كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي
حين نتحدث عن تمويل المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، فإننا لا نتحدث عن تمويل مؤسسة عامة بالمعنى التقليدي، ولا عن بند إنفاق يمكن تأجيله أو تخفيضه بالطريقة ذاتها التي تُعامل بها بقية بنود الموازنة العامة. نحن نتحدث عن تمويل القطاع الذي يولّد المورد الرئيس للدولة الليبية، وعن المنظومة التي يتوقف عليها استمرار الإنتاج والتصدير وتدفق النقد الأجنبي وتمويل جانب كبير من الإنفاق العام.
ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة، في تقديري، ليس: كم نعطي المؤسسة الوطنية للنفط؟ وإنما: كيف نبني آلية تمويل مستقرة ومنضبطة تضمن استمرار الإنتاج وتطويره، وتحمي في الوقت نفسه المال العام، وتحقق أعلى مستوى ممكن من الشفافية والحوكمة؟
والفارق بين السؤالين كبير.
التمويل في قطاع النفط ليس مجرد إنفاق
سبق أن تناولت في مقالات وورقات سابقة ضرورة التمييز بين الإنفاق العام الاستهلاكي وبين الإنفاق الذي يحافظ على أصل منتج أو يوسع قدرته على توليد الإيراد، وهي مسألة تكتسب أهمية مضاعفة في دولة ريعية مثل ليبيا.
فالميزانية التشغيلية للمؤسسة وشركاتها OPEX تمول تشغيل الحقول والمنشآت، والصيانة، وقطع الغيار، والمواد الكيميائية، والخدمات النفطية، والسلامة، والآبار، والموانئ، وخطوط الأنابيب وغيرها.
أما الميزانية الرأسمالية CAPEX فتمول الحفر التطويري، وتطوير الحقول، وإزالة الاختناقات، وتجديد البنية التحتية، وزيادة الطاقة الإنتاجية، ومشروعات الغاز، وتقليل الحرق، وتطوير مرافق التخزين والنقل والتكرير.
وتأخير النوع الأول يهدد الإنتاج القائم، بينما يؤدي تأخير النوع الثاني إلى إضعاف القدرة الإنتاجية المستقبلية.
وقد أثبتت تجربة السنوات السابقة أن عدم انتظام التمويل يؤدي إلى تباطؤ تنفيذ البرامج، وتراكم الالتزامات على الشركات التابعة، وتأثر سلاسل التوريد، وصعوبة توفير قطع الغيار والخدمات في توقيتها المطلوب.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الليبية: نحاول أحيانًا حماية الخزانة العامة عن طريق تأخير تمويل الجهة التي تملأ هذه الخزانة.
كيف مُوّلت المؤسسة تاريخيًا؟
اعتمد النموذج الليبي التقليدي بدرجة كبيرة على الموازنة العامة والتحويلات الحكومية، وهو نهج قديم ارتبط منذ عقود بترتيبات تمويل المؤسسة وشركاتها من الاعتمادات العامة للدولة.
ففي موازنة عام 2013، على سبيل المثال، أُدرج للمؤسسة نحو 1.16 مليار دينار في الباب الأول و2.4 مليار دينار في الباب الثاني، بينما بلغت مخصصاتها في عام 2014 نحو 1.25 مليار و1.45 مليار دينار في البابين الأول والثاني على التوالي.
لكن السنوات اللاحقة شهدت توسعًا في استخدام ترتيبات مالية استثنائية نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية وعدم انتظام الموازنات.
وفي أبريل 2022 أُقرت ترتيبات مالية استثنائية للمؤسسة تجاوزت قيمتها 37.6 مليار دينار، تضمنت المرتبات والتشغيل وخطة التنمية وتسوية جانب من الالتزامات السابقة، على أن تُغطى من الإيرادات النفطية المتوقعة لذلك العام.
والدلالة هنا ليست في الرقم وحده، وإنما في أن الدولة اضطرت إلى الانتقال من التمويل الطبيعي المنتظم إلى التمويل الاستثنائي لمعالجة احتياجات تراكمت وكان يفترض أن تُمول بصورة منتظمة وفي توقيتاتها الفنية الصحيحة.
وفي عام 2025 برزت المشكلة بصورة أوضح؛ إذ أعلنت المؤسسة أن ما تسلمته من وزارة المالية منذ بداية السنة بلغ 18.2 مليار دينار، إلا أن 14.6 مليارًا منها كانت مخصصة لشراء الوقود لصالح الدولة، و2.6 مليار للمرتبات، بينما كان مليار دينار فقط مخصصًا للمصروفات التشغيلية عن عام 2024.
وهنا يجب التوقف عند نقطة شديدة الأهمية:
ميزانية استيراد المحروقات ليست هي ميزانية تشغيل وتطوير المؤسسة الوطنية للنفط.
خلط هذه البنود في النقاش العام قد يعطي انطباعًا بأن عشرات المليارات تُضخ في الاستثمار النفطي، بينما يرتبط الجزء الأكبر منها في أحيان كثيرة بتوفير الوقود للسوق المحلية، وهي مسألة مالية وسياساتية تختلف جذريًا عن تمويل الحفر والصيانة وتطوير الحقول ورفع القدرة الإنتاجية.
ماذا حدث في 2026؟
حتى عام 2026 ظلت فجوة الاعتماد مقابل التسييل الفعلي إحدى أبرز مشكلات التمويل.
ففي يوليو بلغ إجمالي الاعتماد المقرر للمؤسسة نحو 13.6 مليار دينار، بينما كان المفرج عنه في ذلك الوقت مليار دينار فقط، إلى جانب تسديد التزامات بقيمة 157 مليون دولار.
غير أن التطور اللافت يتمثل في توفير ميزانية تشغيلية تتجاوز 13 مليار دينار ضمن ترتيبات الإنفاق الموحدة، بالتوازي مع الإعلان عن اتفاق للحصول على قرض بقيمة مليار دولار من المصرف الليبي الخارجي لتمويل مشروعات تستهدف رفع الإنتاج إلى أكثر من 1.5 مليون برميل يوميًا بحلول منتصف عام 2027، مع إمكانية توفير تمويل إضافي بقيمة مليار دولار عند الوصول إلى ذلك المستهدف.
كما تُقدر الاحتياجات الاستثمارية اللازمة للوصول إلى إنتاج يقارب مليوني برميل يوميًا بحلول عام 2031 بنحو 36 مليار دولار، يُستهدف توفير جزء منها من خلال الشركاء الدوليين، على أن تتحمل المؤسسة جانبًا رئيسيًا من الاحتياجات المتبقية.
وهذه، في تقديري، نقطة تحول تستحق التوقف عندها.
فالدخول في تمويل مصرفي بهذا الحجم يعني بدء الانتقال، ولو جزئيًا، من مفهوم انتظار التخصيص الحكومي إلى مفهوم أكثر تطورًا هو تعبئة التمويل.
لكن القرض في حد ذاته لا يمثل إصلاحًا هيكليًا كاملًا؛ فهو أداة ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة تمويل متكاملة ومستدامة.
ما هو التمويل الضروري وما هو التمويل الممكن؟
أرى ضرورة الفصل بين مستويين رئيسيين.
التمويل الضروري هو التمويل الذي لا ينبغي أن يخضع للمساومات أو التأخير، ويشمل تشغيل الحقول والمنشآت، وسلامة الأصول، والصيانة الوقائية والعاجلة، والحفر الضروري لتعويض التناقص الطبيعي، وتأمين المواد وقطع الغيار، ومعالجة الاختناقات الحرجة، والوفاء بالالتزامات التعاقدية الأساسية.
فهذه الأموال لا تتعلق بترف استثماري، بل بالمحافظة على الإنتاج الموجود أصلًا.
أما التمويل الاستراتيجي أو الممكن تنويع مصادره فيشمل مشروعات زيادة الإنتاج، وتطوير الاكتشافات الجديدة، ومشروعات الغاز، والتكرير والبتروكيماويات، وخطوط الأنابيب الجديدة، ومرافق التخزين، وتقليل الحرق، وغيرها من المشروعات ذات التدفقات النقدية المستقبلية القابلة للقياس.
وهذه المشروعات لا يلزم بالضرورة أن تُمول جميعها من الخزانة العامة.
بل إن تحميل الموازنة العامة كامل متطلبات التوسع النفطي قد لا يكون اقتصاديًا، وربما لا يكون ممكنًا أصلًا مع ضخامة الاحتياجات الاستثمارية المطلوبة.
ماذا نستفيد من Aramco وADNOC وSonatrach؟
تصبح المقارنة الإقليمية مفيدة عندما نبحث عن المبادئ وليس عن النسخ الحرفي للتجارب.
فـ Saudi Aramco، رغم بقاء الدولة المالك الأكبر لها، تعمل ضمن بنية مالية ومؤسسية تمكنها من توليد تدفقات نقدية ضخمة، والاقتراض، والدخول إلى أسواق الدين، والاستفادة من السندات والصكوك إلى جانب التمويل الناتج عن عملياتها.
وفي الإمارات لا تعتمد ADNOC على أداة واحدة، بل تستخدم مزيجًا من التدفقات الذاتية، والشراكات، والتمويل المصرفي، والسندات والصكوك، وتمويل بعض الأصول والمشروعات وفق هياكل مالية مختلفة.
أما Sonatrach الجزائرية، وهي ربما الأقرب نسبيًا من حيث الملكية والدور السيادي، فتعمل وفق ميزانيات وبرامج تطوير تمتد لعدة سنوات، مع توجيه استثمارات كبيرة إلى الاستكشاف والتطوير والإنتاج، واستخدام الشراكات الدولية لتقاسم المخاطر وتسريع تنفيذ المشروعات.
إذن، القاسم المشترك ليس الخصخصة، وليس التخلي عن ملكية الدولة للثروة.
القاسم المشترك هو وجود شركة وطنية قادرة ماليًا، تخطط لعدة سنوات، وتملك مزيجًا من التدفقات الذاتية والشراكات والتمويل المصرفي وأسواق رأس المال.
فلماذا لا نفعل الشيء نفسه في ليبيا فورًا؟
لأن الوصول إلى أسواق التمويل ليس قرارًا إداريًا يصدر في يوم واحد.
المصارف والمؤسسات المالية لا تمول الاحتياطي النفطي الموجود تحت الأرض لمجرد ضخامته، وإنما تمول شركة أو مشروعًا له شخصية قانونية واضحة، وتدفقات نقدية قابلة للتنبؤ، وحسابات مالية مدققة، ونظام حوكمة، وقدرة على خدمة الدين، وعقود قابلة للتنفيذ، ومخاطر سياسية وتشغيلية يمكن تقييمها وتسعيرها.
وهنا يظهر مفهوم Bankability – القابلية للتمويل.
ولا ينبغي فهم هذا المفهوم وكأن المؤسسة الوطنية للنفط أو شركاتها لا تملك قيمة اقتصادية؛ فالعكس تمامًا. الاحتياطيات والأصول والخبرة والقدرات الفنية تمنح القطاع الليبي قيمة استثنائية، لكن تحويل هذه القيمة إلى قدرة على الاقتراض بشروط تنافسية يحتاج إلى إطار قانوني ومالي ومؤسسي واضح.
وهنا نصل إلى معادلة مهمة: لا استقلال مالي مطلق، ولا تبعية مالية كاملة، وإنما مرونة مالية منضبطة تحكمها الشفافية والمساءلة والنتائج.
النموذج الذي أراه مناسبًا لليبيا
لا أدعو إلى إخراج المؤسسة الوطنية للنفط من رقابة الدولة، كما لا أدعو إلى منحها شيكًا مفتوحًا على الإيرادات النفطية.
ما أقترحه هو نموذج تمويل هجين ومنضبط يقوم على ثلاث طبقات مترابطة.
أولًا: تمويل تشغيلي تلقائي ومحمي
تُعتمد موازنة تشغيلية سنوية قبل بداية السنة المالية، ضمن إطار مالي يمتد لثلاث إلى خمس سنوات، وتُحدد وفق معايير فنية تشمل حجم الإنتاج، وعدد الآبار والمنشآت، واحتياجات الصيانة والسلامة، والبرامج التشغيلية المخطط لها.
ثم تُحول المخصصات إلى المؤسسة بصورة شهرية أو ربع سنوية وفق جدول واضح وتلقائي، بدل الدخول في كل مرة في سلسلة طويلة من المراسلات والموافقات والإفراجات الاستثنائية.
ويمكن قانونًا تصميم آلية تربط هذه التدفقات بجزء محدد ومسبق من الإيرادات النفطية، ضمن سقف سنوي معتمد، دون أن يعني ذلك منح المؤسسة ملكية الإيرادات أو سلطة مفتوحة عليها.
ثانيًا: برنامج استثماري متعدد السنوات
لا يمكن إدارة تطوير الحقول النفطية بعقلية موازنة تبدأ في يناير وتنتهي في ديسمبر.
المشروعات النفطية الكبرى تمتد بطبيعتها لعدة سنوات.
ولهذا يجب اعتماد برنامج استثماري رأسمالي متعدد السنوات – Capital Investment Programme يمتد لثلاث أو خمس سنوات، ويحدد المشروعات حسب الأولوية الاقتصادية والفنية، مع بيان تكلفة كل مشروع، وأثره المتوقع في الإنتاج أو الاحتياطيات، وفترة تنفيذه، وعائده الاقتصادي، ومخاطره.
ويُصرف التمويل على مراحل مرتبطة بنسب الإنجاز والنتائج المحققة.
ثالثًا: التمويل التجاري وتمويل المشروعات
وهنا توجد، في تقديري، المساحة الأكبر التي يمكن تطويرها في ليبيا.
فبعد استكمال المتطلبات القانونية والمالية، يمكن للمؤسسة وشركاتها الاستفادة من القروض المصرفية المحلية والدولية، وتمويل المشروعات Project Finance، والشراكات مع الشركات النفطية الدولية، وترتيبات Carry Financing التي يتحمل فيها الشريك جزءًا من الإنفاق وفق شروط متفق عليها، إضافة إلى إمكانية إصدار السندات أو الصكوك مستقبلًا، وتأسيس شركات ذات غرض خاص SPVs لمشروعات محددة في خطوط الأنابيب أو التخزين أو الغاز أو التكرير.
كما يمكن الاستفادة من التمويل المرتبط بعقود شراء طويلة الأجل للمشروعات التي تنتج تدفقات نقدية مستقرة، ودراسة مساهمة المؤسسات الاستثمارية الوطنية والمصارف الليبية في مشروعات نفطية محددة على أسس تجارية واضحة.
والمطلوب في كل ذلك هو ألا تتحول هذه الالتزامات تلقائيًا إلى ديون سيادية غير معلنة تتحملها الدولة دون ضوابط.
قبل إصدار السندات… علينا بناء الجدارة الائتمانية
لا أعتقد أن البداية الصحيحة هي أن نقول غدًا: لتصدر المؤسسة سندات دولية.
البداية الصحيحة هي إعداد المؤسسة لتصبح قادرة على ذلك.
وهذا يتطلب حسابات مالية موحدة ومدققة وفق معايير معترف بها دوليًا، وتقييمًا مستقلًا للاحتياطيات والأصول، ووضوحًا قانونيًا بشأن قدرة المؤسسة وشركاتها على الاقتراض، وتحديد الجهة التي تملك صلاحية إنشاء الدين ومن يتحمل الالتزام.
كما يتطلب الأمر سياسة معلنة للدين وسقوف الاقتراض، وتصنيفًا ائتمانيًا مناسبًا، وحسابات مستقلة للمشروعات الممولة، وقواعد مشتريات وتعاقد شفافة، ولجان تدقيق ومخاطر فاعلة، وضوابط تمنع إنشاء ضمانات سيادية ضمنية أو التزامات غير معلنة على الدولة.
ومن المهم كذلك الفصل بين دين المؤسسة القائم على تدفقاتها التجارية وبين الدين السيادي للدولة.
فإذا كانت الدولة ستضمن كل قرض بصورة غير مشروطة، فإننا نكون قد غيرنا اسم التمويل فقط، ولم نغير طبيعته أو مخاطره.
الحوكمة والتمويل… لا تعارض بينهما
من الأخطاء التي تتكرر في النقاش العام وضع خيارين متعارضين: إما أن نمول المؤسسة، أو أن نطالب بالرقابة.
والصحيح أننا نحتاج الأمرين معًا.
كلما اتسعت المرونة التمويلية، وجب أن ترتفع معها درجة الشفافية والمساءلة.
لكن الرقابة التي نحتاج إليها ليست رقابة تعطل القرار التشغيلي والفني، وإنما رقابة تقيس النتائج.
ما تكلفة إنتاج البرميل؟
كم أُنفق على الصيانة؟
كم انخفضت التوقفات غير المخططة؟
ماذا أضاف كل مشروع إلى الإنتاج أو الاحتياطيات؟
هل نُفّذ في موعده؟
كم كانت التكلفة المعتمدة وكم أصبحت التكلفة النهائية؟
وما العائد الفعلي على الإنفاق الرأسمالي؟
هذه هي الحوكمة القائمة على الأداء، حيث يصبح التمويل مرتبطًا بمؤشرات كمية وفنية قابلة للقياس، من بينها تكلفة البرميل، وكفاءة الإنفاق الرأسمالي، ومعدلات التوقف غير المخطط، والاستدامة الإنتاجية.
الإيرادات النفطية ملك للدولة
من المهم هنا التأكيد على مبدأ سيادي لا ينبغي المساس به:
الإيرادات النفطية ملك للدولة الليبية، وليست ملكًا للمؤسسة الوطنية للنفط.
لكن هذا لا يتعارض مع إنشاء قاعدة قانونية تسمح بتمويل المؤسسة آليًا من جزء معلوم ومسبق من تلك الإيرادات وفق ميزانية معتمدة وضوابط واضحة.
والفرق جوهري.
ففي الحالة الأولى تصبح المؤسسة صاحبة الإيراد، وهذا ليس المقصود.
أما في الحالة الثانية فتبقى الإيرادات للدولة، لكن الدولة تقرر مسبقًا أن تكلفة حماية الأصل الذي يولد هذه الإيرادات وتطويره تتمتع بالأولوية ضمن قواعد واضحة وخاضعة للرقابة.
الأمر يشبه من يمتلك مصنعًا ناجحًا؛ فلا يمكنه سحب كامل إيرادات المصنع باستمرار، ثم مطالبته بالاستمرار في الإنتاج دون أن يترك له ما يكفي للصيانة والتجديد والاستثمار.
تمويل المؤسسة ليس امتيازًا لها… بل حماية للإيراد السيادي
في اقتصاد متنوع، يمكن أن يتعرض قطاع معين لنقص التمويل دون أن تتعرض المالية العامة للدولة كلها للخطر.
أما في ليبيا فالوضع مختلف.
فأي تراجع مستدام في إنتاج النفط ينعكس على تدفقات النقد الأجنبي، وعلى الموازنة العامة، والاحتياطيات، وسعر الصرف، وقدرة الدولة على تمويل المرتبات والدعم والتنمية والخدمات العامة.
لذلك فإن استقرار تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس شأنًا خاصًا بالمؤسسة، بل هو جزء من الأمن المالي والاقتصادي للدولة الليبية.
وقد أكدتُ في أكثر من مناسبة أن الإشكالية الليبية لا تكمن في ضعف الموارد الطبيعية، وإنما في كيفية إدارة عوائد هذه الموارد وتحويل جزء أكبر منها من الإنفاق الاستهلاكي إلى الاستثمار المنتج.
ومن المفارقات أن أول استثمار ينبغي حمايته هو الاستثمار في الأصل الذي يولد الريع ذاته.
القرض الأخير… بداية جيدة وليس نهاية الطريق
أرى أن الاتجاه نحو الاقتراض المصرفي لتمويل مشروعات إنتاجية يمثل تطورًا مهمًا؛ لأنه يفتح الباب أمام التفكير في التمويل التجاري وربط التمويل بمستهدفات إنتاجية واقتصادية واضحة.
لكن ينبغي أن يكون ذلك بداية لمسار مؤسسي متكامل، لا مجرد حالة استثنائية تُضاف إلى سلسلة الاستثناءات.
فإذا أثبتت المؤسسة قدرتها على اقتراض مليار دولار، وتوجيهه إلى مشروعات محددة، وتحقيق زيادة إنتاجية حقيقية، وخدمة الدين من العائد المتولد، والإفصاح عن النتائج بصورة واضحة، فإنها تكون قد بدأت في بناء سجل ائتماني Track Record.
ومن هذا السجل يمكن مستقبلًا الانتقال إلى تمويلات أكبر وأطول أجلًا، وربما بتكلفة أقل وشروط أفضل.
وهكذا تُبنى Bankability فعليًا، لا بالشعارات وإنما بالأداء والنتائج والثقة.
الخلاصة: لا موازنة مفتوحة… ولا تمويل بالقطارة
ما تحتاجه المؤسسة الوطنية للنفط ليس موازنة مفتوحة بلا رقابة، كما أنها لا تستطيع الاستمرار بمنطق الإفراج المتقطع عن الأموال ومعالجة كل أزمة بترتيب مالي استثنائي.
الحل بين الاثنين.
تمويل أساسي ثابت ومنتظم للتشغيل والصيانة، وبرنامج رأسمالي متعدد السنوات، وتمويل تجاري وشراكات للمشروعات القابلة لذلك، ضمن إطار قوي للحوكمة والتدقيق والإفصاح وربط الإنفاق بالنتائج.
بهذا فقط يمكن أن تنتقل المؤسسة تدريجيًا من مؤسسة تعتمد أساسًا على ما تفرج عنه الخزانة إلى شركة وطنية ذات قدرة مالية حقيقية، مملوكة للدولة وتعمل لصالحها، لكنها في الوقت نفسه قادرة على تعبئة رأس المال وإدارة استثماراتها وفق المعايير المهنية الحديثة.
والهدف ليس تقليد Aramco أو ADNOC أو Sonatrach لمجرد أنها نماذج ناجحة، فالظروف القانونية والسياسية والمؤسسية مختلفة.
ما يجب أن نستفيد منه هو المبدأ: الدولة تحتفظ بالثروة والسيادة، والشركة الوطنية تحصل على المساحة المالية والتشغيلية اللازمة لتنمية هذه الثروة، والرقابة تنتقل تدريجيًا من التحكم في كل حركة مالية إلى محاسبة المؤسسة على النتائج والكفاءة والعائد.
وأرى أن ليبيا اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى هذا النموذج.
فهدف الوصول إلى مليوني برميل يوميًا ليس مجرد مسألة فنية تتعلق بعدد الحفارات والآبار، وليس مجرد سؤال عن كيفية توفير 36 مليار دولار.
إنه، قبل ذلك كله، سؤال عن شكل المؤسسة التي ستدير هذه الأموال، وكيف ستمول نفسها، وكيف ستقاس نتائجها، وما إذا كنا نريدها مجرد وحدة إنفاق داخل الموازنة العامة، أم شركة وطنية حديثة وقوية وقابلة للتمويل، تستطيع المحافظة على أهم أصل اقتصادي تمتلكه الدولة الليبية وتنميته للأجيال القادمة.
وهنا، في تقديري، يبدأ الإصلاح الحقيقي.