Skip to main content

الوسم: الدعم

“حسني بي”: الإصلاح الشامل.. الحجة المثالية لعدم إصلاح أي شيء

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

“هذا ليس وقته”… حجة الفاشل الذي ينتظر مخرجات مختلفة بدون إجراء أي تغيير..

كلما طُرح إصلاح بند واضح ومحدد ونازف، خرج علينا البعض بالعبارة السحرية: “نحن مع الإصلاح الشامل وليس الجزئي.” وكأنهم اكتشفوا فجأة أن ليبيا تعاني من مشاكل أخرى غير دعم المحروقات!

يا للعجب… كأن الشعب الليبي لم يكن يعلم أن لدينا أزمة إنفاق عام، وأزمة سعر صرف، وأزمة قطاع عام مترهل، وأزمة حوكمة، وأزمة فساد، وأزمة تهريب، وأزمة خدمات. لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل بينما ننتظر ذلك “الإصلاح الشامل” الذي يتحدثون عنه منذ عقود ولم يأتِ؟

هل نواصل إنفاق عشرات المليارات على منظومة يعلم الجميع أنها تبتلع ما يقارب 40% من الإنفاق العام؟ هل نستمر في تمويل التهريب والهدر بحجة أن إصلاح القضاء لم يكتمل؟ وهل نؤجل وقف النزيف لأن غرفة العمليات لم تُطل بالكامل بعد؟

المنطق الذي يقول: “لا تصلح بند المحروقات قبل إصلاح كل شيء”، يشبه تماماً طبيباً يرى مريضاً ينزف فيرفض إيقاف النزيف بحجة أنه يريد أولاً علاج أسنانه، وضبط ضغطه، وإجراء فحص شامل، ثم بعد ذلك ينظر في الجرح المفتوح!

الإصلاح الشامل هدف نبيل، لكنه لا يكون ذريعة لتعطيل الإصلاح الممكن. الحقيقة أن معظم الإصلاحات الكبرى في العالم بدأت بإصلاحات جزئية: بند دعم، أو نظام ضرائب، أو قطاع مصرفي، أو سعر صرف. لم تستيقظ دولة ذات صباح لتُصلح كل شيء دفعة واحدة.

أما في ليبيا، فقد أصبح شعار “الإصلاح الكلي” عند البعض أشبه بلافتة مكتوب عليها: “رجاءً لا تلمسوا شيئاً.”

إن إصلاح دعم المحروقات لا يعني إلغاء الدعم، بل إعادة الدعم إلى صاحبه الحقيقي: المواطن الليبي. ولا يعني التخلي عن الإصلاح الشامل، بل البدء من أكبر تشوه اقتصادي وأكبر نزيف مالي وأكبر مصدر للهدر والتهريب.

ومن الغريب أن بعض من يرفضون إصلاح بند واحد بحجة ضرورة الإصلاح الكلي، لا يقدمون أي خارطة طريق لذلك الإصلاح الكلي، ولا جدولاً زمنياً، ولا أولويات، ولا حتى مشروع قانون. فقط عبارة أنيقة تصلح للندوات والتعليقات التلفزيونية: “يجب الإصلاح الشامل.”

لقد دفع الليبيون ثمن الانتظار طويلاً. وإذا كان الإصلاح الشامل سيأتي يوماً، فمرحباً به. أما إذا كان المقصود به أن ننتظر عشر سنوات أخرى بينما تستنزف ثروة الليبيين أمام أعينهم، فإن هذا ليس إصلاحاً، بل إدارة محترفة للجمود.

الخلاصة بسيطة: نعم، نريد إصلاحاً شاملاً. لكننا نرفض أن يتحول حلم الإصلاح الشامل إلى ذريعة لعدم إصلاح أي شيء. فلا يجوز أن نؤجل علاج أكبر نزيف اقتصادي في البلاد بحجة أن الجسد كله مريض. إيقاف النزيف ليس خيانة للإصلاح الشامل… بل هو أول خطوة نحوه.

​”حسني بي”: كفى متاجرة باسم الفقير… وكفى دفاعاً عن منظومة تبتلع 40% من ثروة الليبيين

​تب: رجل الأعمال “حسني بي”

​منذ سنوات وأنا، ومعي كثيرون، نطالب بإصلاح جذري لمنظومة دعم المحروقات والطاقة الكهربائية في ليبيا، ليس بهدف حرمان المواطن من الدعم كما يحاول البعض تضليل الرأي العام، تارةً بالتشكيك في قدرة الدولة على الالتزام، وتارةً أخرى بالتلويح بفزاعة التضخم، بل بهدف إيصال الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين: المواطن الليبي.

​والمثير للاستغراب أن بعض الأصوات ما زالت تهاجم أي محاولة للتغيير أو حتى للإصلاح، رغم أنها لم تقدم طوال عقود أي حل حقيقي لمكافحة الفقر، أو وقف التهريب، أو الحد من الهدر واستنزاف المال العام وسرقته تحت غطاء القانون.

وأسأل هؤلاء سؤالاً بسيطاً:
​إذا كانت منظومة الدعم الحالية ناجحة، فأين ذهبت أكثر من 500 مليار دولار، تمثل ما يقارب 25% من قيمة إنتاج ليبيا من النفط والغاز، والتي أنفقها الشعب الليبي عبر حكومات متعاقبة منذ عام 1973؟

​إذا كان الدعم يصل إلى المواطن، فلماذا ما زال أكثر من ثلث الليبيين يعانون ضغوطاً معيشية متزايدة ويواجهون صعوبات اقتصادية متفاقمة؟ وإذا كان الدعم يحمي الفقراء، فلماذا يستفيد منه أصحاب الاستهلاك المرتفع والمهربون والمضاربون أكثر من الأسر محدودة الدخل؟

​الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن الدعم العيني للمحروقات والطاقة الكهربائية لم يعد دعماً اجتماعياً، بل أصبح أكبر بوابة للهدر الاقتصادي والفساد والتهريب والسرقة المنظمة للثروة الوطنية.

​إن مليارات الدولارات التي تُنفق سنوياً، والتي لم تقل في أي سنة عن عشرة مليارات دولار، لا تصل إلى المواطن بالشكل الذي يدّعيه المدافعون عن الوضع القائم، بل يذهب جزء كبير منها إلى:
​التهريب عبر الحدود.
​الاقتصاد الموازي.
​تمويل العصابات والشبكات غير المشروعة.
​المضاربة في الوقود.
​الاستهلاك المفرط وغير الرشيد.
​الاستفادة من الفجوة السعرية بين ليبيا والدول المجاورة.
​أما المواطن العادي فلا يحصل إلا على جزء محدود من هذه الثروة التي يفترض أنها ملك له في المقام الأول.

​ولهذا فإنني أؤكد أنني لست مع إلغاء الدعم ولا مع رفعه، بل مع تغيير آلية توزيعه. ولذلك أطرح بوضوح وصراحة استبدال الدعم العيني بدعم نقدي مباشر يصل إلى حساب المواطن، مستنداً إلى تجربة ليبية قائمة ومجربة بالفعل من خلال علاوات الزوجة والأبناء والبنات، والتي أثبتت قدرتها على الوصول إلى ملايين المواطنين بصورة منتظمة وشفافة، ويتم العمل بها منذ أكثر من ست سنوات.

​والمقترح لا يقوم على طباعة الأموال أو خلق تضخم جديد، ولا على تحميل الدولة التزامات إضافية، بل على إعادة هيكلة وتوزيع الأموال نفسها التي تُنفق حالياً بصورة أكثر عدالة وكفاءة.
​كما أن قيمة الدعم النقدي ليست ثابتة إلى الأبد، بل متغيرة وترتبط مباشرة بالإيرادات النفطية الحقيقية للدولة، بحيث ترتفع عندما ترتفع الإيرادات وتنخفض عندما تنخفض، بما يضمن الاستدامة المالية وعدم تحميل الأجيال القادمة أعباء غير قابلة للتمويل.

​وبحسب التصور المقترح، فإن الأسرة الليبية المتوسطة المكونة من ستة أفراد يمكن أن تتحصل، وفق مستويات الإنتاج والأسعار الحالية، على ما يقارب 3550 ديناراً شهرياً بين العلاوات القائمة والدعم النقدي البديل، بدلاً من استمرار ضياع الأموال في حلقات التهريب والهدر.

​إن المعركة اليوم ليست بين مؤيد للدعم ومعارض للدعم.
نعم، قد يرتفع سعر لتر البنزين والنافتا إلى ما يقارب 6 دنانير للتر وفق الأسعار العالمية الحالية، وقد تتجاوز تكلفة الكهرباء ديناراً لكل كيلوواط ساعة، وقد ترتفع أجور النقل بنسبة تقارب 20% لمرة واحدة.

​لكن أكبر الأكاذيب التي يتم ترويجها هي الادعاء بأن ذلك سيؤدي إلى انفجار تضخمي واسع؛ فوفق العديد من النماذج الاقتصادية، فإن الأثر التضخمي المباشر على المستوى العام للأسعار سيبقى محدوداً ولا يتعدى 1.8% ، ويمكن لأي اقتصادي إجراء محاكاة رقمية حقيقية لإثبات ذلك أو مناقشته بالأرقام.

​المعركة الحقيقية هي بين من يريد أن يصل دعم الطاقة والمحروقات إلى المواطن مباشرة، ومن يريد أن يبقى الدعم موجهاً للسلعة ليستفيد منه المهربون والمضاربون والسارقون.
بين من يريد حماية الأسرة الليبية، ومن يريد حماية منظومة أثبتت فشلها لعقود، بين من يريد وقف نزيف المليارات، ومن يريد استمرار الوضع القائم لأنه يخدم مصالح المستفيدين منه.

​لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدعم النقدي المباشر أكثر عدالة وشفافية وكفاءة من دعم الأسعار، كما أثبتت التجربة الليبية نفسها أن التحويلات النقدية المباشرة قابلة للتنفيذ وقادرة على الوصول إلى المواطنين.

​ولهذا فإنني أؤكد مجدداً:
​لن أتراجع عن المطالبة بتغيير آلية الدعم.
​لن أتراجع عن المطالبة بوصول ثروة ليبيا إلى المواطن الليبي.
​لن أتراجع عن المطالبة بإغلاق أكبر أبواب الهدر والفساد والتهريب في الاقتصاد الليبي.

​وأتحدى أي اقتصادي يتبنى موقفاً مخالفاً أن يناقش هذا المقترح بالأرقام والبيانات والدراسات، لا بالشعارات والمخاوف غير المبررة؛ فالدفاع عن سلامة الاقتصاد والدفاع عن الفقير لا يكونان بالتمسك بمنظومة فاشلة، بل بإعطاء المواطن حقه مباشرة وتقديم بدائل قابلة للتنفيذ، وثروة ليبيا يجب أن تذهب إلى الليبيين، لا إلى المهربين والمضاربين وشبكات الاقتصاد الموازي.
​والتاريخ لن يتذكر من دافع عن الفساد المقنّع باسم الدعم، بل سيتذكر من امتلك الشجاعة للمطالبة بالإصلاح عندما كان الآخرون يخشون قول الحقيقة.

بين مخاوف “الشحاتي” وإشادة “اغنيه”.. هل نجح “حساب المواطن” بالسعودية في حل معضلة الدعم؟

يظل ملف إصلاح منظومة الدعم أحد أكثر القضايا الحيوية تعقيداً في دورتها المستمرة داخل كواليس السياسات الاقتصادية للدول الريعية؛ وفي هذا الصدد، تبرز التجربة السعودية التي انطلقت عام 2016 كنموذج غني بالدروس والتحليلات المتضاربة بين من يراها استبدالاً لالتزام مالي بآخر، ومن يعتد بها كقصة نجاح باهر في حوكمة الثروة الوطنية.

المفارقة المالية: عبء دائم أم استثمار مستدام؟
من جانب تحليلي نقدي، يرى الخبير النفطي “محمد الشحاتي” أن الفكرة التي بدأت عام 2016 بهدف تقليص الدعم الحكومي للوقود والكهرباء وتوجيه الوفورات عبر برنامج “حساب المواطن” عام 2017، بدأت تفرز مفارقة رئيسية بعد مرور نحو عقد من الزمن. فالبرنامج الذي صُمم كأداة تعويضية انتقالية، تحول إلى التزام سياسي واجتماعي دائم يصعب تقليصه؛ حيث قفزت مخصصاته من 24 مليار ريال سنوياً في البداية لتصل إلى نحو 44 مليار ريال عام 2024، مع توقعات بملامسة 47 مليار ريال (نحو 12.5 مليار دولار) خلال عام 2025.

ويشير “الشحاتي” إلى أن حجم التحويلات النقدية الإجمالية التي بلغت 175 مليار ريال بين عامي 2017 و2023 بدأت تقترب كثيراً من حجم الوفورات الفعلية، محذراً من تحول البرنامج إلى مصدر ضغط إضافي على المالية العامة في حال تراجعت أسعار النفط العالمية، نظراً لكون الوفورات متغيرة مع السوق بينما الإنفاق النقدي بات ثابتاً ودائماً.

وفي المقابل، يقدم الخبير المالي والاقتصادي “أبوسيف اغنيه” بوصفه شاهداً عاصر هذه الرحلة التحولية الاستثنائية، رؤية مغايرة تماماً، مؤكداً أن التجربة لم تكن مجرد مناورة مالية لتغيير شكل الدعم، بل تفكيك صارم ومنظم لمعضلة “الهدر العشوائي المستتر” الذي كان يستنزف موارد الدولة لصالح كبار المستهلكين وغير المستحقين. وبحسب “اغنيه” فإن منظومة “حساب المواطن” الذكية أثبتت كفاءة فائقة كشبكة أمان اجتماعي ديناميكية وقاعدة بيانات رقمية وسيادية هي الأقوى من نوعها في المنطقة، متحولة من مجرد أداة مؤقتة إلى استثمار استراتيجي مباشر يمنح صانع القرار مرونة وحوكمة مطلقة لتوجيه الدعم لحماية القوة الشرائية للأسر.

ترشيد الاستهلاك وفرض الواقع الاقتصادي الجديد
يمتد التباين في تقييم التجربة السعودية ليشمل مستهدفات ترشيد الاستهلاك الكلي للطاقة؛ حيث يوضح “الشحاتي” أن النتائج الميدانية تبدو أقل وضوحاً، إذ لم ينخفض الاستهلاك الكلي في المملكة بصورة مطلقة نتيجة النمو السكاني والاقتصادي المستمر، معتبراً أن جزءاً كبيراً من تحسن كفاءة الطاقة يعود للتطور التكنولوجي العالمي (كالأجهزة والسيارات الموفرة) المنتشر عالمياً بشكل مستقل عن مستويات الأسعار المحلية.

وعلى الضفة الأخرى، يجزم “أبوسيف اغنيه” بأن المنظومة الجديدة نجحت فعلياً في تحقيق وعي استهلاكي وثقافي جديد دفع بالمجتمع نحو تبني حلول الطاقة المستدامة؛ فارضة واقعاً اقتصادياً أثبتت فيه المملكة أن إعادة هيكلة الثروة النفطية وتوزيعها بشكل عادل وموجه يمثل قمة الاستدامة المالية والنجاح المبهر الذي يضمن رفاهية المواطن وحماية مقدرات الوطن في آن واحد.

الخلاصة: إلغاء الدعم أم إعادة تصميمه؟
تتفق الرؤيتان على أن التجربة السعودية لم تلغِ الدعم بقدر ما أعادت تصميمه ونقلته من دعم السلعة إلى دعم المواطن؛ فبينما يرى “الشحاتي” في هذا التحول مخاطرة مالية قد تفوق أحياناً الدعم السلعي نتيجة تحوله إلى التزام نقدي دائم مفتوح النهاية في أوقات انخفاض أسعار النفط، يرى “اغنيه” أن الحزم والتنظيم في إدارته حوّله إلى أداة مرنة وضامنة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بعيداً عن العشوائية السابقة.

“امراجع غيث”: تعديل تسعيرة البنزين ردمٌ للفجوة وليس رفعاً للدعم.. وهذه 3 إجراءات مصرفية وإلكترونية عاجلة للحد من التهريب

قال عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً “امراجع غيث” إن البعض تناول استبدال الدعم العيني للوقود بدعم نقدي، وظهر معارضون ومؤيدون للفكرة، وهذا أمر طبيعي، لكن عند استخدام العقل والتفكير المنطقي ونتائج الدراسات بعيداً عن العاطفة، يتضح لنا أننا ندفع أموالاً طائلة في الدعم، وهذه الأموال من جيب المواطن، ونعرف كلنا أن جزءاً كبيراً من الوقود يُهرَّب عبر الحدود وعبر البحر، وبدون مبالغة ممكن حتى قبل أن تصل باخرة الوقود، وتُقدّر نسبة التهريب بحوالي 30% من الوقود المستورد.

وأضاف “امراجع غيث” بأن الأغلبية لا تتحدث عن مشكلة أخرى، وهي أن هناك فجوة سعرية كبيرة بين تسعير الوقود عندما كان سعر الدولار يساوي 1.30 في المتوسط، وبين سعر بيع لتر البنزين مثلاً بعد تغيرات سعر الصرف؛ يجب أولاً ردم هذه الفجوة، فسعر لتر البنزين و”النافتا” يساوي 150 درهماً عندما كان سعر الدولار 1.30 دينار، والآن تغير، أليس من المنطق أن يتغير معها سعر بيع لتر البنزين على الأقل؟ ولماذا نتقبل زيادة كافة أسعار السلع ونقول سعر الدولار قد زاد؟ بحسبة بسيطة، سعر لتر البنزين يجب أن يكون 720 درهماً (أي 72 قرشاً) بدون الحديث عن رفع الدعم أو استبداله، فقط تعديل فجوة التسعيرة. تكلفة استيراد لتر البنزين تقريباً 85 سنتاً، أي حوالي 5.30 دينار (خمسة دنانير وثلاثون قرشاً) تباع بسعر 150 درهماً (خمسة عشر قرشاً)؛ هذه المبالغ المدفوعة هي من جيب المواطن وميزانيته، دعك من كل ذلك واردم فجوة السعر التي تكلمنا عنها.

واقترح “امراجع غيث” اتخاذ إجراءات عاجلة دون المساس بالدعم، يبقى كما هو الآن، وهي؛ فرض بيع كافة أنواع الوقود بالدفع الإلكتروني، وكل الجهات الحكومية عندها موازنة من ضمنها بند الوقود، لذلك على كل الجهات سداد ثمن الوقود الذي تستهلكه، الدور الأكبر على المصارف في عدم قبول أي إيداعات نقدية ولا صكوك من شركات بيع الوقود ومحطاتها إلا مبالغ بسيطة. ​هذه إجراءات لا أعتقد أن المواطن سيتضرر منها، لكنها ستخفف من حدة التهريب، ولنترك الحديث عن الاستبدال إلى أن تأتي حكومة لها إرادة سياسية وتفويض شعبي وتستطيع اتخاذ قرارات لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار في الدعم وغيره من مظاهر استنزاف الموازنات والموارد.

حسني بي: الدعم السعري للمحروقات والطاقة الكهربائية “سرقة مشرعنة”.. كفى خداعًا للناس باسم الدعم

كتب : رجل الأعمال “حسني بي”

الحقيقة التي يهرب منها كثيرون هي أن ليبيا لا تعاني من نقص في الثروة، بل من منظومة منظمة لابتلاع الثروة العامة تحت شعارات اجتماعية فقدت علاقتها بالعدالة وحماية المواطن.

إن منظومة دعم المحروقات الحالية ليست دعماً للفقراء، وليست سياسة اجتماعية ناجحة، وليست إنجازاً وطنياً؛ إنها أكبر آلية لإعادة توزيع الثروة من الشعب إلى المهربين والمضاربين وشبكات الاقتصاد الموازي.

إذا كان الدعم ناجحاً، فلماذا تزداد معاناة الأسر؟ وإذا كان يحمي المواطن، فلماذا ينهار الدينار؟ وإذا كان يصل إلى مستحقيه، فلماذا تتضخم أرباح التهريب بينما تتآكل دخول الليبيين؟

الحقيقة أن المواطن يدفع ثمن هذه الجريمة مرتين: مرة عندما تُهدر ثروته النفطية في دعم لا يصل إليه، ومرة أخرى عندما يدفع فاتورة التضخم وانهيار القوة الشرائية وارتفاع الأسعار.

إن وجود دعم سعري للمحروقات والطاقة يُقدّر بما بين 14 و17 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل نحو 100 إلى 120 مليار دينار، يعني عملياً أن هناك ثروة ضخمة تُسرق وتُهرّب وتُهدر. وفي ظل هذا النزيف لا يمكن بناء اقتصاد، ولا حماية الدينار، ولا تمويل تنمية حقيقية، ولا تحقيق عدالة اجتماعية.

نحن لا ندعو إلى رفع الدعم وترك المواطن يواجه مصيره، بل ندعو إلى استرداد المواطن لحقه المسروق، من خلال استبدال الدعم العيني والسعري بدعم نقدي مباشر وشفاف وعادل لكل الليبيين.

والحل ليس مجهولاً ولا مستحيلاً؛ فالآلية موجودة ومنفذة منذ يناير 2021، حيث تُصرف حالياً علاوات للأسر الليبية تحت مسميات علاوة الأبناء، وعلاوة الزوجة، وعلاوة البنات، بمبلغ يقارب 7.5 مليار دينار سنوياً، وبمتوسط يقارب 550 ديناراً شهرياً للأسرة، تُدفع كل ثلاثة أشهر.

وبناءً على ذلك، يمكن توسيع هذه الآلية فوراً بحيث يُضاف لكل مواطن مبلغ نقدي مباشر، وليكن 500 دينار شهرياً. وبذلك تحصل الأسرة المكونة من 6 أفراد على 3000 دينار شهرياً إضافية، تضاف إلى ما تتقاضاه حالياً، ليصبح دخلها النقدي الشهري في حدود 3550 ديناراً بدلاً من 550 ديناراً فقط.

هذا ليس إنفاقاً جديداً، بل إعادة توجيه للمال العام من جيوب المهربين وشبكات الفساد إلى جيوب المواطنين مباشرة. كما أن هذا التحول ليس فكرة طارئة، بل التزام قانوني سابق؛ فقد نصت قوانين الميزانية منذ عامي 2013 و2014 على التزام الحكومة بتقديم مشروع متكامل لتحويل الدعم السلعي ودعم المحروقات إلى دعم نقدي، وفق أهداف واضحة تحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتحفظ الموارد، وتساهم في تحقيق الأمن القومي.

أي أن الدولة لم تكن تجهل الحل، لكنها تأخرت في تنفيذه، فدفع المواطن والدينار والاقتصاد الوطني ثمن هذا التأخير.

المطلوب اليوم واضح:

  • أولاً: وقف منظومة الدعم السعري التي يستفيد منها المهرب والمضارب أكثر من المواطن.
  • ثانياً: تحويل قيمة الدعم مباشرة إلى المواطنين عبر الرقم الوطني والحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية.
  • ثالثاً: ربط الدعم النقدي بعدد أفراد الأسرة لضمان العدالة.
  • رابعاً: إعادة هيكلة المرتبات والدخل العام بما يحمي القدرة الشرائية.
  • خامساً: تحرير الدولة من نزيف التهريب والفجوة السعرية، وتوجيه الموارد إلى المواطن والتنمية والخدمات.
  • سادساً: تنفيذ الإصلاح دفعة واحدة وبقرار واضح، لأن التدرج في هذه الحالة يطيل عمر الفساد ولا يوقف النزيف.

لقد وصلنا إلى لحظة يجب أن يختار فيها الليبيون بين طريقين لا ثالث لهما:

  1. إما استمرار منظومة النهب والتهريب والفساد المقنّع باسم الدعم.
  2. أو الانتقال إلى منظومة عادلة وشفافة تعيد الثروة إلى أصحابها الحقيقيين: المواطنين.

لا يوجد طريق ثالث، ولا يوجد حل سحري، ولا يمكن وقف الغرق بالتمسك بالثقب الذي يغرق السفينة.

النفط ملك الشعب، وأموال الدعم هي أموال الشعب، ومن حق كل مواطن أن يحصل على نصيبه مباشرة، لا أن تتحول ثروته إلى أرباح للتهريب والفساد والمضاربة.

منظومة الدعم الحالية ليست جزءاً من الحل؛ إنها جوهر المشكلة. والحل هو دعم نقدي مباشر، عادل، شفاف، وفوري.

“الشلوي”: طوابير الوقود في ليبيا.. بين وفرة الموارد واختلال منظومة الدعم والتوزيع

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

خلال زيارتي لمدينتي درنة لقضاء إجازة عيد الأضحى المبارك رفقة الوالد، كان السؤال الأكثر حضوراً في لقاءاتي مع الأقارب والأصدقاء والمعارف يتعلق بأزمة الوقود وطوابير السيارات الممتدة أمام محطات التوزيع في مختلف المدن الليبية.

ولأن الجميع يعلم أنني أعمل في قطاع النفط والغاز، فقد تكرر السؤال بصيغ مختلفة، لكن مضمونه واحد: كيف تعاني دولة تنتج أكثر من مليون ونصف برميل نفط يومياً من طوابير البنزين والديزل؟

وقد زادت قناعتي بأهمية الحديث في هذا الموضوع عندما قدت سيارتي بنفسي من منطقة البريقة إلى درنة عبر الطريق البري، وشاهدت بعيني الازدحام الكبير أمام محطات الوقود في عدد من المدن والقرى التي مررت بها.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بكل وضوح وموضوعية، أنني لم أتساءل لماذا توجد طوابير، لأنني أعلم يقيناً أن المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط تبذلان جهوداً تشغيلية كبيرة ومقدّرة لضمان استمرار الإمدادات، رغم الظروف الدولية والإقليمية المعقدة، وما تشهده أسواق الطاقة وسلاسل التوريد من اضطرابات مرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية وتقلبات النقل والشحن والتكرير عالمياً.

لكن في المقابل، فإن الواقع لا يمكن تجاهله أيضاً: هناك شح وازدحام متكرر في محطات الوقود على مستوى ليبيا، وهذه الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بتأخر ناقلة أو زيادة موسمية في الاستهلاك، بل أصبحت تعكس خللاً هيكلياً أعمق في منظومة الدعم والتوزيع والرقابة.

المشكلة ليست فقط في التوريد
من المهم توضيح نقطة جوهرية يغفل عنها كثيرون.

اليوم تصل شحنات البنزين والديزل إلى الموانئ الليبية بشكل منتظم نسبياً، والمؤسسة الوطنية للنفط أعلنت مؤخراً عن رسو ناقلات في موانئ طرابلس وبنغازي ومصراتة والزاوية وطبرق محملة بكميات كبيرة من البنزين والديزل، بالتزامن مع تشغيل عدد من المحطات على مدار 24 ساعة للمساهمة في تخفيف الأزمة.

إذن، الإشكالية الحقيقية لا تبدأ عند وصول الوقود إلى الموانئ أو المستودعات، بل تبدأ بعد خروج هذه الشحنات من المستودعات ودخولها في مراحل النقل والتوزيع والتداول. وهنا تظهر بوضوح أزمة التهريب والتسرب غير المشروع للمحروقات، والتي أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه منظومة توزيع الوقود في ليبيا.

التهريب يستنزف الدعم ويخلق السوق الموازية
الدولة الليبية تنفق مليارات الدولارات سنوياً لتوفير الوقود بأسعار مدعومة للمواطن، لكن جزءاً معتبراً من هذه الكميات لا يصل فعلياً إلى مستحقيه. فالفارق الكبير بين الأسعار المحلية المدعومة وأسعار الوقود في دول الجوار خلق بيئة خصبة للتهريب والاتجار غير المشروع، سواء عبر المنافذ البرية أو البحرية أو عبر الصحراء.

ولهذا فإن أي جهود لتحسين الإمدادات أو زيادة الكميات ستظل تحت الضغط ما لم تتم معالجة ظاهرة التهريب بصورة حازمة وفعالة.

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن نجاح منظومة التزويد لا يُقاس فقط بوصول الشحنات إلى الموانئ والمستودعات، بل بوصول كل لتر وقود إلى المواطن داخل المسار القانوني المخصص له. فكل لتر يتسرب خارج هذا المسار يمثل استنزافاً مباشراً للدعم، ويؤثر بشكل مباشر على توفر الوقود داخل السوق المحلي، ويزيد من الضغط على المحطات ومنظومة التوزيع.

ومن المعروف أن شركة البريقة تتولى استلام المحروقات وتخزينها وتوزيعها وفق الخطط التشغيلية المعتمدة، لكن الجزء الأكبر من تحديات التهريب والتسرب يظهر بعد خروج الوقود من المستودعات، وهو ما يتطلب رقابة أمنية وميدانية صارمة ومستمرة حتى وصول الوقود إلى المستهلك النهائي.

زيادة الإمدادات وحدها ليست حلاً دائماً
قد تختفي الطوابير أحياناً مع وصول شحنات جديدة أو مع اتخاذ إجراءات مؤقتة، لكنها ستعود مرة أخرى ما دامت جذور المشكلة ما زالت قائمة. لأن ضخ كميات إضافية في منظومة غير محكمة يعني ببساطة أن جزءاً من هذه الكميات سيذهب مجدداً إلى السوق السوداء أو التهريب. ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة التوريدات، بل في إصلاح المنظومة بالكامل.

رفع الدعم النقدي أصبح ضرورة اقتصادية
قد يختلف البعض حول هذه النقطة، لكنها من الناحية الاقتصادية أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها طويلاً. إن استمرار الدعم السلعي المفتوح للبنزين والديزل بصورته الحالية يعني استمرار النزيف المالي، واستمرار التهريب، واستمرار الهدر.

والحل الأكثر واقعية وعدالة يتمثل في التحول التدريجي إلى الدعم النقدي المباشر، وفق قانون واضح يصدر عن السلطة التشريعية، يطمئن المواطن إلى استمرارية الدعم ويحافظ على قدرته الشرائية، بدلاً من أن يذهب الجزء الأكبر من الدعم إلى المهربين والسوق الموازية.

الدعم يجب أن يذهب للمواطن، لا للمهرب. لكن نجاح هذه الخطوة يتطلب تنفيذها بصورة مدروسة وعادلة، مع توفير قاعدة بيانات دقيقة، وآليات رقابية فعالة، وضمانات اجتماعية تحمي أصحاب الدخل المحدود.

البطاقة الذكية ضرورة لتنظيم الاستهلاك
منظومة توزيع الوقود في ليبيا تحتاج إلى تحول رقمي كامل. إن استخدام البطاقة الذكية أو أي منظومة إلكترونية مشابهة أصبح ضرورة وطنية لضبط الاستهلاك، ومراقبة حركة الوقود، والحد من التسرب، وتوجيه الدعم لمستحقيه الحقيقيين. هذه المنظومات أثبتت نجاحها في عدد من الدول من خلال تقليل الفاقد، وتحسين الرقابة، ومنع التلاعب.

لكن يجب التأكيد أن البطاقة الذكية وحدها ليست عصاً سحرية، بل جزء من حزمة إصلاحات متكاملة تشمل:
تشديد الرقابة الأمنية على حركة الوقود.
تتبع الصهاريج إلكترونياً.
ربط المحطات بمنظومات مراقبة مركزية.
مكافحة السوق السوداء.
تفعيل العقوبات الرادعة بحق المتورطين في التهريب.
بناء قاعدة بيانات دقيقة للاستهلاك الحقيقي.

ليبيا بحاجة إلى مخزون استراتيجي حقيقي
من غير المنطقي أن يبقى استقرار سوق الوقود في دولة نفطية مرهوناً بوصول ناقلة من البحر أو تأخرها بسبب الأحوال الجوية أو ظروف السوق العالمية. أي دولة تحترم أمنها الطاقوي تحتفظ بمخزون استراتيجي يغطي احتياجاتها لعدة أشهر على الأقل.

ولهذا فإن بناء مخزون استراتيجي للمحروقات والمحافظة عليه يجب أن يكون أولوية سيادية، تشرف عليها المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة والأجهزة الرقابية المختصة.

الحل الجذري يبدأ من التكرير المحلي
أما على المدى المتوسط والبعيد، فإن الحل الحقيقي يكمن في تقليل الاعتماد على استيراد البنزين أصلاً. وهنا تبرز أهمية الإسراع في تنفيذ مشاريع تطوير المصافي، وعلى رأسها:
مشروع تطوير مصفاة الزاوية لتحويل النافتا إلى بنزين سيارات.
الاستفادة من المكثفات المنتجة في مليتة وغيرها لإنتاج البنزين محلياً.
تطوير مصفاة رأس لانوف للاستفادة من النافتا الفائضة عن احتياجات مصنع الإيثيلين وتحويلها إلى بنزين سيارات.

فلا يعقل أن يبقى مصير دولة كاملة معلقاً بوصول سفينة وقود من الخارج، في حين أنها تمتلك هذه الثروة النفطية الضخمة والإمكانات الفنية والبشرية القادرة على تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

الخلاصة
بكل إنصاف، لا يمكن تحميل مسؤولية أزمة الطوابير لجهة واحدة فقط، كما لا يمكن اختزال المشكلة في نقص الإمدادات وحده. لدينا منظومة دعم تستنزف الميزانية، وشبكات تهريب تستفيد من فارق الأسعار، وضعف في الرقابة بعد مرحلة التوزيع، واعتماد مفرط على الاستيراد، وغياب لمنظومة استهلاك ذكية ومنظمة.

وقد تقل الطوابير أحياناً وتختفي مؤقتاً، لكنها ستعود مرة ومرتين وربما أكثر، ما لم تُتخذ قرارات جذرية وشجاعة تعالج أصل الأزمة لا أعراضها فقط.

ليبيا لا تعاني من نقص الموارد، بل من الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة، ورؤية اقتصادية واضحة، وإرادة حقيقية لحماية المال العام وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة عادلة ومنظمة ومستدامة.

“أحمد المسلاتي”: رفع الدعم وحده لا ينهي أزمة الوقود في ليبيا

كتب: الباحث في الشأن النفطي والاقتصاد – “أحمد المسلاتي”

يثير ملف دعم المحروقات في ليبيا جدلاً متجدداً بين الدعوات المطالبة برفع الدعم باعتباره أحد أسباب التهريب واستنزاف المال العام، وبين من يرى أن تحميل المواطن تبعات الاختلالات الاقتصادية والإدارية القائمة لن يؤدي إلى معالجة جوهر الأزمة.

في تقديري، فإن أزمة المحروقات في ليبيا تتجاوز مسألة الأسعار المدعومة، لتشمل تحديات أوسع ترتبط بضعف منظومة الرقابة، واتساع السوق الموازية، واستمرار عمليات التهريب، إلى جانب غياب أنظمة فعالة لتتبع حركة الوقود وتنظيم الاستهلاك.

الوقود المدعوم ما يزال يمثل بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين عنصراً أساسياً في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والخدمية المعقدة التي تشهدها البلاد.

والحقيقة أن المواطن الليبي، في بلد يملك هذه الثروات النفطية الضخمة، من حقه أن يعيش بصورة كريمة ومرفهة، وأن يستفيد من موارده الطبيعية عبر دعم حقيقي للوقود والخدمات الأساسية، بدلاً من أن يتحول دائماً إلى الطرف الذي يُطلب منه دفع فاتورة الاختلالات والأزمات المتراكمة.

وفي المقابل، فإن استمرار الدعم دون إصلاحات موازية ساهم في توسع ظاهرة التهريب والاتجار غير المشروع بالمحروقات، مما أدى إلى خسائر مالية كبيرة واستمرار الضغط على منظومة التوزيع والإمدادات.

ومن هنا، فإن أي توجه لإعادة هيكلة منظومة الدعم أو مراجعتها يجب أن يسبقه تنفيذ إصلاحات حقيقية تشمل تشديد الرقابة على التوزيع، وتفعيل أنظمة التتبع الإلكتروني، ومكافحة التهريب، وتنظيم الاستهلاك، وتحسين خدمات النقل والبنية التحتية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويحد من تسربه إلى السوق السوداء.

كما أن تجارب عدد من الدول أظهرت أن رفع الدعم وحده لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهريب أو القضاء على السوق الموازية، ما لم يترافق مع إصلاحات رقابية وأمنية واقتصادية شاملة.

ويبقى ملف دعم الوقود في ليبيا من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بمستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يجعل أي معالجة لهذا الملف تتطلب رؤية متدرجة ومتوازنة تُعالج جذور الأزمة أولاً، من خلال مكافحة التهريب وتشديد الرقابة وتنظيم التوزيع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق المواطن في الحصول على الوقود بأسعار عادلة.

كما أن معالجة الاختلالات الاقتصادية وظاهرة التهريب لا ينبغي أن تبدأ من جيب المواطن، بل من بناء منظومة رقابية أكثر كفاءة، وتشديد الرقابة على التوزيع والمنافذ، وإيجاد حلول اقتصادية وإدارية حقيقية تقلل الهدر وتحمي المال العام، مع الحفاظ على حق المواطن الليبي في الاستفادة من ثروات بلاده والعيش الكريم.

بعد إعلان مصر استبدال الدعم نقدا.. “حسني بي”: الوقت قد حان لإعادة تقييم سياسات الدعم في ليبيا وتحويلها إلى الدعم النقدي

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

​كل الثناء على الخطوة المهمة التي اتخذتها جمهورية مصر العربية، في الاعتراف الصريح بتشوهات منظومة الدعم السلعي والطاقة، والعمل على إعادة هيكلتها بصورة أكثر شفافية وكفاءة وعدالة اجتماعية، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحافظ في ذات الوقت على دعم الشعب عامة، والفئات محدودة الدخل خاصة.

​إن إعلان رئيس الحكومة المصرية في لقاء صحفي عن عزم حكومته “الاستبدال النقدي للدعم”، مشيراً إلى حجم مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في موازنة العام المالي 2025/2026، والتي بلغت نحو 732.6 مليار جنيه مصري (بما يعادل قرابة 14.5 مليار دولار أمريكي)، يمثل خطوة متقدمة في مسار الإصلاح الاقتصادي وترشيد الإنفاق العام والقضاء على الجريمة المنظمة.

​وأوضح البيان الصادر عن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس وزراء مصر، أن مكونات الدعم في مصر شملت:
​دعم المواد البترولية والمحروقات: نحو 75 مليار جنيه.
​دعم الكهرباء: نحو 75 مليار جنيه.
​دعم الغاز المنزلي: نحو 3.5 مليار جنيه.
​دعم الخبز والسلع التموينية: نحو 160 مليار جنيه.

​ونؤكد أن التجربة المصرية تعكس إدراكاً متنامياً وإن جاء متأخراً، بأن الدعم السعري والشامل غير الموجه يخلق تشوهات اقتصادية ومالية، وينتج فساداً وإهداراً للموارد، ويؤدي إلى استنزاف الموارد العامة؛ في حين أن الدعم النقدي والذكي والموجه للفئات المستحقة يحقق العدالة الاجتماعية بكفاءة أعلى تخدم المواطن والوطن.

​وأضيف أن المقارنة مع الحالة الليبية تكشف حجم الاختلال القائم؛ حيث يتجاوز عدد سكان مصر 120 مليون نسمة، بينما لا يتجاوز عدد سكان ليبيا 9 ملايين نسمة كحد أقصى، ومع ذلك فإن فاتورة الدعم في ليبيا خلال عام 2025 تقدر بما لا يقل عن 17 مليار دولار أمريكي، أي أعلى من إجمالي فاتورة الدعم المصرية تقريباً، رغم الفارق الهائل في عدد السكان وحجم الاقتصاد.

​وأشير إلى أنه قد حان الأوان للاعتراف بالحقيقة، وإلى أن هذا الواقع يستوجب وقفة وطنية وشعبية ونخبوية جادة لإعادة تقييم سياسات الدعم في ليبيا وتحويلها إلى “الدعم النقدي”، ووضع آليات أكثر عدالة وشفافية وكفاءة، بما يضمن:
​الحد من الهدر والتهريب والفساد.
​توجيه الدعم مباشرة للمواطن، وترك الحرية له في توظيف حقوقه حسب أولوياته.
​تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية من خلال نمو الطلب على الخدمات.
​تعزيز الاستقرار المالي للدولة الليبية.
​توظيف الموارد النفطية لصالح التنمية المستدامة.

​وفي الختام، أؤكد على أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يعني رفع الدعم عن المواطن، بل يعني القضاء على التشوهات التي تسمح باستنزاف ثروات الشعوب دون تحقيق تنمية حقيقية أو عدالة اجتماعية، داعياً إلى قرار حكومي مدعوم من البرلمان ومجلس الدولة، وحوار وطني اقتصادي شامل حول مستقبل منظومة الدعم في ليبيا لإيقاف النزيف.

“حسني بي”: المشكلة ليست في المواطن بل في الطريقة التي تُدار بها السياسات

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

المواطن يطالب بحقه في 2000 دولار (أغراض شخصية)، وهو غير ملام، لأنه يراها دخلًا إضافيًا أو فرصة ربح قد تصل إلى 16% عند بيع الحق.

لكن الحقيقة التي لا يعرفها أن هذه الـ16% تقابلها تكاليف خفية أكبر بكثير:
عمولات بطاقات الدفع 3%.
تكاليف نقاط البيع والسحب 2%.
أرباح المضاربين وشراء الحق 9%.
الإجمالي يصل إلى حوالي 30% تكلفة فعلية أو تضخم يتحمله المواطن!

الأخطر من ذلك أن بيع هذا الحق هو ما يفتح الباب للمضاربة، ويشجع التجار على تحقيق أرباح قد تصل إلى 30% على الاعتمادات، ويؤدي إلى:
التلاعب والتزوير.
ارتفاع عام في الأسعار يصل إلى 30%.
تحميل المواطن التكلفة مرتين.
وفي نفس الوقت؛ هذه المنظومة يستفيد منها فقط حوالي 45% من الشعب، بينما يتحمل آثارها كامل المجتمع.

الأرقام توضح الصورة أكثر:
سعر الصرف الرسمي: 6.30.
مع تكاليف الحقوق (30%) يصل فعليًا إلى 8.19.
السوق يتجاوز 9.00.
السعر العادل المقترح حوالي 8.00.
الفرق (1.7 دينار لكل دولار) يمكن أن يحقق:
34 مليار دينار إيرادات إضافية عند بيع 20 مليار دولار للمصارف.
في المقابل:
تكلفة دعم 2000 دولار لكل فرد ≈ 18.4 مليار دينار فقط.

الحل واضح؛ بدل سياسات تخلق تضخم ومضاربة:

  • توجيه الفارق لدعم مباشر للمواطن.
  • منح دخل حقيقي يصل للأسرة (قد يصل إلى 8000–12000 دينار سنويًا).
  • إقرار علاوة غلاء معيشة عادلة وشاملة.
  • تقليل الوسطاء وإغلاق أبواب التلاعب.

الخلاصة:
يمكن للدولة أن تحقق إيرادات أكبر، وتدعم المواطن بشكل عادل، بدون تضخم وبدون استنزاف؛ فقط إذا تم “تصحيح السياسة”.
الدعم يجب أن يصل كاملًا للمواطن، لا أن يضيع بين المضاربين.

“الشلوي”: بعد تجاوز سعر النفط 90 دولار للبرميل.. قراءة هادئة بالأرقام لما يعنيه ذلك لليبيا

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

مع تجاوز سعر النفط 90 دولار للبرميل في الأسواق العالمية، يتكرر السؤال في الداخل الليبي: هل يعني ذلك أن ليبيا تحقق عائدات ضخمة؟

الإجابة تحتاج إلى قراءة واقعية بالأرقام، لأن الإنتاج الكلي ليس هو نفسه الإيراد الفعلي..

1/ حجم الإنتاج
يتراوح إنتاج ليبيا خلال الفترة 2025–2026 بين 1.15 و1.25 مليون برميل يومياً، ويمكن اعتماد متوسط يقارب 1.2 مليون برميل يومياً في الظروف المستقرة، لكن ليس كل هذا الإنتاج يتحول إلى صادرات نقدية..

2/ ما الذي يُخصم من الإنتاج؟
قبل الوصول إلى رقم الإيرادات يجب مراعاة ثلاثة عوامل رئيسية :
أ/ الاستهلاك المحلي في محطات الكهرباء والمصافي.
ب/ حصة الشركاء الأجانب في بعض الحقول والمشاريع.
ج/ الكميات التي تذهب للتكرير المحلي.
لهذا فإن الصادرات الفعلية غالباً ما تكون في حدود “900 ألف إلى مليون برميل يومياً”.

3/ الإيرادات عند سعر “90 دولار”
إذا افترضنا متوسط صادرات يقارب 950 ألف برميل يومياً:
أ/ الصادرات اليومية: 950 ألف برميل.
ب/ سعر البرميل: 90 دولار.
ج/ الإيراد اليومي: حوالي 85 مليون دولار.
أي أن الإيرادات السنوية قد تكون في حدود “30 إلى 31 مليار دولار”.

4/ كم يعادل ذلك بالدينار الليبي؟
بحساب تقريبي وفق سعر صرف يقارب 6.34 دينار للدولار؛ فإن العائدات النفطية قد تصل إلى حوالي 193 إلى 200 مليار دينار ليبي سنوياً، تدخل إلى المصرف المركزي لتمويل الميزانية العامة.

5/ تكلفة إنتاج النفط في ليبيا
من النقاط الإيجابية أن النفط الليبي من الأقل تكلفة في العالم نسبياً، حيث تقدّر تكلفة إنتاج البرميل في أغلب الحقول بين 10 و15 دولار للبرميل، وهو ما يمنح ليبيا هامشاً جيداً عند ارتفاع الأسعار.

6/ تكلفة دعم الطاقة داخلياً
في المقابل؛ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن تكلفة دعم الوقود والكهرباء في ليبيا قد تتجاوز 40 إلى 45 مليار دينار سنوياً، أي أن جزءاً كبيراً من العائدات النفطية يعود مرة أخرى للاستهلاك المحلي في شكل دعم للطاقة.

معلومة نفطية سريعة
لو حافظت ليبيا على إنتاج 1.2 مليون برميل يومياً وسعر 90 دولار للبرميل لمدة سنة كاملة، فإن إجمالي قيمة النفط المنتج قد يتجاوز 39 مليار دولار، لكن بعد خصم حصة الشركاء، والاستهلاك المحلي، والدعم الكبير للطاقة، يتضح أن الجزء الذي يتحول فعلياً إلى موارد مالية للدولة أقل بكثير من الرقم الذي يظهر في حسابات الإنتاج الخام.

الخلاصة
عند سعر يقارب 90 دولار للبرميل قد تحقق ليبيا إيرادات في حدود:
• 30 مليار دولار سنوياً.
• أو نحو 190 مليار دينار ليبي.
لكن جزءاً مهماً من هذه الإيرادات يذهب إلى الدعم والاستهلاك المحلي قبل أن يصل إلى الاستثمار والتنمية.
أما ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية فغالباً ما يرتبط بحساسية الإمدادات العالمية وبعض التوترات في الممرات البحرية الرئيسية، وهي عوامل قد تدفع الأسعار للصعود لكنها تظل متغيرة بطبيعتها.
لذلك تبقى الحقيقة الاقتصادية الأهم:
استقرار إنتاج النفط وإدارة عائداته بكفاءة هو ما يصنع الفرق الحقيقي للاقتصاد الليبي، وليس السعر المرتفع وحده.