Skip to main content
|

“الشلوي”: الإفصاح والشفافية في ليبيا خلال النصف الأول من 2026.. قراءة مقارنة بين “المركزي والوطنية للنفط”

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

عند تقييم مستوى الإفصاح والشفافية في المؤسسات السيادية، لا يكفي النظر إلى عدد البيانات المنشورة، بل يجب قياس مدى انتظامها واستمراريتها ووضوح محتواها وإمكانية الاستفادة منها لدى النخب وصناع القرار ووسائل الإعلام والرأي العام.

من خلال متابعة البيانات الصادرة خلال النصف الأول من عام 2026، يُلاحظ أن المؤسسة الوطنية للنفط حققت تقدماً واضحاً في انتظام الإفصاح الدوري، إذ واصلت نشر بياناتها الشهرية المتعلقة بالإنتاج والصادرات والإيرادات النفطية والتزويدات الموجهة إلى السوق المحلي ومحطات الكهرباء والمصافي، إلى جانب إصدار توضيحات فنية ومالية عند ظهور أي التباس في بعض الأرقام.

وقد ساعد هذا الانتظام على توفير صورة أقرب إلى الواقع عن نشاط القطاع النفطي، ومكّن المتابع من المقارنة بين الأشهر ورصد تطور الإنتاج والإيرادات وفهم جانب مهم من العلاقة بين ما تنتجه الدولة وما تحققه من موارد مالية.

في المقابل، يظل -ومن المفترض أن يكون- مصرف ليبيا المركزي هو صاحب المنظومة الأوسع من حيث تنوع البيانات، نظراً لما ينشره من مؤشرات نقدية ومصرفية وبيانات عن النقد الأجنبي والتضخم وأوضاع المصارف والمالية العامة، إلا أن اتساع نطاق البيانات لا يعوض دائماً غياب الانتظام في بعض الإصدارات الأساسية، وفي مقدمتها بيان الإيراد والإنفاق العام الذي يمثل الوثيقة الأكثر ارتباطاً باهتمام المواطن والنخب الاقتصادية.

هنا تظهر نقطة التفوق الأساسية للمؤسسة الوطنية للنفط خلال الفترة محل القراءة، فالمؤسسة لم تكن الأوسع اختصاصاً، لكنها كانت الأكثر وضوحاً واستمرارية في الإفصاح عن نشاطها الرئيسي؛ وهذه نقطة مهمة لأن قيمة البيانات لا ترتبط فقط بحجمها أو تنوعها، وإنما بصدورها في موعد منتظم، ووفق نسق يسمح بالمقارنة والمتابعة.

كما أن أهمية إفصاحات المؤسسة لا تقتصر على المختصين في قطاع النفط، لأن النفط يمثل المصدر الرئيسي للدخل العام والنقد الأجنبي في ليبيا، لذلك فإن بيانات الإنتاج والتصدير والإيرادات تهم المواطن بقدر ما تهم الخبير وصاحب القرار، فهي تشكل الحلقة الأولى في فهم الوضع المالي والاقتصادي للدولة.

أما بيانات المصرف المركزي فتمثل الحلقة التالية، لأنها توضح ما تم تحصيله وإيداعه وكيف استُخدمت الموارد وحجم الإنفاق العام، واستخدامات النقد الأجنبي وتأثير ذلك في الاحتياطيات والسيولة والأسعار.

من هنا فإن المقارنة لا تعني وضع المؤسستين في حالة تنافس، لأن لكل منهما اختصاصاً مختلفاً، لكنها تكشف أن المؤسسة الوطنية للنفط بدت خلال النصف الأول من عام 2026 أكثر التزاماً بالإفصاح الدوري المنتظم، في حين احتفظ المصرف المركزي بالتفوق من حيث شمول وتنوع البيانات بحكم تخصصه ومهامه، دون أن يحقق المستوى نفسه من الاستمرارية في بعض البيانات الأساسية.

والتشخيص الأهم هو أن ليبيا لا تعاني من غياب كامل للمعلومات، بل من تشتتها بين جهات متعددة وااختلاف توقيت نشرها وعدم وجود منصة موحدة تربط بين الإنتاج النفطي والإيرادات المحصلة والمبالغ المحالة والإنفاق العام.

فقد تعلن المؤسسة إيرادات تخص شحنات تم تحصيلها خلال شهر معين، بينما تظهر لدى المصرف في فترة لاحقة بسبب فروق التوقيت بين الإنتاج والتصدير والتحصيل والإيداع والتسوية، ولهذا فإن أي مقارنة مباشرة بين أرقام الجهتين يجب أن تراعي هذه الفروق الفنية والمحاسبية قبل إصدار الأحكام.

تتمثل التوصية الأساسية في إنشاء آلية إفصاح مشتركة تضم المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية والمصرف الليبي الخارجي لإصدار بيان شهري مبسط يوضح مسار الإيراد النفطي من الإنتاج والتصدير إلى التحصيل والإيداع والإنفاق.

كما أن من المهم اعتماد مستويات واضحة للإفصاح، تبدأ ببيانات تشغيلية مختصرة، ثم بيانات شهرية موحدة، وتقارير فصلية تحليلية، وتقرير سنوي مدقق يتيح قراءة متكاملة لأداء القطاع النفطي والمالية العامة.

الخلاصة:

إذا كان معيار المقارنة هو اتساع مجالات البيانات، فإن مصرف ليبيا المركزي يمتلك المنظومة الأشمل بطبيعة عمله، أما إذا كان المعيار هو الانتظام والاستمرارية والوضوح في الإفصاح عن النشاط الأساسي، فإن المؤسسة الوطنية للنفط تتقدم بوضوح خلال النصف الأول من عام 2026.

هذا التقدم لا ينبغي النظر إليه باعتباره تفوقاً مؤسسياً شكلياً، بل نموذجاً يمكن البناء عليه وتطويره وصولاً إلى منظومة وطنية تجعل من الممكن تتبع مسار الثروة العامة بوضوح: من البئر، إلى التصدير، إلى المصرف، ثم إلى الخزانة العامة وأوجه الإنفاق.

مشاركة الخبر