“حسني بي” يكتب: من أين يأتي الدينار؟.. السؤال الذي يتجاهله الجميع في الأزمة الاقتصادية الليبية

كتب : رجل الأعمال “حسني بي”
في كل مرة يتراجع فيها سعر صرف الدينار، أو ترتفع معدلات التضخم، أو تتسع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ينشغل الرأي العام والاقتصاديون بالجدل حول استقلالية مصرف ليبيا المركزي، أو تعديل سعر الصرف، أو إعادة العمل بسعر الفائدة، أو تحميل الحكومة مسؤولية التوسع في الإنفاق.
ورغم أهمية هذه القضايا، فإنها في تقديري لا تمثل جوهر الأزمة، بل تتعامل مع نتائجها وأعراضها. أما السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل هذه النقاشات فهو سؤال واحد: من أين يأتي الدينار الذي تُنوَّل به الميزانية العامة للدولة؟
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في الحقيقة مفتاح فهم الأزمة الاقتصادية الليبية بأكملها، وهو السؤال الذي غاب عن معظم النقاشات الاقتصادية خلال العقود الماضية ومنذ إقرار “شركاء لا أجراء، والبيت لساكنه، والأرض ليست ملكاً لأحد، والسيارة لمن يقودها” مع تبني منظومة اقتصادية ريعية بسبب إيرادات النفط.
فليبيا تحولت من اقتصاد صناعي أو زراعي يعتمد على الضرائب أو الإنتاج المحلي لتمويل إنفاقه العام الذي كان يموله القطاع الخاص بما يتعدى 50% عام 1978، ومن خلال السياسات العشوائية تم تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على صادرات النفط والغاز لتوفير النقد الأجنبي ولتغطية الإنفاق العام بالدينار، وخلال العهود الماضية أصبح يعتمد النشاط الاقتصادي المحلي بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي.
وهنا تكمن الحقيقة الأساسية التي كثيراً ما يتم تجاهلها.
فالحكومة الليبية لا تمتلك دينارات جاهزة لتمويل المرتبات، أو الدعم، أو الإنفاق التسييري، أو الإنفاق التنموي. كما أن مصرف ليبيا المركزي لا يملك مطبعة اقتصادية تنتج الثروة، وإنما يمتلك أداة إصدار العملة فقط.
ولذلك فإن تمويل الإنفاق العام يمر بآلية اقتصادية واضحة: تقوم الدولة ببيع دولارات النفط والغاز إلى مصرف ليبيا المركزي، والذي بدوره ملزم بأن يعيد بيع الدولارات مقابل شراء دينارات من عرض النقود، ويحصل المصرف مقابلها على الدينارات الموجودة في الاقتصاد، ثم يعيد ضخ هذه الدينارات لتمويل الميزانية العامة بأبوابها.
أي أن الدينار يجب ألا يُخلق من فراغ، بل يجب أن يستند إلى بيع ثروة حقيقية يمثلها النفط والغاز من خلال بيع دولارات النفط.
وهنا يصبح المصرف المركزي عملياً أمام خيارين لا ثالث لهما:
- الخيار الأول: هو تمويل الإنفاق من خلال بيع دولارات إيرادات النفط والغاز، وشراء وسحب الدينارات الموجودة في الاقتصاد، ثم إعادة استخدامها في تمويل الميزانية لإحداث التوازن النقدي.
- الخيار الثاني: إذا لم يتم بيع كمية كافية من النقد الأجنبي مع استمرار الإنفاق العام والتمويل بالعجز، فهو اللجوء إلى خلق دينارات جديدة من العدم.
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
فعندما تُخلق النقود دون أن يقابلها إنتاج وضرائب، أو تمويل من خلال بيع دولارات الاحتياطيات أو بيع فعلي للنقد الأجنبي المحقق من خلال بيع النفط، ترتفع القاعدة النقدية، ويتوسع عرض النقود، ويرتفع التضخم، وتتراجع القوة الشرائية للدينار، وتتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، ويزداد الطلب على الدولار، وتتسع المضاربة وندخل في دوامة الحلقة المفرغة.
هذه ليست فرضية نظرية اقتصادية، بل تمثل تجربة عاشتها ليبيا أكثر من 3 مرات منذ عام 1982.
فقد شهد الاقتصاد الليبي هذه الدورة خلال الفترة من 1982 إلى 2004، ثم تكررت بصورة أوضح بين عامي 2014 و2021، عندما تم تمويل جانب كبير من الإنفاق من خلال التوسع النقدي. كما ظهرت بوادرها مرة أخرى خلال عام 2023 والربع الأول من عام 2024، عندما تم استخدام فائض إيرادات النفط لعام 2022 في تعزيز الاحتياطيات وشراء الذهب، بينما جرى تمويل جزء كبير من الإنفاق العام عبر التوسع في خلق النقود، مما أدى إلى زيادة عرض النقود بنحو 40 مليار دينار خلال نحو خمسة عشر شهراً.
ولهذا السبب، فإن اختزال الأزمة في استقلالية المصرف المركزي وحدها لا يقدم تفسيراً كاملاً.
فاستقلالية المصرف المركزي ضرورة في أي اقتصاد حديث، لكنها ليست عصاً سحرية، ولا تستطيع وحدها معالجة اختلالات ناتجة عن سياسة مالية توسعية في اقتصاد يعتمد بالكامل تقريباً على مصدر واحد للنقد الأجنبي.
كما أن إعادة العمل بسعر الفائدة، أو تطوير أدوات السياسة النقدية، قد يساعد في تحسين إدارة السيولة، لكنه لن يحل المشكلة الأساسية إذا ظل الإنفاق العام ينمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توفير التمويل الحقيقي له.
وفي المقابل، فإن تحميل الحكومة وحدها المسؤولية لا يقدم الصورة الكاملة أيضاً.
فالحكومة مسؤولة عن حجم الإنفاق، وعن الرواتب، والدعم، وأولويات التنمية، وضبط التهريب، والإصلاح الإداري، لكن نجاح هذه السياسات يتطلب أيضاً سياسة نقدية قادرة على إدارة السيولة والحفاظ على استقرار قيمة العملة.
وبالتالي فإن الأزمة الليبية ليست أزمة نقدية فقط، وليست أزمة مالية فقط، بل هي أزمة غياب التنسيق بين السياستين المالية والنقدية داخل اقتصاد يعتمد على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل، وهو ما يمول الإنفاق العام بنسبة 93%.
ومن هنا يصبح التمييز بين الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق التنموي للحكومة أمراً بالغ الأهمية.
فالإنفاق الجاري للحكومة على الرواتب والدعم والاستهلاك ينتهي أثره بمجرد صرفه، بينما الإنفاق التنموي المنتج في البنية التحتية والطاقة والنقل والمياه والتعليم والصحة يرفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، ويزيد العرض، ويخلق مصادر دخل مستقبلية تساعد على تخفيف الضغوط التضخمية.
ولذلك فإن وقف التنمية ليس علاجاً للتضخم إذا ما كان إنفاقاً مستداماً، بل قد يكون سبباً في تضخم أكبر مستقبلاً، إذا لم يكن مستداماً، نتيجة ضعف الإنتاج واستمرار نمو الطلب.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من سعر الصرف، ولا من الفائدة، ولا من استقلالية المصرف المركزي وحدها، وإنما يبدأ من إعادة تصميم العلاقة بين الإنفاق العام وإيرادات النفط وعرض النقود حتى لا يُنوَّل أي إنفاق بالعجز من خلال خلق الأموال من العدم.
ويتحقق ذلك من خلال ضبط الإنفاق الاستهلاكي عامة، ومنها إصلاح دعم المحروقات من خلال الاستبدال النقدي، والحد من التوسع غير المنتج في بند المرتبات والزيادات، والاستمرار في تمويل الميزانية عبر بيع إيرادات النفط والغاز بدلاً من خلق نقود جديدة، مع إعطاء الأولوية للاستثمار المنتج الذي يوسع القاعدة الاقتصادية ويخلق مصادر دخل جديدة خارج قطاع النفط وبعيداً عن الإنفاق العام.
وفي الوقت نفسه، ينبغي تطوير أدوات السياسة النقدية بما يتناسب مع خصوصية الاقتصاد الليبي، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتنويع الاقتصاد، حتى لا يبقى استقرار الدينار مرهوناً بأسعار النفط وحدها.
إن السؤال الذي يجب أن يقود أي نقاش اقتصادي في ليبيا ليس: هل نرفع سعر الفائدة؟ أو هل المصرف المركزي مستقل؟ بل السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو: إذا لم تُستخدم إيرادات النفط والغاز لشراء الدينارات التي تموّل الإنفاق العام، فمن أين ستأتي هذه الدينارات؟
إذا كانت الإجابة هي “من خلق نقود جديدة”، فإننا نكون قد اخترنا مرة أخرى الطريق نفسه الذي قاد إلى أزمات 1982–2004، ثم 2014–2021، ثم الاختلالات التي شهدناها في 2023 والربع الأول من 2024.
أما إذا كان التمويل يتم من خلال إدارة رشيدة لإيرادات النفط، وربط الإنفاق بالقدرة الحقيقية للاقتصاد، وإعطاء الأولوية للاستثمار المنتج، فإن استقرار الدينار لن يكون هدفاً صعب المنال، بل نتيجة طبيعية لسياسات اقتصادية واقعية ومستدامة.
فالاقتصادات لا تنهار لأنها تبيع الدولار، وإنما تنهار عندما تخلق دينارات لا يقابلها إنتاج أو ثروة أو إيرادات حقيقية. وهنا يكمن جوهر الأزمة الليبية.



