Skip to main content

الوسم: درنة

“الشلوي”: ليبيا الدولة الأقرب إلى أوروبا والأغنى بالطاقة.. لماذا لم تبدأ بعد؟

كتب : الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

الجزء الثاني

ليبيا لا ينقصها المورد… بل المنظومة

حين نتحدث عن مستقبل الطاقة المتجددة في ليبيا، فإن أول ما ينبغي تصحيحه هو الفكرة السائدة بأن المشكلة تكمن في نقص الإمكانات الطبيعية.

فالواقع يقول العكس تماماً.

ليبيا ليست دولة تبحث عن الشمس أو الرياح أو الأراضي المناسبة أو الموقع الجغرافي، بل هي دولة تمتلك كل هذه العناصر بدرجات استثنائية. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل تستطيع ليبيا إنتاج الكهرباء النظيفة؟ وإنما: كيف يمكن تحويل هذه الإمكانات إلى صناعة وطنية مستدامة؟

وهنا يكمن الفرق بين امتلاك الموارد وامتلاك الرؤية.

لقد أثبت التاريخ الاقتصادي أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع النهضة، وإنما تصنعها الإدارة الرشيدة، والاستقرار المؤسسي، والتشريعات الجاذبة، والقدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى وفق خطط طويلة الأجل.

الميزة الجغرافية التي لا تحظى بما تستحقه من الاهتمام

من وجهة نظري، لم يحظَ الموقع الجغرافي الليبي بالدراسة التي يستحقها في سياق الطاقة المتجددة.

فغالبية النقاشات تركز على الإنتاج، بينما تهمل عنصر القرب من الأسواق، وهو أحد أهم عناصر نجاح أي مشروع للطاقة.

فعلى سبيل المثال:

  • طرابلس تمثل أقرب نقطة ليبية إلى مالطا، وهي مسافة بحرية قصيرة نسبياً مقارنة بالعديد من مشاريع الربط الكهربائي القائمة حول العالم.
  • درنة تقع في مواجهة مباشرة تقريباً لجنوب اليونان (جزيرة كريت)، وهي من أقرب المدن الليبية إلى الأراضي الأوروبية، وهو ما يجعلها ذات أهمية خاصة عند دراسة أي سيناريو مستقبلي للربط الكهربائي البحري.
  • كما أن أمساعد، في أقصى الشرق الليبي، تُعد من أقرب النقاط الليبية إلى قبرص، وهو معطى جغرافي يستحق أن يكون جزءاً من الدراسات المستقبلية، حتى وإن لم يكن الخيار الأول فنياً.

هذه الحقائق لا تعني أن خطوط الربط ستُنفذ من هذه المواقع بالضرورة، فذلك تحدده الدراسات الهندسية والاقتصادية والبيئية، لكنها تؤكد أن ليبيا تتمتع بمرونة جغرافية لا تتوفر لكثير من الدول المنافسة.

درنة… أكثر من مدينة ساحلية

عندما تُذكر درنة في وسائل الإعلام، غالباً ما يرتبط اسمها بالكوارث الطبيعية أو بالأحداث السياسية، بينما تغيب حقيقة أنها قد تكون إحدى أهم المدن الليبية من منظور الطاقة المستقبلية.

فالمنطقة الممتدة من درنة إلى الجبل الأخضر تتميز بعدة خصائص فريدة:

  • سرعات رياح مناسبة لإنتاج الكهرباء.
  • تضاريس تساعد على استقرار حركة الرياح في مواقع محددة.
  • قرب مباشر من البحر المتوسط.
  • مسافة بحرية قصيرة نسبياً باتجاه جنوب أوروبا.
  • وجود مساحات قابلة لتطوير مشاريع الرياح دون تعارض كبير مع الأنشطة العمرانية.

ومن هنا، فإن إعادة إحياء مشروع مزرعة الرياح في سيدي عون – درنة ينبغي ألا تُفهم على أنها إعادة لمشروع قديم فقط، بل باعتبارها خطوة تأسيسية لقطاع جديد يمكن أن يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الليبي مستقبلاً.

ولعل من المناسب أن تتولى الجهات المختصة إعادة تقييم المشروع وفق المعايير والتقنيات الحديثة، بعد أن شهدت صناعة توربينات الرياح تطوراً كبيراً وانخفاضاً ملحوظاً في تكاليفها خلال العقد الأخير.

الصحراء الليبية… أكبر محطة شمسية لم تُبنَ بعد

إذا كانت درنة والجبل الأخضر يمثلان بوابة ليبيا لطاقة الرياح، فإن الصحراء الليبية تمثل بلا شك أعظم كنوزها في مجال الطاقة الشمسية.

فالمساحات الشاسعة، والإشعاع الشمسي المرتفع، والانخفاض النسبي في الكثافة السكانية، كلها عوامل تجعل الجنوب الليبي مؤهلاً لاستضافة مجمعات شمسية عملاقة يمكن أن تنافس أكبر المشاريع العالمية.

غير أن النجاح لا يُقاس بعدد الألواح الشمسية التي تُركّب، وإنما بقدرة الدولة على دمج هذه المشاريع ضمن شبكة كهربائية حديثة، وربطها بمراكز الاستهلاك، ثم الانتقال تدريجياً إلى إنتاج فائض يسمح بالتصدير.

الغاز… ليس منافساً للطاقة المتجددة

من أكثر المفاهيم التي أراها بحاجة إلى تصحيح، الاعتقاد بأن التوسع في الطاقة الشمسية والرياح يعني تقليص دور الغاز الطبيعي.

والحقيقة أن التجارب العالمية تثبت العكس.

فالغاز الطبيعي سيظل، خلال العقود المقبلة، الوقود الأكثر قدرة على تحقيق التوازن في الشبكات الكهربائية؛ لأنه يوفر المرونة اللازمة لتعويض التذبذب الطبيعي في إنتاج الطاقة الشمسية والرياح.

ولهذا، فإن ليبيا تمتلك ميزة إضافية لا تحظى بها كثير من الدول، وهي إمكانية بناء نموذج يقوم على التكامل بين الغاز والطاقة المتجددة، بحيث يدعم كل منهما الآخر بدلاً من أن يحل محله.

إن تطوير مشاريع الغاز، وتقليل حرقه، وزيادة كفاءة استغلاله، لا يتعارض مع التوسع في الطاقة المتجددة، بل يمثل القاعدة التي سيُبنى عليها هذا التوسع.

من أين نبدأ؟

في رأيي، ينبغي أن تكون الأولويات واضحة ومتدرجة:

  1. إنهاء أزمة طرح الأحمال بصورة مستدامة.
  2. استكمال مشاريع تطوير الغاز وتخفيض حرقه.
  3. تحديث شبكات النقل والتوزيع.
  4. إطلاق مشاريع شمسية ورياح على مراحل.
  5. إعادة إحياء مشروع سيدي عون – درنة كمشروع وطني رائد لطاقة الرياح.
  6. إعداد الدراسات الفنية والاقتصادية لمشاريع الربط الكهربائي البحري مع أوروبا.
  7. بناء صناعة وطنية مساندة تشمل الكوابل، والمحولات، والهياكل المعدنية، وخدمات التشغيل والصيانة.

فالتسرع في الحديث عن التصدير قبل بناء منظومة داخلية قوية سيكون خطأ استراتيجياً، أما بناء هذه المنظومة أولاً فسيجعل التصدير نتيجة طبيعية وليس هدفاً بحد ذاته.

خاتمة

إن ما يميز ليبيا عن كثير من الدول ليس امتلاكها النفط أو الغاز فقط، بل اجتماع عناصر نادرة في مكان واحد: الشمس، والرياح، والغاز، والساحل الطويل، والقرب من أوروبا.

ويبقى العنصر الوحيد الذي لا تمنحه الجغرافيا ولا توفره الطبيعة، هو الإدارة الرشيدة والرؤية بعيدة المدى.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد:

هل تستطيع ليبيا أن تصبح مركزاً للطاقة في جنوب المتوسط؟

بل أصبح:

هل نبدأ اليوم في بناء هذا المستقبل، أم نترك الآخرين يسبقوننا إليه؟

يتبع في الجزء الثالث والأخير…

عنوان الجزء الثالث:

من أزمة الكهرباء إلى تصدير الطاقة… خارطة طريق ليبية حتى عام 2050.

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: حين تتغير خريطة الطاقة العالمية.. لماذا ينبغي أن تلتفت ليبيا الآن؟

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الرابع

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

ولهذا فإن فقدان مساحة بحرية لا يعني فقط خسارة مورد نفطي أو غازي محتمل، بل قد يعني تقليص نطاق الحقوق السيادية والاختصاصات الاقتصادية والفنية والأمنية التي تمارسها الدولة وفق القانون الدولي لعقود طويلة.

البعد السيادي والأمني

تقع المنطقة شمال درنة وجنوب كريت ضمن فضاء مهم للملاحة والمسح البحري والبحث العلمي، كما يرتبط بمسارات الهجرة غير النظامية وتهريب البشر والبضائع.

وأي اكتشاف تجاري سيزيد من متطلبات الأمن البحري، ومنها حماية سفن المسح والحفر، وتأمين المنصات والمنشآت البحرية، ومراقبة الأنشطة غير المرخصة، وحماية خطوط الأنابيب والكابلات، وتطوير المراقبة الجوية والبحرية، والاستجابة للتسربات والحوادث، وبناء منظومة وطنية متكاملة للمعلومات البحرية.

ومن هنا فإن ملف الحدود ليس مجرد مسألة خرائط أو إحداثيات، بل جزء أساسي من الأمن القومي.

فالدولة التي لا تمتلك معرفة دقيقة بمجالها البحري ولا أدوات لمراقبته يصعب عليها فرض اختصاصها أو حماية موارده.

دور المؤسسة الوطنية للنفط

من الإنصاف والموضوعية التأكيد على أن المؤسسة الوطنية للنفط قائمة بدورها الفني في هذا الجانب، وتتابع بصورة جيدة ودورية التطورات المرتبطة بالمناطق البحرية والأنشطة الاستكشافية المحيطة بها.

ولدى المؤسسة لجان وكفاءات وطنية متخصصة في الاستكشاف والجيولوجيا والجيوفيزياء والبيانات السيزمية، كما تمتلك خبرات تراكمية مهمة في دراسة الأحواض البحرية وتحليل التراكيب الجيولوجية وتقييم المؤملات النفطية والغازية.

ويتضمن دورها، في حدود اختصاصها الفني، تجميع وتحليل البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية، ودراسة وإعادة معالجة البيانات السيزمية، ومتابعة الأنشطة الاستكشافية في المناطق المقابلة والمجاورة، وتقييم المؤملات البترولية والغازية، وإعداد الخرائط والدراسات الفنية، وتقديم الرأي الفني للجهات السيادية المختصة.

ومن واقع الإلمام بهذا الملف، فإن المؤسسة لم تكن غائبة عنه، بل تابعته عبر سنوات من خلال لجانها وخبرائها، وأسهمت بما لديها من معرفة وبيانات في دعم موقف الدولة.

لكن من المهم أيضاً عدم تحميل المؤسسة مسؤولية لا تدخل في اختصاصها؛ لأن ترسيم الحدود البحرية عمل سيادي وقانوني ودبلوماسي، وليس قراراً نفطياً فنياً تتخذه مؤسسة واحدة.

من يتولى ترسيم الحدود؟

يتولى هذا الملف جهاز الدولة المختص، من خلال لجنة الحدود التابعة لوزارة الخارجية، وبمشاركة الوزارات والهيئات والمؤسسات ذات العلاقة، بحيث يجتمع في عملها البعد القانوني والدبلوماسي والفني والأمني.

ويقوم التكامل المؤسسي على أن توفر المؤسسة الوطنية للنفط البيانات والخبرة الجيولوجية والاستكشافية، وتقود وزارة الخارجية المسار الدبلوماسي والتفاوضي، ويقدم الخبراء القانونيون الرأي المستند إلى قواعد قانون البحار والسوابق القضائية.

كما تسهم الجهات الفنية في إعداد الخرائط والإحداثيات وأعمال المسح، وتشارك الجهات الأمنية والعسكرية في تقدير متطلبات حماية المجال البحري، وتسهم الجهات البيئية والاقتصادية والملاحية في تقييم بقية المصالح المتصلة بالمنطقة.

وهذا التوزيع لا يعني تشتت المسؤولية، بل يؤكد أن حماية الحدود البحرية مسؤولية دولة كاملة، وأن قوة الموقف الليبي تعتمد على تضافر جهود الوزارات والمؤسسات والهيئات، لا على عمل جهة واحدة مهما بلغت كفاءتها.

ما علاقة الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا؟

للاتفاق الموقع عام 2019 علاقة بالمشهد العام لترسيم الحدود في شرق المتوسط؛ لأنه استند إلى تصور يمنح السواحل القارية وزناً مهماً، ولا يمنح بعض الجزر اليونانية الأثر الكامل الذي تطالب بها اليونان.

وقد سُجل الاتفاق ضمن وثائق الأمم المتحدة، لكنه يبقى اتفاقاً بين طرفيه ولا يلزم اليونان التي تعترض عليه.

وقد أفاد الاتفاق ليبيا في عدة جوانب؛ إذ منع تجاوزها عند إعادة تشكيل خرائط شرق المتوسط، وأكد وجود امتداد بحري ليبي يجب أخذه في الاعتبار، ودعم فكرة عدم منح الجزر أثراً يؤدي إلى حجب ساحل قاري طويل، ووفر ورقة سياسية وقانونية وتفاوضية إضافية.

لكنه لا يحسم بمفرده الترسيم المقابل مباشرة لشمال درنة وجنوب كريت، ولا يغني عن التفاوض المباشر بين ليبيا واليونان.

وتكون فائدته أكبر عندما يوظف ضمن موقف ليبي مستقل يستند إلى الجغرافيا والقانون والبيانات الفنية، لا عندما يتحول الملف الليبي إلى مجرد امتداد للخلاف اليوناني–التركي.

منتدى غاز شرق المتوسط وغياب ليبيا

المنظمة المقصودة هي منتدى غاز شرق المتوسط، ويضم قبرص ومصر وفرنسا واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين، بينما لا تظهر ليبيا ضمن قائمة أعضائه الرسمية.

ولا توجد وثيقة رسمية منشورة تثبت أن ليبيا تقدمت بطلب عضوية مكتمل ثم رُفض، كما لا توجد وثيقة قاطعة تثبت أن سبب غيابها الوحيد هو وجود إسرائيل ضمن أعضاء المنتدى.

والأقرب أن الغياب الليبي ارتبط بعدة عوامل، منها الانقسام السياسي والمؤسسي وقت تأسيس المنتدى، وغياب سياسة خارجية موحدة للطاقة، والانشغال بالأزمات الداخلية، والحساسية السياسية الليبية تجاه وجود إسرائيل عضواً.

ومن الطبيعي تفهم الاعتبارات التاريخية والشعبية الليبية تجاه القضية الفلسطينية. لكن من زاوية المصالح الاستراتيجية، فإن الغياب الكامل عن منصة تناقش غاز شرق المتوسط والبنية التحتية والأسواق ومسارات التصدير قد تكون له آثار سلبية.

ومن هذه الآثار غياب الصوت الليبي عن صياغة تصورات الطاقة الإقليمية، وضعف القدرة على عرض الموقف الفني والقانوني الليبي، وترك الدول الأخرى تقدم خرائطها ورؤاها دون حضور مقابل، وتراجع فرص التعاون الفني وتبادل الخبرات، وغياب المتابعة المباشرة للنقاشات المتعلقة بخطوط الأنابيب والأسواق والاستثمارات.

ولا يعني الحضور في منظمة إقليمية تبني مواقف جميع أعضائها. ويمكن للدولة دراسة الخيارات المتاحة، سواء عبر العضوية أو صفة المراقب أو المشاركة الفنية، بما يحفظ الثوابت الوطنية ويمنع في الوقت نفسه تحول الغياب إلى فراغ دبلوماسي دائم.

ما المطلوب وطنياً؟

المطلوب ليس إصدار ردود متفرقة عند كل إعلان يوناني أو منح امتياز جديد، بل تحويل الملف إلى برنامج وطني دائم تقوده الدولة، ويتضمن:

  • إعداد قاعدة بيانات بحرية موحدة ومحمية تضم الخرائط والإحداثيات والبيانات السيزمية والجيولوجية والهيدروغرافية.
  • وتحديث تحديد السواحل ذات الصلة ونقاط الأساس والإحداثيات وفق أفضل المعايير الفنية والقانونية.
  • وتشكيل فريق تفاوض دائم يضم خبراء في قانون البحار، والجيوديسيا، والهيدروغرافيا، والاستكشاف البحري، والاقتصاد، والأمن البحري.
  • وحصر جميع الأنشطة والمسوح والتراخيص التي نفذتها أو أعلنتها الدول المقابلة في نطاقات التداخل المحتملة.
  • وإعداد مذكرات قانونية متكاملة تستند إلى أحكام المحاكم الدولية، ولا سيما القضايا التي تناولت أثر الجزر وعدم التناسب وأطوال السواحل.
  • وتطوير القدرة الوطنية على المراقبة البحرية والاستشعار عن بعد ومتابعة سفن المسح والحفر.
  • والحفاظ على اتصال دبلوماسي منتظم مع اليونان، بحيث لا يُترك الملف للأزمات أو التصريحات الإعلامية.
  • ووضع بدائل تفاوضية وقضائية وفنية، تشمل الاتفاق النهائي، أو التحكيم، أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، أو الترتيبات المؤقتة، أو التطوير المشترك إذا ظهرت موارد عابرة للحدود.

كما ينبغي توثيق الخبرات الليبية السابقة في نزاعَي تونس ومالطا، والاستفادة من الذين شاركوا في تلك الملفات ومن الأرشيف الوطني المتصل بها.

مسؤولية وطنية وحق للأجيال المقبلة

إن حماية الحدود البحرية لا ينبغي أن تبقى شأناً محصوراً في جهة فنية أو لجنة تفاوضية، بل يجب أن تكون ملفاً وطنياً جامعاً تتضافر من أجله جهود جميع مؤسسات الدولة الليبية.

فوزارة الخارجية، والمؤسسة الوطنية للنفط، والجهات الأمنية والعسكرية، ووزارات العدل والاقتصاد والمواصلات والبيئة، وهيئات المساحة والموانئ والصيد والبحث العلمي، جميعها تملك أدواراً متكاملة في بناء الموقف الوطني وحماية المصالح البحرية.

ولا يتعلق الأمر فقط بما قد ينتفع به الوطن والمواطن من خيرات النفط والغاز، بل بحق ليبيا في سيادتها، وبحق أجيال لم تولد بعد في ألا تجد أن حدودها ومواردها قد حُسمت في غيابها أو نتيجة تقصير مؤسسي أو انقسام سياسي.

إن حقوق البحر لا تخص حكومة بعينها، ولا إقليماً أو مدينة أو مؤسسة؛ إنها ملك للدولة الليبية ولشعبها كله، وأمانة في أعناق الجيل الحالي تجاه الأجيال القادمة.

الخلاصة

إن ما أشار إليه الصديق المطلع بشأن أهمية المنطقة البحرية الواقعة شمال درنة وجنوب كريت تقدير دقيق؛ لأن هذه المنطقة ليست مجرد مؤمل نفطي أو غازي، بل مساحة تتقاطع فيها السيادة والطاقة والأمن والقانون والمصالح الجيوسياسية.

والترجيح الفني يميل إلى أن الغاز الطبيعي هو الاحتمال الأبرز، مع احتمال وجود المكثفات والنفط، إلا أنه لا توجد حتى الآن احتياطيات تجارية مؤكدة يمكن التعامل معها كحقيقة نهائية.

وتساعد تجربة حقل ظهر المصري على فهم حجم الرهان؛ فقد أثبتت أن اكتشافاً واحداً في مكمن كربوناتي عميق يمكن أن يعيد تشكيل ميزان الطاقة لدولة. لكن هذه المقارنة تفسر أهمية الاستكشاف ولا تثبت وجود حقل مماثل شمال درنة.

أما قانونياً، فتملك ليبيا حججاً معتبرة تستند إلى مبدأ الحل المنصف، وإلى إمكان تعديل خط التساوي في الأبعاد وتقليص أثر بعض الجزر عند مواجهة ساحل قاري طويل.

غير أن ذلك لا يعني إلغاء أثر كريت، بل يجعل موضوع التفاوض الحقيقي هو مقدار أثرها، وبصورة أكثر وضوحاً مقدار أثر غافدوس والجزر الأصغر.

ومن الواجب كذلك الإنصاف في تقييم العمل المؤسسي؛ فالمؤسسة الوطنية للنفط تقوم بدورها الفني والمتخصص وتتابع الملف عبر لجانها وكفاءاتها، بينما تبقى مسؤولية الترسيم وإدارة النزاع من اختصاص وزارة الخارجية واللجنة الوطنية المعنية، في إطار تكامل شامل مع بقية مؤسسات الدولة.

إن قوة الموقف الليبي لن تتحقق بجهة واحدة، بل بتضافر جميع الوزارات والمؤسسات والهيئات، وبوحدة الموقف، ودقة البيانات، وقوة الحجة القانونية، واستمرار المتابعة والتفاوض.

فالحدود البحرية ليست مجرد خطوط على خريطة، وليست حدوداً للنفط والغاز وحدهما؛ إنها حدود للسيادة والأمن والطاقة والغذاء والبيئة والملاحة والاتصالات والنفوذ الإقليمي.

وقد تثبت الآبار مستقبلاً وجود مورد ضخم أو متوسط، وقد تأتي النتائج دون المؤملات. لكن مهما كانت النتيجة الجيولوجية، فإن الحقوق البحرية الليبية تظل قائمة، وحمايتها ليست فقط حقاً لنا، بل واجب تجاه الوطن والمواطن وحق أصيل للأجيال القادمة.

فالسيادة لا تبدأ عند اكتشاف الثروة، بل تبدأ منذ اللحظة التي تعرف فيها الدولة حدودها، وتوثق حقوقها، وتوحد جهودها، وتحسن إدارة مجالها البحري وحمايته.

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثاني

رابط الجزء الثالث من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثالث

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثالث

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

لماذا لم يُحل النزاع إلى محكمة العدل الدولية؟

لا توجد قرينة رسمية قاطعة تبرر الجزم بأن اليونان أعلنت رفضها المطلق اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي؛ والأدق أن المسار المعلن حتى الآن هو التفاوض الثنائي، لا الإحالة القضائية.

كما أن محكمة العدل الدولية لا تستطيع نظر النزاع تلقائياً، بل يجب أن تقبل الدولتان اختصاصها، عادة من خلال اتفاق خاص يحدد موضوع النزاع والمسائل المطلوب من المحكمة الفصل فيها.

وقد يتحفظ أي طرف على الذهاب إلى المحكمة بسبب عدم القدرة على ضمان النتيجة مسبقاً، واحتمال تقليص أثر بعض الجزر مقارنة بالمطالبات اليونانية، أو احتمال منح كريت أثراً أكبر مما تتوقعه بعض التصورات الليبية، إلى جانب فقدان المرونة المتاحة في التفاوض السياسي وإلزامية الحكم النهائي وصعوبة التراجع عنه.

وقد تكون المخاطرة بالنسبة لليونان في أن تعترف المحكمة بحقوق كريت، لكنها تقلص أثر غافدوس والجزر الأصغر أو تعدل خط التساوي في الأبعاد بسبب طول الساحل الليبي وعدم التناسب.

وفي المقابل، تتمثل المخاطرة الليبية في أن تمنح المحكمة كريت أثراً معتبراً بحكم حجمها وسكانها وطول ساحلها.

لذلك فإن اللجوء إلى القضاء ليس ضماناً لانتصار كامل لأي طرف، بل طريق إلى حكم ملزم يُرجح أن يقوم على تسوية قانونية بين الحدين الأقصيين للمطالبتين.

من الدراسات العامة إلى صناعة الأمر الواقع الاستكشافي

لم يقتصر التحرك اليوناني جنوب كريت على نشر الخرائط أو إعلان المواقف السياسية، بل انتقل منذ عام 2011 إلى خطوات استكشافية متدرجة.

ففي سبتمبر 2011 أعلنت وزارة الطاقة اليونانية عن طرح عطاء لأعمال مسح سيزمي في نطاق بحري واسع امتد إلى جنوب كريت، وزادت مساحته المعلنة عن 220 ألف كيلومتر مربع. ثم جرى تركيز المسح على مناطق اعتبرت أكثر احتمالاً، ومنها جنوب غرب كريت، وشملت أعمال المسح ثنائي الأبعاد نحو 12.5 ألف كيلومتر مربع وفق الدراسة الليبية المرفقة.

وتبعت ذلك معالجة للبيانات وتقسيم مناطق إلى رقع استكشافية وطرحها أمام الشركات الدولية، ثم ازداد اهتمام الشركات بعد اكتشاف حقل ظهر المصري سنة 2015.

وهذا التسلسل يوضح أن الخرائط والمسوح والتراخيص ليست أعمالاً منفصلة، بل أدوات متراكمة قد تُستخدم لترسيخ تصور معين للحدود وجذب استثمارات على أساسه، بما يجعل التصدي القانوني والفني المبكر أكثر أهمية من انتظار مرحلة الحفر.

لماذا هذه المنطقة تحديداً؟

ترجع أهمية المنطقة الواقعة شمال درنة وجنوب كريت إلى اجتماع عدة عوامل في نطاق واحد.

  • أولها: وقوعها في امتداد أحواض رسوبية بحرية عميقة يُعتقد أنها قد تحتوي على نظم بترولية واعدة.
  • ثانيها: وجود مؤشرات على تراكيب كربوناتية وطبقات ملحية ومتبخرات قد توفر مكامن وأغطية مناسبة لحجز الهيدروكربونات.
  • ثالثها: قربها من نطاقات في شرق المتوسط أثبتت فيها أعمال الاستكشاف وجود اكتشافات غازية كبيرة.
  • رابعها: قربها النسبي من الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنح أي اكتشاف غازي محتمل قيمة إضافية من زاوية أمن الطاقة ومسارات التصدير.

ولهذا انتقل النشاط جنوب كريت من مرحلة الدراسات العامة إلى المسوحات السيزمية ومنح التراخيص ودخول شركات دولية كبرى، دون أن يعني ذلك أن احتياطيات تجارية قد ثبتت بالفعل.

هل المؤملات نفط أم غاز؟

الاحتمالات تشمل النفط والغاز معاً، لكن الترجيح الفني الحالي يميل بدرجة أكبر إلى الغاز الطبيعي، مع احتمال وجود مكثفات وسوائل غازية، ومن دون استبعاد النفط.

ويرجع ذلك إلى طبيعة الأحواض العميقة، واحتمال وجود صخور مصدر ناضجة، وتراكيب كربوناتية، وأغطية ملحية جيدة، إضافة إلى ما أثبتته اكتشافات شرق المتوسط من إمكان وجود تجمعات غازية ضخمة في المكامن الكربوناتية البحرية العميقة.

لكن يجب التمييز بوضوح بين المؤملات الجيولوجية، والموارد المحتملة، والاكتشاف الذي تؤكده بئر استكشافية، والاحتياطيات القابلة للإنتاج التجاري.

فالمسح السيزمي يستطيع تحديد تركيب جيولوجي وشكله وحجمه المحتمل، لكنه لا يثبت وحده أنه مشبع بالنفط أو الغاز، ولا يحدد قابلية إنتاجه أو جدواه الاقتصادية.

ولذلك لا ينبغي التعامل مع أرقام بمليارات البراميل أو عشرات التريليونات من الأقدام المكعبة باعتبارها احتياطيات مؤكدة قبل الحفر والاختبار والتقييم.

ماذا تضيف المقارنة بحقل ظهر المصري؟

من المفيد، لفهم أهمية المنطقة، الاستئناس بتجربة حقل ظهر المصري، على أن تكون المقارنة توضيحية وليست دليلاً على وجود حقل مماثل شمال درنة.

اكتُشف حقل ظهر سنة 2015 في المياه العميقة المصرية، وقدرت موارده الأولية بنحو 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز الموجود في المكان، أي ما يقارب 850 مليار متر مكعب، ووُصف عند اكتشافه بأنه أكبر اكتشاف غازي في البحر المتوسط.

كما جاء الغاز في مكمن كربوناتي، وهو ما غيّر جانباً مهماً من التفكير الاستكشافي في الإقليم.

فقبل اكتشاف ظهر كان جانب كبير من الاستكشاف في شرق المتوسط يركز على المكامن الرملية، ثم أثبت الحقل أن التراكيب الكربوناتية العميقة قد تستوعب تجمعات غازية عملاقة.

ومن هنا زاد الاهتمام بالتراكيب التي قد تحمل بعض السمات الجيولوجية العامة نفسها في مناطق أخرى من المتوسط، ومنها جنوب كريت وشمال شرق ليبيا.

ولم تأت المقارنة الفنية بحقل ظهر من الانطباعات الإعلامية وحدها؛ فقد ظهرت منذ عام 2016 تحليلات متخصصة لبيانات سيزمية من المنطقة الواقعة بين شمال شرق ليبيا وجنوب كريت، أشارت إلى وجود تراكيب كربوناتية تحمل أوجه تشابه عامة مع النموذج الجيولوجي لحقل ظهر.

غير أن قيمة هذه الدراسات تكمن في توجيه الاهتمام الاستكشافي وترتيب الأولويات، لا في إثبات وجود احتياطيات أو تقدير أحجام تجارية قبل الحفر.

فالتشابه في نوع التركيب أو البيئة الجيولوجية لا يعني تطابق صخور المصدر أو المكمن أو حجم الموارد، ولا يمكن الحديث عن «ظهر آخر» شمال درنة إلا بعد المسوحات الدقيقة وحفر الآبار وإجراء الاختبارات.

والدلالة الأهم للمقارنة أن اكتشافاً واحداً بالحجم الذي مثله حقل ظهر يمكن أن يغير معادلة الطاقة والاقتصاد والأمن الاستراتيجي لدولة كاملة؛ وهذا وحده يفسر لماذا تستحق المنطقة الواقعة شمال درنة وجنوب كريت المتابعة الفنية والقانونية والسيادية المبكرة.

لماذا تصنع الكيلومترات القليلة فارقاً كبيراً؟

في الأحواض البحرية لا يجوز التقليل من أثر تحريك خط الحدود بضعة كيلومترات؛ إذ قد يمتد تركيب جيولوجي أو مكمن واحد عبر جانبي الخط، وقد تقع قمة التركيب أو الجزء الأعلى جودة من المكمن داخل مساحة تختلف تبعيتها باخلاف منهج الترسيم.

وقد أظهرت تجارب شرق المتوسط أن بعض الحقول الكبرى تقع على مسافات محدودة من حدود مناطق بحرية متجاورة.

ولهذا فإن الخلاف على خط بعرض عشرات الكيلومترات لا يمثل فرقاً هندسياً بسيطاً، بل قد يترتب عليه اختلاف جوهري في فرص الاستكشاف، وفي ملكية الموارد، وفي شروط أي تطوير مشترك مستقبلاً.

الأهمية الاقتصادية

إذا أثبت الحفر مستقبلاً وجود موارد تجارية، فقد تتيح المنطقة لليبيا فرصاً واسعة، منها إضافة قاعدة موارد بحرية جديدة إلى الأحواض البرية القائمة، وتنويع مصادر ومواقع الإنتاج، وتوفير الغاز لتوليد الكهرباء والصناعات المحلية، وتقليل استخدام الوقود السائل الأعلى كلفة.

كما قد تدعم الصناعات البتروكيماوية والأسمدة، وتطوير الموانئ وقواعد الخدمات والإمداد البحري في شرق ليبيا، وخلق فرص عمل وتدريب ونقل تكنولوجيا، وفتح إمكانات مستقبلية لتصدير الغاز إلى جنوب أوروبا.

غير أن المياه العميقة تتطلب تقنيات متقدمة واستثمارات ضخمة، وقد تمر سنوات طويلة بين بدء المسح والوصول إلى الإنتاج.

كما أن الجدوى الاقتصادية تعتمد على حجم المورد، وعمق المياه، ونوعية المكمن، وبُعده عن الساحل، وكلفة خطوط النقل، وأسعار الطاقة، والاستقرار القانوني والأمني.

الترسيم ليس الخيار العملي الوحيد

إذا ثبت مستقبلاً وجود تركيب جيولوجي أو مكمن يمتد عبر المنطقة محل النزاع، فقد يكون من الممكن، إلى حين حسم الحدود أو بالتوازي معه، التفاوض على منطقة تطوير مشترك أو اتفاق لتوحيد استغلال المكمن، بحيث تُحدد حصص الطرفين وفق البيانات الفنية.

ويجب أن ينص أي ترتيب من هذا النوع صراحة على أنه لا يشكل تنازلاً عن المواقف القانونية لكل دولة، ولا يحسم السيادة أو خط الترسيم النهائي.

وقد استخدمت ترتيبات التطوير المشترك وتوحيد المكامن في مناطق بحرية متنازع عليها حول العالم؛ لأنها تمنع تجميد المورد لسنوات طويلة، وتوفر إطاراً للاستثمار، مع إبقاء مسألة السيادة منفصلة عن الإدارة التجارية المؤقتة.

لكن هذا الخيار لا ينبغي أن يكون بديلاً عن تثبيت الحقوق الليبية، بل أداة محتملة تُستخدم من موقع قانوني وفني قوي.

الحدود الاقتصادية ليست شأناً اقتصادياً فقط

قد يوحي تعبير «المنطقة الاقتصادية الخالصة» بأن المسألة اقتصادية بالدرجة الأولى، لكن الحقوق البحرية أوسع من قيمة النفط والغاز.

فالمنطقة الاقتصادية الخالصة تمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية واختصاصات محددة في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، سواء كانت حية أو غير حية، وفي إنشاء المنشآت والجزر الاصطناعية، وتنظيم البحث العلمي البحري، وحماية البيئة البحرية.

كما يرتبط المجال البحري بمصالح تتعلق بالثروة السمكية، وخطوط الأنابيب والكابلات، والملاحة، وحماية المنشآت، ومراقبة الأنشطة غير المرخصة، والبنية التحتية الرقمية.

ومن المهم هنا التمييز بين السيادة الكاملة التي تمارسها الدولة في بحرها الإقليمي، والحقوق السيادية والاختصاصات الوظيفية التي تمارسها في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

كذلك فإن البحث والإنقاذ، والهجرة، والتهريب، والملاحة الدولية تخضع لأطر قانونية واتفاقات مختلفة، ولا تنشأ جميعها تلقائياً عن المنطقة الاقتصادية الخالصة، لكنها تتقاطع عملياً مع إدارة المجال البحري وأمنه.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثاني

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الثاني

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

من أي جزر تريد اليونان أن يبدأ القياس؟

تتمسك اليونان بأن يبدأ احتساب امتدادها البحري من الساحل الجنوبي لجزيرة كريت، كما تدخل جزيرة غافدوس، الواقعة جنوب كريت، في صلب بعض التصورات اليونانية للترسيم، إلى جانب جزر وصخور بحرية أصغر.

وتكتسب غافدوس أهمية خاصة لأنها تقع جنوب كريت، وأقرب إلى الساحل الليبي من البر اليوناني الرئيسي؛ فإذا مُنحت أثراً كاملاً في توليد منطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، فإن خط الترسيم يتحرك جنوباً، بما يوسع المساحة التي تطالب بها اليونان في الاتجاه المقابل لشمال شرق ليبيا.

أما الحجة الليبية فلا تقوم على إنكار تبعية كريت أو غافدوس لليونان، ولا على إنكار أن للجزر حقوقاً بحرية من حيث الأصل؛ وإنما تستند إلى أن منح جزيرة صغيرة نسبياً، تقع أمام ساحل قاري ليبي طويل، أثراً كاملاً قد يؤدي إلى نتيجة غير متناسبة وغير منصفة.

وتقوم الحجة الليبية على أن الساحل الليبي المقابل ساحل قاري طويل وممتد، وأن الترسيم البحري لا ينبغي أن يتحول إلى عملية هندسية آلية تعتمد خط المنتصف وحده، من دون مراعاة الجغرافيا وطول السواحل وموقع الجزر وحجمها والنتيجة النهائية للترسيم.

كما تستند إلى أن منح غافدوس والجزر الأصغر أثراً كاملاً قد يدفع خط الحدود بصورة كبيرة نحو الساحل الليبي، وأن الجزر الصغيرة لا تحصل بالضرورة، عند الترسيم بين دولتين، على الأثر نفسه الذي تحصل عليه اليابسة القارية.

ومن المهم قانونياً التمييز بين استحقاق الجزيرة لمناطق بحرية من حيث المبدأ وبين مقدار أثرها في خط الحدود النهائي؛ فقد تكون الجزيرة مؤهلة لتوليد منطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، ثم يُخفض أثرها في عملية الترسيم إذا أدى الأثر الكامل إلى حجب ساحل قاري طويل أو إلى اختلال واضح بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

وقد قدرت بعض الدراسات الليبية الأولية السابقة أن الاختلاف بين احتساب غافدوس بأثر كامل أو تقليص أثرها يمكن أن يزيح خط الترسيم بعشرات الكيلومترات في أجزاء من المنطقة. ولا ينبغي التعامل مع هذه التقديرات بوصفها حدوداً نهائية، لكنها توضح حجم المساحة التي قد تتأثر باختيار منهج القياس.

ما القانون الدولي المنظم للخلاف؟

الإطار القانوني الأهم هو اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المعروفة اختصاراً باسم UNCLOS.

وتنظم المادة 121 الوضع القانوني للجزر، وتقرر أن للجزر، من حيث الأصل، مناطق بحرية، مع استثناء الصخور التي لا تستطيع إعالة سكن بشري أو حياة اقتصادية خاصة بها من توليد منطقة اقتصادية خالصة أو جرف قاري.

أما المادتان 74 و83، المتعلقتان بترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة، فلا تفرضان خط المنتصف باعتباره نتيجة نهائية آلية، بل تنصان على ضرورة الوصول إلى حل منصف وفق القانون الدولي.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية وهيئات التحكيم أن الإنصاف هو المبدأ الموجه لعملية الترسيم، مع مراعاة السواحل ذات الصلة والظروف الجغرافية والتناسب في النتيجة.

ويُستخدم في القضاء الدولي عادة منهج من ثلاث مراحل:

  • أولاً: رسم خط مؤقت متساوي الأبعاد.
  • ثانياً: دراسة الظروف ذات الصلة التي قد تستوجب تعديله، مثل طول السواحل وشكلها ووجود الجزر.
  • ثالثاً: اختبار النتيجة للتأكد من عدم وجود تفاوت صارخ بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

وهنا توجد ملاحظة قانونية مهمة: ليبيا وقعت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1984، لكنها لم تستكمل التصديق عليها. ومع ذلك، فإن عدداً من قواعد الترسيم البحري، ولا سيما مبدأ الحل المنصف والاعتداد بالظروف ذات الصلة، أصبح جزءاً من القانون الدولي العرفي الذي تستند إليه المحاكم والهيئات الدولية، ولا يقتصر تطبيقه فقط على الدول الأطراف في الاتفاقية.

الأساس التشريعي الوطني للحقوق البحرية الليبية

لا يقوم الموقف الليبي على قواعد القانون الدولي وحدها، بل يستند أيضاً إلى مجموعة من التشريعات والقرارات الوطنية التي نظمت المجال البحري الليبي عبر مراحل مختلفة.

فقد حدد القانون رقم 2 لسنة 1959 المياه الإقليمية الليبية باثني عشر ميلاً بحرياً. ثم صدرت قرارات بشأن إعلان مناطق الصيد البحري، وخطوط الأساس المستقيمة التي تُقاس منها المياه الإقليمية والمناطق البحرية، ومناطق حماية الصيد.

كما صدر عام 2009 قرار بإعلان المنطقة الاقتصادية الخالصة الليبية. وتوثق هذه التشريعات ممارسة الدولة لاختصاصاتها البحرية وحرصها المبكر على تنظيم حقوقها في البحر المتوسط.

غير أن صدور التشريعات الوطنية لا يحسم وحده الحدود في مواجهة دولة ذات ساحل مقابل؛ إذ ترتبط فاعليتها الخارجية بإيداع الإحداثيات والخرائط لدى الجهات الدولية المختصة، واتساقها مع القانون الدولي، وإتمام الترسيم عبر اتفاق أو حكم قضائي.

خبرة ليبيا السابقة في التقاضي البحري

ليبيا ليست حديثة الخبرة في المنازعات البحرية الدولية؛ فقد سبق لها أن خاضت نزاعات حول الجرف القاري مع كل من تونس ومالطا.

وفي النزاع مع مالطا، اتفقت الدولتان في يوليو 1982 على إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. وتمحور الخلاف بين الحجة الليبية، التي أعطت وزناً للامتداد الطبيعي للجرف القاري والظروف الجغرافية، والحجة المالطية التي تمسكت بدرجة أكبر بالمسافة وخط التساوي في الأبعاد (PDF).

وفي حكمها الصادر عام 1985، راعت المحكمة مبادئ الإنصاف والظروف ذات الصلة، وأخذت في الاعتبار التفاوت بين طول الساحلين، كما لم تمنح بعض التكوينات المالطية غير المأهولة أثراً كاملاً في خط الأساس.

وتفيد هذه السابقة الملف الحالي في جانبين: أولهما أن اللجوء إلى القضاء الدولي يتطلب إعداداً فنياً وقانونياً بالغ الدقة، وثانيهما أن المحاكم لا تكتفي عادة بتطبيق خط المنتصف بصورة آلية، بل تبحث عن نتيجة منصفة وتختبر أثر الجغرافيا وأطوال السواحل والجزر.

هل القانون في صالح ليبيا؟

يمكن القول إن القانون الدولي يمنح ليبيا حججاً معتبرة وقوية، خاصة في مواجهة منح غافدوس والجزر الأصغر أثراً كاملاً يقتطع مساحة واسعة من الامتداد البحري المقابل للساحل الليبي.

وتستفيد ليبيا من مبادئ قضائية مهمة، منها ضرورة الوصول إلى نتيجة منصفة، وإمكان تقليص أثر الجزر في ظروف معينة، والاعتداد بطول السواحل ذات الصلة، وتعديل خط المنتصف عندما يقود تطبيقه الآلي إلى نتيجة غير متوازنة، واختبار التناسب بين أطوال السواحل والمساحات البحرية الناتجة.

لكن الموضوعية تقتضي القول إن كريت ليست صخرة صغيرة أو جزيرة هامشية؛ فهي جزيرة كبيرة ومأهولة ولها ساحل طويل. ولذلك فمن غير الواقعي قانونياً توقع استبعادها بالكامل من عملية الترسيم.

وعليه، فإن أقوى جوانب الحجة الليبية لا تكمن في المطالبة بإلغاء كل أثر لكريت، بل في مناقشة مقدار الأثر الذي ينبغي منحه لها، وبصورة أكثر وضوحاً مقدار الأثر الذي يمكن منحه لغافدوس والجزر الأصغر.

وبهذا المعنى، لا يمكن القول إن القانون يضمن انتصاراً كاملاً لليبيا، لكنه يمنحها أساساً جدياً للمطالبة بخط أكثر توازناً من بعض الخطوط المطروحة يونانياً.

وسوف تعتمد قوة الموقف الليبي على جودة الخرائط، ودقة تحديد السواحل ذات الصلة، والإحداثيات، والبيانات الفنية، والسوابق القضائية التي يُبنى عليها الملف.

واجب ضبط النفس إلى حين حسم النزاع

لا تتحدث قواعد قانون البحار فقط عن الوصول إلى حل منصف، بل تفرض أيضاً على الدول المتنازعة، قبل إبرام الاتفاق النهائي، السعي إلى ترتيبات مؤقتة عملية، والامتناع عن الإجراءات التي قد تعرض التوصل إلى الاتفاق للخطر أو تعرقله.

ومن ثم فإن تنفيذ أعمال حفر أو استغلال في منطقة متنازع عليها يختلف في طبيعته القانونية عن إجراء دراسات عامة أو مسوح أولية؛ لأن الحفر والاستغلال قد يحدثان تغييراً مادياً دائماً أو يستنزفان مورداً لا يمكن استرداده.

ولهذا ينبغي أن يكون أحد عناصر الموقف الليبي مطالبة جميع الأطراف بعدم فرض أمر واقع في المناطق المتداخلة، مع إمكان الاتفاق على تبادل البيانات، أو تجميد أنشطة معينة في نطاق محدد، أو إنشاء آليات تشاور مؤقتة لا تمس المواقف القانونية النهائية.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الأول

مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي يعقد اجتماعه الأول لعام 2025 في مدينة درنة

عقد مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي أمس الأربعاء في مدينة درنة اجتماعه الأول لعام 2025، برئاسة المحافظ “ناجي عيسى” وحضور نائبه “مرعي البرعصي” وجميع أعضاء المجلس، وتم خلال الاجتماع مناقشة بنود الأعمال واتخاذ بعض القرارات.

ومن أهم القرارات التي اتخذها مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي في هذا الاجتماع؛ الشروع في وضع آلية للبدء في تاسيس صناديق الاستثمار لتحسين بيئة الأعمال وإشراك القطاع المصرفي والخاص في تمويل مشروعات التنمية.

وناقش المجلس سياسة الإنفاق لعام 2024 وتأثيرها على سعر الصرف، وزيادة الطلب غير المسبوق على النقد الأجنبي، وتم الاتفاق على التواصل مع الجهات ذات العلاقة لإقرار ميزانية موحدة لعام 2025 وفقاً لقانون يصدر من مجلس النواب، وتطبيق إصلاحات في سياسات الإنفاق العام والسياسات الاقتصادية الأخرى.

مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي يناقش مع “بالقاسم حفتر” مشروعات صندوق التنمية وإعادة الإعمار

عقد مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي برئاسة المحافظ “ناجي عيسى” اجتماعا اليوم الخميس، مع مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا “بلقاسم خليفة حفتر”، لاستعراض المشروعات التنموية التي ينفذها الصندوق في مدينة درنة بشكل خاص وباقي البلديات بشكل عام.

واطلع مجلس إدارة المصرف المركزي من خلال هذا الاجتماع على تفاصيل المشروعات التي ينفذها صندوق التنمية، ونسب الإنجاز لهذه المشاريع، وكذلك المشروعات التي يجهز له الصندوق في ربوع ليبيا والتي تتركز على كل القطاعات الخدمية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.

وأكد “بالقاسم حفتر” بأن خطة عمل الصندوق ليست لمنطقة دون أخرى وأن إعادة الإعمار هي حق لكل مدينة وقرية ليبية، مشيرا إلى أن صندوق التنمية وإعادة اعمار ليبيا يجهز خطة متكاملة لإعادة إعمار كل البلاد دون استثناء في جميع القطاعات الخدمية.

جولة تفقدية للمحافظ وأعضاء مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي بمدينة درنة

أجرى محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” ونائبه “مرعي البرعصي” وعدد من أعضاء مجلس إدارة المصرف المركزي اليوم الأربعاء، جولة تفقدية بمدينة درنة، رفقة مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا “بالقاسم حفتر”، لمتابعة سير العمل في مشاريع إعادة الإعمار في المدينة.

وتهدف هذه الزيارة إلى متابعة سير العمل في مشاريع إعادة الإعمار في المدينة، بما في ذلك إنشاء الكباري وميناء درنة، وكذلك مشروع الإسكان العام الجديد الذي وصلت نسبة إنجازه إلى 80%، ويشمل أكثر من 3000 شقة جديدة متكاملة في المدينة، كما تم الاطلاع على المدينة الرياضية بمدينة درنة.

وشارك في هذه الزيارة محافظ مصرف ليبيا المركزي ونائبه، وأعضاء مجلس إدارة المصرف المركزي “فاخر بوفرنة ووسام الساعدي ورضا قرقاب وعلي عوض”.