التقاضي في حالات النزاع، وتُعفي العوائد الاستثمارية من الضرائب لفترة محددة كحافز.

التوصيات

بناءً على التحليل أعلاه، أوصي بما يلي:

  1. تشكيل لجنة وطنية عليا تضم ممثلين عن المصرف المركزي، ووزارة التخطيط، وديوان المحاسبة، وهيئة التسجيل العقاري، والمجلس البلدي، وممثلين عن الملاك والورثة، لوضع خارطة طريق تنفيذية للمشروع، على أن تكون مخرجاتها مُلزمة وليست استشارية.
  2. إطلاق مشروع رقمنة السجل العقاري بالاعتماد على تقنية البلوك تشين، كمرحلة أولى تستغرق عاماً واحداً، تتضمن مسحاً شاملاً للمنطقة وتوثيقاً رقمياً لكل قطعة أرض، بالاستعانة بخبراء ليبيين وأجانب في مجال GIS والبلوك تشين.
  3. إقرار تشريع خاص بالمناطق ذات الطبيعة الاقتصادية الخاصة (استناداً للقانون رقم 14 لسنة 2010) لمنطقة المدينة القديمة، يمنحها مزايا ضريبية وجمركية واستثمارية، ويُحدد آليات التعويض والانتزاع للضرورة العامة (مع ضمان التعويض العادل).
  4. إنشاء سوق مالي عقاري تجريبي، بحيث تكون أسهم الشركة قابلة للتداول في سوق الأوراق المالية الليبي (عند تفعيله)، مما يُتيح للملاك سيولة نقدية دون بيع عقاراتهم فعلياً.
  5. إلزام الجهات المنفذة بالإفصاح المالي الشهري عن الإيرادات والمصروفات وعقود المقاولات، مع إتاحة هذه المعلومات للجمهور عبر منصة إلكترونية شفافة، لكسب ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء.

الخاتمة

نموذج “شركة إعمار المدينة القديمة” الذي يملكها الملاك والورثة والدولة والمستثمرون، هو نموذج طموح وقابل للتطبيق، بل قد يكون السبيل الوحيد لكسر جمود إعادة الإعمار بعيداً عن الميزانية العامة المعطلة. لكن نجاحه يتوقف على معالجة ثلاث عُقد قبل وضع أي حجر أساس:

  • العقدة القانونية: حسم تداعيات القانون رقم 4 والاعتراف بحقوق الملاك الأصليين والمهجرين والورثة.
  • العقدة التقنية: إطلاق سجل عقاري رقمي بتقنية البلوك تشين، يضع حداً للنزاعات ويُتيح الشفافية.
  • العقدة المؤسسية: ضمان حوكمة رشيدة ومشاركة مجتمعية حقيقية، تمنع تحول المشروع إلى أداة نفوذ أو فساد.

إن تحويل المدينة القديمة من “منطقة مدمرة تنتظر التعويضات” إلى “شركة مساهمة عقارية يملكها أهلها” هو تحول ثوري في مفهوم الملكية والتنمية، لكنه يحتاج إلى صبر مؤسسي وإرادة وطنية تتجاوز التجاذبات السياسية، وتضع مصلحة المدينة وسكانها فوق كل اعتبار.

إخلاء مسؤولية منهجي: يعتمد هذا التحليل على المعلومات الواردة في المقترحات المقدمة حول مشروع إعادة إعمار المدينة القديمة بنغازي، والتوصيات الصادرة عن منتدى التطوير العقاري الليبي، بالإضافة إلى الدراسات الأكاديمية والتقارير المستقلة حول التحديات القانونية والتقنية والتمويلية. التوصيات هي آراء تحليلية تهدف إلى الإسهام في نقاش بناء، وتُطرح للنقاش العلمي والمؤسسي.

“الشلوي”: المليار الذي يحمي المليارات.. تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس إنفاقاً استهلاكياً بل حماية لإيرادات ليبيا

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

يمثل الإفصاح الصادر عن المؤسسة الوطنية للنفط بشأن أوجه استخدام المبلغ المسيّل من مخصصاتها المعتمدة لسنة 2026 خطوة مهمة تستحق القراءة والتقدير، ليس لأنها تعرض مجموعة من الأرقام فحسب، بل لأنها تربط كل مبلغ بالغرض الذي خُصص له، وتحدد الجهات المرتبطة به، وتوضح للرأي العام جانباً من الالتزامات المالية والفنية اللازمة للمحافظة على إنتاج النفط واستمرارية عملياته.

ومن واقع خبرة امتدت قرابة أربعة عقود في القطاع النفطي، ومتابعة مستمرة لشؤونه الفنية والاقتصادية، أرى أن هذا الإفصاح ينبغي ألا يُقرأ باعتباره بياناً محاسبياً مجرداً، بل بوصفه مؤشراً على حقيقة أساسية: قطاع النفط لا يستطيع حماية إنتاجه بالاعتمادات الورقية وحدها، وإنما يحتاج إلى تمويل فعلي ومنتظم وفي التوقيت المناسب.

فبحسب ما أعلنته المؤسسة، بلغ إجمالي المبلغ المعتمد لها خلال سنة 2026 نحو 13.6 مليار دينار، بينما لم يُسيّل منه سوى مليار دينار واحد، يعادل قرابة 157 مليون دولار، أي ما نسبته 7.35% فقط من إجمالي المبلغ المعتمد.

وبقراءة الرقم من زاوية أخرى، فإن نحو 12.6 مليار دينار، أي 92.65% من المخصصات المعتمدة، لم تُسيّل بعد.

وهنا يكمن جوهر المسألة: الاعتماد المالي لا يتحول إلى آبار منتجة، ولا إلى معدات عاملة، ولا إلى خطوط أنابيب آمنة، ولا إلى منشآت قادرة على الاستمرار، ما لم يتحول فعلياً إلى تدفقات نقدية تغطي الالتزامات والمشروعات وأعمال الصيانة والتشغيل.

أين ذهب المليار المسيّل؟

يكشف تفصيل المبالغ أن كامل القيمة المعادلة بالدولار، والبالغة 157 مليون دولار، وُجهت إلى التزامات محددة ومرتبطة بأصل النشاط النفطي، ولم تذهب إلى مصروفات هامشية أو إنفاق بعيد عن اختصاص المؤسسة.

فقد خُصص مبلغ 119 مليون دولار للتخارج واسترجاع ملكية مصفاة رأس لانوف، وهو ما يمثل نحو 75.8% من إجمالي المبلغ المسيّل.

وهذا الاستخدام لا يمكن تصنيفه باعتباره إنفاقاً تشغيلياً عادياً، بل هو خطوة تتصل باستعادة ملكية أصل صناعي واستراتيجي مهم للدولة الليبية. فمصفاة رأس لانوف ليست مجرد منشأة ضمن قائمة أصول القطاع، وإنما تمثل مكوناً مهماً من البنية التحتية للتكرير والصناعات النفطية، واسترجاع ملكيتها يعزز السيطرة الوطنية على أصل له قيمة اقتصادية وصناعية طويلة الأجل.

كما خُصص مبلغ 16.5 مليون دولار لسداد جزء من التزامات مصفاة الجنوب لصالح شركة “هانيويل” (Honeywell) الأمريكية، وهي من الشركات الدولية المعروفة في مجالات تقنيات المصافي، وأنظمة التحكم والأتمتة الصناعية، والحلول الهندسية المرتبطة بتشغيل المنشآت النفطية.

ووُجه مبلغ 7 ملايين دولار لسداد جزء من الالتزامات والديون المرتبطة بشركة “إس إل بي” (SLB)، المعروفة سابقاً بـ “شلمبرجير”، إضافة إلى 4 ملايين دولار لالتزامات مرتبطة بشركة “بيكر هيوز”، و7 ملايين دولار لتسوية جزء من ديون شركات خدمات نفطية أمريكية أخرى وردت في الإفصاح، من بينها شركات لها حضور معروف في مجالات الحفر والخدمات الفنية والمعدات والتقنيات النفطية.

كما خُصص مبلغ 3.5 ملايين دولار لسداد جزء من ديون شركة طيران النفط تجاه بعض الشركات المشغلة.

وبجمع هذه القيم، نجد أنها تساوي كامل المبلغ المعلن، أي 157 مليون دولار، بما يعكس مستوى جيداً من الإفصاح عن كيفية استخدام المبلغ المسيّل.

شركات معتبرة ترتبط مباشرة بالإنتاج

قد ينظر غير المتخصص إلى أسماء الشركات الواردة في الإفصاح باعتبارها مجرد جهات تجارية تتلقى مستحقات مالية، غير أن القراءة الفنية تكشف أهمية مختلفة تماماً.

فشركات مثل SLB وبيكر هيوز وهانيويل وهاليبرتون وغيرها من شركات الخدمات النفطية العالمية تمثل جزءاً أساسياً من منظومة الصناعة النفطية الحديثة. فهي تقدم تقنيات وخدمات مرتبطة بحفر الآبار وصيانتها، والخدمات الجوفية، والرفع الاصطناعي، وتقييم المكامن، وأنظمة التحكم، والمعدات الدوارة، وتشغيل المنشآت، ومعالجة الأعطال وتحسين كفاءة الإنتاج.

وعندما تتراكم المستحقات المالية لهذه الشركات، فإن التأثير لا يبقى محصوراً في الجانب المحاسبي، بل قد يمتد إلى تأخر تنفيذ البرامج، وتراجع قدرة الشركات على توفير المعدات وقطع الغيار والكوادر الفنية، وارتفاع تكلفة العقود المستقبلية، وتشدد الموردين في شروط الدفع والضمانات.

لذلك فإن تسوية هذه الالتزامات لا ينبغي فهمها باعتبارها مجرد سداد لديون سابقة، بل باعتبارها جزءاً من حماية استمرارية العمليات، والمحافظة على العلاقة الائتمانية والتعاقدية مع الشركات التي يحتاج إليها القطاع.

أما شركة طيران النفط، فإن دورها يتجاوز مفهوم النقل الاعتيادي؛ نظراً إلى انتشار الحقول والمنشآت النفطية عبر مساحات جغرافية واسعة ومناطق صحراوية ونائية، واعتماد عمليات التشغيل على سرعة نقل الأطقم الفنية وقطع الغيار والمعدات بين المواقع المختلفة.

ماذا بقي بعد استرجاع مصفاة رأس لانوف؟

من المهم ملاحظة أن مبلغ استرجاع ملكية مصفاة رأس لانوف استحوذ وحده على 119 مليون دولار من أصل 157 مليوناً.

وهذا يعني أن ما تبقى لتغطية بقية الالتزامات الفنية والخدمية لم يتجاوز 38 مليون دولار فقط.

ومن ثمّ، فإن وصف المليار دينار المسيّل بأنه تمويل واسع لاحتياجات المؤسسة لا يعكس الواقع بدقة؛ لأن الجزء الأكبر منه وُجه إلى عملية استراتيجية محددة، بينما جرى توزيع المبلغ المتبقي على مجموعة من الالتزامات المتراكمة تجاه شركات ومشروعات مختلفة.

وتزداد أهمية هذه الملاحظة في ضوء ما أعلنته المؤسسة من أنه لم يتم تسييل أي ميزانية تشغيلية لها عن سنة 2025.

وهذا يعني أن القطاع دخل سنة 2026 وهو يحمل معه التزامات تشغيلية ومالية من العام السابق، بينما لم يحصل في بداية السنة الجديدة إلا على نسبة محدودة من المبلغ المعتمد له.

النفط لا يحافظ على إنتاجه بنفسه

هناك اعتقاد شائع بأن الحقول النفطية، ما دامت قد بدأت الإنتاج، يمكنها الاستمرار بالمستويات نفسها بصورة تلقائية. وهذا الاعتقاد لا ينسجم مع طبيعة الصناعة النفطية.

فالآبار تتعرض لانخفاض طبيعي في معدلات إنتاجها، والمعدات تحتاج إلى صيانة دورية، والخزانات وخطوط الأنابيب تحتاج إلى الفحص والمعالجة والحماية من التآكل، والمنشآت تحتاج إلى قطع غيار ومواد كيميائية وأنظمة سلامة وتحكم، كما تحتاج الحقول إلى عمليات إصلاح للآبار وإعادة استكمال وحفر آبار تعويضية للحفاظ على مستويات الإنتاج.

وتأجيل هذه الأعمال لا يعني توفير الأموال، بل قد يؤدي إلى خسائر إنتاجية وتكاليف مستقبلية تفوق بكثير قيمة التمويل الذي جرى تأخيره.

وقد يتطلب علاج عطل فني أو إصلاح بئر أو استبدال جزء من المعدات مبلغاً محدوداً نسبياً، لكن عدم توفيره في الوقت المناسب قد يتسبب في توقف إنتاج يساوي ملايين الدولارات خلال فترة قصيرة.

لذلك فإن تمويل القطاع النفطي يجب ألا يُنظر إليه باعتباره باباً من أبواب الإنفاق الحكومي التقليدي، بل باعتباره استثماراً مباشراً في حماية المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والعملة الأجنبية في ليبيا.

المليار الذي يحمي المليارات

عندما تخصص الدولة أموالاً لصيانة الآبار والمنشآت وسداد مستحقات شركات الخدمات واستكمال المشروعات، فإنها لا تنفق المال دون مقابل، بل تحمي قدرتها على إنتاج النفط وتصديره وتحقيق الإيرادات.

ولهذا يمكن القول إن المليار دينار المسيّل ليس مجرد مبلغ صُرف، بل هو مبلغ يفترض أن يسهم في حماية تدفقات مالية أكبر بكثير.

فالفرق بين التمويل المنتظم والتمويل المتأخر قد يكون هو الفرق بين حقل يعمل بطاقته المتاحة، وحقل يتراجع إنتاجه بسبب نقص الصيانة والمعدات والخدمات.

ولا توجد صناعة نفطية في العالم يمكنها المحافظة على قدرتها الإنتاجية دون ميزانيات تشغيلية واستثمارية مستقرة، وبرامج صيانة دورية، وعقود خدمات، ومخزون مناسب من قطع الغيار والمواد، وتدفقات مالية تتوافق مع الالتزامات التعاقدية.

المؤسسة تنتج النفط… لكنها لا تقرر كيف تُنفق عائداته

من أكثر المسائل التي تحتاج إلى توضيح في النقاش العام الفصل بين مسؤولية المؤسسة الوطنية للنفط ومسؤولية الجهات التي تتولى إدارة المالية العامة.

المؤسسة وشركاتها مسؤولة عن استكشاف النفط والغاز وإنتاجهما، وتشغيل الحقول والمنشآت، ونقل الخام، وإدارة الموانئ والتصدير، والمحافظة على الأصول والإنتاج وفق الإمكانات والموارد المتاحة.

أما إدارة الإيرادات النفطية بعد تحصيلها، وتحديد أبواب الموازنة، وتوزيع الإنفاق العام، وتمويل الرواتب والدعم والتنمية والخدمات، فهي مسؤولية أصيلة للسلطات التنفيذية والمالية والنقدية والرقابية في الدولة.

ولهذا لا يصح تحميل المؤسسة الوطنية للنفط مسؤولية ضعف انعكاس الإيرادات النفطية على مستوى معيشة المواطن، أو تعثر مشروعات التنمية، أو ارتفاع الإنفاق العام، أو سوء توزيع الموارد.

فالمؤسسة تنتج البرميل وتصدره وتورد عائداته وفق الآليات القانونية والمالية المعتمدة، لكنها لا تقرر بعد ذلك كيفية إنفاق تلك العوائد أو توزيعها.

وهذا لا يعني إعفاء المؤسسة من الرقابة أو التقييم، بل يعني وضع المسؤولية في مكانها الصحيح، وعدم الخلط بين إدارة النشاط النفطي وإدارة المال العام الناتج عنه.

وفي تقديري، فإن المشكلة الأعمق في ليبيا ليست مشكلة فنية داخل القطاع النفطي بقدر ما هي مشكلة في حوكمة عوائد النفط، وضبط الإنفاق العام، وتوحيد الموازنة، وتحديد الأولويات، وتحويل الإيرادات إلى تنمية وخدمات وفرص عمل وقيمة مستدامة للمواطن.

الدعم لا يعني شيكاً مفتوحاً

دعم المؤسسة الوطنية للنفط وتمويلها لا يعني منحها أموالاً دون رقابة أو متابعة، بل يجب أن يقوم على معادلة واضحة ومتوازنة:

تمويل منتظم، وإفصاح مستمر، ورقابة مهنية، وربط الإنفاق بالأداء والإنتاج ونسب الإنجاز.

ومن المهم أن يستمر نهج الإفصاح عن المبالغ المعتمدة والمسيّلة وأوجه استخدامها والجهات المرتبطة بها، وأن يتطور لاحقاً ليشمل بيانات دورية عن المشروعات، ونسب التنفيذ، والأثر المتوقع على الإنتاج، والنتائج التي تحققت فعلياً.

وفي المقابل، يجب ألا تتحول المطالبة بالشفافية إلى مبرر لتأخير التمويل؛ لأن الشفافية لا يمكن أن تحل محل السيولة، والتقارير لا تستطيع تشغيل الحقول أو شراء قطع الغيار أو تنفيذ الصيانة.

فعندما تفصح المؤسسة عن أوجه استخدام الأموال، ينبغي أن يقابل هذا الإفصاح التزام من الدولة بتوفير ما تم اعتماده وفق جداول زمنية واضحة، ما دام الإنفاق مرتبطاً بأهداف فنية وإنتاجية قابلة للمتابعة والتقييم.

خلاصة القراءة

يفيد الإفصاح الأخير للمؤسسة الوطنية للنفط بأن المبلغ المسيّل لم يوجه إلى نفقات مجهولة أو أنشطة بعيدة عن طبيعة القطاع، بل خُصص لاسترجاع أصل صناعي مهم، ودعم مشروع مصفاة الجنوب، وتسوية أجزاء من التزامات مرتبطة بشركات دولية وفنية معتبرة، إضافة إلى التزامات تشغيلية ضرورية.

كما يوضح أن المؤسسة لم تحصل إلا على 7.35% من إجمالي القيمة المعتمدة لها، في حين ما زال 92.65% من المخصصات غير مسيّل، بالتزامن مع عدم تسييل أي ميزانية تشغيلية لها عن عام 2025.

إذا أرادت الدولة الليبية المحافظة على إنتاج النفط وزيادته، وضمان استمرار تدفق الإيرادات، فعليها أن تتعامل مع تمويل المؤسسة باعتباره استثماراً في أصل الدولة المنتج، لا مجرد إنفاق يمكن تأجيله دون تكلفة.

فالنفط لا ينتج بالتصريحات، والحقول لا تُصان بالاعتمادات غير المسيّلة، والشركات الفنية لا تستطيع الاستمرار في تقديم خدماتها مع تراكم مستحقاتها.

أما السؤال المشروع عن مصير عوائد النفط ومدى انعكاسها على حياة المواطن، فيجب أن يوجه إلى منظومة إدارة المال العام والإنفاق والتنمية، لا إلى المؤسسة التي تتولى إنتاج الثروة وتصديرها.

إن المليار المسيّل قد يبدو رقماً كبيراً، لكنه في واقع صناعة النفط يمثل تمويلاً محدوداً لحماية قطاع يدر على الدولة مليارات الدولارات. ومن هنا فإن دعم المؤسسة وتمويلها المنتظم، مع استمرار الشفافية والإفصاح والرقابة، ليس خياراً إدارياً، بل ضرورة وطنية إذا أرادت ليبيا أن تنعم فعلاً بخيرات نفطها.

النائب العام يبحث مع عدد من الوزراء ومسؤولي الأجهزة الرقابية سبل مكافحة المبيدات المحظورة وحماية الأمن الغذائي

بحث النائب العام المستشار “الصديق الصور” مع وزراء الزراعة والاقتصاد والبيئة بحكومة الوحدة الوطنية وعدد من قادة الأجهزة الأمنية والرقابية والإصحاح البيئي ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية، سبل تعزيز الأمن الغذائي ووقاية السكان من أخطار المبيدات المحظورة.

واستعرض النائب العام خلال اللقاء النتائج الخطيرة لتحليل عينات المحاصيل الزراعية، مشيراً إلى وجود خلل رقابي يسّر دخول مبيدات مجهولة المكونات ومسرطنة إلى الأسواق برغم حظرها دولياً ومحلياً.

ودعا “الصور” إلى ضرورة تحديث قوائم المبيدات المحظورة وتوثيق أسمائها التجارية، مع وضع آلية تنسيق مؤسسي عاجلة لسد الفجوات الرقابية وضمان حوكمة قطاع الزراعة، فيما قدم الإطار الفني للوزارات المعالجات المقترحة لسد القصور الحالي.

“شكشك” يبحث مع بعثة الأمم المتحدة ملفات الحوكمة والإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد

بحث رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك” مع نائبتي الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة “ستيفاني خوري” و”أولريكا ريتشاردسون”، سبل تفعيل التعاون الفني مع المجتمع الدولي لتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.

كما ناقش “شكشك” مع المبعوثتين الأمميتيْن خلال اجتماعهما الذي عقد اليوم الاثنين بمقر الديوان بطرابلس؛ مخرجات الحوار المهيكل المتعلقة بمحور الإصلاح الاقتصادي، والخطوات القادمة لدعم الأجهزة الرقابية وتطوير آلياتها لحماية المال العام.

بسبب احتكار صيد التونة.. النيابة العامة تأمر بحبس وكيل وزارة الثروة البحرية ومسؤولين آخرين

أمرت نيابة مكافحة الفساد بطرابلس بحبس وكيل وزارة الثروة البحرية ومدير الشؤون الإدارية ومندوب الوزارة لدى المفوضية الدولية “إيكات” وعضوين بلجنة توزيع حصص الصيد لعام 2022، احتياطياً على ذمة التحقيق.

جاء ذلك بعدما أثبتت التحيقات عن تجاوزات في إدارة مواسم صيد سمك التونة من سنة 2018 حتى 2025، تعمّد خلالها المتهمون تمكين شركة واحدة من الاحتكار وتغليب مصالحها على المصلحة العامة وحقوق الصيادين المستوفين للشروط لتحقيق منافع غير مشروعة.