Skip to main content

الوسم: المؤسسة الوطنية للنفط

“الشلوي”: أرباح عمالقة النفط وأزمة ليبيا.. مقارنة تحتاج إلى ضبط المفاهيم

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

قرأت ما كتبه أحد الأصدقاء حول الأرباح القياسية التي حققتها كبرى شركات النفط العالمية، وأتفهم تماماً الفكرة التي يريد الوصول إليها، وهي أن ارتفاع أسعار النفط وتحسن إيراداته لا يكفيان وحدهما لصناعة اقتصاد سليم إذا رافقهما سوء في إدارة المال العام أو ضعف في الحوكمة والكفاءة.

وهذه، في تقديري، قضية تستحق النقاش.

لكنني، وبعد نحو أربعة عقود قضيتها داخل هذا القطاع، أعتقد أن من المهم ألا تقودنا صحة جزء من التشخيص إلى مقارنة غير متكافئة بين المؤسسة الوطنية للنفط وبين إكسون موبيل وشيفرون وشل وBP وتوتال إنرجيز.

الأرقام المنشورة عن الربع الثاني من 2026 صحيحة في اتجاهها العام؛ فقد حققت هذه الشركات مجتمعة أرباحاً تقارب 47 إلى 48 مليار دولار، كما سجلت تدفقات نقدية استثنائية مستفيدة بدرجة كبيرة من ارتفاع أسعار النفط والغاز وهوامش التكرير والتجارة إثر الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومضيق هرمز.

لكن هذه شركات تجارية عالمية متكاملة، تعمل في عشرات الأسواق والدول، وتملك حقولاً ومصافي ومصانع وناقلات وأذرعاً ضخمة لتجارة النفط والغاز والـLNG والمنتجات البترولية، وتتمتع باستقلال مالي وقدرة واسعة على الاقتراض والاستثمار وبيع الأصول وإعادة توزيع رأس المال.

أما المؤسسة الوطنية للنفط فهي في الأساس ذراع الدولة الليبية في إدارة واستثمار المورد النفطي السيادي. ما تحققه من مبيعات ليس رصيداً حراً تحتفظ به المؤسسة لتتصرف فيه كما تفعل الشركات العالمية؛ فالإيرادات النفطية تدخل المنظومة السيادية للدولة، بينما تعود المؤسسة ذاتها لطلب الميزانيات التشغيلية والاستثمارية اللازمة للصيانة والحفر وزيادة الإنتاج. وهذه وحدها تجعل المقارنة المباشرة بين «التدفق النقدي الحر لشيفرون» و«الوضع المالي للمؤسسة الوطنية للنفط» مقارنة غير صحيحة محاسبياً ومؤسسياً.

أنا هنا لا أدافع عن أحد، ولا أقول إن المؤسسة أو شركاتها لا تخطئ أو أنها فوق النقد والمساءلة. على العكس؛ مؤسسة تدير المورد الرئيسي لليبيا يجب أن تخضع لأعلى درجات الحوكمة والشفافية والرقابة والكفاءة.

لكن الدفاع عن المؤسسة ككيان وطني شيء، والدفاع عن الأشخاص شيء آخر تماماً.

ومن غير المنصف أيضاً أن نحمل المؤسسة الوطنية للنفط وحدها اختلالات المالية العامة، أو سعر الصرف، أو تضخم الإنفاق، أو فاتورة المرتبات والدعم، أو كيفية إنفاق الدولة لإيراداتها النفطية. هذه مسؤوليات منظومة دولة كاملة، وقد أكد صندوق النقد في تقييمه الأخير أن جوهر الضغوط الاقتصادية الليبية يرتبط أساساً بمسار المالية العامة والإنفاق وعدم الاستدامة المالية.

بل إن المفارقة أن المؤسسة، وسط هذه البيئة شديدة التعقيد، استطاعت في يونيو الماضي الوصول بإجمالي إنتاج الخام والمكثفات إلى قرابة 1.49 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى معلن منذ أكثر من عقد. ولا أورد هذا الرقم لتوزيع شهادات نجاح، وإنما لأن الإنصاف يقتضي أن نقيس الأداء بالأرقام كما نقيس الإخفاق بالأرقام أيضاً.

نعم، في ليبيا مشاكل إدارة وحوكمة، ونعم، لدينا هدر وتشوهات اقتصادية تستوجب الإصلاح، ولا يجوز أن تتحول الوفرة النفطية المؤقتة إلى مبرر لمزيد من الإنفاق غير المنتج.

ولكن عندما نناقش «أين الخلل؟» علينا أن نضع كل مسؤولية في مكانها.

أما تعميم أوصاف من قبيل انعدام الأمانة أو قلة الوطنية، فأرى أنها لا تخدم النقاش الاقتصادي والفني؛ فهذه أمور لا تقاس بالانطباعات وإنما بالوقائع والتقارير والرقابة والمساءلة.

وبالنسبة لي، سيظل نقد المؤسسة من الداخل والخارج مطلوباً، وسيظل إصلاحها وتطويرها واجباً، لكن لن يكون من الإنصاف أن تتحول القلعة النفطية التي حافظ الليبيون من خلالها على موردهم الرئيسي لعقود إلى شماعة نعلق عليها جميع اختلالات الدولة الليبية.

المطلوب ليس إعفاء المؤسسة من المسؤولية، بل تحديد مسؤوليتها بدقة.

وهذا، في رأيي، هو الفارق بين الدفاع عن الأشخاص والدفاع عن مؤسسة وطنية يجب أن تبقى قوية، مستقلة مهنياً، خاضعة للرقابة، وقادرة على إنتاج الثروة التي تقوم عليها الدولة الليبية.

“الشلوي”: محروقات يوليو 2026.. ماذا تكشف بيانات المؤسسة الوطنية للنفط عن الاستيراد والاستهلاك وهيكل الطلب المحلي؟

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

استمرار المؤسسة الوطنية للنفط في نشر بيانات تفصيلية عن حركة المحروقات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد نشرٍ لأرقام شهرية، وإنما باعتباره خطوة مهمة في بناء قاعدة معلومات يستطيع من خلالها المواطن والمتخصص والنخب الاقتصادية والجهات الرقابية قراءة واحد من أكثر ملفات الاقتصاد الليبي حساسية وتعقيداً.

والجديد المهم في بيان شهر يوليو 2026 أنه لا يكتفي بالإعلان عن قيمة المحروقات الموردة، بل يضع أمام الرأي العام الكميات حسب نوع المنتج، ومصدرها المحلي أو الخارجي، والكميات الموزعة فعلياً، والأرصدة المرحّلة، وكميات كبار المستهلكين، ثم توزيع جانب من الإمدادات على شركات التوزيع والبريقة وبقية القطاعات. وهذه التفاصيل هي التي تحول مفهوم الشفافية من عبارة عامة إلى بيانات قابلة للقراءة والتحليل والمقارنة.

ومن وجهة نظري، فإن توالي نشر هذه البيانات خلال الأشهر الأخيرة يمثل ممارسة مؤسسية جديرة بالتثمين والتطوير؛ لأن الشفافية الحقيقية لا تعني أن تكون الأرقام مريحة دائماً، بل أن تكون الأرقام متاحة، بحيث يستطيع الجميع مناقشتها، والسؤال عنها، ومقارنتها، واستخلاص المؤشرات منها على أساس معلومات رسمية بدلاً من التقديرات والانطباعات.

وفق بيانات يوليو، بلغ إجمالي ما استلمته السوق من المنتجات النفطية من المصادر المحلية والخارجية نحو 1.388 مليون طن متري. وتصدّر وقود الديزل الكميات بنحو 625.4 ألف طن، يليه البنزين بنحو 534.8 ألف طن، ثم الزيت الثقيل بنحو 155.8 ألف طن، والكيروسين بنحو 40.4 ألف طن، والغاز المسال بنحو 31.4 ألف طن.

لكن القراءة الأهم تبدأ عندما نفصل بين المصدر الخارجي والمصدر المحلي.

فمن إجمالي الكميات المستلمة في يوليو، جاء نحو 1.017 مليون طن متري من الخارج، أي ما يقارب 73% من إجمالي الإمدادات، بينما وفرت المصادر المحلية نحو 371 ألف طن متري أو قرابة 27%.

وتزداد دلالة هذه النسبة عندما ننظر إلى المنتجات الأكثر ارتباطاً بالاستهلاك اليومي؛ فمن أصل 534.8 ألف طن من البنزين جاء نحو 504.9 ألف طن من الخارج، أي قرابة 94% من الكمية المستلمة. وفي الديزل، جاء نحو 512 ألف طن من أصل 625.4 ألف طن من المصادر الخارجية، أي قرابة 82%.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد فاتورة استيراد، وإنما باعتبارها مؤشراً واضحاً على درجة اعتماد السوق الليبية على الخارج في منتجَيْن من أهم المنتجات النفطية.

وفي المقابل، تظهر البيانات أن الغاز المسال والكيروسين والزيت الثقيل المستلمة خلال يوليو جاءت كمياتها من المصادر المحلية، وهو ما يوضح أن صورة الإمداد ليست واحدة بالنسبة إلى جميع المنتجات، وأن التحدي الأكبر يتركز بصورة خاصة في البنزين والديزل.

أما على مستوى الاستهلاك والتوزيع، فقد بلغ إجمالي ما تم ضخه إلى السوق المحلية خلال يوليو نحو 1.369 مليون طن متري، موزعاً بين نحو 646.9 ألف طن من الديزل، و512.9 ألف طن من البنزين، و155.4 ألف طن من الزيت الثقيل، و35.5 ألف طن من الكيروسين، و18.5 ألف طن من الغاز المسال.

وهنا يمكننا أن نستخلص مؤشراً مهماً آخر يتعلق بتركيبة الطلب المحلي.

فمحطات الكهرباء وحدها استلمت خلال يوليو نحو 405.3 ألف طن من الديزل، بما يمثل قرابة 63% من إجمالي الديزل الموزع في البلاد خلال الشهر، إضافة إلى نحو 57.7 ألف طن من الزيت الثقيل. وبجمع المنتجات تكون محطات الكهرباء قد استهلكت نحو 463 ألف طن متري من الوقود السائل خلال شهر واحد، أي ما يعادل نحو ثلث إجمالي المحروقات التي جرى توزيعها في السوق خلال يوليو.

وهذا الرقم في تقديري يستحق التوقف عنده كثيراً.

ليس لأن توفير الوقود لمحطات الكهرباء أمر غير مبرر؛ فاستمرار الكهرباء خدمة أساسية لا يمكن للدولة الاستغناء عنها، والمؤسسة مطالبة بتأمين احتياجات الجهات المستهلكة وفق الترتيبات المعتمدة. لكن الرقم يكشف في المقابل عن كلفة هيكلية يتحملها الاقتصاد نتيجة استمرار اعتماد جزء مهم من إنتاج الكهرباء على الديزل والزيت الثقيل.

ومن هنا يجب التفريق بين توفير الوقود وبين الاستفادة المثلى من الوقود.

فالمؤسسة الوطنية للنفط تقوم بتأمين جانب من الإمدادات التي يطلبها السوق والقطاعات المختلفة، أما معالجة جذور ارتفاع الطلب على الوقود السائل فتتجاوز عملية التوريد نفسها إلى سياسات أوسع تتعلق بزيادة إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء، وتطوير قدرات التكرير المحلية، ورفع كفاءة الاستهلاك، ومعالجة التشوهات المرتبطة بالدعم، والرقابة على سلسلة التوزيع والاستهلاك.

ولهذا فإن تحميل فاتورة المحروقات لطرف واحد لا يقدم تفسيراً اقتصادياً دقيقاً للمشكلة.

وعند مقارنة يوليو بالشهر السابق تظهر صورة تستحق القراءة أيضاً. فقد بلغ إجمالي المنتجات الموزعة في يونيو نحو 1.481 مليون طن متري مقابل 1.369 مليون طن في يوليو، أي بانخفاض بنحو 7.5%. كما تراجعت الكميات المستلمة من نحو 1.519 مليون طن في يونيو إلى نحو 1.388 مليون طن في يوليو، بانخفاض يقارب 8.7%.

ولكن خلف هذا الانخفاض الإجمالي حدث تغير واضح في مزيج المنتجات.

فبينما انخفض توزيع البنزين من نحو 734 ألف طن في يونيو إلى 512.9 ألف طن في يوليو، أي بنحو 30%، ارتفع توزيع الديزل من نحو 499.8 ألف طن إلى 646.9 ألف طن، بزيادة تقارب 29%. كما ارتفع الكيروسين، بينما تراجع الزيت الثقيل والغاز المسال.

ولهذا فإن المقارنة الشهرية ينبغي ألا تتوقف عند الرقم الإجمالي، وإنما يجب أن تبحث في كيفية تغير تركيبة الاستهلاك؛ لأن ارتفاع منتج وانخفاض آخر قد يرتبطان بمستويات المخزون، وتوقيت وصول الشحنات، والطلب القطاعي، وظروف الكهرباء، وحركة الأرصفة والتفريغ والتوزيع.

والأفضل منهجياً أن نراقب هذه المؤشرات لعدة أشهر متتالية قبل تحويل أي حركة شهرية إلى استنتاج هيكلي دائم.

ويؤكد ذلك النظر إلى شهر مايو؛ إذ كانت التوزيعات حينها في حدود 1.070 مليون طن متري، قبل أن ترتفع بصورة واضحة في يونيو ثم تستقر في يوليو عند مستوى لا يزال أعلى من مايو بنحو 28%. وهذا يوضح أهمية بناء سلسلة زمنية شهرية؛ لأن قراءة شهر منفرد قد تعطي انطباعاً مختلفاً تماماً عن الاتجاه الذي تكشفه ثلاثة أو ستة أو اثنا عشر شهراً.

أما من الناحية المالية، فقد قدرت المؤسسة قيمة المحروقات الموردة خلال يوليو بنحو 1,005,984,493 دولاراً، أي ما يزيد بقليل على مليار دولار. وفي تقرير توريدات يونيو كانت القيمة المعلنة نحو 965 مليون دولار، ما يعني أن القيمة التقديرية ارتفعت في يوليو بنحو 41 مليون دولار، أو قرابة 4.2%، رغم انخفاض إجمالي الكميات المستلمة بنحو 8.7%.

وهذه في حد ذاتها ملاحظة اقتصادية مهمة، لكنها لا تسمح وحدها بالقول إن سعر شراء الوقود ارتفع بالنسبة نفسها؛ لأن قيمة فاتورة الشهر تتأثر بمزيج المنتجات وأسعار كل منتج وتوقيت التعاقد والشحن والتسوية والأسعار العالمية وشروط التوريد.

ولذلك فإن الخطوة التالية التي يمكن أن تزيد هذا الإفصاح قوة في المستقبل هي إرفاق هذه الجداول، متى أمكن، بمؤشرات إضافية عن متوسطات أسعار التوريد أو النطاقات السعرية لكل منتج، بما يسمح للمتخصصين بفصل أثر تغير الكميات عن أثر تغير الأسعار.

وهنا أجد من الضروري التوقف عند نقطة سبق أن كانت محل نقاش اقتصادي خلال الأيام الماضية. فقد جرى تداول رقم يقارب 1.410 مليار دولار باعتباره تكلفة واردات المحروقات خلال يونيو، بينما البيانات التشغيلية التفصيلية المنشورة عن المؤسسة للشهر ذاته تحدثت عن قيمة تقديرية للمحروقات الموردة تبلغ نحو 965 مليون دولار.

ومن الناحية المهنية، لا أرى أن الحل هو ترجيح رقم على الآخر دون معرفة أساس القياس المحاسبي والمالي لكل منهما.

فقد يكون هناك اختلاف بين قيمة الشحنات الموردة فعلياً خلال شهر معين، وبين قيمة الاعتمادات المستندية المفتوحة أو المسددة خلال الشهر نفسه، وبين الالتزامات المالية المرتبطة بشحنات تخص فترات أخرى. والمؤسسة نفسها سبق أن أوضحت أن آلية سداد الوقود انتقلت إلى العمل بالاعتمادات المستندية عبر المصرف الليبي الخارجي، وأن توقيت التحصيل والتسويات المالية لا يتطابق بالضرورة مع توقيت الإنتاج أو التوريد الفعلي.

ولهذا فإن توحيد تعريفات «التوريد» و«الاستيراد» و«قيمة الاعتمادات» و«المبالغ المسددة» بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي ومصرف ليبيا المركزي سيجعل المقارنات أكثر دقة، ويزيل مساحة كبيرة من الالتباس أمام الرأي العام والخبراء.

وهذا في حد ذاته يوضح لماذا يعد الإفصاح الحالي مهماً؛ لأنه لا يغلق باب الأسئلة، بل يوفر المادة التي تسمح بطرح الأسئلة الصحيحة.

ومن زاوية أخرى، يكشف تقرير يوليو أن قضية المحروقات في ليبيا ليست قضية استيراد فقط، وإنما قضية أمن طاقة وإدارة طلب وبنية اقتصادية. فدولة منتجة ومصدرة للنفط الخام لا تزال تستورد النسبة الساحقة من احتياجاتها من البنزين والديزل، وتستهلك كميات كبيرة من الوقود السائل في توليد الكهرباء.

والحل المستدام بالتالي لا يكون فقط في البحث عن أرخص شحنة بنزين أو ديزل، على أهمية ذلك، بل في تقليل الحاجة أصلاً إلى تلك الشحنات عبر رفع كفاءة المصافي، وزيادة إنتاج المشتقات محلياً، وتسريع مشاريع الغاز وتوجيهه نحو محطات الكهرباء، وتحسين كفاءة منظومة الطاقة والرقابة على الاستهلاك والتوزيع.

وهنا يصبح نشر البيانات جزءاً من الحل، لأن الدولة لا تستطيع إصلاح منظومة لا تقيسها ولا يستطيع الرأي العام تقييم سياسة لا تتوافر أرقامها.

ومن الإنصاف، في تقديري، أن يُحسب للمؤسسة الوطنية للنفط أنها باتت تضع أمام المواطن أرقاماً كان النقاش حولها في السابق يعتمد في أحيان كثيرة على التسريبات والتقديرات. والشفافية لا تعني العصمة من النقد، بل على العكس؛ كلما زادت المعلومات المنشورة أصبح النقد أكثر مهنية، وأصبح الدفاع عن الأداء الجيد أكثر استناداً إلى الوقائع، وأصبحت مواطن الخلل أكثر وضوحاً أمام صانع القرار.

ومن هنا فإنني أرى أن القيمة الأكبر لتقرير يوليو ليست فقط في أنه أخبرنا أن فاتورة المحروقات تجاوزت مليار دولار، بل في أنه سمح لنا بمعرفة ماذا استوردنا، وماذا أنتجنا محلياً، وكم وزعنا، ومن استهلك، وما الذي تم ترحيله إلى الشهر التالي.

هذه هي البداية الصحيحة لأي نقاش اقتصادي جاد.

فالهدف في النهاية ليس تجميل الأرقام ولا تضخيمها، وليس الدفاع عن مؤسسة أو تحميلها ما لا يدخل في اختصاصها، وإنما الوصول إلى السؤال الوطني الأهم:

كيف تستطيع ليبيا أن تحول ثروتها النفطية من مورد يمول استيراد الطاقة إلى منظومة متكاملة تنتج أكبر قدر ممكن من احتياجاتها محلياً، وتستخدم الغاز والنفط بأعلى كفاءة، وتحقق للدولة والمواطن أكبر عائد اقتصادي ممكن؟

وعندما تصبح الإجابة عن هذا السؤال مبنية على بيانات رسمية متتابعة ومفتوحة أمام الجميع، نكون قد انتقلنا خطوة مهمة من الجدل حول قطاع النفط إلى إدارة قطاع النفط والاقتصاد بلغة الأرقام والحقائق.

“الشلوي”: تمويل المؤسسة الوطنية للنفط.. من الاعتماد السنوي المتقطع إلى نموذج مستدام لتمويل الثروة المنتجة

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

حين نتحدث عن تمويل المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، فإننا لا نتحدث عن تمويل مؤسسة عامة بالمعنى التقليدي، ولا عن بند إنفاق يمكن تأجيله أو تخفيضه بالطريقة ذاتها التي تُعامل بها بقية بنود الموازنة العامة. نحن نتحدث عن تمويل القطاع الذي يولّد المورد الرئيس للدولة الليبية، وعن المنظومة التي يتوقف عليها استمرار الإنتاج والتصدير وتدفق النقد الأجنبي وتمويل جانب كبير من الإنفاق العام.

ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة، في تقديري، ليس: كم نعطي المؤسسة الوطنية للنفط؟ وإنما: كيف نبني آلية تمويل مستقرة ومنضبطة تضمن استمرار الإنتاج وتطويره، وتحمي في الوقت نفسه المال العام، وتحقق أعلى مستوى ممكن من الشفافية والحوكمة؟

والفارق بين السؤالين كبير.

التمويل في قطاع النفط ليس مجرد إنفاق

سبق أن تناولت في مقالات وورقات سابقة ضرورة التمييز بين الإنفاق العام الاستهلاكي وبين الإنفاق الذي يحافظ على أصل منتج أو يوسع قدرته على توليد الإيراد، وهي مسألة تكتسب أهمية مضاعفة في دولة ريعية مثل ليبيا.

فالميزانية التشغيلية للمؤسسة وشركاتها OPEX تمول تشغيل الحقول والمنشآت، والصيانة، وقطع الغيار، والمواد الكيميائية، والخدمات النفطية، والسلامة، والآبار، والموانئ، وخطوط الأنابيب وغيرها.

أما الميزانية الرأسمالية CAPEX فتمول الحفر التطويري، وتطوير الحقول، وإزالة الاختناقات، وتجديد البنية التحتية، وزيادة الطاقة الإنتاجية، ومشروعات الغاز، وتقليل الحرق، وتطوير مرافق التخزين والنقل والتكرير.

وتأخير النوع الأول يهدد الإنتاج القائم، بينما يؤدي تأخير النوع الثاني إلى إضعاف القدرة الإنتاجية المستقبلية.

وقد أثبتت تجربة السنوات السابقة أن عدم انتظام التمويل يؤدي إلى تباطؤ تنفيذ البرامج، وتراكم الالتزامات على الشركات التابعة، وتأثر سلاسل التوريد، وصعوبة توفير قطع الغيار والخدمات في توقيتها المطلوب.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الليبية: نحاول أحيانًا حماية الخزانة العامة عن طريق تأخير تمويل الجهة التي تملأ هذه الخزانة.

كيف مُوّلت المؤسسة تاريخيًا؟

اعتمد النموذج الليبي التقليدي بدرجة كبيرة على الموازنة العامة والتحويلات الحكومية، وهو نهج قديم ارتبط منذ عقود بترتيبات تمويل المؤسسة وشركاتها من الاعتمادات العامة للدولة.

ففي موازنة عام 2013، على سبيل المثال، أُدرج للمؤسسة نحو 1.16 مليار دينار في الباب الأول و2.4 مليار دينار في الباب الثاني، بينما بلغت مخصصاتها في عام 2014 نحو 1.25 مليار و1.45 مليار دينار في البابين الأول والثاني على التوالي.

لكن السنوات اللاحقة شهدت توسعًا في استخدام ترتيبات مالية استثنائية نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية وعدم انتظام الموازنات.

وفي أبريل 2022 أُقرت ترتيبات مالية استثنائية للمؤسسة تجاوزت قيمتها 37.6 مليار دينار، تضمنت المرتبات والتشغيل وخطة التنمية وتسوية جانب من الالتزامات السابقة، على أن تُغطى من الإيرادات النفطية المتوقعة لذلك العام.

والدلالة هنا ليست في الرقم وحده، وإنما في أن الدولة اضطرت إلى الانتقال من التمويل الطبيعي المنتظم إلى التمويل الاستثنائي لمعالجة احتياجات تراكمت وكان يفترض أن تُمول بصورة منتظمة وفي توقيتاتها الفنية الصحيحة.

وفي عام 2025 برزت المشكلة بصورة أوضح؛ إذ أعلنت المؤسسة أن ما تسلمته من وزارة المالية منذ بداية السنة بلغ 18.2 مليار دينار، إلا أن 14.6 مليارًا منها كانت مخصصة لشراء الوقود لصالح الدولة، و2.6 مليار للمرتبات، بينما كان مليار دينار فقط مخصصًا للمصروفات التشغيلية عن عام 2024.

وهنا يجب التوقف عند نقطة شديدة الأهمية:

ميزانية استيراد المحروقات ليست هي ميزانية تشغيل وتطوير المؤسسة الوطنية للنفط.

خلط هذه البنود في النقاش العام قد يعطي انطباعًا بأن عشرات المليارات تُضخ في الاستثمار النفطي، بينما يرتبط الجزء الأكبر منها في أحيان كثيرة بتوفير الوقود للسوق المحلية، وهي مسألة مالية وسياساتية تختلف جذريًا عن تمويل الحفر والصيانة وتطوير الحقول ورفع القدرة الإنتاجية.

ماذا حدث في 2026؟

حتى عام 2026 ظلت فجوة الاعتماد مقابل التسييل الفعلي إحدى أبرز مشكلات التمويل.

ففي يوليو بلغ إجمالي الاعتماد المقرر للمؤسسة نحو 13.6 مليار دينار، بينما كان المفرج عنه في ذلك الوقت مليار دينار فقط، إلى جانب تسديد التزامات بقيمة 157 مليون دولار.

غير أن التطور اللافت يتمثل في توفير ميزانية تشغيلية تتجاوز 13 مليار دينار ضمن ترتيبات الإنفاق الموحدة، بالتوازي مع الإعلان عن اتفاق للحصول على قرض بقيمة مليار دولار من المصرف الليبي الخارجي لتمويل مشروعات تستهدف رفع الإنتاج إلى أكثر من 1.5 مليون برميل يوميًا بحلول منتصف عام 2027، مع إمكانية توفير تمويل إضافي بقيمة مليار دولار عند الوصول إلى ذلك المستهدف.

كما تُقدر الاحتياجات الاستثمارية اللازمة للوصول إلى إنتاج يقارب مليوني برميل يوميًا بحلول عام 2031 بنحو 36 مليار دولار، يُستهدف توفير جزء منها من خلال الشركاء الدوليين، على أن تتحمل المؤسسة جانبًا رئيسيًا من الاحتياجات المتبقية.

وهذه، في تقديري، نقطة تحول تستحق التوقف عندها.

فالدخول في تمويل مصرفي بهذا الحجم يعني بدء الانتقال، ولو جزئيًا، من مفهوم انتظار التخصيص الحكومي إلى مفهوم أكثر تطورًا هو تعبئة التمويل.

لكن القرض في حد ذاته لا يمثل إصلاحًا هيكليًا كاملًا؛ فهو أداة ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة تمويل متكاملة ومستدامة.

ما هو التمويل الضروري وما هو التمويل الممكن؟

أرى ضرورة الفصل بين مستويين رئيسيين.

التمويل الضروري هو التمويل الذي لا ينبغي أن يخضع للمساومات أو التأخير، ويشمل تشغيل الحقول والمنشآت، وسلامة الأصول، والصيانة الوقائية والعاجلة، والحفر الضروري لتعويض التناقص الطبيعي، وتأمين المواد وقطع الغيار، ومعالجة الاختناقات الحرجة، والوفاء بالالتزامات التعاقدية الأساسية.

فهذه الأموال لا تتعلق بترف استثماري، بل بالمحافظة على الإنتاج الموجود أصلًا.

أما التمويل الاستراتيجي أو الممكن تنويع مصادره فيشمل مشروعات زيادة الإنتاج، وتطوير الاكتشافات الجديدة، ومشروعات الغاز، والتكرير والبتروكيماويات، وخطوط الأنابيب الجديدة، ومرافق التخزين، وتقليل الحرق، وغيرها من المشروعات ذات التدفقات النقدية المستقبلية القابلة للقياس.

وهذه المشروعات لا يلزم بالضرورة أن تُمول جميعها من الخزانة العامة.

بل إن تحميل الموازنة العامة كامل متطلبات التوسع النفطي قد لا يكون اقتصاديًا، وربما لا يكون ممكنًا أصلًا مع ضخامة الاحتياجات الاستثمارية المطلوبة.

ماذا نستفيد من Aramco وADNOC وSonatrach؟

تصبح المقارنة الإقليمية مفيدة عندما نبحث عن المبادئ وليس عن النسخ الحرفي للتجارب.

فـ Saudi Aramco، رغم بقاء الدولة المالك الأكبر لها، تعمل ضمن بنية مالية ومؤسسية تمكنها من توليد تدفقات نقدية ضخمة، والاقتراض، والدخول إلى أسواق الدين، والاستفادة من السندات والصكوك إلى جانب التمويل الناتج عن عملياتها.

وفي الإمارات لا تعتمد ADNOC على أداة واحدة، بل تستخدم مزيجًا من التدفقات الذاتية، والشراكات، والتمويل المصرفي، والسندات والصكوك، وتمويل بعض الأصول والمشروعات وفق هياكل مالية مختلفة.

أما Sonatrach الجزائرية، وهي ربما الأقرب نسبيًا من حيث الملكية والدور السيادي، فتعمل وفق ميزانيات وبرامج تطوير تمتد لعدة سنوات، مع توجيه استثمارات كبيرة إلى الاستكشاف والتطوير والإنتاج، واستخدام الشراكات الدولية لتقاسم المخاطر وتسريع تنفيذ المشروعات.

إذن، القاسم المشترك ليس الخصخصة، وليس التخلي عن ملكية الدولة للثروة.

القاسم المشترك هو وجود شركة وطنية قادرة ماليًا، تخطط لعدة سنوات، وتملك مزيجًا من التدفقات الذاتية والشراكات والتمويل المصرفي وأسواق رأس المال.

فلماذا لا نفعل الشيء نفسه في ليبيا فورًا؟

لأن الوصول إلى أسواق التمويل ليس قرارًا إداريًا يصدر في يوم واحد.

المصارف والمؤسسات المالية لا تمول الاحتياطي النفطي الموجود تحت الأرض لمجرد ضخامته، وإنما تمول شركة أو مشروعًا له شخصية قانونية واضحة، وتدفقات نقدية قابلة للتنبؤ، وحسابات مالية مدققة، ونظام حوكمة، وقدرة على خدمة الدين، وعقود قابلة للتنفيذ، ومخاطر سياسية وتشغيلية يمكن تقييمها وتسعيرها.

وهنا يظهر مفهوم Bankability – القابلية للتمويل.

ولا ينبغي فهم هذا المفهوم وكأن المؤسسة الوطنية للنفط أو شركاتها لا تملك قيمة اقتصادية؛ فالعكس تمامًا. الاحتياطيات والأصول والخبرة والقدرات الفنية تمنح القطاع الليبي قيمة استثنائية، لكن تحويل هذه القيمة إلى قدرة على الاقتراض بشروط تنافسية يحتاج إلى إطار قانوني ومالي ومؤسسي واضح.

وهنا نصل إلى معادلة مهمة: لا استقلال مالي مطلق، ولا تبعية مالية كاملة، وإنما مرونة مالية منضبطة تحكمها الشفافية والمساءلة والنتائج.

النموذج الذي أراه مناسبًا لليبيا

لا أدعو إلى إخراج المؤسسة الوطنية للنفط من رقابة الدولة، كما لا أدعو إلى منحها شيكًا مفتوحًا على الإيرادات النفطية.

ما أقترحه هو نموذج تمويل هجين ومنضبط يقوم على ثلاث طبقات مترابطة.

أولًا: تمويل تشغيلي تلقائي ومحمي

تُعتمد موازنة تشغيلية سنوية قبل بداية السنة المالية، ضمن إطار مالي يمتد لثلاث إلى خمس سنوات، وتُحدد وفق معايير فنية تشمل حجم الإنتاج، وعدد الآبار والمنشآت، واحتياجات الصيانة والسلامة، والبرامج التشغيلية المخطط لها.

ثم تُحول المخصصات إلى المؤسسة بصورة شهرية أو ربع سنوية وفق جدول واضح وتلقائي، بدل الدخول في كل مرة في سلسلة طويلة من المراسلات والموافقات والإفراجات الاستثنائية.

ويمكن قانونًا تصميم آلية تربط هذه التدفقات بجزء محدد ومسبق من الإيرادات النفطية، ضمن سقف سنوي معتمد، دون أن يعني ذلك منح المؤسسة ملكية الإيرادات أو سلطة مفتوحة عليها.

ثانيًا: برنامج استثماري متعدد السنوات

لا يمكن إدارة تطوير الحقول النفطية بعقلية موازنة تبدأ في يناير وتنتهي في ديسمبر.

المشروعات النفطية الكبرى تمتد بطبيعتها لعدة سنوات.

ولهذا يجب اعتماد برنامج استثماري رأسمالي متعدد السنوات – Capital Investment Programme يمتد لثلاث أو خمس سنوات، ويحدد المشروعات حسب الأولوية الاقتصادية والفنية، مع بيان تكلفة كل مشروع، وأثره المتوقع في الإنتاج أو الاحتياطيات، وفترة تنفيذه، وعائده الاقتصادي، ومخاطره.

ويُصرف التمويل على مراحل مرتبطة بنسب الإنجاز والنتائج المحققة.

ثالثًا: التمويل التجاري وتمويل المشروعات

وهنا توجد، في تقديري، المساحة الأكبر التي يمكن تطويرها في ليبيا.

فبعد استكمال المتطلبات القانونية والمالية، يمكن للمؤسسة وشركاتها الاستفادة من القروض المصرفية المحلية والدولية، وتمويل المشروعات Project Finance، والشراكات مع الشركات النفطية الدولية، وترتيبات Carry Financing التي يتحمل فيها الشريك جزءًا من الإنفاق وفق شروط متفق عليها، إضافة إلى إمكانية إصدار السندات أو الصكوك مستقبلًا، وتأسيس شركات ذات غرض خاص SPVs لمشروعات محددة في خطوط الأنابيب أو التخزين أو الغاز أو التكرير.

كما يمكن الاستفادة من التمويل المرتبط بعقود شراء طويلة الأجل للمشروعات التي تنتج تدفقات نقدية مستقرة، ودراسة مساهمة المؤسسات الاستثمارية الوطنية والمصارف الليبية في مشروعات نفطية محددة على أسس تجارية واضحة.

والمطلوب في كل ذلك هو ألا تتحول هذه الالتزامات تلقائيًا إلى ديون سيادية غير معلنة تتحملها الدولة دون ضوابط.

قبل إصدار السندات… علينا بناء الجدارة الائتمانية

لا أعتقد أن البداية الصحيحة هي أن نقول غدًا: لتصدر المؤسسة سندات دولية.

البداية الصحيحة هي إعداد المؤسسة لتصبح قادرة على ذلك.

وهذا يتطلب حسابات مالية موحدة ومدققة وفق معايير معترف بها دوليًا، وتقييمًا مستقلًا للاحتياطيات والأصول، ووضوحًا قانونيًا بشأن قدرة المؤسسة وشركاتها على الاقتراض، وتحديد الجهة التي تملك صلاحية إنشاء الدين ومن يتحمل الالتزام.

كما يتطلب الأمر سياسة معلنة للدين وسقوف الاقتراض، وتصنيفًا ائتمانيًا مناسبًا، وحسابات مستقلة للمشروعات الممولة، وقواعد مشتريات وتعاقد شفافة، ولجان تدقيق ومخاطر فاعلة، وضوابط تمنع إنشاء ضمانات سيادية ضمنية أو التزامات غير معلنة على الدولة.

ومن المهم كذلك الفصل بين دين المؤسسة القائم على تدفقاتها التجارية وبين الدين السيادي للدولة.

فإذا كانت الدولة ستضمن كل قرض بصورة غير مشروطة، فإننا نكون قد غيرنا اسم التمويل فقط، ولم نغير طبيعته أو مخاطره.

الحوكمة والتمويل… لا تعارض بينهما

من الأخطاء التي تتكرر في النقاش العام وضع خيارين متعارضين: إما أن نمول المؤسسة، أو أن نطالب بالرقابة.

والصحيح أننا نحتاج الأمرين معًا.

كلما اتسعت المرونة التمويلية، وجب أن ترتفع معها درجة الشفافية والمساءلة.

لكن الرقابة التي نحتاج إليها ليست رقابة تعطل القرار التشغيلي والفني، وإنما رقابة تقيس النتائج.

ما تكلفة إنتاج البرميل؟

كم أُنفق على الصيانة؟

كم انخفضت التوقفات غير المخططة؟

ماذا أضاف كل مشروع إلى الإنتاج أو الاحتياطيات؟

هل نُفّذ في موعده؟

كم كانت التكلفة المعتمدة وكم أصبحت التكلفة النهائية؟

وما العائد الفعلي على الإنفاق الرأسمالي؟

هذه هي الحوكمة القائمة على الأداء، حيث يصبح التمويل مرتبطًا بمؤشرات كمية وفنية قابلة للقياس، من بينها تكلفة البرميل، وكفاءة الإنفاق الرأسمالي، ومعدلات التوقف غير المخطط، والاستدامة الإنتاجية.

الإيرادات النفطية ملك للدولة

من المهم هنا التأكيد على مبدأ سيادي لا ينبغي المساس به:

الإيرادات النفطية ملك للدولة الليبية، وليست ملكًا للمؤسسة الوطنية للنفط.

لكن هذا لا يتعارض مع إنشاء قاعدة قانونية تسمح بتمويل المؤسسة آليًا من جزء معلوم ومسبق من تلك الإيرادات وفق ميزانية معتمدة وضوابط واضحة.

والفرق جوهري.

ففي الحالة الأولى تصبح المؤسسة صاحبة الإيراد، وهذا ليس المقصود.

أما في الحالة الثانية فتبقى الإيرادات للدولة، لكن الدولة تقرر مسبقًا أن تكلفة حماية الأصل الذي يولد هذه الإيرادات وتطويره تتمتع بالأولوية ضمن قواعد واضحة وخاضعة للرقابة.

الأمر يشبه من يمتلك مصنعًا ناجحًا؛ فلا يمكنه سحب كامل إيرادات المصنع باستمرار، ثم مطالبته بالاستمرار في الإنتاج دون أن يترك له ما يكفي للصيانة والتجديد والاستثمار.

تمويل المؤسسة ليس امتيازًا لها… بل حماية للإيراد السيادي

في اقتصاد متنوع، يمكن أن يتعرض قطاع معين لنقص التمويل دون أن تتعرض المالية العامة للدولة كلها للخطر.

أما في ليبيا فالوضع مختلف.

فأي تراجع مستدام في إنتاج النفط ينعكس على تدفقات النقد الأجنبي، وعلى الموازنة العامة، والاحتياطيات، وسعر الصرف، وقدرة الدولة على تمويل المرتبات والدعم والتنمية والخدمات العامة.

لذلك فإن استقرار تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس شأنًا خاصًا بالمؤسسة، بل هو جزء من الأمن المالي والاقتصادي للدولة الليبية.

وقد أكدتُ في أكثر من مناسبة أن الإشكالية الليبية لا تكمن في ضعف الموارد الطبيعية، وإنما في كيفية إدارة عوائد هذه الموارد وتحويل جزء أكبر منها من الإنفاق الاستهلاكي إلى الاستثمار المنتج.

ومن المفارقات أن أول استثمار ينبغي حمايته هو الاستثمار في الأصل الذي يولد الريع ذاته.

القرض الأخير… بداية جيدة وليس نهاية الطريق

أرى أن الاتجاه نحو الاقتراض المصرفي لتمويل مشروعات إنتاجية يمثل تطورًا مهمًا؛ لأنه يفتح الباب أمام التفكير في التمويل التجاري وربط التمويل بمستهدفات إنتاجية واقتصادية واضحة.

لكن ينبغي أن يكون ذلك بداية لمسار مؤسسي متكامل، لا مجرد حالة استثنائية تُضاف إلى سلسلة الاستثناءات.

فإذا أثبتت المؤسسة قدرتها على اقتراض مليار دولار، وتوجيهه إلى مشروعات محددة، وتحقيق زيادة إنتاجية حقيقية، وخدمة الدين من العائد المتولد، والإفصاح عن النتائج بصورة واضحة، فإنها تكون قد بدأت في بناء سجل ائتماني Track Record.

ومن هذا السجل يمكن مستقبلًا الانتقال إلى تمويلات أكبر وأطول أجلًا، وربما بتكلفة أقل وشروط أفضل.

وهكذا تُبنى Bankability فعليًا، لا بالشعارات وإنما بالأداء والنتائج والثقة.

الخلاصة: لا موازنة مفتوحة… ولا تمويل بالقطارة

ما تحتاجه المؤسسة الوطنية للنفط ليس موازنة مفتوحة بلا رقابة، كما أنها لا تستطيع الاستمرار بمنطق الإفراج المتقطع عن الأموال ومعالجة كل أزمة بترتيب مالي استثنائي.

الحل بين الاثنين.

تمويل أساسي ثابت ومنتظم للتشغيل والصيانة، وبرنامج رأسمالي متعدد السنوات، وتمويل تجاري وشراكات للمشروعات القابلة لذلك، ضمن إطار قوي للحوكمة والتدقيق والإفصاح وربط الإنفاق بالنتائج.

بهذا فقط يمكن أن تنتقل المؤسسة تدريجيًا من مؤسسة تعتمد أساسًا على ما تفرج عنه الخزانة إلى شركة وطنية ذات قدرة مالية حقيقية، مملوكة للدولة وتعمل لصالحها، لكنها في الوقت نفسه قادرة على تعبئة رأس المال وإدارة استثماراتها وفق المعايير المهنية الحديثة.

والهدف ليس تقليد Aramco أو ADNOC أو Sonatrach لمجرد أنها نماذج ناجحة، فالظروف القانونية والسياسية والمؤسسية مختلفة.

ما يجب أن نستفيد منه هو المبدأ: الدولة تحتفظ بالثروة والسيادة، والشركة الوطنية تحصل على المساحة المالية والتشغيلية اللازمة لتنمية هذه الثروة، والرقابة تنتقل تدريجيًا من التحكم في كل حركة مالية إلى محاسبة المؤسسة على النتائج والكفاءة والعائد.

وأرى أن ليبيا اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى هذا النموذج.

فهدف الوصول إلى مليوني برميل يوميًا ليس مجرد مسألة فنية تتعلق بعدد الحفارات والآبار، وليس مجرد سؤال عن كيفية توفير 36 مليار دولار.

إنه، قبل ذلك كله، سؤال عن شكل المؤسسة التي ستدير هذه الأموال، وكيف ستمول نفسها، وكيف ستقاس نتائجها، وما إذا كنا نريدها مجرد وحدة إنفاق داخل الموازنة العامة، أم شركة وطنية حديثة وقوية وقابلة للتمويل، تستطيع المحافظة على أهم أصل اقتصادي تمتلكه الدولة الليبية وتنميته للأجيال القادمة.

وهنا، في تقديري، يبدأ الإصلاح الحقيقي.

“زلّاف ليبيا” تستعرض خططها لعام 2027 وتستعد لإنجاز بئر جديدة بحقل الشادار

عقدت الإدارات الفنية والمالية بالمؤسسة الوطنية للنفط الاجتماع الفني لشركة “زلّاف ليبيا” للعام 2026، بحضور أعضاء مجلس الإدارة وممثلين عن شركات نفطية ومراكز بحثية، لمناقشة مؤشرات الأداء، ومعدلات الإنتاج، واستعراض الميزانية والمشاريع المستهدفة لعام 2027.

وشهد الاجتماع استعراض أبرز منجزات الشركة للعام الحالي، وفي مقدمتها مستجدات تطوير حقل “العطشان”، إلى جانب القرب من استكمال حفر البئر (A-6-C126) بحقل “الشادار”، المتوقع أن تبلغ طاقته الإنتاجية 1,400 برميل يوميًا.

من جانبها، شددت إدارة المؤسسة الوطنية للنفط على ضرورة تسريع وتيرة العمل لاستكمال المشاريع المتبقية، بما يدعم الاستراتيجية الوطنية لرفع معدلات إنتاج النفط والغاز وتعزيز القدرات الإنتاجية للقطاع.

“الشلوي”: الشفافية في القطاع النفطي الليبي.. حين يكون الإنصاف جزءًا من النقد

كتب: عبد المنصف الشلوي- الخبير النفطي والاقتصادي

في خضم النقاش الاقتصادي الذي تشهده ليبيا اليوم، تتصاعد وبحق الدعوات إلى مزيد من الشفافية والإفصاح عن البيانات الاقتصادية والمالية، وهي دعوات أجد نفسي متفقًا مع جوهرها؛ فالشفافية في دولة ريعية يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على مورد ناضب ليست ترفًا إداريًا أو إعلاميًا، وإنما إحدى أدوات حماية المال العام وتعزيز الثقة والمساءلة الرشيدة..

ومع احترامي الكبير لكل الآراء التي يطرحها أساتذة الاقتصاد والخبراء والمتخصصون، فإن الإنصاف يقتضي، في تقديري، التوقف عند مسألة محددة: عندما نتحدث عن غياب الإفصاح والشفافية في مؤسسات الدولة، لا ينبغي أن نضع المؤسسة الوطنية للنفط ضمن تعميم واحد دون النظر إلى ما تقوم به فعليًا من إفصاح ونشر للبيانات..

لا أقول ذلك من باب الدفاع العاطفي عن مؤسسة أنتمي مهنيًا إلى قطاعها منذ عقود، ولا باعتبار أن المؤسسة الوطنية للنفط فوق النقد أو أنها بلغت المستوى المثالي الذي لا يحتاج إلى مزيد من التطوير؛ فكل مؤسسة عامة قابلة للنقد والمراجعة، وكل منظومة إفصاح مهما تطورت يمكن تحسينها..

ولكن النقد المهني، في اعتقادي، يكتسب قوته من الإنصاف بقدر ما يكتسبها من الصراحة..

وبحكم عملي الطويل في قطاع النفط والغاز، ومتابعتي المستمرة وبشكل يكاد يكون لحظيًا لشؤون هذا القطاع وبياناته وتطوراته، أرى أن من واجبي المهني التذكير بحقيقة تستحق أن تُسجل للمؤسسة الوطنية للنفط: أنها حافظت منذ بداية عام 2026 وبصورة دورية ومنتظمة، على نشر بيانات وتقارير تتعلق بالإنتاج والإيرادات وغيرها من المؤشرات المرتبطة بنشاط القطاع، واستمرت هذه الممارسة حتى أحدث البيانات المتعلقة بالشهر المنصرم يوليو، إلى جانب إصدار توضيحات وبيانات طارئة كلما استدعت الحاجة ذلك..

الإفصاح ليس حدثًا عابرًا

الأهمية هنا ليست في تقرير واحد أو بيان استثنائي، وإنما في تحول الإفصاح إلى ممارسة دورية.

فمن يتابع ما تنشره المؤسسة الوطنية للنفط يلاحظ وجود سلسلة من البيانات والتقارير التي تتناول الإنتاج والإيرادات النفطية والمبيعات والتحويلات والميزانيات المستلمة وبعض أوجه الإنفاق والبيانات الفنية والإحصائية، إلى جانب ما يصدر من توضيحات عند ظهور تساؤلات حول بعض الأرقام أو الآليات.

وهذا التمييز مهم جدًا.

فالشفافية لا تعني فقط نشر رقم الإنتاج اليومي أو الشهري، وإنما أن تتشكل بمرور الوقت قاعدة من البيانات يستطيع من خلالها الاقتصادي والباحث والإعلامي والمواطن متابعة أداء القطاع وفهم جانب مهم من حركة المورد الأساسي للاقتصاد الوطني.

والأهم أن المؤسسة لم تحصر الإفصاح في التقارير الدورية فقط..

فعندما أثيرت خلال العام تساؤلات حول بعض الأرقام المتعلقة بالإيرادات النفطية، أو آليات التحويل، أو تسوية قيمة المحروقات، صدرت عنها توضيحات إضافية خارج الإطار الدوري المعتاد لشرح ما يحتاج إلى تفسير.

وهنا يمكن التمييز بين مستويين مهمين من الشفافية:

إفصاح دوري منتظم، وإفصاح طارئ تفسيري عند الحاجة.

وهذه، في تقديري، ظاهرة مؤسسية حميدة تستحق التشجيع..

لا نقول إن التجربة مكتملة

القول بوجود مسار واضح للإفصاح لا يعني أن المطلوب قد تحقق بالكامل.

فالطموح يجب أن يكون دائمًا نحو مزيد من التفصيل، وتوحيد منهجية التقارير الشهرية، وتطوير طريقة عرض البيانات، والمحافظة على سلاسل زمنية متجانسة تسمح بالمقارنة، وزيادة الترابط بين أرقام الإنتاج والمبيعات والصادرات والإيرادات والتحويلات والميزانيات.

كما أن تطور القطاع نفسه، وضخامة الأرقام التي يديرها، وأهمية النفط والغاز للاقتصاد الليبي، تجعل سقف التوقعات من المؤسسة الوطنية للنفط مرتفعًا بطبيعته.

لذلك فإن من حق الجميع أن يطالبها دائمًا بالمزيد.. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين أن نقول:

إن الإفصاح القائم يحتاج إلى مزيد من التطوير،

وبين أن توضع المؤسسة، ولو من دون قصد، ضمن صورة عامة توحي بغياب الإفصاح والشفافية عنها.. وهنا تحديدًا تأتي ملاحظتي.

ليس الهدف المقارنة مع أحد

ولكي تكون الفكرة واضحة، فإنني لا أعقد هنا مقارنة بين المؤسسة الوطنية للنفط وبين مصرف ليبيا المركزي أو ديوان المحاسبة أو وزارة المالية أو أي مؤسسة نقدية أو مالية أو رقابية أو تنفيذية أخرى.

ولست بصدد تقييم مستوى الإفصاح لدى أي منها؛ فلكل مؤسسة اختصاصها وطبيعة بياناتها وآليات عملها، وهناك بلا شك تقارير وبيانات مهمة تصدر عن عدد من مؤسسات الدولة ويستفيد منها الاقتصاديون والباحثون.

كما أنني لا أتابع تفاصيل تلك المؤسسات بالدرجة نفسها التي أتابع بها القطاع النفطي والغازي، ولذلك فإن الإنصاف نفسه الذي أدعو إليه يمنعني من إصدار أحكام عامة بشأنها.

حديثي هنا عن المؤسسة الوطنية للنفط وحدها، وفي حدود ما أعرفه وأتابعه وأستطيع التحقق منه.

من هذا المنطلق أرى أن سجل المؤسسة في الإفصاح خلال الفترة الماضية ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عند تناول قضية الشفافية في ليبيا.

لماذا ينبغي أن نشجع من بدأ؟

ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في الموضوع كله.

إذا كنا نريد بالفعل ترسيخ ثقافة الإفصاح داخل الدولة الليبية، فعلينا ألا نكتفي بمطالبة المؤسسات بالشفافية، وإنما علينا أيضًا أن نشجع الممارسة عندما تبدأ ونطالب بتطويرها واستدامتها.

لأن المؤسسة العامة عندما تعلم أن نشر بياناتها سيقابل بقراءة موضوعية، وأن النقص سيُنتقد، لكن التقدم سيُسجل لها أيضًا، فإننا نخلق حافزًا مؤسسيًا للاستمرار والتطوير.

أما إذا لم نفرق في خطابنا العام بين وجود الإفصاح وغيابه، فقد نفقد دون قصد أحد أهم الحوافز اللازمة لترسيخ هذه الثقافة.

وهذا لا يعني منح أي مؤسسة حصانة من النقد.. بل العكس تمامًا.

كلما ارتفع مستوى الإفصاح، أصبحت المؤسسة أكثر قابلية للمساءلة والتحليل، وأصبح الخبراء قادرين على قراءة أدائها ومناقشة أرقامها بصورة أكثر علمية.

فالشفافية ليست شهادة حسن أداء، وإنما أداة تسمح بقياس الأداء أصلًا.

خصوصية المؤسسة الوطنية للنفط

وهناك سبب آخر يجعلني أرى أهمية خاصة لهذا المسار.

ليبيا دولة يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة جدًا على النفط والغاز، والمؤسسة الوطنية للنفط تقف في قلب عملية إدارة المورد الذي يمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية وتمويل المالية العامة.

لذلك فإن البيانات الصادرة عنها لا تهم العاملين في القطاع وحدهم، وإنما تهم المصرفي والاقتصادي والباحث والمستثمر وصانع القرار والمواطن.

وعندما تنشر المؤسسة أرقام الإنتاج والإيرادات وغيرها من البيانات، فهي لا تقدم مجرد تقرير إداري عن نشاطها، بل توفر جزءًا أساسيًا من المعلومات اللازمة لفهم الاقتصاد الليبي بأكمله.

ولهذا ينبغي أن يكون المطلوب هو البناء على تجربة الإفصاح القائمة، وليس إغفالها.

نريد المزيد من التفاصيل.

نريد سلاسل بيانات أكثر اتساقًا.

نريد أن يصبح الوصول إلى المعلومة أسهل.

ونريد أن تتطور التقارير بما يسمح للمتخصص وغير المتخصص بفهم العلاقة بين الإنتاج والمبيعات والإيرادات والميزانيات وغيرها من المؤشرات.

لكن في الوقت نفسه ينبغي أن نقول بموضوعية إن هناك مسارًا بدأ، وإن هذا المسار مستمر، وإن الواجب هو دعمه وتطويره.

النقد والإنصاف لا يتعارضان

بحكم انتمائي المهني لهذا القطاع منذ عقود، قد يكون من الطبيعي أن تكون لدي غيرة مهنية عليه، لكنها لا تعني الدفاع عنه في كل الأحوال.

فقد انتقدنا وسننتقد عندما يستوجب الأمر النقد، ونطالب بالمزيد عندما يكون المزيد ممكنًا وضروريًا.

لكن بالمنطق نفسه، عندما تقوم المؤسسة بممارسة إيجابية، فمن واجبنا المهني أيضًا أن نسجلها لها.

فالإنصاف لا يقل أهمية عن النقد.

وأعتقد أن النخب الاقتصادية والأكاديمية والإعلامية تقع عليها مسؤولية كبيرة في هذا الجانب؛ لأن الكلمة الصادرة عن خبير أو أستاذ جامعي أو متخصص لا تُقرأ باعتبارها رأيًا عابرًا، وإنما قد تسهم في تشكيل تصور الرأي العام عن المؤسسات.

ومن هنا تأتي أهمية الدقة في التفريق بين مؤسسة نطالبها بزيادة مستوى الإفصاح، ومؤسسة لا تفصح أصلًا، ومؤسسة لديها بالفعل مسار دوري للإفصاح يحتاج إلى الاستمرار والتطوير.

من ممارسة مؤسسية إلى ثقافة دولة

الغاية في النهاية ليست الدفاع عن المؤسسة الوطنية للنفط.

الغاية أكبر من ذلك.

أتمنى أن يصبح الإفصاح المنتظم ثقافة مؤسسية ليبية راسخة، وأن تكون كل ممارسة ناجحة في هذا الاتجاه حافزًا لتوسيع دائرة الشفافية، بحيث يستطيع المواطن والباحث وصانع القرار الوصول إلى المعلومة الرسمية في وقتها وبالصورة التي تمكنه من فهمها وتحليلها.

وإذا كانت المؤسسة الوطنية للنفط قد حافظت خلال هذا العام على نهج الإفصاح الدوري، وأتبعت ذلك بتوضيحات طارئة عندما استدعت الحاجة، فإن المطلوب ليس أن نقول إنها وصلت إلى نهاية الطريق.

بل أن نقول لها:

استمري… وطوّري ما بدأته.

وأن نشجع كل مؤسسة عامة على ترسيخ الإفصاح باعتباره جزءًا أصيلًا من عملها، لا استجابة مؤقتة للضغط أو الجدل.

فالشفافية الحقيقية لا تتحقق بتقرير واحد، ولا ببيان استثنائي، وإنما تتحقق عندما يصبح الإفصاح عادة مؤسسية مستمرة، والمعلومة حقًا عامًا، والرقم الرسمي هو المرجع الأول للنقاش العام.

وعندما ننتقد، علينا أن ننتقد بموضوعية.

وعندما نطالب بالمزيد، علينا أن نطالب به دون تردد.

ولكن عندما نجد ممارسة صحيحة بدأت تترسخ، فإن من الإنصاف — ومن المصلحة الوطنية أيضًا — أن نشجعها حتى تصبح نموذجًا يُحتذى، لا استثناءً يحتاج في كل مرة إلى من يذكّر بوجوده.

“حسني بي”: أزمة تمويل النفط في ليبيا أزمة نموذج غير قابل للتمويل.. من «ميزانية المؤسسة» إلى نموذج اقتصادي يجعل النفط قادراً على تمويل نفسه

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

يتكرر النقاش في ليبيا كل عام تقريباً حول حجم الأموال التي تحتاجها المؤسسة الوطنية للنفط، وتأخر الميزانيات، وتأثير ذلك على الصيانة والحفر وتطوير الحقول والمحافظة على مستويات الإنتاج.

وغالباً ما يُختزل النقاش في سؤال واحد:
كم تحتاج المؤسسة الوطنية للنفط من الدولة؟
لكنني أعتقد أن هذا السؤال، رغم أهميته، لا يصل إلى أصل المشكلة.

السؤال الأكثر أهمية هو:
لماذا يحتاج قطاع يبيع عشرات المليارات من الدولارات سنوياً إلى انتظار مخصصات من الميزانية العامة حتى يستطيع تمويل عملياته واستثماراته؟
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
أزمة قطاع النفط الليبي ليست في الأساس أزمة نقص أموال، وإنما أزمة نموذج مؤسسي ومالي غير قابل للتمويل بصورة مستقلة.
لدينا مورد ضخم… ولكن ليس لدينا نموذج شركة نفطية قابلة للتمويل.

هناك من يقارن المؤسسة الوطنية للنفط بشركات وطنية كبرى مثل أرامكو السعودية، وأدنوك الإماراتية، وقطر للطاقة وغيرها.
لكن المقارنة في النتائج دون مقارنة النماذج المؤسسية والمالية قد تكون مضللة.
هذه الشركات لا تعمل باعتبارها مجرد جهات حكومية تنتظر في كل سنة اعتماداً من الميزانية العامة حتى تبدأ برامجها الاستثمارية.
لديها أصول، وتدفقات نقدية، وميزانيات، وقوائم مالية، وهياكل رأسمالية، وقدرة على الاحتفاظ بجزء من مواردها وتمويل استثماراتها، والدخول في شراكات، وإنشاء شركات للمشروعات، وفي حالات مختلفة الوصول إلى أسواق الدين أو رأس المال.

الممول يستطيع أن يرى بوضوح:
ما الأصول؟
ما التدفقات النقدية؟
ما الالتزامات؟
ما تكلفة المشروع؟
وكم سينتج؟
وما الإيرادات المتوقعة؟
وما معدل العائد؟
وكيف سيتم سداد التمويل؟

أما في النموذج الليبي فالعلاقة أكثر تعقيداً.
الثروة النفطية ملك للدولة، والمؤسسة تدير الإنتاج والتسويق ضمن الإطار القانوني للدولة، بينما تؤول إيرادات النفط إلى الدولة.
ثم تعود المؤسسة نفسها لتطلب من الدولة الأموال اللازمة لتشغيل القطاع الذي أنتج تلك الإيرادات.

وهكذا ندخل في دائرة غريبة:
النفط ينتج الدولار → الدولار يذهب إلى الدولة → المؤسسة تحتاج دينارات ودولارات → تنتظر الميزانية → تتأخر الميزانية → تتأخر المشروعات → يتأثر الإنتاج الذي يولد الدولار أصلاً.
هذه ليست في تقديري مشكلة سيولة فقط.
إنها مشكلة تصميم مالي ومؤسسي.

الفرق بين «قطاع غني» و«شركة قابلة للتمويل»
وجود احتياطيات نفطية ضخمة لا يعني تلقائياً وجود مؤسسة يمكن تمويلها مصرفياً أو استثمارياً.
الممول لا يقرض النفط الموجود تحت الأرض لمجرد وجوده.
الممول يحتاج إلى:
أصل قانوني واضح + تدفقات نقدية قابلة للتوقع + حقوق تعاقدية + قوائم مالية شفافة + حوكمة + قدرة واضحة على السداد.
وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات النموذج الليبي.
قد تكون المؤسسة مسؤولة عن إدارة إنتاج عشرات المليارات من الدولارات، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذه التدفقات تمثل إيرادات وأصولاً مملوكة لها يمكن رهنها أو استخدامها لبناء هيكل تمويلي مستقل.
ولهذا يمكن أن يكون لدينا قطاع نفطي بالغ الثراء، وفي الوقت نفسه مؤسسة تعاني للحصول على تمويل مشروع بمليار دولار.
وهذه مفارقة يجب أن نتوقف عندها.

الإنفاق الرأسمالي ليس بالضرورة استثماراً
هناك أيضاً خلط متكرر بين ثلاثة مفاهيم:
الإنفاق التشغيلي، والإنفاق الرأسمالي، والاستثمار.
تكلفة تشغيل الحقول وصيانتها ضرورة للحفاظ على الإنتاج.
وحفر الآبار وبناء خطوط الأنابيب والمنشآت الجديدة يمثل إنفاقاً رأسمالياً.
لكن الاستثمار، بالمعنى الاقتصادي، يحتاج إلى شيء إضافي:
عائد قابل للقياس.
إذا أنفقنا مليار دولار، يجب أن نعرف:
كم برميلاً إضافياً أنتج؟
وكم سنة سيستمر هذا الإنتاج؟
وما تكلفة البرميل الإضافي؟
وكم أضاف المشروع إلى الاحتياطيات القابلة للاستخراج؟
وما صافي التدفقات النقدية؟
وما معدل العائد على رأس المال؟
وكم سنة يحتاج المشروع لاسترداد تكلفته؟
فليس كل دولار يصرف على قطاع النفط استثماراً ناجحاً لمجرد أنه صُرف على النفط.

السؤال ليس: كم نعطي المؤسسة؟
النقاش المالي التقليدي يضع الدولة والمؤسسة في مواجهة سنوية:
المؤسسة تطلب التمويل.
والحكومة أو الجهات المالية تناقش الرقم.
والجهات الرقابية تراجع المصروفات.
ثم يبدأ التفاوض حول حجم الميزانية.
لكن المستثمر أو الممول لا يفكر بهذه الطريقة.
هو لا يسأل:
كم تريد المؤسسة؟
بل يسأل:
ما المشروع؟ وكم يكلف؟ وكم سيولد من تدفقات نقدية؟
وهذا اختلاف جوهري في التفكير.

نحن بحاجة إلى الانتقال من:
Budget Financing
إلى:
Project & Corporate Finance.
أي من تمويل الميزانية إلى تمويل المشروع والاستثمار.
لماذا يجب أن ينتظر مشروع نفطي مربح الميزانية العامة؟
لنفترض أن لدينا مشروع غاز يحتاج إلى مليار دولار، ويستطيع بعد اكتماله توليد تدفقات نقدية قوية ومستقرة لسنوات طويلة.
لماذا يجب أن ينافس هذا المشروع المرتبات والدعم والمصروفات الحكومية على مخصصات الميزانية العامة؟
إذا كان المشروع مجدياً اقتصادياً، فيجب أن يكون من الممكن بناء هيكل مالي حوله.

يمكن، بحسب طبيعة المشروع وإطاره القانوني، تأسيس شركة مشروع مستقلة SPV تكون لها عقودها وتدفقاتها وحساباتها وقوائمها المالية.
وقد يدخل فيها:
المؤسسة الوطنية للنفط،
والشركة المشغلة،
وشريك نفطي دولي،
ومؤسسات تمويل،
ومستثمرون.
ويتم سداد التمويل من التدفقات النقدية التي يولدها المشروع نفسه.
عندها لا يصبح السؤال:
هل لدى الخزانة مليار دولار هذا العام؟
بل:
هل المشروع قادر اقتصادياً على تمويل نفسه؟
وهذا هو التحول المطلوب.
أرامكو وغيرها لا تنجح لأنها تحصل على أموال أكثر
الدرس الأهم من الشركات النفطية الوطنية الناجحة ليس أن حكوماتها أكثر سخاء معها.
الدرس الحقيقي هو أن الدولة بنت حولها نموذجاً اقتصادياً ومؤسسياً قابلاً للاستثمار والتمويل.

المؤسسة التي تستطيع إثبات أصولها وتدفقاتها النقدية وأرباحها ومخاطرها تستطيع الوصول إلى رأس المال.
أما المؤسسة التي تعتمد في كل دورة مالية على قرار إداري بتخصيص الأموال، فستظل استثماراتها مرتبطة بالميزانية والسياسة والسيولة الحكومية، مهما كانت الثروة الطبيعية التي تديرها ضخمة.
وهنا يكمن الفرق.

المطلوب ليس خصخصة النفط
هذا الطرح لا يعني بيع النفط أو التخلي عن ملكية الدولة للثروة النفطية.
هناك فرق كبير بين:
ملكية الدولة للثروة
وبين:
طريقة تمويل استغلال هذه الثروة.
يمكن أن تبقى الثروة النفطية مملوكة بالكامل للشعب الليبي، وفي الوقت نفسه نبني شركات ومشروعات وهياكل تمويل تستطيع جذب رأس المال لتنميتها.
بل إن الهدف هو العكس تماماً:
تعظيم قيمة ما تملكه الدولة بدلاً من إبقائه رهينة قدرتها السنوية على الإنفاق.

يجب الفصل بين ثلاثة أنواع من التمويل
أرى ضرورة إعادة بناء العلاقة المالية بين الدولة وقطاع النفط على ثلاثة مستويات واضحة.

أولاً: التشغيل والمحافظة على الإنتاج.
يجب أن تكون له آلية تمويل مستقرة وتلقائية قدر الإمكان، لأن وقف الصيانة أو التشغيل بسبب تأخر الميزانية قد يكلف الدولة أكثر بكثير من قيمة التمويل.

ثانياً: الإنفاق الرأسمالي للمحافظة على الطاقة الإنتاجية.
يجب ربطه بمؤشرات واضحة للتكلفة والإنتاج والأداء.

ثالثاً: المشروعات الجديدة وزيادة الإنتاج والغاز والبتروكيماويات والبنية التحتية.
وهذه يجب ألا تبقى كلها رهينة الميزانية العامة.
المشروع القادر على توليد عائد يجب، كلما كان ذلك ممكناً، أن يتحول إلى مشروع قابل للتمويل.
من «كم أنفقنا؟» إلى «كم حققنا؟»

نحتاج أيضاً إلى تغيير ثقافة تقييم أداء القطاع.
المعيار ليس حجم الميزانية التي تم اعتمادها أو إنفاقها.
المعيار الحقيقي هو:
كم كلفنا البرميل؟
كم كلفتنا المحافظة على مليون برميل من الطاقة الإنتاجية؟
كم كلفنا إضافة 100 ألف برميل يومياً؟
كم كلفنا تطوير وحدة إضافية من احتياطيات الغاز؟
كم خفضنا من حرق الغاز؟
وكم دولاراً عاد على الدولة مقابل كل دولار تم استثماره؟
عندها فقط يمكن التفريق بين مشروع ناجح ومشروع متعثر، وبين استثمار وإنفاق.

الإصلاح الحقيقي: اجعلوا النفط قابلاً للتمويل
ليبيا لا تحتاج فقط إلى زيادة ميزانية المؤسسة الوطنية للنفط.
تحتاج إلى إعادة تصميم النموذج المالي للقطاع.
نحتاج إلى إطار يسمح بفصل المشروعات، وقياس عوائدها، وتأسيس شركات مشروعات، وبناء تدفقات نقدية مستقلة، وإدخال التمويل المؤسسي والاستثماري، والشراكة مع القطاع الخاص والشركات الدولية، مع رقابة الدولة الكاملة على الثروة وحقوقها.
وفي الوقت نفسه نحتاج إلى قوائم مالية أكثر تفصيلاً وشفافية، وحوكمة، وتدقيق مستقل، ومؤشرات أداء لكل مشروع واستثمار.

الهدف النهائي يجب أن يكون بسيطاً:
أن تتحول المؤسسة من جهة تحتاج إلى تمويل الميزانية إلى منظومة تستطيع تمويل جزء متزايد من استثماراتها اعتماداً على اقتصاديات مشاريعها نفسها.
النفط يجب أن يمول الدولة… لا أن تصبح الدولة هي التي تمول النفط إلى الأبد
هذه هي المفارقة الكبرى في النموذج الحالي.
لدينا قطاع يمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية ويمول الجزء الأكبر من قدرة الدولة على الإنفاق، ومع ذلك فإن تطوير هذا القطاع نفسه يبقى رهينة دورة الميزانية العامة.
وهذا نموذج يصعب أن يكون مستداماً.
الحل ليس في حجب الأموال عن المؤسسة، بل العكس: يجب حماية التمويل الضروري للتشغيل والصيانة والإنتاج.
ولكن بالتوازي يجب أن نتوقف عن اعتبار زيادة المخصصات السنوية هي الحل الهيكلي.
فالمشكلة أعمق.

أزمة تمويل النفط في ليبيا ليست أزمة عدم وجود المال؛ إنها أزمة نموذج لم يُبنَ بعد ليكون قابلاً للتمويل.
والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال بدلاً من:
«كم نخصص للمؤسسة من الميزانية؟»
هو:
«كيف نبني قطاعاً نفطياً يستطيع تمويل استثماراته، وتعظيم قيمة أصول الدولة، ثم تحويل العائد إلى الخزانة؟»
عندها نكون قد انتقلنا فعلاً من الإنفاق على النفط إلى الاستثمار في النفط، ومن إدارة مورد طبيعي إلى بناء صناعة وطنية قابلة للاستمرار والتمويل والنمو.

“الشلوي”: بين الإنفاق والاستثمار.. لماذا تختلف ميزانية المؤسسة الوطنية للنفط عن بقية ميزانيات الدولة؟

كتب: عبدالمنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

في كل مرة يُثار فيها الحديث عن الميزانيات العامة في ليبيا، تتجه الأنظار إلى أرقام الإنفاق وحجم الاعتمادات المخصصة للقطاعات المختلفة، ويحتدم النقاش حول أولويات الصرف، ومدى عدالته، وشفافيته، وجدواه. وهو نقاش مشروع وصحي في أي دولة تسعى إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة والمساءلة.

غير أن هذا النقاش، على أهميته، يخلط أحياناً بين نوعين مختلفين تماماً من الإنفاق؛ الأول هو الإنفاق الحكومي الذي يهدف إلى تقديم الخدمات العامة، والثاني هو الإنفاق الاستثماري والتشغيلي الذي يهدف إلى إنتاج الثروة نفسها.

وهنا تكمن خصوصية المؤسسة الوطنية للنفط.

فميزانية المؤسسة الوطنية للنفط ليست مجرد بند مالي يُضاف إلى بقية أبواب الإنفاق العام، بل تمثل في حقيقتها الاستثمار الذي يُمكّن الدولة من توليد معظم إيراداتها. ولذلك فإن النظر إليها بالمنظار ذاته الذي يُنظر به إلى ميزانيات الجهات الحكومية الأخرى قد يقود إلى استنتاجات غير دقيقة، بل وربما إلى قرارات تكون كلفتها الاقتصادية أكبر بكثير من حجم الوفر المالي الذي يُعتقد أنه تحقق.

اقتصاد ريعي.. ومحركه النفط

لا تزال ليبيا تُصنف ضمن الاقتصادات الريعية، إذ يعتمد اقتصادها بصورة رئيسية على النفط والغاز، اللذين يشكلان النسبة الساحقة من الصادرات، ويؤمنان أكثر من 90% من الإيرادات العامة للدولة، كما يمثلان المصدر الأساسي للنقد الأجنبي الذي تعتمد عليه البلاد في تمويل الواردات، والمحافظة على احتياطياتها، واستقرار سعر صرف عملتها.

وبالتالي فإن أي خلل يصيب القطاع النفطي لا يقتصر أثره على المؤسسة الوطنية للنفط أو الشركات التابعة لها، بل يمتد مباشرة إلى المالية العامة، والقطاع المصرفي، وسوق النقد، والكهرباء، والدعم، والخدمات، والمرتبات، والاستثمار، بل وحتى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هنا، فإن تمويل هذا القطاع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إنفاقاً على مؤسسة، وإنما باعتباره استثماراً في استدامة الاقتصاد الوطني بأكمله.

ليست ميزانية استهلاكية.. بل ميزانية إنتاج

من المهم أن يميز الرأي العام بين نوعين من الإنفاق:

فهناك إنفاق استهلاكي لا ينتج دخلاً مباشراً للدولة، بينما توجد ميزانيات تشغيلية ورأسمالية تؤدي إلى إنتاج النفط والغاز اللذين تعتمد عليهما الدولة في تمويل جميع التزاماتها.

فالميزانية التشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط تمول أعمال التشغيل اليومية، وصيانة الحقول، والمحطات، وخطوط الأنابيب، والموانئ، وأنظمة التحكم، والسلامة الصناعية، والمختبرات، وأجور شركات الخدمات، وقطع الغيار، والمواد الكيميائية، والنقل البحري والجوي، وغيرها من الأنشطة التي تضمن استمرار الإنتاج دون انقطاع.

أما الميزانية الاستثمارية (الرأسمالية)، فهي تمثل الاستثمار الحقيقي في المستقبل؛ إذ تمول تطوير الحقول، وحفر الآبار الجديدة، وإنشاء خطوط الأنابيب، وتوسعة مرافق الإنتاج، ومشروعات الغاز، والبنية التحتية، وبرامج تقليل حرق الغاز، ومشروعات التحول الرقمي، ورفع كفاءة العمليات، بما يضمن المحافظة على الطاقة الإنتاجية الحالية وزيادتها مستقبلاً.

بعبارة أخرى، فإن هذه الميزانيات لا تُستهلك، وإنما تتحول إلى أصول إنتاجية تدر إيرادات لعقود قادمة.

التأخير.. ليس أقل خطورة من الحجب

يعتقد البعض أن المشكلة تبدأ فقط عندما لا تعتمد الميزانية، بينما الواقع أكثر تعقيداً.

ففي صناعة النفط والغاز، يُعد الوقت عنصراً اقتصادياً بحد ذاته.

إن تأخر اعتماد الميزانيات، حتى وإن كان مؤقتاً أو مبرراً بإجراءات مالية أو قانونية، قد يؤدي إلى تأجيل برامج الصيانة الوقائية، وتأخير توريد المعدات وقطع الغيار، وإرجاء أعمال الحفر والتطوير، وإعادة جدولة العقود، وارتفاع تكاليف التنفيذ نتيجة تغير الأسعار العالمية، فضلاً عن فقدان بعض الفرص الاستثمارية التي لا تنتظر المترددين.

وفي كثير من الحالات، تكون تكلفة التأخير أكبر من قيمة الاعتماد نفسه، لأن إعادة تشغيل المشاريع أو تعويض التراجع في الإنتاج تتطلب استثمارات إضافية، ووقتاً أطول، وجهداً أكبر.

ولهذا فإن الدول النفطية المتقدمة لا تتعامل مع تمويل قطاعها النفطي باعتباره ملفاً مالياً فقط، بل باعتباره ملفاً استراتيجياً يرتبط بالأمن الاقتصادي للدولة.

النفط لا ينتظر أحداً

العالم اليوم يشهد منافسة غير مسبوقة على أسواق الطاقة.

فهناك دول توسع طاقاتها الإنتاجية، وأخرى تطور بنيتها التحتية، وثالثة تستثمر مليارات الدولارات في الغاز الطبيعي، والبتروكيماويات، والطاقة منخفضة الانبعاثات، وتقنيات الاستخلاص المعزز، والتحول الرقمي.

وفي المقابل، تمتلك ليبيا ميزات تنافسية يصعب تعويضها؛ احتياطيات ضخمة، ونفطاً عالي الجودة، وغازاً قريباً من الأسواق الأوروبية، وموقعاً جغرافياً استثنائياً، وبنية تحتية قابلة للتطوير، وخبرات وطنية متراكمة.

لكن هذه المزايا وحدها لا تكفي.

فأي فرصة لا تُستثمر في وقتها قد تتحول إلى فرصة لدولة أخرى أكثر جاهزية، وأكثر سرعة في اتخاذ القرار.

ولهذا فإن استقرار التمويل يمثل أحد أهم عناصر المحافظة على القدرة التنافسية للقطاع النفطي الليبي.

تجارب الدول المنتجة.. الدرس المشترك

عند النظر إلى تجارب الدول النفطية الرائدة، نجد أن الحكومات تنظر إلى شركاتها الوطنية باعتبارها محركات للنمو الاقتصادي.

فالشركات الوطنية الكبرى، مثل أرامكو السعودية، وأدنوك الإماراتية، وقطر للطاقة، وسوناطراك الجزائرية، وإكوينور النرويجية، وبتروبراس البرازيلية، تحظى ببرامج تمويل مستقرة تتيح لها تنفيذ خططها التشغيلية والاستثمارية وفق جداول زمنية واضحة، لأن هذه الدول تدرك أن كل دولار يُستثمر في تطوير القطاع يمكن أن يعود بأضعافه على الاقتصاد الوطني.

ولا يعني ذلك غياب الرقابة، بل على العكس، فإن تلك الشركات تخضع لمنظومات صارمة من الحوكمة والإفصاح والتدقيق والمراجعة، وهو ما يحقق التوازن بين سرعة الإنجاز وحماية المال العام.

الشفافية والحوكمة.. وجهان لا ينفصلان عن التمويل

إن المطالبة بتوفير التمويل اللازم لقطاع النفط لا تعني بأي حال المطالبة بفتح أبواب الإنفاق دون ضوابط.

فالتمويل الرشيد يجب أن يقترن دائماً بالشفافية، والإفصاح، والحوكمة، والرقابة، وإدارة المخاطر، والمراجعة المستقلة، والامتثال للقوانين واللوائح النافذة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما شهدته المؤسسة الوطنية للنفط خلال السنوات الأخيرة من تطور ملحوظ في مستوى الإفصاح المؤسسي؛ إذ أصبحت تصدر تقارير شهرية ودورية عن الإنتاج والإيرادات والأنشطة، إلى جانب بيانات توضيحية عند الحاجة، وهو نهج عزز ثقة المتابعين، ورسخ ثقافة التواصل مع الرأي العام، ووضع المؤسسة في موقع متقدم مقارنة بالعديد من المؤسسات العامة في ليبيا.

ولا يعني ذلك أن مسيرة التطوير قد اكتملت، فالحوكمة عملية مستمرة، لكن من الإنصاف الإقرار بما تحقق والبناء عليه.

مسؤولية جماعية.. لا مسؤولية مؤسسة وحدها

قد يظن البعض أن الدفاع عن استقرار تمويل قطاع النفط هو شأن يخص المؤسسة الوطنية للنفط وحدها، بينما الحقيقة أنه مسؤولية وطنية مشتركة.

فالدولة مطالبة بتوفير البيئة التشريعية والمالية المناسبة، والجهات الرقابية مطالبة بضمان سلامة الإنفاق، والمؤسسة مطالبة بمواصلة تطوير الأداء والشفافية، أما الرأي العام فهو مطالب أيضاً بفهم طبيعة هذا القطاع وعدم التعامل معه بمنطق المقارنات التقليدية مع بقية الجهات العامة.

فميزانية قطاع النفط ليست امتيازاً لمؤسسة، وإنما هي استثمار في استمرار المورد الذي يمول الدولة بأكملها.

كلمة أخيرة

إن السؤال الحقيقي ليس: كم تنفق الدولة على المؤسسة الوطنية للنفط؟

بل ينبغي أن يكون: كم ستخسر الدولة إذا لم توفر للمؤسسة التمويل التشغيلي والاستثماري في الوقت المناسب؟

فالنفط والغاز ليسا مجرد سلعتين للتصدير، بل هما العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وأساس الاستقرار المالي، والمصدر الرئيس للنقد الأجنبي، والرافعة التي تعتمد عليها الموازنة العامة، والخدمات، والمرتبات، والتنمية، والأمن الاقتصادي.

ومن هنا، فإن الميزانيات التشغيلية والرأسمالية للمؤسسة الوطنية للنفط ينبغي أن تُفهم باعتبارها استثماراً وطنياً عالي العائد، لا بنداً من بنود الإنفاق الحكومي التقليدي.

وعندما يدرك الرأي العام هذه الحقيقة، سيصبح أكثر قدرة على التمييز بين الإنفاق الذي يستهلك الموارد، والإنفاق الذي يصنعها، وبين المصروف الذي ينتهي أثره بانتهاء السنة المالية، والاستثمار الذي يحافظ على مصدر رزق الدولة لعقود مقبلة.

وفي النهاية، فإن حماية قطاع النفط والغاز ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مسؤولية دولة ومجتمع، لأن قوة هذا القطاع تعني قوة الاقتصاد، واستقراره يعني استقرار ليبيا، وأي تعثر فيه — ولو كان ناجماً عن تأخير في التمويل — لن ينعكس على الحقول والمنشآت فحسب، بل سيمتد أثره إلى كل بيت ليبي، وكل مؤسسة، وكل مشروع تنموي، وكل مواطن ينتظر مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً.

“الشلوي”: الخام الليبي إلى جورجيا.. لماذا يتجاوز هذا الخبر حدود صفقة نفطية عادية؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي عبد المنصف الشلوي

في أسواق النفط العالمية، لا تُقاس أهمية الأخبار دائماً بعدد البراميل أو قيمة الشحنات، بل كثيراً ما تُقاس بالرسائل التي تحملها، وبالاتجاهات التي تعكسها في حركة الأسواق وتحولات الجغرافيا السياسية للطاقة. ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان عن اعتماد الخام الليبي لتزويد مصفاة كوليفي، المصفاة الوحيدة في جورجيا، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد عقد تجاري جديد، بل باعتباره مؤشراً على تحول أوسع في خريطة تدفقات النفط نحو أوروبا ومنطقة البحر الأسود.

وتقع جورجيا في منطقة القوقاز، عند ملتقى أوروبا الشرقية وغرب آسيا، وتطل على الساحل الشرقي للبحر الأسود، وتشكل ممراً استراتيجياً يربط منطقة بحر قزوين والأسواق الآسيوية بأوروبا. كما تمر عبر أراضيها أهم خطوط نقل النفط والغاز القادمة من أذربيجان إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما منحها خلال السنوات الأخيرة مكانة متقدمة ضمن منظومة أمن الطاقة الإقليمي.

ويأتي الاتفاق في وقت تشهد فيه الأسواق الأوروبية إعادة هيكلة غير مسبوقة لمصادر إمدادات الطاقة، على خلفية العقوبات المفروضة على النفط الروسي. فقد أعلنت الشركة المالكة للمصفاة اعتماد الخام الليبي إلى جانب الخام الكازاخستاني بديلاً عن النفط الروسي، ضمن خطة تهدف إلى الامتثال للمتطلبات الأوروبية وضمان استمرار نشاط المصفاة بعيداً عن العقوبات.

ورغم أن حجم الشحنات الأولى قد لا يكون كبيراً مقارنة إجمالي صادرات ليبيا، فإن أهمية الخبر لا تكمن في الكمية، وإنما في نوعية السوق التي يدخلها الخام الليبي، وفي الرسالة التي يبعث بها إلى الأسواق الدولية. فدخول مصفاة جديدة إلى قائمة عملاء النفط الليبي يعني توسيع قاعدة المشترين، وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الأسواق، وهو ما يمثل أحد أهم عناصر الأمن التسويقي لأي دولة منتجة للنفط.

كما أن العقد يمتد حتى نهاية عام 2027 مع إمكانية التمديد، وهو ما يمنح العلاقة التجارية بعداً يتجاوز الصفقات الفورية إلى شراكة أكثر استقراراً، ويعزز ثقة المشترين في قدرة ليبيا على الالتزام بتوريد النفط بصورة منتظمة.

ومن الناحية الفنية، يتمتع الخام الليبي بميزات تنافسية معروفة عالمياً، أهمها انخفاض نسبة الكبريت وخفة الخام، وهي خصائص تجعله مناسباً للعديد من المصافي الأوروبية، وتخفض كلفة المعالجة، كما تساعد على إنتاج مشتقات نفطية تتوافق مع المواصفات البيئية الأوروبية. ولهذا فإن اختيار الخام الليبي لم يكن خياراً سياسياً فقط، بل يستند أيضاً إلى اعتبارات تشغيلية واقتصادية واضحة.

أما من الناحية الجيوسياسية، فإن أهمية الاتفاق تتجاوز حدود جورجيا نفسها. فما يحدث اليوم هو جزء من عملية أوسع لإعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تتجه العديد من المصافي الأوروبية والإقليمية إلى تنويع مصادر الإمداد وتقليص الاعتماد على النفط الروسي. وفي هذا السياق، تبرز ليبيا باعتبارها أحد أقرب المنتجين إلى الأسواق الأوروبية، وتمتلك احتياطيات كبيرة، وخاماً عالي الجودة، وموقعاً جغرافياً يمنحها ميزة تنافسية يصعب تجاهلها.

ولا يعني ذلك أن ليبيا تحل محل روسيا في الأسواق العالمية، فالفارق في أحجام الإنتاج والصادرات كبير، لكن من المؤكد أن التحولات الحالية تفتح أمامها فرصاً حقيقية لتعزيز حضورها في أسواق جديدة، إذا ما تمكنت من الحفاظ على استقرار الإنتاج واستمرارية الصادرات والالتزام بالعقود.

ومن الجانب الاقتصادي، فإن تنويع الأسواق لا يقل أهمية عن زيادة الإنتاج نفسه. فكلما اتسعت قاعدة العملاء، ازدادت مرونة المؤسسة الوطنية للنفط في تسويق خامها، وارتفعت قدرتها التفاوضية، وانخفضت مخاطر الاعتماد على عدد محدود من المشترين أو الممرات التجارية.

كما يحمل هذا التطور رسالة إيجابية بشأن سمعة الخام الليبي في الأسواق الدولية. فالأسواق لا تبحث فقط عن النفط، بل تبحث عن المورد القادر على الالتزام، وعن المؤسسة التي تستطيع الحفاظ على استقرار الإمدادات، وهي عوامل أصبحت اليوم لا تقل أهمية عن جودة الخام نفسه.

وفي تقديري، فإن هذه التطورات تضع أمام الدولة الليبية والمؤسسة الوطنية للنفط فرصة ينبغي البناء عليها، ليس فقط من خلال الحفاظ على مستويات الإنتاج، وإنما أيضاً عبر توسيع قاعدة العملاء، وتعزيز الحضور في أسواق أوروبا الشرقية والبحر الأسود، والعمل على استثمار الموقع الجغرافي لليبيا وقربها من أوروبا كميزة استراتيجية طويلة الأجل.

إن هذا الخبر قد يبدو للوهلة الأولى مجرد إعلان عن توريد شحنة نفط إلى مصفاة جديدة، لكنه في الواقع يحمل دلالات أعمق بكثير. فهو يعكس تغيراً في خريطة تجارة النفط العالمية، ويؤكد أن الخام الليبي لا يزال يحظى بثقة الأسواق الدولية، وأن أمام ليبيا فرصة لتعزيز مكانتها كمورد موثوق للطاقة في مرحلة يشهد فيها العالم إعادة تشكيل لموازين الإمدادات وأسواق الطاقة.

وبقدر ما تمثل هذه الخطوة نجاحاً تسويقياً مهماً، فإن نجاحها الحقيقي سيقاس بقدرة ليبيا على تحويل مثل هذه العقود إلى سياسة مستدامة تقوم على استقرار الإنتاج، والانضباط في التصدير، واستمرار الحياد المهني للمؤسسة الوطنية للنفط، بما يعزز مكانة البلاد في أسواق الطاقة العالمية، ويخدم في نهاية المطاف الاقتصاد الوطني ومصالح الأجيال القادمة.

“قادربوه” يشدد على أهمية الالتزام بالحدود القانونية وضمان استقلالية العمل الرقابي في قطاع النفط

عقد رئيس هيئة الرقابة الإدارية “عبدالله قادربوه” اجتماعاً اليوم الاثنين، مع رؤساء وأعضاء اللجان الرقابية المكلفة بمتابعة قطاع النفط والغاز وشركاته، لمراجعة سير الأعمال ومدى تنفيذ المهام الموكلة إليها وفق التشريعات النافذة.

​وشدد “قادربوه” خلال الاجتماع على أهمية الالتزام التام بالحدود القانونية وضمان حيدة واستقلالية العمل الرقابي، داعياً أعضاء اللجان إلى التحلي بأعلى معايير النزاهة والمهنية، وعدم التأثر بأي تدخلات خارجية.

​كما وجّه بضرورة الكشف عن المخالفات وأوجه القصور، وإعداد تقارير دقيقة ومستندة إلى الوقائع ترفع لرئاسة الهيئة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، بما يكفل حماية المال العام والارتقاء بأداء القطاع النفطي.

“الشلوي”: من أزمة الكهرباء إلى تصدير الطاقة.. خارطة طريق ليبية حتى عام 2050

كتب: د.عبد المنصف الشلوي – خبير نفطي واقتصادي

الجزء الثالث..

ليس المطلوب أن ننافس… بل أن نستعد.

بعد استعراض التحولات العالمية في أسواق الطاقة، وما تمتلكه ليبيا من مقومات طبيعية واستراتيجية، قد يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع: هل ينبغي أن يكون هدف ليبيا هو منافسة المغرب أو مصر أو غيرهما في تصدير الكهرباء إلى أوروبا؟

في تقديري، الإجابة هي: لا؛ فالدول لا تُبنى بالمنافسة الإعلامية، وإنما ببناء قدراتها الوطنية وفق أولوياتها الخاصة.

إن نجاح أي دولة في تنفيذ مشروع معين لا ينبغي أن يدفعنا إلى تقليده، بل إلى فهم الدروس المستفادة منه، ثم صياغة نموذج ليبي يتناسب مع ظروفنا ومواردنا واحتياجاتنا.

ولذلك، فإن الأولوية الليبية يجب أن تبقى واضحة: تأمين احتياجات المواطن الليبي من الكهرباء بصورة مستقرة، قبل التفكير في تصدير أي كيلوواط/ساعة إلى الخارج.

الكهرباء… قضية أمن قومي

لم تعد الكهرباء خدمة عامة فحسب، بل أصبحت أحد أهم عناصر الأمن القومي والاقتصادي؛ فكل مصنع يتوقف، وكل مستشفى يتعطل، وكل مشروع استثماري يتأخر بسبب انقطاع الكهرباء، يمثل خسارة مباشرة للاقتصاد الوطني.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الكهرباء لا ينبغي النظر إليه باعتباره تكلفة، وإنما استثماراً في الإنتاج، وفي الاستقرار، وفي تحسين جودة الحياة.

وعندما تصبح الشبكة الكهربائية مستقرة، يصبح الحديث عن التوسع في الطاقة المتجددة والربط الإقليمي أكثر واقعية وجدوى.

المؤسسة الوطنية للنفط… شريك في التحول وليس بديلاً عنه

خلال السنوات الماضية، أثبتت المؤسسة الوطنية للنفط قدرتها على المحافظة على الإنتاج وزيادته تدريجياً رغم الظروف الاستثنائية. كما أولت اهتماماً متزايداً بتطوير مشاريع الغاز، والحد من حرقه، وتحسين الاستفادة منه، وهي خطوات تمثل في الواقع جزءاً من التحول الطاقي، حتى وإن لم تُصنف ضمن مشاريع الطاقة المتجددة.

فالغاز الطبيعي سيظل خلال العقود المقبلة الوقود الانتقالي الذي يضمن استقرار الشبكة الكهربائية، ويكمل إنتاج الطاقة الشمسية والرياح، ولا يتعارض معهما.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح مشاريع الغاز اليوم هو استثمار مباشر في نجاح مشاريع الطاقة المتجددة غداً.

خارطة طريق حتى عام 2050

إذا أرادت ليبيا أن تتحول تدريجياً إلى مركز إقليمي للطاقة، فإن ذلك يتطلب رؤية متدرجة، يمكن تلخيصها في سبع مراحل:

2026 – 2030:

  • إنهاء أزمة طرح الأحمال بصورة مستدامة.
  • استكمال مشاريع تطوير الغاز.
  • تقليل حرق الغاز إلى أدنى مستوى ممكن.
  • تحديث شبكات النقل والتوزيع.
  • إطلاق مشاريع شمسية ورياح تجريبية في عدة مناطق.

2030 – 2035:

  • التوسع في محطات الطاقة الشمسية في الجنوب.
  • إعادة إطلاق مشروع سيدي عون – درنة لطاقة الرياح، وإنشاء مشاريع إضافية في الجبل الأخضر.
  • إدخال أنظمة تخزين الطاقة على نطاق تجاري.
  • تعزيز الربط الكهربائي مع دول الجوار.

2035 – 2040:

  • رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني.
  • توطين بعض الصناعات المرتبطة بالطاقة، مثل الهياكل المعدنية، والكابلات، والمحولات، ومراكز الصيانة.
  • إعداد الدراسات النهائية للربط الكهربائي البحري مع أوروبا.

2040 – 2050:

  • تشغيل خطوط الربط الإقليمية والدولية إذا أثبتت الدراسات جدواها.
  • إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء على نطاق تجاري.
  • تصدير فائض الكهرباء النظيفة بعد ضمان الاكتفاء المحلي.
  • ترسيخ مكانة ليبيا كمركز للطاقة التقليدية والنظيفة في جنوب المتوسط.

الهيدروجين الأخضر… الفرصة القادمة

قد يكون الحديث اليوم منصباً على الكهرباء، لكن العالم بدأ بالفعل ينظر إلى ما بعدها؛ فالكهرباء المتجددة ستكون وسيلة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يُتوقع أن يلعب دوراً محورياً في إزالة الانبعاثات من الصناعات الثقيلة، والنقل البحري، والطيران، وغيرها من القطاعات التي يصعب كهربتها مباشرة.

وبالنسبة لليبيا، فإن الجمع بين الطاقة الشمسية والغاز والخبرة الصناعية والموقع الجغرافي يمنحها فرصة حقيقية لدخول هذا السوق مستقبلاً، شريطة أن تبدأ من الآن في بناء الأطر التشريعية والمؤسسية اللازمة.

رسالة إلى صانع القرار

إن الاستثمار في الطاقة المتجددة ليس مشروع وزارة بعينها، ولا مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هو مشروع دولة، ويتطلب تنسيقاً بين:

  • المؤسسة الوطنية للنفط.
  • وزارة النفط والغاز.
  • الشركة العامة للكهرباء.
  • وزارة التخطيط.
  • وزارة الاقتصاد.
  • الجهات التشريعية.
  • الجامعات ومراكز البحوث.
  • القطاع الخاص.
  • الشركاء الدوليين.

فالتحول الطاقي الناجح لا يقوم على القرارات الفردية، بل على تكامل السياسات.

الخاتمة

لقد منحت الطبيعة ليبيا ثروات استثنائية؛ فالنفط منحها مكانة في أسواق الطاقة التقليدية، والغاز منحها القدرة على دعم أمنها الكهربائي، والشمس والرياح يمنحانها اليوم فرصة للدخول إلى أسواق الطاقة النظيفة.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل نستثمر هذه الموارد كلٌ على حدة، أم نبني بينها جسوراً تجعلها منظومة واحدة تخدم الاقتصاد الوطني لعقود مقبلة؟

في تقديري، فإن المستقبل لن يكون للدول التي تمتلك مورداً واحداً، بل للدول التي تنجح في إدارة جميع مواردها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة. ولعل هذا هو التحدي الأكبر، والفرصة الأكبر، أمام ليبيا في القرن الحادي والعشرين.

لقد منحت الطبيعة ليبيا النفط تحت الأرض، والغاز بين الصخور، والشمس فوق الرمال، والرياح على السواحل. أما الثروة الخامسة، وهي الإدارة الرشيدة، فهي وحدها القادرة على تحويل هذه النعم إلى مستقبل مزدهر للأجيال القادمة.

رابط الجزء الأول من المقال:

“الشلوي”: حين تتغير خريطة الطاقة العالمية.. لماذا ينبغي أن تلتفت ليبيا الآن؟

رابط الجزء الثاني من المقال:

“الشلوي”: ليبيا الدولة الأقرب إلى أوروبا والأغنى بالطاقة.. لماذا لم تبدأ بعد؟