Skip to main content

الوسم: ليبيا

“المركزي” يؤكد ضخ 20 مليار دينار للحسابات في شهر مايو ويعتذر عن الانقطاع الذي حصل في خدمات الدفع الإلكتروني

أصدر مصرف ليبيا المركزي بيانا اليوم الثلاثاء، تقدم فيه بالشكر لكل العاملين بالقطاع المصرفي الليبي، تقديراً لجهودهم المتواصلة في توزيع السيولة النقدية المحلية والاجنبية على المواطنين عبر فروع المصارف في مختلف أنحاء البلاد رغم التحديات والصعوبات التي واجهت المصارف في عملية توزيع السيولة.

وأوضح “المركزي” بأنه خلال شهر مايو فقط تمت إضافة مرتبات شهري أبريل ومايو إلى حسابات المواطنين بقيمة 13.2 مليار دينار، وعلاوة الزوجة والأبناء بقيمة بلغت 1.7 مليار دينار، فضلاً عن التزامات الجهات الحكومية والقطاع الخاص، ومرتبات صندوق التضامن الاجتماعي والائمة ومحفظي القرآن الكريم والشركات العامة والخاصة والتي بلغت 4.8 مليار دينار، ليصل الإجمالي إلى نحو 20 مليار دينار.

وتقدم مصرف ليبيا المركزي باعتذاره نيابة عن المصارف التجارية عن بعض الانقطاعات التي حدثت في خدمات الدفع الالكتروني في بعض المصارف، نتيجة حجم العمليات الكبير جداً، حيث بلغ عدد العمليات على نقاط البيع ليوم الأمس الاثنين عدد 2 مليون عملية على عدد 67 الف نقطة بيع، مؤكدا بأنه قد تمت معالجة هذه الانقطاعات وإعادة الخدمات إلى وضعها الطبيعي.

“الشلوي”: طوابير الوقود في ليبيا.. بين وفرة الموارد واختلال منظومة الدعم والتوزيع

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

خلال زيارتي لمدينتي درنة لقضاء إجازة عيد الأضحى المبارك رفقة الوالد، كان السؤال الأكثر حضوراً في لقاءاتي مع الأقارب والأصدقاء والمعارف يتعلق بأزمة الوقود وطوابير السيارات الممتدة أمام محطات التوزيع في مختلف المدن الليبية.

ولأن الجميع يعلم أنني أعمل في قطاع النفط والغاز، فقد تكرر السؤال بصيغ مختلفة، لكن مضمونه واحد: كيف تعاني دولة تنتج أكثر من مليون ونصف برميل نفط يومياً من طوابير البنزين والديزل؟

وقد زادت قناعتي بأهمية الحديث في هذا الموضوع عندما قدت سيارتي بنفسي من منطقة البريقة إلى درنة عبر الطريق البري، وشاهدت بعيني الازدحام الكبير أمام محطات الوقود في عدد من المدن والقرى التي مررت بها.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بكل وضوح وموضوعية، أنني لم أتساءل لماذا توجد طوابير، لأنني أعلم يقيناً أن المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط تبذلان جهوداً تشغيلية كبيرة ومقدّرة لضمان استمرار الإمدادات، رغم الظروف الدولية والإقليمية المعقدة، وما تشهده أسواق الطاقة وسلاسل التوريد من اضطرابات مرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية وتقلبات النقل والشحن والتكرير عالمياً.

لكن في المقابل، فإن الواقع لا يمكن تجاهله أيضاً: هناك شح وازدحام متكرر في محطات الوقود على مستوى ليبيا، وهذه الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بتأخر ناقلة أو زيادة موسمية في الاستهلاك، بل أصبحت تعكس خللاً هيكلياً أعمق في منظومة الدعم والتوزيع والرقابة.

المشكلة ليست فقط في التوريد
من المهم توضيح نقطة جوهرية يغفل عنها كثيرون.

اليوم تصل شحنات البنزين والديزل إلى الموانئ الليبية بشكل منتظم نسبياً، والمؤسسة الوطنية للنفط أعلنت مؤخراً عن رسو ناقلات في موانئ طرابلس وبنغازي ومصراتة والزاوية وطبرق محملة بكميات كبيرة من البنزين والديزل، بالتزامن مع تشغيل عدد من المحطات على مدار 24 ساعة للمساهمة في تخفيف الأزمة.

إذن، الإشكالية الحقيقية لا تبدأ عند وصول الوقود إلى الموانئ أو المستودعات، بل تبدأ بعد خروج هذه الشحنات من المستودعات ودخولها في مراحل النقل والتوزيع والتداول. وهنا تظهر بوضوح أزمة التهريب والتسرب غير المشروع للمحروقات، والتي أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه منظومة توزيع الوقود في ليبيا.

التهريب يستنزف الدعم ويخلق السوق الموازية
الدولة الليبية تنفق مليارات الدولارات سنوياً لتوفير الوقود بأسعار مدعومة للمواطن، لكن جزءاً معتبراً من هذه الكميات لا يصل فعلياً إلى مستحقيه. فالفارق الكبير بين الأسعار المحلية المدعومة وأسعار الوقود في دول الجوار خلق بيئة خصبة للتهريب والاتجار غير المشروع، سواء عبر المنافذ البرية أو البحرية أو عبر الصحراء.

ولهذا فإن أي جهود لتحسين الإمدادات أو زيادة الكميات ستظل تحت الضغط ما لم تتم معالجة ظاهرة التهريب بصورة حازمة وفعالة.

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن نجاح منظومة التزويد لا يُقاس فقط بوصول الشحنات إلى الموانئ والمستودعات، بل بوصول كل لتر وقود إلى المواطن داخل المسار القانوني المخصص له. فكل لتر يتسرب خارج هذا المسار يمثل استنزافاً مباشراً للدعم، ويؤثر بشكل مباشر على توفر الوقود داخل السوق المحلي، ويزيد من الضغط على المحطات ومنظومة التوزيع.

ومن المعروف أن شركة البريقة تتولى استلام المحروقات وتخزينها وتوزيعها وفق الخطط التشغيلية المعتمدة، لكن الجزء الأكبر من تحديات التهريب والتسرب يظهر بعد خروج الوقود من المستودعات، وهو ما يتطلب رقابة أمنية وميدانية صارمة ومستمرة حتى وصول الوقود إلى المستهلك النهائي.

زيادة الإمدادات وحدها ليست حلاً دائماً
قد تختفي الطوابير أحياناً مع وصول شحنات جديدة أو مع اتخاذ إجراءات مؤقتة، لكنها ستعود مرة أخرى ما دامت جذور المشكلة ما زالت قائمة. لأن ضخ كميات إضافية في منظومة غير محكمة يعني ببساطة أن جزءاً من هذه الكميات سيذهب مجدداً إلى السوق السوداء أو التهريب. ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة التوريدات، بل في إصلاح المنظومة بالكامل.

رفع الدعم النقدي أصبح ضرورة اقتصادية
قد يختلف البعض حول هذه النقطة، لكنها من الناحية الاقتصادية أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها طويلاً. إن استمرار الدعم السلعي المفتوح للبنزين والديزل بصورته الحالية يعني استمرار النزيف المالي، واستمرار التهريب، واستمرار الهدر.

والحل الأكثر واقعية وعدالة يتمثل في التحول التدريجي إلى الدعم النقدي المباشر، وفق قانون واضح يصدر عن السلطة التشريعية، يطمئن المواطن إلى استمرارية الدعم ويحافظ على قدرته الشرائية، بدلاً من أن يذهب الجزء الأكبر من الدعم إلى المهربين والسوق الموازية.

الدعم يجب أن يذهب للمواطن، لا للمهرب. لكن نجاح هذه الخطوة يتطلب تنفيذها بصورة مدروسة وعادلة، مع توفير قاعدة بيانات دقيقة، وآليات رقابية فعالة، وضمانات اجتماعية تحمي أصحاب الدخل المحدود.

البطاقة الذكية ضرورة لتنظيم الاستهلاك
منظومة توزيع الوقود في ليبيا تحتاج إلى تحول رقمي كامل. إن استخدام البطاقة الذكية أو أي منظومة إلكترونية مشابهة أصبح ضرورة وطنية لضبط الاستهلاك، ومراقبة حركة الوقود، والحد من التسرب، وتوجيه الدعم لمستحقيه الحقيقيين. هذه المنظومات أثبتت نجاحها في عدد من الدول من خلال تقليل الفاقد، وتحسين الرقابة، ومنع التلاعب.

لكن يجب التأكيد أن البطاقة الذكية وحدها ليست عصاً سحرية، بل جزء من حزمة إصلاحات متكاملة تشمل:
تشديد الرقابة الأمنية على حركة الوقود.
تتبع الصهاريج إلكترونياً.
ربط المحطات بمنظومات مراقبة مركزية.
مكافحة السوق السوداء.
تفعيل العقوبات الرادعة بحق المتورطين في التهريب.
بناء قاعدة بيانات دقيقة للاستهلاك الحقيقي.

ليبيا بحاجة إلى مخزون استراتيجي حقيقي
من غير المنطقي أن يبقى استقرار سوق الوقود في دولة نفطية مرهوناً بوصول ناقلة من البحر أو تأخرها بسبب الأحوال الجوية أو ظروف السوق العالمية. أي دولة تحترم أمنها الطاقوي تحتفظ بمخزون استراتيجي يغطي احتياجاتها لعدة أشهر على الأقل.

ولهذا فإن بناء مخزون استراتيجي للمحروقات والمحافظة عليه يجب أن يكون أولوية سيادية، تشرف عليها المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة والأجهزة الرقابية المختصة.

الحل الجذري يبدأ من التكرير المحلي
أما على المدى المتوسط والبعيد، فإن الحل الحقيقي يكمن في تقليل الاعتماد على استيراد البنزين أصلاً. وهنا تبرز أهمية الإسراع في تنفيذ مشاريع تطوير المصافي، وعلى رأسها:
مشروع تطوير مصفاة الزاوية لتحويل النافتا إلى بنزين سيارات.
الاستفادة من المكثفات المنتجة في مليتة وغيرها لإنتاج البنزين محلياً.
تطوير مصفاة رأس لانوف للاستفادة من النافتا الفائضة عن احتياجات مصنع الإيثيلين وتحويلها إلى بنزين سيارات.

فلا يعقل أن يبقى مصير دولة كاملة معلقاً بوصول سفينة وقود من الخارج، في حين أنها تمتلك هذه الثروة النفطية الضخمة والإمكانات الفنية والبشرية القادرة على تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

الخلاصة
بكل إنصاف، لا يمكن تحميل مسؤولية أزمة الطوابير لجهة واحدة فقط، كما لا يمكن اختزال المشكلة في نقص الإمدادات وحده. لدينا منظومة دعم تستنزف الميزانية، وشبكات تهريب تستفيد من فارق الأسعار، وضعف في الرقابة بعد مرحلة التوزيع، واعتماد مفرط على الاستيراد، وغياب لمنظومة استهلاك ذكية ومنظمة.

وقد تقل الطوابير أحياناً وتختفي مؤقتاً، لكنها ستعود مرة ومرتين وربما أكثر، ما لم تُتخذ قرارات جذرية وشجاعة تعالج أصل الأزمة لا أعراضها فقط.

ليبيا لا تعاني من نقص الموارد، بل من الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة، ورؤية اقتصادية واضحة، وإرادة حقيقية لحماية المال العام وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة عادلة ومنظمة ومستدامة.

“أبوسيف اغنيه” يكتب: نداء وطني لاستحداث منظومة الدعم النقدي المباشر في ليبيا

كتب: د. أبوسيف الزروق اغنيه / الخبير المالي والاقتصادي الدولي ورئيس صندوق ليبيا للتنمية الصناعية

أخي المواطن الكريم، أختي المواطنة الكريمة، الإخوة والأخوات المهتمين بالشأن العام والاقتصادي في ليبيا..

في ظل انسداد قنوات التواصل المؤسسي التقليدية وصعوبة إيصال المقترحات الهيكلية عبر المسارات الدولية البيروقراطية المعتادة، اخترت أن أشارككم من خلال هذا المنبر الرقمي الحر رؤية ومبادرة وطنية تم صياغتها استناداً إلى عقود من الخبرة الدولية في المجال الاقتصادي والمالي والحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر. إن هذا المنبر يمثل اليوم وسيلتنا المباشرة لكسر طوق الصمت، وطرح بدائل حقيقية تسهم في معالجة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تمس حياة كل مواطن.

أكتب إليكم اليوم لا بصفتي خبيراً عاصر تجارب الإصلاح والتطوير والتنمية في أكثر من 57 دولة حول العالم فحسب، بل بصفتي أخاً محباً يتألم لما تمرون به، وقلباً كبيراً يريد الخير لكل عائلة وكل فرد في هذا الوطن المعطاء.

عزيزي، عزيزتي، هل تعلمون أين تذهب ثرواتكم؟

دعونا نتحدث بلغة الأرقام الصادقة التي لا تجامل؛ عائلتك المكونة من 6 أفراد تكلف الدولة الليبية حالياً (مايو 2026) ما يقارب 6,000 دينار شهرياً لتغطية ميزانية الطاقة والمحروقات. السؤال الكبير الذي يجب أن نطرحه جميعاً: أين تذهب هذه الأموال؟ وكم يصل منها فعلياً إلى جيبك ليدعم أسرتك ويسهل حياة أولادك؟

الحقيقة المرة هي أن الدعم العيني الحالي (البنزين الرخيص، الكهرباء المهدورة) لا يستفيد منه المواطن البسيط بالشكل العادل؛ المستفيد الأكبر هو شبكات التهريب الدولية والعابرة للحدود، وأصحاب المصالح في السوق السوداء. نحن ندعم وقوداً يُهرب لدول الجوار، بينما يقف المواطن الليبي الشريف في طوابير محطات البنزين! لقد حان الوقت لننتقل من هذه المنظومة التقليدية الفاشلة إلى منظومة الدعم النقدي المباشر وفق خطة مبتكرة تضمن دخول الأموال إلى جيوب الليبيين البسطاء مباشرة.

ملامح الخطة المبتكرة لاستبدال الدعم: أموالك في جيبك أولاً

التحول الرقمي الشامل (حساب المواطن الليبي): الربط الفوري بالرقم الوطني عبر إنشاء منصة رقمية موحدة مرتبطة مباشرة بمنظومة الأحوال المدنية، لضمان أعلى درجات الامتثال والنزاهة، ومحاربة التزوير، وضمان وصول كل درهم لمستحقيه الفعليين.

المحافظ الإلكترونية الذكية: تحويل القيمة النقدية (الـ 6,000 دينار شهرياً، أو ما تحدده الدراسات بدقة وبعدد أفراد كل أسرة) مباشرة إلى الحسابات المصرفية والمحافظ الرقمية للهواتف (سداد، تداول، موني، وغيرها)، بلا طوابير، بلا وساطة، وبلا تأخير.

التدرج الذكي لمنع الصدمات والتضخم

المرحلة الأولى (وقود السيارات): الرفع التدريجي لأسعار الوقود على مدار 18 إلى 24 شهراً؛ فالرفع الفجائي بنسبة 100% هو انتحار اقتصادي لن نسمح به.

الدفع المسبق (Cashback): يستلم المواطن القيمة النقدية في حسابه أولاً، ثم يتم تحريك أسعار الوقود في المحطات لاحقاً (بعد 3 أشهر)، لضمان عدم حدوث أي هزة في القدرة الشرائية.

مؤشر مرن لغلاء المعيشة: ربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم وأسعار السوق لحماية الطبقات الهشة بشكل مستمر ومدروس.

ابتكار بطاقة الطاقة الذكية (مكافأة الترشيد)

لتجنب ضخ سيولة كاش ضخمة قد تسبب تضخماً، تقسم القيمة إلى قسمين:

50% دعم نقدي مباشر: يدخل الحساب المصرفي للتصرف فيه بحرية.

50% رصيد في بطاقة طاقة ذكية: مخصصة حصرياً لشراء البنزين، الديزل، دفع فواتير الكهرباء، أو غاز الطهي.

المفاجأة؟ إذا نجحت العائلة في ترشيد استهلاكها ولم تستهلك كامل الرصيد، يتم تحويل المتبقي تلقائياً إلى كاش في حسابهم نهاية الشهر كمكافأة ترشيد.

حماية قطاع النقل والخدمات (العمود الفقري للأسعار)

لحماية أسعار السلع والخدمات من الارتفاع:

تخصيص جزء من وفورات الدعم لدعم وقود شاحنات نقل البضائع، سيارات الإسعاف، والخدمات العامة.

توجيه استثمارات فورية لإنشاء شبكة نقل عام حديثة ومتطورة (ترامواي) بكل من طرابلس وربطها بالزاوية، وبنغازي، وسبها، ومصراتة، والبيضاء، وتعميم هذه الوسيلة على المدن الكبيرة بليبيا لاحقاً.

بالأرقام والحقائق.. كيف ستتغير حياتك اليومية؟

عند تطبيق هذه الرؤية المستلهمة من أفضل الممارسات الدولية، سنشهد نتائج ملموسة على كافة الأصعدة:

توجيه ضربة قاضية للتهريب: عندما يصبح سعر الوقود الليبي مساوياً للسعر العالمي، سيتوقف التهريب فوراً؛ فلن يجد المهرب هامش ربح يدفعه للمخاطرة.

عدالة اجتماعية حقيقية: العائلة البسيطة التي تملك سيارة واحدة (أو لا تملك) ستتساوى في قيمة الدعم مع العائلة الميسورة التي تملك أسطول سيارات، مما يعيد توزيع الثروة بعدالة.

إنعاش المنظومة المصرفية والقضاء على أزمة السيولة: ضخ هذه المليارات عبر القنوات الرقمية والمصرفية سيقضي على أزمة السيولة المزمنة في المصارف الليبية نهائياً.

إعادة بناء البنية التحتية: الأموال الضخمة التي كانت تذهب هباء في قاع التهريب، ستُوجه لترميم قطاعات الصحة، التعليم، صيانة شبكة الكهرباء المتهالكة لضمان توفر الطاقة 24 ساعة، وتقليل الحوادث المرورية عبر صيانة الطرق.

شرط النجاح الحاسم: الثقة والأمان

من واقع خبرتي الدولية، لن يكتب النجاح لهذه الخطة إلا بشرط واحد ووحيد: بناء جسر من الثقة المطلقة بين المواطن والدولة. يجب أن يرى المواطن الأموال في حسابه المصرفي بانتظام وبشكل مسبق وقبل أي خطوة لرفع الأسعار.

هل نتوقع معارضة؟ نعم، وبشدة! ولكن اعلموا يا إخوتي أن هذه المعارضة لن تكون من المواطن البسيط الذي يريد ستر عائلته، بل ستكون من المتنفذين والمهربين الذين يقتاتون ويتقاتلون على ثرواتكم ويستفيدون من فرق أسعار النفط والكهرباء وغيرها.

والله إني لكم ناصح أمين، أضع خبرة السنين بين أيديكم غيرة على هذا الوطن. تكرموا بالتعميم والمشاركة إن كنتم تشاركونني الرأي، وتكرموا بالتعليق والتعميم أيضاً إن كنتم تختلفون معي، لنثري الحوار ونتعرف على حلول بديلة وآراء ابتكارية تخدم ليبيا.

أكرم الغزيوي يكتب: “ليبيا.. حين يصبح الإصلاح مسرحية”

كتب: أكرم عبدالله الغزيوي / باحث اقتصادي والأمين العام المساعد للاتحاد الليبي للتأمين

لسنا بحاجة إلى لجان رباعية وخماسية أخرى، ولا إلى تقرير آخر، ولا إلى خبير دولي يأتي بحقيبة مليئة بالتوصيات ليغادر بعدها إلى بلد يعمل فيه القانون.. نحن بحاجة إلى أن نسمّي المشكلة باسمها الحقيقي، فالمشكلة ليست الجهل؛ بل الأمان.

في ليبيا، من يملك القرار لا يدفع ثمن قراراته؛ هذه هي المعادلة الحقيقية التي تفسّر كل شيء، المسؤول الذي يعطّل إصلاح منظومة التأمين أبناؤه مؤمَّن عليهم في الخارج، والذي يحول دون بناء مؤسسة دولة حقيقية أمواله خارج ليبيا، والذي يمثل ليبيا في المؤسسات الدولية ويعود بيده فارغة راتبه يصله في الأول من كل شهر دون انقطاع.

حين لا تحرق يدك بالنار، لماذا ستُطفئها؟

نظرية “كينز” لن تنقذنا، ولا “آدم سميث”، ولا أي نظرية أخرى.. الحلول الاقتصادية تعمل حين تُطبَّق في بيئة تؤمن بالمساءلة ولديها قوة القانون، وفي غيابها؛ تتحول أفضل النظريات إلى أدوات لتوزيع الغنائم بطريقة أكثر أناقة، ليبيا جرّبت الاشتراكية فأفقرت الناس وأثرت النخبة، وجرّبت انفتاح السوق فأفقرت الناس وأثرت نخبة أخرى. النتيجة واحدة لأن المعادلة الأساسية لم تتغير: القرار بلا مساءلة يساوي فساد منظّم بأسماء مختلفة.

مهاتير لم يأتِ من السماء

حين أتذكر ماليزيا عام 1981 أتساءل: ما الذي جعل مهاتير مهاتير؟
لم يكن عبقرياً خارقاً، كان طبيباً يفهم أن المريض يموت إذا تأخر العلاج، كان زعيماً يعرف أن فشله الشخصي مرتبط بفشل بلده؛ لا فكاك من ذلك، الفارق الحقيقي بينه وبين كثير من قادتنا: كان مضطراً للنجاح لأنه لم يملك خياراً آخر.. في ليبيا، الفشل لا يُكلّف شيئاً، بل يُكافأ صاحبه ويصبح مليونيراً.

لن أقول لك إن الحل سهل، لكنني أقول إن الحل معروف ومجرَّب:

قوة القانون أو انتفاضة شعب
شعب يرفض أن يكون متفرجاً. نخبة مهنية تتوقف عن الاكتفاء بالتذمر في المجالس الخاصة وتطالب بمكانها في صناعة القرار. ومؤسسات مدنية تجعل تكلفة الفساد أعلى من تكلفة الإصلاح.. التغيير الحقيقي في التاريخ لم يأتِ يوماً من فوق، جاء حين قرر من في الأسفل أنه لم يعد يقبل، “ليبيا لا تنتظر معجزة، تنتظر قراراً”.

“أبوشيحة” يعتمد 13 قراراً لفتح وتمديد فروع لشركات أجنبية ووكلات تجارية

اعتمد وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية “سهيل أبوشيحة” اليوم الأحد، 13 قراراً تتعلق بشركات أجنبية والمشتركة، شملت فتح فروع جديدة وتمديد مدة فروع قائمة، إلى جانب تنظيم نشاط وكالة تجارية.

ويأتي هذا الإجراء ضمن جهود الوزارة لتعزيز مناخ الاستثمار وتشجيع توسّع نشاط الشركات والوكالات التجارية في السوق الليبي، إلى جانب تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين بما يسهم في جذب رؤوس الأموال وتنشيط مختلف القطاعات الاقتصادية.

“الشلوي”: البوري.. حين تتحول الشعلة المهدورة إلى ثروة وطنية واستراتيجية طاقة مستدامة

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

يشهد قطاع النفط والغاز في ليبيا تحولات استراتيجية متسارعة، لم تعد تقتصر على المحافظة على معدلات الإنتاج أو تطوير البنية التحتية التقليدية، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة العلاقة بين الصناعة النفطية والبيئة والاقتصاد الوطني في آنٍ واحد. وفي هذا السياق، يبرز مشروع استغلال الغاز بحقل البوري البحري، الذي تنفذه شركة مليتة للنفط والغاز، باعتباره أحد أهم المشاريع التقنية والاستراتيجية التي تعكس انتقال المؤسسة الوطنية للنفط من مرحلة إدارة الموارد إلى مرحلة تعظيم القيمة الاقتصادية وتقليل الفاقد وتحقيق الاستدامة.

فالنجاح في رفع وتركيب وحدات استغلال الغاز على المنصة رقم (4) بحقل البوري، بأوزان تجاوزت 5200 طن، لا يمكن النظر إليه كمجرد إنجاز هندسي معقد في مجال الرفع الثقيل فحسب، بل يمثل تحولاً نوعياً في فلسفة إدارة الغاز المصاحب في ليبيا، خاصة وأن المشروع يستهدف استثمار نحو 120 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز، كانت كميات معتبرة منه تُهدر سابقاً عبر الحرق الروتيني.

ومن المعروف لدى المختصين أن ظاهرة حرق الغاز المصاحب تُعد من أكثر التحديات التي تواجه الدول المنتجة للنفط، ليس فقط بسبب آثارها البيئية السلبية، وإنما لأنها تعني ببساطة حرق ثروة وطنية قابلة للاستثمار والتسويق والتصنيع. فالغاز الذي يُحرق في المشاعل النفطية ليس “نفايات تشغيلية”، بل مادة اقتصادية عالية القيمة يمكن توجيهها لإنتاج الكهرباء، والصناعات البتروكيماوية، وتغذية الشبكة الصناعية، وحتى دعم خطط التصدير مستقبلاً.

ومن هنا تأتي الأهمية الاستراتيجية لمشروع البوري، الذي ينسجم بصورة مباشرة مع التزام المؤسسة الوطنية للنفط بتحقيق هدف “صفر حرق” بحلول عام 2030، وهو التزام يعكس وعياً متقدماً بالتحديات البيئية العالمية ومتطلبات أسواق الطاقة الحديثة، خاصة في ظل التوجه الدولي المتزايد نحو خفض الانبعاثات الكربونية ورفع كفاءة استغلال الموارد الهيدروكربونية.

وعلى المستوى الفني، فإن تنفيذ عمليات رفع وتركيب بهذا الحجم داخل بيئة بحرية معقدة يُعد مؤشراً واضحاً على تطور القدرات الوطنية في مجالات الهندسة البحرية، وإدارة المشاريع الثقيلة، والتكامل بين العمليات التشغيلية والصيانة والتوسعات المستقبلية. كما أن استغلال فترة التوقف التشغيلي المبرمج للمنصتين لإجراء أعمال الربط والتحديث والصيانة يعكس مستوى متقدماً من التخطيط التشغيلي وتقليل الفاقد الزمني والتكاليف التشغيلية.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن الاستثمار في مشاريع استغلال الغاز يُعد من أعلى المشاريع عائداً على الاقتصاد الوطني، نظراً لأن الغاز المصاحب يمثل مورداً جاهزاً للإنتاج دون الحاجة إلى تكاليف استكشاف إضافية. وعندما تتمكن ليبيا من استرجاع مئات الملايين من الأقدام المكعبة التي كانت تُحرق يومياً، فإن ذلك ينعكس مباشرة على زيادة الإيرادات، وتقليل استهلاك الوقود السائل في محطات الكهرباء، ورفع كفاءة مزيج الطاقة الوطني.

ولا يخفى أن أزمة الكهرباء في ليبيا ترتبط جزئياً بنقص إمدادات الغاز لمحطات التوليد، وبالتالي فإن أي مشروع يرفع من كميات الغاز المستغلة محلياً يساهم بصورة غير مباشرة في دعم استقرار الشبكة الكهربائية وتقليل الاعتماد على الوقود السائل الأعلى تكلفة والأكثر تلوثاً.

أما البعد البيئي، فهو اليوم لم يعد ترفاً إعلامياً أو استجابة شكلية للضغوط الدولية، بل أصبح جزءاً أساسياً من معايير التنافسية في قطاع الطاقة العالمي. فالدول والشركات التي لا تُظهر التزاماً واضحاً بخفض الانبعاثات الكربونية ستواجه مستقبلاً تحديات في التمويل، والتسويق، وجذب الشراكات والاستثمارات الدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن توجه المؤسسة الوطنية للنفط نحو “صفر حرق” بحلول 2030 يُعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، ليس فقط لتحسين الصورة البيئية للقطاع، بل لضمان استدامة الصناعة النفطية الليبية نفسها في عالم يتجه تدريجياً نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات.

اللافت في مشروع البوري أيضاً أنه يعكس تكاملاً واضحاً بين القرار السيادي والدور التنفيذي للشركات الوطنية، حيث يظهر دعم المؤسسة الوطنية للنفط لمشاريع البنية التحتية والتطوير التقني، إلى جانب قدرة الكوادر الليبية على تنفيذ عمليات هندسية معقدة وفق أعلى معايير السلامة والكفاءة.

وفي تقديري، فإن ليبيا تمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى نموذج إقليمي في إدارة الغاز المصاحب إذا ما استمرت هذه المشاريع بوتيرة متصاعدة، وتم ربطها بخطط أوسع لتطوير الصناعات الغازية والبتروكيماوية وتوسعة البنية التحتية للنقل والمعالجة. فالعالم اليوم لا يقيس قوة الدول النفطية بحجم إنتاج النفط الخام فقط، بل بمدى قدرتها على تعظيم القيمة المضافة من مواردها وتقليل الفاقد وتحقيق التوازن بين الاقتصاد والبيئة.

إن ما تحقق في حقل البوري لا يمثل مجرد نجاح تشغيلي لشركة مليتة، بل رسالة واضحة بأن قطاع النفط الليبي قادر، رغم التحديات، على الانتقال من مرحلة المعالجة المؤقتة للمشكلات إلى مرحلة بناء مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، تُعزز الاقتصاد الوطني وتحافظ على البيئة وتؤسس لصناعة طاقة أكثر كفاءة واستدامة للأجيال القادمة.

جهاز مكافحة الجرائم المالية يحبط عملية احتيال رقمي بالعملات المشفرة عبر “واتساب”

أعلن جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، نجاح إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية المالية التابعة له، في كشف وإحباط عملية احتيال مالي رقمي منظمة استهدفت أحد المواطنين عبر تطبيق “واتساب”.

​وأوضح الجهاز أن العملية بدأت عقب استيلاء المتهم على مبلغ مالي قدره 49 ألف دينار ليبي من مواطن، بعد إيهامه بالاتجار بالعملات الرقمية المشفرة (USDT)؛ حيث باشرت الفرق الفنية المختصة عمليات التتبع والتحري الرقمي الدقيق، والتي أسفرت عن تحديد هوية المتهم وضبطه متلبساً بالأدلة التقنية الدامغة.

وأشار الجهاز إلى إحالة المتهم إلى نيابة النظام العام؛ لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة، داعياً المواطنين إلى الحذر من المعاملات المالية غير الرسمية عبر الفضاء الرقمي.

“الشلوي”: حين تتحول الثروة إلى عبء اقتصادي.. قراءة تكنوقراطية في مسار دعم المحروقات في ليبيا لقرابة خمسة عقود

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

على مدى ثمانية وأربعين عاماً تقريباً، شكّل دعم المحروقات في ليبيا أحد أكبر بنود الإنفاق العام وأكثرها تأثيراً على البنية الاقتصادية والنقدية للدولة.

فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى هذا العام، تجاوز إجمالي الإنفاق العام الليبي حاجز التريليون دولار، ذهب ما يقارب ربع هذا الإنفاق مباشرة إلى دعم المحروقات وحده، بقيمة تقديرية تجاوزت 250 مليار دولار.

هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن سياسة دعم اجتماعي، بل تكشف عن مسار اقتصادي كامل أُعيدت فيه صياغة العلاقة بين الدولة والثروة النفطية، وبين الاقتصاد والإنتاج والاستهلاك.

فعندما تنفق دولة نفطية ما متوسطه 5.2 مليار دولار سنوياً على دعم الوقود على مدى يقارب نصف قرن، بينما لا يتجاوز متوسط الإنفاق العام السنوي 20.8 مليار دولار، فهذا يعني أن بنداً واحداً فقط استحوذ على نحو 25% من إجمالي الإنفاق العام للدولة طوال تلك الفترة.

لكن المؤشر الأخطر لا يتعلق بحجم الدعم نفسه، بل بالعائد الحقيقي منه. إذ تشير التقديرات إلى أن ما عاد فعلياً إلى الخزانة العامة من بيع المحروقات المدعومة لم يتجاوز 5 مليارات دولار فقط، أي أن الدولة لم تسترد سوى نحو 2% من الأموال التي أنفقتها على هذا الملف، بينما بلغ صافي الفاقد المالي حوالي 245 مليار دولار، بنسبة فاقد تُقدّر بـ98%.

وبلغة الاقتصاد، فإن ذلك يعني أن كل 100 دولار أُنفقت على دعم المحروقات، عاد منها أقل من دولارين فقط إلى خزينة الدولة، بينما تبخر الباقي بين الاستهلاك المفرط، والتهريب، والاقتصاد الموازي، وضغف كفاءة إدارة الموارد.

لقد وفّر الدعم استقراراً اجتماعياً نسبياً في بعض المراحل، لكنه في المقابل خلق نموذجاً اقتصادياً قائماً على الاستهلاك لا الإنتاج. فبدل توجيه جزء معتبر من تلك الموارد إلى بناء قطاعات استراتيجية، جرى استنزافها في دعم منخفض العائد الاقتصادي والتنموي.

ولو أُعيد توظيف جزء كبير من صافي الفاقد البالغ 245 مليار دولار في استثمارات إنتاجية، لكان بالإمكان إحداث تحول جذري في بنية الاقتصاد الليبي. فهذه الأموال كانت كفيلة ببناء منظومات كهرباء مستقرة تقلل الانقطاعات وترفع كفاءة الطاقة، وإنشاء قاعدة صناعية حقيقية، وتطوير القطاع الزراعي لتقليص فاتورة الغذاء المستورد، إضافة إلى بناء بنية تحتية حديثة وصندوق سيادي يحمي حقوق الأجيال القادمة.

بل إن جزءاً بسيطاً من تلك المبالغ كان كافياً لإعادة هيكلة قطاعي التعليم والصحة ورفع جودة رأس المال البشري، وهو الاستثمار الأهم لأي دولة تسعى لبناء اقتصاد مستدام.

ومن الناحية النقدية، لا يمكن فصل تراجع القوة الحقيقية للدينار الليبي عن السياسات طويلة الأجل المرتبطة بالدعم. فبيع المحروقات محلياً بأسعار رمزية أدى إلى تشويه الأسعار الحقيقية داخل الاقتصاد، ورفع معدلات الاستهلاك والاستيراد، وبالتالي زيادة الطلب على الدولار.

ومع توسع السوق الموازية وعمليات تهريب الوقود، بدأت تظهر فجوة متزايدة بين السعر الرسمي للدينار وقيمته الحقيقية في السوق. ولذلك، بدا الدينار الليبي قوياً على الورق بفعل التدخلات الإدارية، لكنه فقد تدريجياً جزءاً مهماً من قوته الشرائية الفعلية، مع ارتفاع الأسعار وتنامي الطلب على الدولار والذهب والعقار كملاذات بديلة.

أما فيما يتعلق بالتضخم، فإن المفارقة الاقتصادية تكمن في أن الدعم، رغم مساهمته الظاهرية في تخفيض أسعار الوقود، ساهم على المدى الطويل في خلق تضخم غير مباشر ومتراكم. ذلك لأن الاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد والاستهلاك الممول من الإنفاق العام، دون إنتاج محلي حقيقي، يصبح أكثر عرضة لعجز الميزانية والتوسع النقدي وضعف العملة.

وبالتالي، فإن الدعم لم يُلغِ التضخم بقدر ما أخفاه مؤقتاً، بينما استمرت أسبابه الحقيقية بالتراكم داخل الاقتصاد الليبي عاماً بعد عام.

المشكلة اليوم ليست في فكرة الدعم من حيث المبدأ، فالدولة مسؤولة عن حماية الفئات الضعيفة وتحقيق التوازن الاجتماعي، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في شكل الدعم وآلية إدارته؛ فالدعم الشامل غير الموجّه أثبت أنه يستنزف الثروة الوطنية أكثر مما يبني اقتصاداً منتجاً.

ولهذا، فإن الإصلاح المطلوب لا ينبغي أن يكون مجرد رفع للأسعار أو نقل العبء إلى المواطن، بل إعادة صياغة السياسة الاقتصادية بالكامل: دعم ذكي يصل مباشرة إلى مستحقيه، مقابل وقف الهدر، ومحاربة التهريب، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج.

لقد أثبتت تجربة العقود الأربعة الماضية أن الثروة النفطية وحدها لا تصنع اقتصاداً قوياً، وأن الإنفاق الكبير لا يعني بالضرورة تنمية حقيقية. فالدول تُقاس بكفاءة إدارة مواردها، لا بحجم تلك الموارد فقط.

واليوم، تقف ليبيا أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في نموذج اقتصادي يستهلك الثروة تدريجياً، أو الانتقال إلى نموذج تنموي جديد يحول الإيرادات النفطية من أداة استهلاك إلى محرك إنتاج واستقرار طويل الأجل.

فالدعم قد يمنح هدوءاً اجتماعياً مؤقتاً، لكن الاقتصاد القوي وحده هو من يمنح الدولة استقرارها الحقيقي وسيادتها المالية في المستقبل.

“حسني بي”: الأزمة الاقتصادية لا تُحل أمنياً.. وتنظيم سوق الصرف حان وقته

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

حول أسباب الفجوة السعرية والتضخم والطلب على العملة الأجنبية والمضاربة: في إطار النقاش العام حول تطورات سعر الصرف واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، نؤكد أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تشخيصاً اقتصادياً دقيقاً يميز بين أسباب التضخم من جهة، وآليات توسع الطلب على العملة الأجنبية والمضاربة من جهة أخرى.

إن القاعدة الاقتصادية الأساسية تؤكد أن السعر يتحدد في النهاية عند نقطة التقاء العرض والطلب، وأن السعر التعادلي لا يتحقق إلا عندما تتوازن الكميات المعروضة مع الكميات المطلوبة عند سعر مقبول من الطرفين. وعليه، فإن وجود سعر عرض للعملة الأجنبية أقل بكثير من سعر الطلب في السوق يخلق حافزاً مباشراً للمضاربة، ويحول العملة الأجنبية من وسيلة لتغطية احتياجات حقيقية إلى فرصة ربح مضمونة تقريباً.

فما دام هناك عرض للدولار بسعر يعادل 12,600 دينار لكل 2,000 دولار، في مقابل وجود طلب في السوق عند مستويات تقارب 14,600 إلى 15,100 دينار، أو أكثر، لذات المبلغ، فإن الفارق السعري يصبح بذاته مولداً لطلب إضافي على الدولار. هذا الفارق لا يعكس فقط حاجة اقتصادية فعلية، بل يخلق طلباً مضارباً يستهدف شراء الدولار الرخيص وإعادة بيعه أو توظيفه بسعر أعلى.

وبالتالي، فإن زيادة حجم الضخ الشهري من العملة الأجنبية، سواء كان في حدود 3 مليارات دولار أو 4 مليارات أو حتى 5 مليارات دولار شهرياً، لن تكون كافية وحدها لإغلاق الفجوة السعرية إذا ظل السعر المعروض أقل بكثير من السعر الذي يقبل به المشترون في السوق، حيث اقتصادياً المحدّد الأول للأسعار هو سعر الطلب وليس سعر البيع. ففي ظل وجود هامش ربح واضح، سيتوسع الطلب على الدولار لا من داخل السوق المحلي فقط، بل قد يمتد إلى أطراف من دول الجوار والأسواق الخارجية؛ لأن الفرصة السعرية تصبح جاذبة للمضاربة العابرة للحدود، حيث الفارق يتعدى 6 مليارات دولار سنوياً مما يسيل لعاب كل مضارب في العالم.

إن المشكلة لا تكمن في حجم العرض وحده، بل في طبيعة التسعير والسياسات المنظمة للحصول على العملة الأجنبية. فعندما تكون هناك قيود ضيقة على الأغراض الشخصية، مثل تحديد السقف عند 2,000 دولار، مع وجود فجوة كبيرة بين السعر الرسمي أو شبه الرسمي والسعر الموازي، فإن ذلك يؤدي عملياً إلى زيادة عدد طالبي العملة، وتوسيع قاعدة المضاربة، وخلق طلب مصطنع يفوق الطلب الحقيقي على الاستيراد أو السفر أو العلاج أو الدراسة.

وفي هذا السياق، يجب التأكيد على أن المصدر الأساسي للتضخم في أي اقتصاد يظل مرتبطاً بخلق النقود وتمويل الإنفاق العام بالعجز، خصوصاً عندما يتوسع الإنفاق دون غطاء إنتاجي أو إيرادي حقيقي. غير أن دور السياسة النقدية لا يتوقف عند توصيف التضخم، بل يمتد إلى إدارة أثره على سعر الصرف، والاعتراض على التمويل بالعجز متى كان ذلك ممكناً، أو اعتماد سياسة سعر صرف واقعية تعكس العلاقة بين إيرادات النفط بالدولار وحجم الإنفاق العام بالدينار.

إن المعادلة الجوهرية في الاقتصاد الليبي تقوم على أن إيرادات النفط بالدولار، مضروبة في سعر الصرف، تمثل المصدر الرئيسي لتغطية الجزء الأكبر من الإنفاق العام بالدينار. وعندما لا تعكس سياسة سعر الصرف هذه الحقيقة، تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وتتكرر الاختلالات التي عرفها الاقتصاد الليبي في مراحل تاريخية متعددة، من بينها فترات ما بين 1982 و2004، ومن 2015 إلى 2020، ومن 2023 إلى اليوم.

وعليه، فإن استمرار بيع العملة الأجنبية بسعر يقل كثيراً عن سعر الطلب الفعلي في السوق لن يؤدي إلى استقرار مستدام، بل سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، وتغذية المضاربة، واستنزاف الاحتياطيات، وتوسيع الفجوة السعرية. كما أن إنكار أثر هامش المضاربة، أو حصر المشكلة فقط في حجم الضخ، يمثل تبسيطاً مخلّاً لطبيعة الأزمة.

إن المطلوب اليوم هو حزمة سياسات متكاملة تشمل ضبط الإنفاق العام، وقف التوسع النقدي غير المغطى، توحيد أو تقريب أسعار الصرف، مراجعة سياسات الأغراض الشخصية، تقليص فرص التحكيم السعري، وتعزيز الشفافية في بيانات العرض والطلب على العملة الأجنبية.

فالاستقرار لا يتحقق بمجرد ضخ المزيد من الدولارات، بل يتحقق عندما تختفي فرصة الربح الناتجة عن الفارق بين سعرين، وعندما يصبح الحصول على العملة الأجنبية مرتبطاً بالحاجة الاقتصادية الحقيقية لا بالمضاربة على فرق السعر.

بمشاركة 30 شركة ألمانية.. انطلاق أعمال المنتدى الاقتصادي الليبي الألماني الخامس في طرابلس

​انطلقت اليوم الثلاثاء في العاصمة طرابلس أعمال المنتدى الليبي الألماني الخامس، الذي ينظمه الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة، بالشراكة مع الغرفة العربية الألمانية للتجارة والصناعة؛ بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكة بين البلدين.

وشهدت الجلسة الافتتاحية للمنتدى، المقامة بفندق “لانكاستر برج الحياة”، حضوراً رفيع المستوى تمثل في وزير الاقتصاد والتجارة “سهيل أبوشيحة” ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء “محمد بن غلبون” ورئيس فريق المبادرات بمجلس الوزراء “مصطفى المانع”، إلى جانب سفير ليبيا لدى ألمانيا “جمال البرق”، ورئيس اتحاد الغرف العربية “سمير ماجول”.

ومن الجانب الألماني شارك في المنتدى رئيس قطاع السياسات الاقتصادية الخارجية بوزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية الألمانية “رالف بومي”، ورئيس منتدى خبراء ليبيا “سفن لوتهاردت”، بالإضافة إلى وفد يضم أكثر من 30 شركة ألمانية كبرى.

وتتمحور أعمال المنتدى حول بحث فرص الاستثمار والتعاون المشترك في قطاعات حيوية؛ تشمل الطاقة والنفط والغاز والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم، إلى جانب استعراض الأطر المالية والقانونية المنظمة لممارسة الأعمال والتجارة داخل ليبيا، وبناء جسور تواصل فاعلة بين القطاعين العام والخاص في البلدين.