“الشلوي”: شمال درنة وجنوب كريت.. حين تصبح الحدود البحرية قضية سيادة وأمن وطاقة وحقوق أجيال – الجزء الرابع
كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”
ولهذا فإن فقدان مساحة بحرية لا يعني فقط خسارة مورد نفطي أو غازي محتمل، بل قد يعني تقليص نطاق الحقوق السيادية والاختصاصات الاقتصادية والفنية والأمنية التي تمارسها الدولة وفق القانون الدولي لعقود طويلة.
البعد السيادي والأمني
تقع المنطقة شمال درنة وجنوب كريت ضمن فضاء مهم للملاحة والمسح البحري والبحث العلمي، كما يرتبط بمسارات الهجرة غير النظامية وتهريب البشر والبضائع.
وأي اكتشاف تجاري سيزيد من متطلبات الأمن البحري، ومنها حماية سفن المسح والحفر، وتأمين المنصات والمنشآت البحرية، ومراقبة الأنشطة غير المرخصة، وحماية خطوط الأنابيب والكابلات، وتطوير المراقبة الجوية والبحرية، والاستجابة للتسربات والحوادث، وبناء منظومة وطنية متكاملة للمعلومات البحرية.
ومن هنا فإن ملف الحدود ليس مجرد مسألة خرائط أو إحداثيات، بل جزء أساسي من الأمن القومي.
فالدولة التي لا تمتلك معرفة دقيقة بمجالها البحري ولا أدوات لمراقبته يصعب عليها فرض اختصاصها أو حماية موارده.
دور المؤسسة الوطنية للنفط
من الإنصاف والموضوعية التأكيد على أن المؤسسة الوطنية للنفط قائمة بدورها الفني في هذا الجانب، وتتابع بصورة جيدة ودورية التطورات المرتبطة بالمناطق البحرية والأنشطة الاستكشافية المحيطة بها.
ولدى المؤسسة لجان وكفاءات وطنية متخصصة في الاستكشاف والجيولوجيا والجيوفيزياء والبيانات السيزمية، كما تمتلك خبرات تراكمية مهمة في دراسة الأحواض البحرية وتحليل التراكيب الجيولوجية وتقييم المؤملات النفطية والغازية.
ويتضمن دورها، في حدود اختصاصها الفني، تجميع وتحليل البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية، ودراسة وإعادة معالجة البيانات السيزمية، ومتابعة الأنشطة الاستكشافية في المناطق المقابلة والمجاورة، وتقييم المؤملات البترولية والغازية، وإعداد الخرائط والدراسات الفنية، وتقديم الرأي الفني للجهات السيادية المختصة.
ومن واقع الإلمام بهذا الملف، فإن المؤسسة لم تكن غائبة عنه، بل تابعته عبر سنوات من خلال لجانها وخبرائها، وأسهمت بما لديها من معرفة وبيانات في دعم موقف الدولة.
لكن من المهم أيضاً عدم تحميل المؤسسة مسؤولية لا تدخل في اختصاصها؛ لأن ترسيم الحدود البحرية عمل سيادي وقانوني ودبلوماسي، وليس قراراً نفطياً فنياً تتخذه مؤسسة واحدة.
من يتولى ترسيم الحدود؟
يتولى هذا الملف جهاز الدولة المختص، من خلال لجنة الحدود التابعة لوزارة الخارجية، وبمشاركة الوزارات والهيئات والمؤسسات ذات العلاقة، بحيث يجتمع في عملها البعد القانوني والدبلوماسي والفني والأمني.
ويقوم التكامل المؤسسي على أن توفر المؤسسة الوطنية للنفط البيانات والخبرة الجيولوجية والاستكشافية، وتقود وزارة الخارجية المسار الدبلوماسي والتفاوضي، ويقدم الخبراء القانونيون الرأي المستند إلى قواعد قانون البحار والسوابق القضائية.
كما تسهم الجهات الفنية في إعداد الخرائط والإحداثيات وأعمال المسح، وتشارك الجهات الأمنية والعسكرية في تقدير متطلبات حماية المجال البحري، وتسهم الجهات البيئية والاقتصادية والملاحية في تقييم بقية المصالح المتصلة بالمنطقة.
وهذا التوزيع لا يعني تشتت المسؤولية، بل يؤكد أن حماية الحدود البحرية مسؤولية دولة كاملة، وأن قوة الموقف الليبي تعتمد على تضافر جهود الوزارات والمؤسسات والهيئات، لا على عمل جهة واحدة مهما بلغت كفاءتها.
ما علاقة الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا؟
للاتفاق الموقع عام 2019 علاقة بالمشهد العام لترسيم الحدود في شرق المتوسط؛ لأنه استند إلى تصور يمنح السواحل القارية وزناً مهماً، ولا يمنح بعض الجزر اليونانية الأثر الكامل الذي تطالب بها اليونان.
وقد سُجل الاتفاق ضمن وثائق الأمم المتحدة، لكنه يبقى اتفاقاً بين طرفيه ولا يلزم اليونان التي تعترض عليه.
وقد أفاد الاتفاق ليبيا في عدة جوانب؛ إذ منع تجاوزها عند إعادة تشكيل خرائط شرق المتوسط، وأكد وجود امتداد بحري ليبي يجب أخذه في الاعتبار، ودعم فكرة عدم منح الجزر أثراً يؤدي إلى حجب ساحل قاري طويل، ووفر ورقة سياسية وقانونية وتفاوضية إضافية.
لكنه لا يحسم بمفرده الترسيم المقابل مباشرة لشمال درنة وجنوب كريت، ولا يغني عن التفاوض المباشر بين ليبيا واليونان.
وتكون فائدته أكبر عندما يوظف ضمن موقف ليبي مستقل يستند إلى الجغرافيا والقانون والبيانات الفنية، لا عندما يتحول الملف الليبي إلى مجرد امتداد للخلاف اليوناني–التركي.
منتدى غاز شرق المتوسط وغياب ليبيا
المنظمة المقصودة هي منتدى غاز شرق المتوسط، ويضم قبرص ومصر وفرنسا واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين، بينما لا تظهر ليبيا ضمن قائمة أعضائه الرسمية.
ولا توجد وثيقة رسمية منشورة تثبت أن ليبيا تقدمت بطلب عضوية مكتمل ثم رُفض، كما لا توجد وثيقة قاطعة تثبت أن سبب غيابها الوحيد هو وجود إسرائيل ضمن أعضاء المنتدى.
والأقرب أن الغياب الليبي ارتبط بعدة عوامل، منها الانقسام السياسي والمؤسسي وقت تأسيس المنتدى، وغياب سياسة خارجية موحدة للطاقة، والانشغال بالأزمات الداخلية، والحساسية السياسية الليبية تجاه وجود إسرائيل عضواً.
ومن الطبيعي تفهم الاعتبارات التاريخية والشعبية الليبية تجاه القضية الفلسطينية. لكن من زاوية المصالح الاستراتيجية، فإن الغياب الكامل عن منصة تناقش غاز شرق المتوسط والبنية التحتية والأسواق ومسارات التصدير قد تكون له آثار سلبية.
ومن هذه الآثار غياب الصوت الليبي عن صياغة تصورات الطاقة الإقليمية، وضعف القدرة على عرض الموقف الفني والقانوني الليبي، وترك الدول الأخرى تقدم خرائطها ورؤاها دون حضور مقابل، وتراجع فرص التعاون الفني وتبادل الخبرات، وغياب المتابعة المباشرة للنقاشات المتعلقة بخطوط الأنابيب والأسواق والاستثمارات.
ولا يعني الحضور في منظمة إقليمية تبني مواقف جميع أعضائها. ويمكن للدولة دراسة الخيارات المتاحة، سواء عبر العضوية أو صفة المراقب أو المشاركة الفنية، بما يحفظ الثوابت الوطنية ويمنع في الوقت نفسه تحول الغياب إلى فراغ دبلوماسي دائم.
ما المطلوب وطنياً؟
المطلوب ليس إصدار ردود متفرقة عند كل إعلان يوناني أو منح امتياز جديد، بل تحويل الملف إلى برنامج وطني دائم تقوده الدولة، ويتضمن:
- إعداد قاعدة بيانات بحرية موحدة ومحمية تضم الخرائط والإحداثيات والبيانات السيزمية والجيولوجية والهيدروغرافية.
- وتحديث تحديد السواحل ذات الصلة ونقاط الأساس والإحداثيات وفق أفضل المعايير الفنية والقانونية.
- وتشكيل فريق تفاوض دائم يضم خبراء في قانون البحار، والجيوديسيا، والهيدروغرافيا، والاستكشاف البحري، والاقتصاد، والأمن البحري.
- وحصر جميع الأنشطة والمسوح والتراخيص التي نفذتها أو أعلنتها الدول المقابلة في نطاقات التداخل المحتملة.
- وإعداد مذكرات قانونية متكاملة تستند إلى أحكام المحاكم الدولية، ولا سيما القضايا التي تناولت أثر الجزر وعدم التناسب وأطوال السواحل.
- وتطوير القدرة الوطنية على المراقبة البحرية والاستشعار عن بعد ومتابعة سفن المسح والحفر.
- والحفاظ على اتصال دبلوماسي منتظم مع اليونان، بحيث لا يُترك الملف للأزمات أو التصريحات الإعلامية.
- ووضع بدائل تفاوضية وقضائية وفنية، تشمل الاتفاق النهائي، أو التحكيم، أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، أو الترتيبات المؤقتة، أو التطوير المشترك إذا ظهرت موارد عابرة للحدود.
كما ينبغي توثيق الخبرات الليبية السابقة في نزاعَي تونس ومالطا، والاستفادة من الذين شاركوا في تلك الملفات ومن الأرشيف الوطني المتصل بها.
مسؤولية وطنية وحق للأجيال المقبلة
إن حماية الحدود البحرية لا ينبغي أن تبقى شأناً محصوراً في جهة فنية أو لجنة تفاوضية، بل يجب أن تكون ملفاً وطنياً جامعاً تتضافر من أجله جهود جميع مؤسسات الدولة الليبية.
فوزارة الخارجية، والمؤسسة الوطنية للنفط، والجهات الأمنية والعسكرية، ووزارات العدل والاقتصاد والمواصلات والبيئة، وهيئات المساحة والموانئ والصيد والبحث العلمي، جميعها تملك أدواراً متكاملة في بناء الموقف الوطني وحماية المصالح البحرية.
ولا يتعلق الأمر فقط بما قد ينتفع به الوطن والمواطن من خيرات النفط والغاز، بل بحق ليبيا في سيادتها، وبحق أجيال لم تولد بعد في ألا تجد أن حدودها ومواردها قد حُسمت في غيابها أو نتيجة تقصير مؤسسي أو انقسام سياسي.
إن حقوق البحر لا تخص حكومة بعينها، ولا إقليماً أو مدينة أو مؤسسة؛ إنها ملك للدولة الليبية ولشعبها كله، وأمانة في أعناق الجيل الحالي تجاه الأجيال القادمة.
الخلاصة
إن ما أشار إليه الصديق المطلع بشأن أهمية المنطقة البحرية الواقعة شمال درنة وجنوب كريت تقدير دقيق؛ لأن هذه المنطقة ليست مجرد مؤمل نفطي أو غازي، بل مساحة تتقاطع فيها السيادة والطاقة والأمن والقانون والمصالح الجيوسياسية.
والترجيح الفني يميل إلى أن الغاز الطبيعي هو الاحتمال الأبرز، مع احتمال وجود المكثفات والنفط، إلا أنه لا توجد حتى الآن احتياطيات تجارية مؤكدة يمكن التعامل معها كحقيقة نهائية.
وتساعد تجربة حقل ظهر المصري على فهم حجم الرهان؛ فقد أثبتت أن اكتشافاً واحداً في مكمن كربوناتي عميق يمكن أن يعيد تشكيل ميزان الطاقة لدولة. لكن هذه المقارنة تفسر أهمية الاستكشاف ولا تثبت وجود حقل مماثل شمال درنة.
أما قانونياً، فتملك ليبيا حججاً معتبرة تستند إلى مبدأ الحل المنصف، وإلى إمكان تعديل خط التساوي في الأبعاد وتقليص أثر بعض الجزر عند مواجهة ساحل قاري طويل.
غير أن ذلك لا يعني إلغاء أثر كريت، بل يجعل موضوع التفاوض الحقيقي هو مقدار أثرها، وبصورة أكثر وضوحاً مقدار أثر غافدوس والجزر الأصغر.
ومن الواجب كذلك الإنصاف في تقييم العمل المؤسسي؛ فالمؤسسة الوطنية للنفط تقوم بدورها الفني والمتخصص وتتابع الملف عبر لجانها وكفاءاتها، بينما تبقى مسؤولية الترسيم وإدارة النزاع من اختصاص وزارة الخارجية واللجنة الوطنية المعنية، في إطار تكامل شامل مع بقية مؤسسات الدولة.
إن قوة الموقف الليبي لن تتحقق بجهة واحدة، بل بتضافر جميع الوزارات والمؤسسات والهيئات، وبوحدة الموقف، ودقة البيانات، وقوة الحجة القانونية، واستمرار المتابعة والتفاوض.
فالحدود البحرية ليست مجرد خطوط على خريطة، وليست حدوداً للنفط والغاز وحدهما؛ إنها حدود للسيادة والأمن والطاقة والغذاء والبيئة والملاحة والاتصالات والنفوذ الإقليمي.
وقد تثبت الآبار مستقبلاً وجود مورد ضخم أو متوسط، وقد تأتي النتائج دون المؤملات. لكن مهما كانت النتيجة الجيولوجية، فإن الحقوق البحرية الليبية تظل قائمة، وحمايتها ليست فقط حقاً لنا، بل واجب تجاه الوطن والمواطن وحق أصيل للأجيال القادمة.
فالسيادة لا تبدأ عند اكتشاف الثروة، بل تبدأ منذ اللحظة التي تعرف فيها الدولة حدودها، وتوثق حقوقها، وتوحد جهودها، وتحسن إدارة مجالها البحري وحمايته.
رابط الجزء الأول من المقال:
رابط الجزء الثاني من المقال:
رابط الجزء الثالث من المقال:





