كتب: أكرم عبدالله الغزيوي / باحث اقتصادي ونائب مدير عام شركة التكافل للتأمين
لسنا بحاجة إلى لجان رباعية وخماسية أخرى، ولا إلى تقرير آخر، ولا إلى خبير دولي يأتي بحقيبة مليئة بالتوصيات ليغادر بعدها إلى بلد يعمل فيه القانون.. نحن بحاجة إلى أن نسمّي المشكلة باسمها الحقيقي، فالمشكلة ليست الجهل؛ بل الأمان.
في ليبيا، من يملك القرار لا يدفع ثمن قراراته؛ هذه هي المعادلة الحقيقية التي تفسّر كل شيء، المسؤول الذي يعطّل إصلاح منظومة التأمين أبناؤه مؤمَّن عليهم في الخارج، والذي يحول دون بناء مؤسسة دولة حقيقية أمواله خارج ليبيا، والذي يمثل ليبيا في المؤسسات الدولية ويعود بيده فارغة راتبه يصله في الأول من كل شهر دون انقطاع.
حين لا تحرق يدك بالنار، لماذا ستُطفئها؟
نظرية “كينز” لن تنقذنا، ولا “آدم سميث”، ولا أي نظرية أخرى.. الحلول الاقتصادية تعمل حين تُطبَّق في بيئة تؤمن بالمساءلة ولديها قوة القانون، وفي غيابها؛ تتحول أفضل النظريات إلى أدوات لتوزيع الغنائم بطريقة أكثر أناقة، ليبيا جرّبت الاشتراكية فأفقرت الناس وأثرت النخبة، وجرّبت انفتاح السوق فأفقرت الناس وأثرت نخبة أخرى. النتيجة واحدة لأن المعادلة الأساسية لم تتغير: القرار بلا مساءلة يساوي فساد منظّم بأسماء مختلفة.
مهاتير لم يأتِ من السماء
حين أتذكر ماليزيا عام 1981 أتساءل: ما الذي جعل مهاتير مهاتير؟
لم يكن عبقرياً خارقاً، كان طبيباً يفهم أن المريض يموت إذا تأخر العلاج، كان زعيماً يعرف أن فشله الشخصي مرتبط بفشل بلده؛ لا فكاك من ذلك، الفارق الحقيقي بينه وبين كثير من قادتنا: كان مضطراً للنجاح لأنه لم يملك خياراً آخر.. في ليبيا، الفشل لا يُكلّف شيئاً، بل يُكافأ صاحبه ويصبح مليونيراً.
لن أقول لك إن الحل سهل، لكنني أقول إن الحل معروف ومجرَّب:
قوة القانون أو انتفاضة شعب
شعب يرفض أن يكون متفرجاً. نخبة مهنية تتوقف عن الاكتفاء بالتذمر في المجالس الخاصة وتطالب بمكانها في صناعة القرار. ومؤسسات مدنية تجعل تكلفة الفساد أعلى من تكلفة الإصلاح.. التغيير الحقيقي في التاريخ لم يأتِ يوماً من فوق، جاء حين قرر من في الأسفل أنه لم يعد يقبل، “ليبيا لا تنتظر معجزة، تنتظر قراراً”.