كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”
في كل مرة يقع فيها حادث في قطاع النفط؛ تتسارع الأحكام وتعلو الأصوات، ويتكرر السؤال ذاته: لماذا لا تُطلب المساعدة لإخماد الحريق؟ بل يذهب البعض إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن حجم الحريق يفوق إمكانيات المؤسسة الوطنية للنفط ورجالها..
من موقع الخبرة الطويلة في هذا القطاع؛ أقولها بوضوح: هذا الطرح، وإن بدا للوهلة الأولى منطقيًا، إلا أنه يفتقر إلى الفهم الدقيق لطبيعة العمليات النفطية وإدارة المخاطر المصاحبة لها.
أولاً: الحوادث النفطية.. واقع عالمي لا استثناء فيه
ما حدث في خط أنابيب الشرارة ليس حدثًا معزولًا أو استثنائيًا.. حوادث التسرب والحرائق، سواء كانت نتيجة عوامل تشغيلية أو بفعل فاعل.. هي جزء من طبيعة النشاط النفطي في كل دول العالم دون استثناء:
أ/ في الدول الكبرى ذات الإمكانيات الضخمة.
ب/ في الدول المنتجة ذات الموارد المحدودة.
ج/ في البيئات الصحراوية أو البحرية على حد سواء.
هذا القطاع بطبيعته يتعامل مع مواد قابلة للاشتعال، تحت ضغط عالٍ، وفي ظروف تشغيلية معقدة.. بالتالي فإن حدوث مثل هذه الحوادث ليس مؤشر فشل، بل هو مخاطر محسوبة ضمن منظومة العمل.
ثانيًا: ما الذي حدث فعليًا؟
قراءة فنية
بحسب بيان المؤسسة فإن الحريق ناتج عن تسرب في أحد الصمامات على خط تصدير النفط الخام عند الكيلومتر 538 وهو خط:
أ/ طويل (مئات الكيلومترات) ..
ب/ ذو قطر كبير (36 بوصة) ..
ج/ يعمل تحت ضغط عال ..
هذا يضعنا أمام أحد أخطر أنواع الحرائق في الصناعة النفطية، وهو ما يُعرف بـ:
1/ حريق الضغط (Jet Fire / Pressure Fire) ..
2/ أو حريق الانسكاب (Pool Fire) ..
هنا تكمن الإشكالية:
الحريق لا يعتمد فقط على اللهب الظاهر .. بل على استمرار تغذيته بالوقود تحت الضغط .. ما يجعل إخماده عملية معقدة وليست مجرد تدخل مباشر بالمياه أو الرغوة ..
ثالثًا : لماذا لا يتم ( إطفاء الحريق فورًا )؟
هذا السؤال هو الأكثر تداولا.. والإجابة عليه هي مفتاح الفهم ..
في حرائق النفط بالعموم و خطوط الأنابيب على وجهة الخصوص .. القاعدة الأساسية عالميًا ليست ( محاربة الحريق ) .. بل( محاصرة الحريق وعزل مصدره ) ..
وفقًا لأفضل الممارسات والمعايير الدولية (مثل NFPA) .. فإن التعامل مع هذا النوع من الحرائق يمر بمراحل أساسية :
1/ تقييم المخاطر بدقة ..
2/ إيقاف مصدر الوقود (عزل الخط) وهي الخطوة الأهم ..
3/ التبريد المستمر للمحيط ..
4/ استخدام المواد المناسبة (بودرة & رغوة) ..
5/ منع إعادة الاشتعال ..
السبب بسيط :
إذا تم إخماد اللهب قبل عزل مصدر النفط .. فإن النتيجة قد تكون أخطر .. حيث يتراكم الوقود ويتحول إلى انفجار أكبر .. لذلك، فإن ما يبدو ( تأخرًا ) في الإطفاء هو في الحقيقة تنفيذ مدروس لخطة علمية دقيقة.
رابعًا: هل الحريق أكبر من إمكانيات المؤسسة ؟
للاسف هذا الادعاء يجانب الصواب..
المؤسسة الوطنية للنفط:
أ/ لديها خبرات تراكمية تمتد لعقود.
ب/ تمتلك كوادر فنية مدربة على أعلى مستوى.
ج/ تعمل وفق خطط طوارئ معدة مسبقًا.
د/ تدير الحادثة حاليًا عبر فرق الطوارئ والسلامة والصيانة بشكل مهني.
بل إن {البيان} أشار بوضوح إلى:
أ/ استمرار الإنتاج عبر إعادة توجيه التدفقات ..
ب/ تقليل الخسائر بشكل كبير ..
ج/ متابعة مستمرة من مجلس الإدارة ..
د/ فتح تحقيق فوري لمعرفة الأسباب ..
هذه ليست مؤشرات عجز؛ بل هي مؤشرات إدارة أزمة احترافية..
خامسا: عامل الزمن.. الحقيقة التي يغفلها البعض
حرائق بهذا الحجم والتعقيد لا تقاس بالدقائق أو الساعات الأولى .. بل بمنهجية السيطرة .. في العادة، مثل هذه الحوادث تحتاج :
أ/ من 36 إلى 50 ساعة ( أو أكثر أحيانًا ) ..
ب/ اعتمادا على سرعة العزل وتوفر الموارد والتنسيق الميداني ..
إذا إخماد الحريق ليس مسألة قوة؛ بل مسألة وقت وإدارة صحيحة.
سادسا: ما الذي يجب أن نقوله اليوم؟
في مثل هذه الظروف؛ المطلوب ليس جلد الذات ولا التشكيك، بل:
أ/ الوقوف مع فرق الإطفاء والسلامة.
ب/ دعم العاملين في الميدان معنويا.
ج/ التحلي بالوعي قبل إطلاق الأحكام.
هؤلاء الرجال:
1/ يعملون في ظروف صعبة.
2/ يواجهون مخاطر حقيقية.
3/ يسابقون الزمن لحماية الأرواح والمنشآت.
هم قبل كل شيء، أبناؤكم وأبناء هذا الوطن.
ختاما ..
من واقع تجربة تمتد لأكثر من أربعة عقود في قطاع النفط؛ أؤكد أن:
1/ ما حدث يمكن أن يحدث في أي مكان في العالم.
2/ ما يجري الآن هو إدارة علمية للحادث.
3/ السيطرة الكاملة على الحريق مسألة وقت بإذنه تعالى المتعال.
أما التحدي الحقيقي فهو ما بعد الإطفاء:
فهم الأسباب، تعزيز الوقاية، تطوير المنظومات.
ويبقى الشعار الذي لا يتغير: “السلامة أولاً.. ودائمًا”.