Skip to main content
|

“الشلوي”: عندما يتراجع إنتاج أوبك إلى أدنى مستوياته منذ ربع قرن.. ماذا يعني ذلك للعالم وماذا يعني لليبيا؟

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في عالم النفط، لا تكون جميع أزمات الإمدادات متشابهة، فبعضها ينشأ نتيجة ضعف الطلب كما حدث خلال جائحة كوفيد-19، وبعضها يأتي نتيجة قرارات سياسية طوعية بخفض الإنتاج، كما اعتدنا في اتفاقات أوبك+. أما ما نشهده اليوم فهو من نوع مختلف؛ إذ يرتبط بعوامل جيوسياسية وأمنية مباشرة مست أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وهو مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز في العالم.

وفقاً لمسح وكالة رويترز، تراجع إنتاج دول أوبك الإحدى عشرة خلال شهر مايو إلى نحو 16.13 مليون برميل يومياً، بانخفاض يتجاوز مليون برميل يومياً مقارنة بالشهر السابق، ليسجل أدنى مستوى منذ عام 2000، وهو رقم لافت ليس فقط بسبب حجمه، بل بسبب الظروف التي أوصلت إليه.

ما الذي حدث فعلياً؟
الانخفاض الحالي لا يعكس رغبة المنتجين في تقليص المعروض، بل يعكس صعوبات حقيقية في التصدير والنقل البحري نتيجة التوترات الإقليمية، والحصار المفروض على الصادرات الإيرانية، والاضطرابات المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز. وهنا تكمن أهمية التمييز بين خفض إنتاج طوعي يهدف لدعم الأسعار، وتراجع إنتاج قسري ناتج عن تعطل سلاسل الإمداد والتصدير؛ فالنوع الأول يمكن التحكم فيه وإدارته، أما النوع الثاني فيحمل مخاطر أكبر على استقرار السوق العالمية.

لماذا يقلق العالم من هذا الرقم؟
لأن سوق النفط لا تنظر فقط إلى حجم الإنتاج الحالي، بل إلى الطاقة الاحتياطية القابلة للوصول إلى الأسواق. فقد تمتلك بعض الدول طاقة إنتاجية كبيرة تحت الأرض، لكن إذا تعذر تصديرها بسبب إغلاق ممرات بحرية أو مخاطر أمنية، فإن السوق تتعامل معها وكأنها غير موجودة فعلياً. ولهذا السبب شهدت الأسواق ارتفاعاً في ما يعرف بـ “علاوة المخاطر الجيوسياسية”، أي الجزء الإضافي الذي يضاف إلى سعر البرميل بسبب المخاوف المستقبلية وليس بسبب نقص الإمدادات الحالية فقط.

هل نحن أمام أزمة نفط عالمية؟
حتى الآن لا يمكن الجزم بذلك، فالسوق ما زالت تمتلك عوامل توازن مهمة، منها وجود مخزونات استراتيجية لدى الدول الصناعية، واستمرار إنتاج الولايات المتحدة عند مستويات مرتفعة، وزيادة الإمدادات من بعض المنتجين خارج الخليج، وقدرة بعض الدول على رفع الإنتاج إذا تحسنت الظروف اللوجستية. لكن استمرار التوترات لفترة طويلة قد يدفع الأسواق إلى مرحلة أكثر حساسية، خصوصاً إذا توسعت دائرة الاضطرابات أو تأثرت منشآت إنتاجية إضافية.

ماذا عن ليبيا؟
من الناحية النظرية، تبدو ليبيا من أكثر الدول القادرة على الاستفادة من مثل هذه الظروف، حيث تتمتع بعدد من المزايا المهمة:

أولاً الموقع الجغرافي: فالنفط الليبي يصل إلى الأسواق الأوروبية مباشرة عبر البحر المتوسط دون الحاجة إلى المرور بمضيق هرمز أو باب المندب، وهو ما يمنحه ميزة لوجستية واضحة في أوقات الأزمات.

ثانياً جودة الخام: فالخام الليبي من الخامات الخفيفة منخفضة الكبريت، وهي خامات مطلوبة بشدة لدى المصافي الأوروبية والأمريكية، وغالباً ما تحقق أسعاراً متميزة مقارنة بعدد من الخامات المنافسة.

ثالثاً الطاقة الإنتاجية الممكنة: فرغم أن ليبيا تنتج حالياً في حدود 1.3 إلى 1.4 مليون برميل يومياً تقريباً، فإن الإمكانات الفنية المتاحة تسمح بالوصول إلى مستويات أعلى إذا استمرت الاستثمارات وجرى تنفيذ المشاريع المخطط لها في القطاع.

لكن هل يكفي ارتفاع الأسعار لتحقيق الاستفادة؟
الإجابة لا، فهذه نقطة مهمة كثيراً ما يغفل عنها الرأي العام. الاستفادة الحقيقية لا تتحقق فقط عندما يرتفع سعر البرميل، بل عندما تكون الدولة قادرة على المحافظة على استقرار الإنتاج، وحماية البنية التحتية النفطية، وتنفيذ برامج الصيانة والتطوير، وجذب الاستثمارات للاستكشاف والإنتاج، وإدارة العوائد النفطية بكفاءة وشفافية. فكم من مرة شهد العالم ارتفاعاً في الأسعار بينما لم تستفد بعض الدول المنتجة بالشكل المطلوب بسبب مشكلات داخلية أو قيود تشغيلية.

الدرس الأهم لصناع القرار في ليبيا:
الأحداث الحالية تذكرنا بحقيقة استراتيجية مهمة وهي أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الاحتياطي النفطي، بل بقدرة الدولة على ضمان استمرارية الإنتاج والتصدير في مختلف الظروف. ولهذا فإن الاستثمار في البنية التحتية النفطية، وخطوط الأنابيب، الموانئ، مشاريع الغاز، برامج تقليل الحرق، والتحول الرقمي في إدارة العمليات، لم يعد ترفاً أو خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة وطنية واقتصادية.

كلمة أخيرة:
بصفتي متابعاً للشأن النفطي والاقتصادي منذ عقود، أرى أن ما يحدث اليوم يحمل رسالة واضحة لليبيا؛ فالعالم يدخل مرحلة جديدة تتزايد فيها أهمية الدول القادرة على توفير إمدادات مستقرة وآمنة وموثوقة من الطاقة. وليبيا تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون أحد أبرز المستفيدين من هذا التحول، ليس فقط بسبب احتياطياتها النفطية والغازية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الاستثنائي وقربها من الأسواق الأوروبية. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مكسب حقيقي يتطلب إرادة مؤسسية مستمرة، واستقراراً تشغيلياً، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى تجعل من قطاع النفط والغاز رافعة للتنمية الاقتصادية، لا مجرد مصدر للإيرادات الآنية. فالأزمات العالمية، مهما كانت قاسية، تظل بالنسبة للدول الجاهزة فرصاً تاريخية، وبالنسبة للدول المترددة فرصاً ضائعة، وليبيا اليوم أمام اختبار من هذا النوع.

مشاركة الخبر