كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”
الطريق إلى مليوني برميل… لا يبدأ من الحقول بل من الدولة
على مدى أكثر من ستين عاماً، أثبت قطاع النفط الليبي قدرة لافتة على التعافي كلما توافرت له الظروف المناسبة. فعلى الرغم من الحروب، والإغلاقات، والانقسامات المؤسسية، والتقلبات السياسية، ظل القطاع قادراً على استعادة جزء كبير من إنتاجه في كل مرة، وهو ما يعكس جودة المكامن، وكفاءة الكوادر الوطنية، والخبرة المتراكمة التي اكتسبتها المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها.
لكن التجربة نفسها تقدم درساً لا يقل أهمية.
فكل مرة ارتفع فيها الإنتاج، لم يكن السبب اكتشاف احتياطيات جديدة، وإنما تحسن الظروف التي سمحت للقطاع بالعمل.
وهذا يعني أن العامل الحاسم في مستقبل النفط الليبي لم يعد جيولوجياً، بل أصبح مؤسسياً.
فالنفط موجود منذ ملايين السنين، لكن الاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة، والتمويل يحتاج إلى ثقة، والشركات تحتاج إلى وضوح في الرؤية، والأسواق تحتاج إلى مورد يمكن الاعتماد عليه.
ولهذا فإنني أرى أن الحديث عن مليوني برميل يومياً يجب ألا يُختزل في عدد الآبار التي ستُحفر أو حجم الاستثمارات التي ستُضخ، بل يجب أن يبدأ بسؤال أكثر جوهرية:
هل تمتلك ليبيا اليوم البيئة المؤسسية التي تسمح بإدارة مشروع بهذا الحجم؟
المؤسسة الوطنية للنفط… ركيزة النجاح وليست البديل عن الدولة
من الإنصاف القول إن المؤسسة الوطنية للنفط كانت، طوال السنوات الماضية، صمام الأمان الحقيقي لهذا القطاع.
فعلى الرغم من الظروف المعقدة، استطاعت المحافظة على استمرارية الإنتاج، وإدارة علاقاتها مع الشركاء الدوليين، وإعادة تشغيل الحقول والموانئ بعد كل أزمة تقريباً، كما نجحت في إطلاق مشاريع تطويرية وجولة تراخيص جديدة أعادت ليبيا إلى خريطة الاستثمار العالمي في الاستكشاف والإنتاج.
وهذا النجاح يستحق الإشادة.
لكن من الظلم أيضاً تحميل المؤسسة الوطنية للنفط وحدها مسؤولية تحقيق مليوني برميل يومياً.
فالقطاع النفطي، بطبيعته، لا يعمل بمعزل عن بقية مؤسسات الدولة.
إن نجاح المؤسسة يحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ باستقرار القرار السياسي، وتمر بوضوح السياسات المالية، وتصل إلى كفاءة الأجهزة القضائية والتنظيمية، وسرعة الإجراءات الإدارية، واستقرار البيئة الأمنية، وتكامل البنية التحتية.
فلا يمكن لأي مؤسسة نفطية في العالم، مهما بلغت كفاءتها، أن تحقق أهدافاً استراتيجية إذا كانت تعمل في بيئة تفتقر إلى الانسجام المؤسسي أو تعاني من تغيرات متمتالية في قواعد العمل.
ومن هنا، فإن نجاح المؤسسة الوطنية للنفط في المرحلة المقبلة يجب أن يُنظر إليه باعتباره نجاحاً للدولة الليبية بأكملها، وليس لمؤسسة واحدة.
المشكلة ليست في النفط… بل في إدارة النفط
في اعتقادي، هذه هي القضية الجوهرية التي ينبغي أن تشغل النقاش الوطني خلال السنوات القادمة.
فليبيا لا تعاني من نقص في الموارد الطبيعية، ولا من ضعف في جودة خامها، ولا من محدودية احتياطياتها، بل تمتلك، بشهادة الأسواق العالمية، واحداً من أفضل الخامات النفطية، وأكبر الاحتياطيات في أفريقيا، وإمكانات غازية واعدة لم تُستغل بعد بالشكل الأمثل.
لكن السؤال الحقيقي هو: كيف تُدار هذه الثروة؟
إن الدول لا تتقدم لأنها تنتج النفط، وإنما لأنها تحسن إدارة عائداته.
ولذلك فإن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لن يكون إنجازاً حقيقياً إذا استمرت أنماط الإدارة الاقتصادية نفسها، أو بقيت العوائد تُستهلك في الإنفاق الجاري دون أن تتحول إلى استثمارات منتجة ترفع من قدرة الاقتصاد على النمو والاستدامة.
إن المطلوب اليوم ليس فقط زيادة الإنتاج، بل زيادة القيمة الاقتصادية لكل برميل يتم إنتاجه. وهذا لا يتحقق إلا عبر منظومة متكاملة تشمل:
- رفع الطاقة التكريرية المحلية، بما يقلل الاعتماد على استيراد الوقود.
- التوسع في الصناعات البتروكيماوية والأسمدة والصناعات التحويلية.
- استثمار الغاز الطبيعي بصورة أكثر كفاءة، والحد من حرق الغاز المصاحب.
- تطوير الخدمات النفطية المحلية، وتمكين الشركات الوطنية من المشاركة بصورة أكبر في المشاريع.
- رفع نسبة المحتوى المحلي، بما يخلق فرص عمل ويعزز نقل التكنولوجيا.
- الاستثمار في البحث العلمي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات النفطية.
فالقيمة المضافة لا تُقاس بعدد البراميل المنتجة فقط، بل بما تحققه تلك البراميل من نشاط اقتصادي داخل الدولة.
النفط يجب أن يمول التحول الاقتصادي… لا أن يؤجل الإصلاح
لقد اعتمد الاقتصاد الليبي، لعقود طويلة، على النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات، وهو ما جعل أداء الاقتصاد يرتبط بصورة مباشرة بأسعار النفط ومستويات الإنتاج.
لكن المرحلة المقبلة تفرض رؤية مختلفة.
فالزيادة المتوقعة في الإيرادات، إذا تحقق هدف مليوني برميل يومياً، يجب ألا تؤدي إلى توسيع الاقتصاد الريعي، بل ينبغي أن تمثل فرصة تاريخية لتمويل إصلاحات اقتصادية طال انتظارها، ومن أهمها:
- تنويع مصادر الدخل.
- تمكين القطاع الخاص.
- تحسين كفاءة الإنفاق العام.
- الاستثمار في رأس المال البشري.
- تحديث البنية التحتية.
- دعم الاقتصاد الرقمي والصناعات الجديدة.
فأفضل استخدام لعائدات النفط هو أن تُستثمر في بناء اقتصاد يستطيع، مستقبلاً، أن يحقق النمو حتى عندما تتراجع أسعار النفط أو تنخفض معدلات الإنتاج.
وهذه، في تقديري، هي الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية، وهي أيضاً المعيار الذي يجب أن نقيس به نجاح أي استراتيجية نفطية في ليبيا، وليس فقط عدد البراميل التي تخرج يومياً من الحقول.
يتبع ،،
رابط الجزء الأول من المقال :
“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول
رابط الجزء الثاني من المقال :
“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثاني
