Skip to main content
|

سجال نفطي اقتصادي بخصوص أرقام أبريل النفطية بين تساؤل مشروع وتوضيح مؤسسي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في البدء لا يسعني إلا أن أثمن الطرح الذي تفضل به الصديق العزيز الدكتور عبد الحميد الفضيل، وهو طرح يعكس الحرص الصادق والمسؤول على المال العام ويجسد أهمية التحليل الرقمي في متابعة أداء القطاع النفطي باعتباره العمود الفقري للاقتصاد الليبي.

كما أود التأكيد أن مثل هذه التساؤلات ليست فقط مشروعة بل ضرورية، لأنها تحفز النقاش المهني وتدفع نحو مزيد من الشفافية وهو ما نحتاجه جميعنا في هذه المرحلة.

غير أن المقاربة العلمية لأي مقارنة رقمية خاصة في قطاع معقد كقطاع النفط، تستوجب النظر إلى مجمل عناصر المعادلة وليس فقط متغير السعر، وذلك حتى لا نقع في استنتاجات قد تبدو منطقية بالظاهر لكنها غير مكتملة فنياً.

أولاً: إشكالية المقارنة المباشرة (Price vs Revenue)

الافتراض الذي بني عليه التحليل وهو أن زيادة السعر بنسبة 57% يجب أن تقابلها زيادة مماثلة في الإيرادات يفترض ضمنياً ثبات باقي العوامل، وهو ما لا ينطبق في الحالة الليبية للأسباب التالية:

أ/ اختلاف الكميات المصدرة:
حيث تظهر بيانات المؤسسة الوطنية للنفط أن الصادرات انخفضت من نحو 29.7 مليون برميل (مارس 2025) إلى 27.1 مليون برميل (مارس 2026) نتيجة حادث حريق خط الشرارة.
(أي أن عامل الكمية لم يكن ثابتاً وهو عنصر حاسم في معادلة الإيرادات).

ب/ اختلاف توقيت القياس (Benchmark mismatch):
المقارنة تمت بين (مايو 2025) و(أبريل 2026) بينما البيان المؤسسي اعتمد مارس كمؤشر مقارن، وهو ما قد يحدث انحرافاً في الاستنتاج بسبب تذبذب الأسعار والكميات شهرياً.

ثانياً: التحول في آلية إدارة الإيرادات

هنا يكمن العامل الأهم الذي لم يؤخذ بعين الاعتبار بشكل كافٍ:
حيث إنه بداية من فبراير 2026 تم اعتماد آلية مالية مختلفة تقوم على:

أ/ إيداع كامل الإيرادات لدى المصرف الليبي الخارجي.
ب/ ثم خصم قيمة الاعتمادات المستندية الخاصة بالمحروقات قبل تحويل الصافي إلى مصرف ليبيا المركزي.

هذا يعني ببساطة أن الإيراد المعلن كـ “واصل للمركزي” لم يعد يعكس إجمالي الدخل النفطي، بل صافي الإيراد بعد خصم التزامات استيراد الوقود.
هنا بالتحديد يظهر الفرق الجوهري الذي قد يفسر ما وصفه الدكتور الفضيل بـ “الفجوة”.

ثالثاً: أثر ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً

من الحقائق الاقتصادية المعروفة أن ارتفاع أسعار النفط الخام يقابله في الغالب ارتفاع موازٍ في أسعار المنتجات النفطية (المحروقات).
وهذا ما تؤكده الأرقام:

أ/ (أبريل 2025): حوالي 586 مليون دولار.
ب/ (أبريل 2026): حوالي 917 مليون دولار.

(بزيادة تقدر بـ 331 مليون دولار).
أي أن جزءاً مهماً مما يعتقد أنه “فارق مفقود” هو في الواقع زيادة في تكلفة استيراد الوقود تم خصمها ضمن الآلية الجديدة.

رابعاً: هل هناك فعلاً “فجوة مفقودة”؟

إذا أعدنا تركيب الصورة بشكل متكامل:
زيادة في الإيرادات الإجمالية (حوالي 709 مليون دولار حسب البيان) مقابل:
• انخفاض في الكميات.
• زيادة في تكلفة المحروقات.
• تغيير في آلية التحويل المالي.

فإن ما يبدو كفجوة (1.4 مليار دولار) هو في جزء كبير منه فارق ناتج عن اختلاف منهجية الحساب وليس بالضرورة فاقداً مالياً فعلياً.

خامساً: حول مسألة “المقايضة” وآليات الدفع

من المهم التذكير كما ورد في بيان المؤسسة بأن:
أ/ نظام المقايضة تم إيقافه منذ مارس 2025.
ب/ المعمول به حالياً هو نظام اعتمادات مستندية واضح ومراقب.
ج/ العمليات تتم عبر قنوات مصرفية رسمية وتحت إشراف جهات رقابية.

وهذا تطور يحسب للمؤسسة في اتجاه تعزيز الشفافية والحوكمة.

كلمة أخيرة

إن ما طرحه الصديق الدكتور عبد الحميد الفضيل يظل مساهمة قيمة في النقاش العام وهو يعكس حساً وطنياً عالياً.
لكن في المقابل، فإن بيان المؤسسة الوطنية للنفط جاء ليوضح جوانب فنية مهمة قد لا تكون ظاهرة في القراءة الأولية للأرقام.

وبين الطرحين، أرى من واقع خبرتي التي قاربت الأربعة عقود داخل هذا القطاع، أن الحقيقة تكمن في التكامل بين التحليل الرقمي والفهم المؤسسي للآليات المالية والتشغيلية.

بالختام

أكتب هذه السطور لا مدافعاً عن جهة ولا رداً على صديق، بل هي محاولة مني لتقريب الصورة وإزالة اللبس وتعزيز فهم مشترك يخدم المصلحة العامة.

واثق تماماً أن الصديق الدكتور عبد الحميد بما عرفت عنه من موضوعية سيتقبل هذه القراءة بروحه المهنية، كما أؤمن أن استمرار مثل هذا الحوار الراقي هو ما نحتاجه بالفعل لبناء قطاع نفطي أكثر وضوحاً وكفاءة.

مشاركة الخبر