“الشلوي”: الغاز الطبيعي خيار ليبيا الاستراتيجي بين اقتصاد الكهرباء وأمن الطاقة.. قراءة فنية في تكلفة إنتاج الكهرباء وإدارة الثروة الوطنية

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”
عندما تُناقش أزمة الكهرباء في ليبيا، غالباً ما ينصرف الاهتمام إلى ساعات طرح الأحمال أو نقص الوقود أو الأعطال الفنية، بينما يغيب سؤال أكثر أهمية وتأثيراً في مستقبل الاقتصاد الوطني:
ما هو الوقود الذي ينبغي أن تعتمد عليه ليبيا لإنتاج الكهرباء؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط تكلفة تشغيل محطات التوليد، وإنما ترسم ملامح السياسة الطاقية للدولة لعقود قادمة وتنعكس آثارها على الموازنة العامة واحتياطيات النقد الأجنبي والدعم والبيئة، وأمن الطاقة وحتى تنافسية الاقتصاد الوطني.
من واقع الخبرة الفنية والاقتصادية، فإن الأرقام تقود إلى نتيجة واضحة: الغاز الطبيعي ليس مجرد وقود أقل تكلفة، بل هو الركيزة الاستراتيجية الأكثر كفاءة لتحقيق أمن الطاقة والتنمية المستدامة في ليبيا.
أولاً: ماذا تقول الأرقام؟
تكشف المقارنات الاقتصادية الخاصة بتكاليف إنتاج الكهرباء عن تسلسل واضح في كفاءة أنواع الوقود.
فإنتاج الكهرباء باستخدام الغاز الطبيعي المحلي في محطات الدورة المركبة تبلغ تكلفته ما بين 30 و55 دولاراً لكل ميغاواط/ساعة، وهو أقل مستوى تكلفة بين جميع البدائل التقليدية.
أما عند استخدام الغاز الطبيعي المحلي في محطات الدورة البسيطة فترتفع التكلفة قليلاً لتتراوح بين 45 و85 دولاراً لكل ميغاواط/ساعة، لكنها تبقى ضمن النطاق الأكثر تنافسية.
ثم تبدأ التكلفة بالارتفاع تدريجياً مع استخدام الوقود السائل، حيث تبلغ:
أ. زيت الوقود الثقيل (HFO): بين 105 و135 دولاراً/ميغاواط/ساعة.
ب. زيت الوقود منخفض الكبريت (FO/VLSFO): بين 135 و170 دولاراً/ميغاواط/ساعة.
ج. الغاز الطبيعي المسال المستورد (LNG): بين 120 و155 دولاراً/ميغاواط/ساعة.
أما عند تشغيل المحطات بواسطة الديزل، فتقفز التكلفة بصورة كبيرة:
أ. محركات الديزل الكبيرة: بين 195 و235 دولاراً/ميغاواط/ساعة.
ب. المولدات الصغيرة منخفضة الكفاءة: بين 250 وأكثر من 400 دولار/ميغاواط/ساعة.
بمعنى آخر، فإن إنتاج نفس كمية الكهرباء قد يكلف الدولة سبعة إلى أكثر من ثلاثة عشر ضعفاً عند استخدام مولدات الديزل الصغيرة مقارنة بمحطات الدورة المركبة العاملة بالغاز الطبيعي المحلي.
وهنا تكمن الرسالة الاقتصادية الأولى: كلما ابتعدنا عن الغاز الطبيعي، ارتفعت تكلفة الكهرباء بصورة متسارعة.
ثانياً: رسالة اقتصادية يغفل عنها كثيرون
من أهم ما تكشفه هذه المقارنات أن الغاز الطبيعي يظل الخيار الاقتصادي الأفضل حتى إذا تم شراؤه من المستثمرين وفق الأسعار المرجعية العالمية (TTF).
هذه نقطة في غاية الأهمية؛ لأن البعض يفترض أن شراء الغاز من المستثمرين سيجعل استخدامه غير مجدٍ اقتصادياً.
غير أن الأرقام تؤكد العكس؛ إذ إن تكلفة إنتاج الكهرباء باستخدام الغاز تبقى أقل بكثير من تكلفة إنتاجها باستخدام الديزل، حتى مع احتساب سعر شراء الغاز وفق المؤشرات العالمية.
وهذا يعني أن القضية ليست في سعر الغاز، وإنما في ارتفاع التكلفة الجوهرية للوقود السائل، سواء من حيث ثمن الوقود نفسه أو كفاءة الاحتراق أو تكاليف التشغيل والصيانة.
ثالثاً: لماذا يتفوق الغاز الطبيعي فنياً؟
الغاز الطبيعي ليس الأرخص فقط، بل هو أيضاً الأفضل من الناحية التشغيلية، فهو يتميز بـ:
- سرعة التشغيل والإيقاف.
- استقرار عملية الاحتراق.
- احتراق نظيف يقلل الترسبات داخل التوربينات والغلايات.
- انخفاض معدلات الأعطال.
- انخفاض تكاليف الصيانة.
- إطالة العمر التشغيلي للمعدات.
كما أن محطات الدورة المركبة العاملة بالغاز تحقق كفاءة تحويل للطاقة قد تصل إلى (60–64%) مقارنة بنحو (33–40%) في كثير من المحطات التقليدية العاملة بالوقود السائل.
أي أن كمية الوقود نفسها تنتج كهرباء أكبر، وهو ما ينعكس مباشرة على انخفاض التكلفة.
رابعاً: لماذا يتفوق اقتصادياً؟
من الناحية الاقتصادية، لا تقتصر مزايا الغاز الطبيعي على انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء.
فالاعتماد على الغاز المحلي يؤدي إلى:
- خفض فاتورة استيراد الديزل والوقود السائل.
- تقليل الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي.
- تخفيض تكلفة الدعم الحكومي.
- تحسين كفاءة الإنفاق العام.
- رفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
- تقليل تكلفة الصيانة وقطع الغيار.
- زيادة العمر التشغيلي لمحطات التوليد.
ومن المهم الإشارة إلى أن تكلفة إنتاج الكهرباء الواردة أعلاه تمثل تكلفة التوليد فقط، ولا تشمل تكاليف النقل أو التوزيع أو فاقد الشبكة أو تكاليف التمويل أو الظروف التشغيلية، وهو ما يعني أن أي توفير في مرحلة التوليد ينعكس إيجاباً على التكلفة الإجمالية لمنظومة الكهرباء.
خامساً: لماذا يتفوق بيئياً؟
يُعد الغاز الطبيعي أنظف أنواع الوقود الأحفوري المستخدمة في إنتاج الكهرباء، فهو:
أ. يخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالوقود السائل.
ب. يكاد يخلو من انبعاثات الكبريت.
ج. يقلل الجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء.
د. يخفض أكاسيد النيتروجين بدرجات ملحوظة.
هـ. يحسن جودة الهواء في المدن القريبة من محطات الكهرباء.
كما أن التوسع في استغلال الغاز المحلي يساهم في تقليل حرق الغاز المصاحب، وهو أحد الملفات التي تمثل تحدياً اقتصادياً وبيئياً في ليبيا؛ إذ إن الغاز الذي كان يُحرق دون قيمة يمكن أن يتحول إلى وقود لتوليد الكهرباء أو مادة أولية للصناعات البتروكيماوية.
سادساً: ماذا تعني هذه الأرقام بالنسبة لليبيا؟
ليبيا ليست دولة تبحث عن الغاز في الأسواق العالمية، بل هي دولة تمتلك احتياطيات غاز كبيرة وبنية تحتية للإنتاج والمعالجة والنقل وخبرة تراكمية تمتد لعقود.
من ثم، فإن كل مشروع جديد لتطوير حقول الغاز أو جمع الغاز المصاحب أو إنشاء وحدات معالجة جديدة، لا يمثل استثماراً في قطاع النفط فحسب، بل يمثل استثماراً مباشراً في:
- استقرار الشبكة الكهربائية.
- تخفيض تكلفة الكهرباء.
- تقليل استيراد الوقود.
- توفير النقد الأجنبي.
- تحسين الميزان التجاري.
- تعزيز أمن الطاقة الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن استراتيجية تطوير مشاريع الغاز التي تتبناها المؤسسة الوطنية للنفط تتجاوز كونها خطة لزيادة الإنتاج، لتصبح ركيزة أساسية لتحقيق أمن الطاقة الليبي.
في المقابل، فإن التوسع في محطات الدورة المركبة ورفع كفاءة التوليد يمثلان المهمة المكملة التي تضطلع بها الشركة العامة للكهرباء، بما يجعل نجاح المنظومة مرهوناً بالتكامل بين القطاعين، لا بجهود أي مؤسسة منفردة.
سابعاً: ماذا ينبغي أن تكون الأولويات؟
في ضوء هذه الحقائق، فإن الأولويات الاستراتيجية يمكن تلخيصها في:
- الإسراع في تنفيذ مشاريع تطوير حقول الغاز.
- استكمال مشاريع جمع واستثمار الغاز المصاحب وخفض الحرق.
- إعطاء الأولوية لمحطات الدورة المركبة في أي توسعات جديدة.
- تقليل الاعتماد على الديزل ليقتصر على حالات الطوارئ.
- تعزيز التنسيق المؤسسي بين المؤسسة الوطنية للنفط والشركة العامة للكهرباء.
- ربط سياسات الطاقة بالاستدامة المالية وحماية البيئة.
الخلاصة
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الرأي العام ليست أن الغاز الطبيعي هو الأقل تكلفة فحسب، بل إنه الوقود الذي يجمع بين الكفاءة الفنية والجدوى الاقتصادية والاستدامة البيئية وأمن الطاقة في آن واحد.
فكل زيادة في إنتاج الغاز المحلي وكل مشروع لتجميع الغاز المصاحب وكل محطة دورة مركبة تدخل الخدمة، لا تعني فقط إنتاج كهرباء بكلفة أقل، بل تعني أيضاً خفض الضغط على الموازنة العامة وتوفير النقد الأجنبي وتقليل الانبعاثات وتعزيز موثوقية الشبكة الكهربائية وتحويل جزء أكبر من الثروة الطبيعية إلى قيمة مضافة يستفيد منها المواطن والاقتصاد الوطني.
لهذا، فإن الاستثمار في الغاز الطبيعي ليس خياراً تقنياً يخص قطاع النفط أو الكهرباء وحدهما، بل هو خيار سيادي واستراتيجي يرتبط بمستقبل التنمية في ليبيا وبقدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة وعدالة واستدامة، بما يحقق مصلحة الوطن ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.



