“حلمي القماطي”: من أزمة الديون العالمية إلى الاقتصاد الليبي.. كلفة تأجيل الإصلاح في عالم يتغير
كتب: د. حلمي القماطي/ رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي
منذ عام 1971م، عندما أنهت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب، دخل العالم مرحلة جديدة من النظام النقدي القائم على العملات الورقية؛ حيث أصبحت قدرة المصارف المركزية على خلق السيولة أكبر من أي وقت مضى.
لم يكن ذلك القرار مجرد تغيير فني في السياسة النقدية، بل نقطة تحول تاريخية أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي.
مع مرور الوقت توسع الائتمان بوتيرة متسارعة؛ فالأفراد اقترضوا، والشركات اقترضت، والحكومات اقترضت أكثر. تدفقت الأموال عبر المصارف والأسواق المالية، وارتفع الإنفاق ونمت الاقتصادات، لكن بالتوازي تضخم حجم الديون العالمية بشكل غير مسبوق.
واليوم، تجاوز إجمالي الدين العالمي 300 تريليون دولار، في وقت يقترب فيه الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 100 تريليون دولار فقط. بمعنى آخر، أصبح العالم مديناً بأكثر من ثلاثة أضعاف ما ينتجه سنوياً.
المشكلة لا تكمن في وجود الديون بحد ذاتها، فالديون أداة اقتصادية طبيعية، لكنها تتحول إلى مصدر للمخاطر عندما تنمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصادات الحقيقية على توليد الدخل اللازم لخدمتها. ومع ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد أعباء خدمة الدين، أصبحت العديد من الحكومات تواجه معضلة معقدة:
- إما التوسع في خلق السيولة، بما قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملات والمدخرات.
- أو زيادة الضرائب والرسوم، بما يرفع الأعباء على المواطنين والشركات.
- أو الاستمرار في الاقتراض، وهو خيار يزداد صعوبة وكلفة مع مرور الوقت.
التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن فترات تراكم الديون المفرطة غالباً ما تترافق مع اضطرابات مالية وتوترات جيوسياسية وإعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي. ولعل ما يلفت الانتباه اليوم هو الزيادة الملحوظة في مشتريات المصارف المركزية من الذهب؛ فالذهب لا يدر عائداً، ولكنه يحتفظ بقيمته عندما تتراجع الثقة في العملات والأصول المالية التقليدية. هذه ليست إشارة إلى انهيار وشيك، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً لحجم المخاطر الكامنة داخل النظام المالي العالمي.
السؤال لم يعد: ما إذا كانت الاختلالات موجودة؟ فهي موجودة بالفعل، السؤال الحقيقي هو: كيف ستتم معالجتها؟ وهل سيكون العالم قادراً على إدارة هذا التحول بهدوء، أم أن التكلفة الاقتصادية ستكون أعلى مما نتوقع؟
وإذا كانت أزمة الديون العالمية تمثل تحدياً للدول الكبرى ذات الاقتصادات المتنوعة والمؤسسات المستقرة، فإن المخاطر بالنسبة لليبيا أكبر بكثير. فليبيا لا تواجه أزمة اقتصادية تقليدية فحسب، بل تعيش مزيجاً معقداً من الانقسام السياسي والمؤسسي، والتوسع غير المنضبط في الإنفاق العام، والسياسات النقدية قصيرة الأجل.
يعتمد الاقتصاد الليبي بصورة شبه كاملة على النفط، الذي يشكل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والنقد الأجنبي. لكن في المقابل، يتسع الإنفاق العام بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد الحقيقي على الإنتاج، بينما تستمر فاتورة المرتبات والدعم والإنفاق الموازي في الارتفاع عاماً بعد عام.
وفي ظل غياب التنسيق الكامل بين السياسات المالية والنقدية، أصبحت الحلول المؤقتة تحل محل الإصلاحات الهيكلية. وتأجيل الإصلاح لا يلغي التكلفة بل يضاعفها؛ فاستمرار التوسع في الإنفاق دون زيادة حقيقية في الإنتاج، واستمرار الاعتماد على إيرادات نفطية متقلبة، يعني مزيداً من الضغوط على سعر الصرف ومزيداً من التآكل في القوة الشرائية للمواطن.
ومع استمرار الانقسام المؤسسي، تتراجع قدرة الدولة على ضبط الإنفاق، وتضعف كفاءة إدارة الموارد العامة، وتزداد صعوبة بناء سياسة اقتصادية موحدة قادرة على مواجهة الصدمات.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انخفاض أسعار النفط، بل في تزامن أي تراجع نفطي مستقبلي مع استمرار مستويات الإنفاق الحالية؛ حينها ستصبح الخيارات أكثر صعوبة:
- إما اللجوء إلى تخفيض قيمة العملة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
- أو فرض رسوم وضرائب إضافية لتعويض تراجع الإيرادات.
- أو استنزاف الاحتياطيات الأجنبية لتغطية فجوة متزايدة بين الإيرادات والمصروفات.
وفي جميع الحالات، سيدفع المواطن التكلفة النهائية عبر ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الدخل الحقيقي، وتآكل المدخرات.
كل عام يمر دون إصلاحات اقتصادية حقيقية يعني اقتصاداً أكثر هشاشة، واعتماداً أكبر على الإيرادات النفطية، واحتياطيات تُستهلك في معالجة الأزمات بدلاً من توظيفها في بناء المستقبل. وكل تأخير في توحيد المؤسسات، وضبط الإنفاق العام، وإصلاح منظومة الدعم، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية، يرفع من كلفة التصحيح عندما يصبح الإصلاح أمراً لا مفر منه.
فالاقتصادات لا تنهار عادة بسبب نقص الموارد، بل بسبب سوء إدارتها وتأجيل القرارات الصعبة والاعتماد المستمر على الحلول المؤقتة. وفي حالة ليبيا، لا تكمن المشكلة في محدودية الإمكانات، بل في اتساع الفجوة بين ما تنفقه الدولة وما ينتجه الاقتصاد الحقيقي؛ فلا يمكن لأي احتياطي نقدي مهما بلغ حجمه أن يعوض غياب الانضباط المالي إلى الأبد، ولا يمكن لأي ارتفاع مؤقت في أسعار النفط أن يخفي الاختلالات الهيكلية أو يؤجل آثارها إلى ما لا نهاية.
(( فالوقت في الاقتصاد ليس عاملاً محايداً ))؛ إما أن يعمل لصالح الإصلاح، أو يتحول إلى عنصر يفاقم الأزمة.
السؤال لم يعد: هل يحتاج الاقتصاد الليبي إلى إصلاح؟ السؤال الحقيقي هو: كم ستكون تكلفة تأجيله؟ وهل ما زلنا نمتلك رفاهية الانتظار في ظل انقسام مؤسسي وإنفاق متسارع وسياسات قصيرة النظر؟ أم أن نافذة الإصلاح تضيق يوماً بعد يوم؟
