Skip to main content
|

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الرابع

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

هل يمكن الوصول إلى مليوني برميل يومياً؟… نعم، ولكن وفق شروط واضحة

بعد استعراض الجوانب الفنية والاستثمارية والمؤسسية، أعتقد أن الإجابة عن السؤال الذي طرحه تقرير Bloomberg يمكن أن تكون أكثر وضوحاً.

نعم… تستطيع ليبيا الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً.

لكن ليس لأن الاحتياطيات موجودة، ولا لأن الشركات العالمية أبدت اهتماماً متزايداً، ولا لأن الظروف الدولية أصبحت أكثر ملاءمة. بل لأن هذه العناصر جميعها، إذا اجتمعت مع الاستقرار والإدارة الرشيدة، يمكن أن تنتج واقعاً جديداً لقطاع الطاقة الليبي.

وفي المقابل، فإن غياب أي عنصر من هذه العناصر قد يؤخر هذا الهدف سنوات إضافية، مهما بلغت جودة الخام الليبي أو حجم الاحتياطيات.

ومن هنا، فإنني أرى أن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره هدفاً قصير الأجل، وإنما مشروع وطني يمتد على عدة سنوات؛ يبدأ من تعزيز الاستقرار، ويتواصل عبر تنفيذ المشاريع التطويرية، وتوسيع أعمال الاستكشاف، وتحديث البنية التحتية، وبناء شراكات استثمارية مستدامة.

وإذا سارت هذه المسارات بصورة متوازية، فإن الوصول إلى هذا المستوى من الإنتاج خلال الفترة الممتدة بين نهاية هذا العقد وبداية العقد القادم يبدو، في تقديري، هدفاً واقعياً أكثر من كونه حلماً بعيد المنال.

أما إذا عادت الإغلاقات، أو تعثرت الاستثمارات، أو بقيت البيئة المؤسسية تعاني من حالة عدم اليقين، فإن تحقيق هذا الهدف سيصبح أكثر صعوبة وربما يتأجل، رغم أن الإمكانات الطبيعية ستظل قائمة كما هي.

العالم يرى فرصة… فهل نراها نحن أيضاً؟

ما استوقفني في تقرير Bloomberg ليس حديثه عن النفط، بل الطريقة التي أصبح ينظر بها العالم إلى ليبيا. فبعد سنوات طويلة كانت فيها ليبيا تُذكر في التقارير الدولية باعتبارها مصدر قلق أمني أو سياسي، بدأ الخطاب يتغير تدريجياً نحو الحديث عن الفرص، والاستثمار، والطاقة، والشراكات الاقتصادية.

وهذا التحول، في حد ذاته، يمثل فرصة لا تقل أهمية عن أي اكتشاف نفطي جديد؛ فالسمعة الاستثمارية لأي دولة تُبنى ببطء، لكنها قد تتغير بسرعة إذا أحسنت استثمار اللحظة المناسبة.

واليوم، تبدو ليبيا أمام لحظة كهذه:

  • الشركات العالمية تعود.
  • الاستثمارات تتحرك.
  • الأسواق الأوروبية تبحث عن مصادر قريبة وآمنة.
  • الغاز الليبي يكتسب أهمية متزايدة.
  • جولة التراخيص أعادت فتح أبواب كانت مغلقة منذ ما يقارب عقدين.

لكن كل هذه المؤشرات الإيجابية لن تتحول إلى إنجاز اقتصادي تلقائياً؛ فالتاريخ مليء بدول امتلكت فرصاً أكبر من هذه، لكنها لم تستطع تحويلها إلى تنمية لأنها لم تنجح في بناء المؤسسات القادرة على إدارتها.

رسالة إلى صناع القرار

إذا كان لي أن أختصر هذه المقالة في رسالة واحدة، فسأقول: إن مشروع الوصول إلى مليوني برميل يومياً يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مشروعاً لزيادة الإنتاج فقط، بل باعتباره فرصة لإعادة بناء الاقتصاد الليبي على أسس أكثر قوة واستدامة.

فالزيادة في الإنتاج ينبغي أن تترافق مع:

  • إصلاحات اقتصادية وهيكلية.
  • تطوير قطاع الغاز.
  • زيادة الطاقة التكريرية.
  • التوسع في الصناعات البتروكيماوية.
  • تقليل استيراد الوقود.
  • رفع كفاءة الإنفاق العام.
  • تعزيز المحتوى المحلي.
  • الاستثمار في الإنسان الليبي.

فكل برميل إضافي ينبغي أن يتحول إلى مدرسة، أو مستشفى، أو طريق، أو محطة كهرباء، أو فرصة عمل، أو مشروع إنتاجي جديد. وهنا فقط يصبح النفط وسيلة للتنمية، وليس مجرد مصدر للإيرادات.

الخاتمة

لقد أثبت النفط الليبي، على مدى أكثر من ستين عاماً، أنه قادر على الصمود أمام أصعب الظروف، وأنه يظل الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني. واليوم، ومع عودة الاهتمام الدولي، وعودة الشركات العالمية، وتغير خريطة الطاقة العالمية، تمتلك ليبيا فرصة تاريخية قد لا تتكرر بسهولة.

لكن هذه الفرصة لن يحددها حجم الاحتياطيات، ولا عدد الشركات، ولا قيمة الاستثمارات وحدها، بل سيحددها شيء أكثر أهمية… قدرة الدولة الليبية على إدارة هذه المرحلة برؤية استراتيجية، ومؤسسات مستقرة، وإرادة وطنية تضع مصلحة البلاد فوق أي اعتبار آخر.

وعندها فقط، لن يكون الوصول إلى مليوني برميل يومياً هو الإنجاز الحقيقي؛ فالإنجاز الحقيقي هو أن تتحول هذه البراميل إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، وتنمية أكثر استدامة، ودولة أكثر قوة، ومواطن أكثر ازدهاراً.

ولعل أفضل ما يمكن أن نختم به هذه القراءة هو أن نقول: إن العالم يرى في ليبيا فرصة طاقة كبرى… أما التحدي الحقيقي، فهو أن يرى الليبيون في هذه الفرصة مشروعاً وطنياً لبناء المستقبل، لا مجرد مشروع لزيادة الإنتاج.

ففي نهاية المطاف… لن يصنع مليونا برميل يومياً مستقبل ليبيا، لكن الطريقة التي ستدير بها ليبيا هذين المليونين هي التي ستحدد شكل هذا المستقبل، ومكانة الدولة، وجودة حياة المواطن، لعقود قادمة.

رابط الجزء الأول من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثاني

رابط الجزء الثالث من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثالث

مشاركة الخبر