Skip to main content

الوسم: ليبيا

“الشلوي”: التمويل المقترن بالحوكمة.. خطوة في الاتجاه الصحيح لدعم قطاع النفط الليبي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع النفط والغاز في ليبيا.. يأتي اعتماد مخصصات مالية لصالح المؤسسة الوطنية للنفط.. على هيئة تمويل (قرض) مقترن بإخضاع أعمالها لمراجعة خارجية مستقلة عبر مكاتب تدقيق دولية.. كخطوة لافتة تحمل في طياتها أبعاداً إصلاحية مهمة.. سواء على مستوى استدامة الإنتاج أو تعزيز الشفافية والحوكمة..

أولًا: الطبيعة الفنية للإنتاج النفطي..
وضرورة التمويل المستمر..

من منظور فني بحت فإن النشاط الهيدروكربوني بطبيعته نشاط ناضب.. يتسم بانخفاض طبيعي في معدلات الإنتاج بمرور الزمن (Decline Rate).. ما لم تضخ استثمارات مستمرة في أعمال الصيانة وإعادة التأهيل، وحفر الآبار الجديدة وتطبيق تقنيات الاستخلاص المعزز (EOR)..

عليه.. فإن توفير التمويل ليس خياراً.. بل ضرورة حتمية للحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية ومنع تدهورها.. فضلاً عن تمكين المؤسسة من السعي لزيادة الإنتاج في النفط والغاز..

ثانيًا: تلبية الاحتياجات المحلية..
وتعظيم العائد التصديري..

{ ليبيا } تواجه معادلة دقيقة بين تلبية الطلب المحلي المتزايد على الطاقة.. خاصة في قطاع الكهرباء وبين الحفاظ على القدرة التصديرية التي تعد المصدر الرئيسي للإيرادات العامة..
وفي هذا السياق.. فإن دعم المؤسسة الوطنية للنفط بالتمويل اللازم يسهم في:

أ/ ضمان استقرار إمدادات الوقود محلياً..
ب/ تقليل الاعتماد على الاستيراد المكلف..
ج/ تعزيز القدرة على التصدير والاستفادة من الأسعار العالمية..

ثالثًا: الميزة التنافسية للنفط الليبي..

يتمتع النفط الليبي بخصائص تنافسية مهمة.. أبرزها:

أ/ انخفاض تكلفة الاستخراج مقارنة بالعديد من الدول..
ب/ جودة الخام (خفيف وحلو) مما يجعله مرغوباً في الأسواق الأوروبية..
ج/ القرب الجغرافي من الأسواق الرئيسية..

هذه العوامل تجعل من الاستثمار في زيادة الإنتاج خياراً اقتصادياً ذا جدوى عالية.. خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية في أسواق الطاقة العالمية وما تفرضه من فرص لإعادة تموضع ليبيا كمورد موثوق..

رابعًا: السياق الجيوسياسي..
وأهمية تعزيز الإنتاج..

التطورات الجيوسياسية.. خاصة في أوروبا ومنطقة البحر المتوسط.. رفعت من أهمية تنويع مصادر الطاقة..
هنا تبرز [ ليبيا ] كخيار استراتيجي.. مما يفرض ضرورة الاستعداد لاقتناص هذه الفرص عبر:

أ/ رفع القدرة الإنتاجية..
ب/ تحسين البنية التحتية..
ج/ ضمان استقرار العمليات التشغيلية..

خامسًا: التمويل بصيغة القرض..
كأداة للانضباط المالي..

رغم أن آلية التمويل لهذا العام تختلف عن السنوات السابقة بكونها في شكل قرض.. إلا أن هذه الصيغة تحمل في طياتها جوانب إيجابية.. من بينها:

1/ تعزيز الانضباط المالي: إذ يفرض القرض التزامات واضحة لإدارة الموارد بكفاءة..

2/ ربط التمويل بالأداء: ما يشجع على تحقيق نتائج ملموسة في الإنتاج والإيرادات..

3/ تقليل الهدر: نتيجة وجود رقابة أكبر على أوجه الصرف..

سادسًا: المراجعة الخارجية
كضمان للشفافية..

إخضاع أعمال المؤسسة لمراجعة خارجية مستقلة عبر مكاتب تدقيق دولية يعد عنصراً محورياً في هذه المنظومة.. لما له من آثار إيجابية:

أ/ رفع مستوى الشفافية والمساءلة..
ب/ تعزيز ثقة الشركاء الدوليين والمستثمرين..
ج/ تحسين كفاءة الإدارة المالية والتشغيلية..
د/ مواءمة الأداء مع المعايير الدولية..

سابعًا: النتائج الإيجابية المتوقعة

عند تطبيق هذه الآلية (التمويل + الرقابة) بشكل فعال.. يمكن توقع عدد من النتائج الإيجابية.. من أبرزها:

1/ الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية ومنع تراجعها..
2/ تحقيق زيادات تدريجية في إنتاج النفط والغاز..
3/ تحسين الإيرادات العامة للدولة..
4/ دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي..
5/ خلق فرص عمل وتحفيز النشاط الاقتصادي المرتبط بالقطاع..
6/ تعزيز مكانة {{ ليبيا }} في سوق الطاقة العالمي..

ثامنًا: قراءة منصفة للتحديات..

لا يمكن إغفال أن المؤسسة الوطنية للنفط تعمل في بيئة معقدة.. تواجه فيها:

أ/ تحديات أمنية ولوجستية..
ب/ تقلبات سياسية..
ج/ ضغوط مالية..
د/ بنية تحتية تحتاج إلى تحديث..

مع ذلك.. فإن هذه الخطوة تعكس إدراكاً رسمياً لحجم التحديات ومحاولة جادة لمعالجتها بأسلوب مؤسسي قائم على التمويل المنضبط والرقابة المستقلة..

الخلاصة..

إن اعتماد مخصصات مالية للمؤسسة الوطنية للنفط بصيغة القرض.. مقرونة بآلية مراجعة خارجية مستقلة.. يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح لعدة أسباب فنية واقتصادية ومؤسسية..

فهو لا يهدف فقط إلى دعم الإنتاج.. بل إلى إعادة ضبط العلاقة بين التمويل والأداء وتعزيز الشفافية وتحقيق الاستدامة في قطاع يعد العمود الفقري للاقتصاد الليبي..

عليه.. فإن نجاح هذه الخطوة سيعتمد بالدرجة الأولى على حسن التنفيذ واستمرارية الالتزام بمبادئ الحوكمة.. بما يحقق المصلحة العليا للوطن والمواطن..

“الشلوي”: قراءة تحليلية في ملخص الإنتاج والإيرادات النفطية.. بين الشفافية المؤسسية ومتطلبات الاستدامة

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

مع انتهاء شهر أبريل 2026م، أصدرت المؤسسة الوطنية للنفط ملخصها الشهري للإنتاج والإيرادات، في خطوة تؤكد استمرار نهج الإفصاح والشفافية الذي بات سمة إيجابية تعزز الثقة العامة وتدعم مصداقية قطاع النفط الليبي على الصعيدين المحلي والدولي. هذا النمط من النشر الدوري للبيانات لا يكتفي بعرض الأرقام، بل يفتح المجال أمام التحليل الموضوعي وتقييم الأداء وهو ما يشكل ركيزة أساسية لأي إدارة رشيدة للموارد الطبيعية.

أولاً: قراءة في مؤشرات إنتاج النفط الخام

بلغ إجمالي إنتاج النفط الخام خلال أبريل نحو 41.6 مليون برميل، توزعت بشكل رئيسي على:

أ/ حصة الدولة الليبية: 35.14 مليون برميل.
ب/ حصة الشركاء: 5.95 مليون برميل.
ج/ المتاح للتصدير: 4.87 مليون برميل.

كما أظهرت البيانات أن:

أ/ المصدر كنفط خام: 30.84 مليون برميل.
ب/ المحول للتكرير: 3.99 مليون برميل.
ج/ الموجه لمحطات الكهرباء: 311.5 ألف برميل.

هذه الأرقام تعكس استقراراً نسبياً في مستويات الإنتاج، مع استمرار توجيه جزء معتبر للسوق المحلي وهو أمر يعكس توازناً بين الالتزامات التصديرية واحتياجات الاقتصاد الوطني.

مقارنة بشهر مارس (تابع مقالي السابق): عند مقارنة هذه الأرقام مع بيانات مارس التي كنت قد تناولتها بالسابق، يلاحظ أن:

أ/ متوسط سعر النفط في مارس بلغ 103.886 دولار للبرميل وهو مؤشر مهم لتقدير الإيرادات.
ب/ إذا افترضنا استقرار أو تحسناً طفيفاً في الإنتاج خلال أبريل، فإن العائدات تكون مرتبطة بشكل أكبر بعوامل السوق (الأسعار العالمية) وليس فقط بالكميات المنتجة.

هنا تبرز نقطة جوهرية: تحقيق الاستقرار الإنتاجي هو شرط لازم، لكنه غير كافٍ دون إدارة ذكية للإيرادات في ظل تقلبات الأسعار العالمية.

ثانياً: إنتاج الغاز الطبيعي

سجل إنتاج الغاز خلال أبريل نحو 62.7 مليار قدم مكعب، موزعة كالتالي:

أ/ الغاز المتاح للاستهلاك: 59.8 مليار قدم مكعب.
ب/ الغاز المستعمل: 40.97 مليار قدم مكعب.
ج/ الغازات الأخرى (حمضية وهيدروكربونية منخفضة الضغط): 13.66 مليار قدم مكعب.

هذه الأرقام تعكس استمرار الاعتماد الكبير على الغاز في دعم قطاع الكهرباء والصناعة وهو ما يفرض تحديات تتعلق بالكفاءة التشغيلية وتقليل الفاقد.

ثالثاً: الإيرادات النفطية

بلغت الإيرادات المحصلة والمحالة: أ/ 2.827 مليار دولار ب/ ما يعادل 2.866 مليار دينار ليبي

مع الإشارة إلى وجود التزامات قائمة مثل خطابات الاعتماد وتأثيرها على صافي التدفقات النقدية وهو ما يعكس تعقيدات الإدارة المالية للقطاع.

مقارنة تحليلية مع مارس: في مقال مارس، أشرنا إلى أهمية الربط بين السعر والإنتاج، وفي أبريل تؤكد البيانات أن:

أ/ استقرار الإنتاج لا يعني بالضرورة نمو الإيرادات إذا لم يقابله تحسن في الأسعار.
ب/ إدارة التدفقات النقدية أصبحت أكثر أهمية من مجرد تحقيق أرقام إنتاجية مرتفعة.

رابعاً: دلالات الشفافية المؤسسية

ما يميز هذا التقرير ليس فقط محتواه الرقمي، بل انتظام صدوره ووضوحه وهو ما يعكس:

أ/ التزام المؤسسة الوطنية للنفط بمبدأ الإفصاح.
ب/ دعم بيئة المساءلة.
ج/ تمكين صناع القرار والباحثين من تقييم الأداء بشكل موضوعي.

وهذا النهج يحسب للمؤسسة ويعزز من مكانتها كمؤسسة وطنية تعمل بروح مهنية.

خامساً: توصيات فنية واقتصادية

من واقع التحليل المقارن بين مارس وأبريل يمكن طرح مجموعة من التوصيات:

1/ تعزيز الاستقرار الإنتاجي عبر تقليل التذبذبات التشغيلية وضمان استمرارية الإنتاج في الحقول والموانئ.
2/ رفع كفاءة التكرير المحلي لتقليل الاعتماد على تصدير الخام وزيادة القيمة المضافة بداخل البلاد.
3/ تحسين إدارة الغاز عبر تقليل الفاقد والاستثمار في البنية التحتية لمعالجة الغاز.
4/ إدارة مالية أكثر ديناميكية تأخذ في الاعتبار تقلبات الأسعار العالمية وتعمل على تنويع مصادر الدخل.
5/ الاستمرار في نهج الشفافية مع تطوير التقارير لتشمل مؤشرات أداء إضافية (تكلفة الإنتاج / الكفاءة / الفاقد).

الخلاصة:

إن قراءة بيانات أبريل في سياق مقارنتها مع مارس تؤكد أن قطاع النفط الليبي يسير في اتجاه إيجابي من حيث الاستقرار والشفافية وهو في تطوير تصاعدي لأدوات الإدارة الاقتصادية التشغيلية لمواكبة التحديات العالمية، وتبقى الحاجة قائمة إلى تكامل السياسات الاقتصادية لضمان تحقيق أقصى استفادة من هذه الموارد بما يخدم المصلحة الوطنية، وهذا دور بقية المؤسسات النقدية والتجارية والمالية مع بعضها البعض، وذلك كما أسلفت خدمة للمصلحة العامة للبلاد.

المؤسسة الوطنية للنفط: إجمالي الإيرادات النفطية المحصلة خلال شهر أبريل بلغ 2.8 مليار دولار

كشفت المؤسسة الوطنية للنفط في بيان لها اليوم الجمعة بأن إجمالي الإيرادات النفطية المحصلة خلال شهر أبريل والمحالة للحساب السيادي بالمصرف الليبي الخارجي، بلغ نحو 2.8 مليار دولار، إضافة إلى 2.8 مليار دينار من الإتاوات وضرائب عقود الامتياز مع الشركات الأجنبية.

وأشارت المؤسسة إلى أن القيمة المحالة للحساب السيادي يقتطع منها قيمة اعتمادات توريد المحروقات عبر المصرف الليبي الخارجي وفقا للاتفاقات المبرمة، على أن باقي القيمة إلى مصرف ليبيا المركزي والمقدرة بنحو 1.9 مليار دولار.

“الشلوي”: ماذا يعني استكشاف إمكانات النفط والغاز الصخري في ليبيا بواسطة أكبر الشركات العالمية؟

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في التفكير الاستراتيجي لقطاع الطاقة الليبي، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط مذكرة تفاهم مع شركة شيفرون الأمريكية، إحدى أبرز الشركات العالمية الرائدة في مجالات النفط والغاز والهيدروكربونات بشكل عام، وذلك لإجراء دراسة مشتركة لتقييم الموارد غير التقليدية وعلى رأسها النفط والغاز الصخري في عدد من الأحواض الرسوبية الليبية.

هذا الاتفاق لا يمكن قراءته كخطوة تقنية بحتة، بل ينبغي فهمه في سياق أوسع يعكس إدراكاً متقدماً لتحولات سوق الطاقة العالمي؛ فخلال العقدين الأخيرين أثبتت الموارد غير التقليدية، خصوصاً في الولايات المتحدة، أنها قادرة على تغيير موازين الطاقة العالمية وتحويل دول مستوردة إلى منتجين كبار، ومن هنا فإن توجه ليبيا نحو هذا المسار يعكس وعياً متنامياً بضرورة مواكبة هذه التحولات وعدم الاكتفاء بالموارد التقليدية.

اختيار الأحواض الثلاثة (سرت، مرزق، غدامس) لم يكن اعتباطياً، فهي تمثل العمود الفقري للمنظومة النفطية الليبية وتتمتع بخصائص جيولوجية واعدة قد تجعلها من أبرز مناطق إنتاج الموارد غير التقليدية مستقبلاً. التقديرات الأولية التي تشير إلى وجود نحو 123 تريليون قدم مكعب من الغاز، إضافة إلى ما يقارب 18 مليار برميل من النفط، تضع ليبيا أمام فرصة تاريخية لتعزيز احتياطياتها وإعادة تموضعها كلاعب مؤثر في سوق الطاقة.

من زاوية اقتصادية، فإن هذا التوجه يحمل أبعاداً استراتيجية مهمة، فليبيا التي يعتمد اقتصادها بشكل شبه كلي على النفط تواجه تحديات مستمرة تتعلق بتقلبات الأسعار وضعف التنويع الاقتصادي، وهنا تبرز أهمية الاستثمار في الموارد غير التقليدية كأحد المسارات التي يمكن أن تساهم في زيادة الإنتاج ورفع الإيرادات وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.

الأهم من ذلك، أن هذه الخطوة تعكس تحولاً في عقلية المؤسسة الوطنية للنفط التي تبدو اليوم أكثر ميلاً للتفكير خارج الصندوق، رغم ما تواجهه من قيود مالية وتحديات تشغيلية، فالدخول في شراكة مع شركة بحجم شركة شيفرون الأمريكية لا يقتصر على الجانب الاستثماري، بل يمتد إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا، خاصة في تقنيات الاستخراج المعقدة مثل الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، وهي عناصر حاسمة في تطوير النفط والغاز الصخري.

رغم أهمية هذه الخطوة، إلا أن التعامل معها بواقعية يظل ضرورياً، فالموارد غير التقليدية تتطلب استثمارات ضخمة وبنية تحتية متطورة وأطراً تنظيمية واضحة، فضلاً عن اعتبارات بيئية لا يمكن تجاهلها، بالتالي فإن نجاح هذا التوجه سيعتمد على قدرة ليبيا على تهيئة بيئة استثمارية مستقرة وتوفير مناخ تشريعي مرن وجاذب.

في المحصلة، يمكن القول إن هذه المذكرة تمثل إشارة إيجابية على أن ليبيا بدأت بالفعل في إعادة رسم ملامح مستقبلها الطاقي، ورغم التحديات، فإن الاتجاه يبدو صحيحاً، خاصة عندما يقترن برؤية تستشرف الإمكانات الكامنة في الموارد غير التقليدية وتسعى إلى تعظيم الاستفادة منها بما يخدم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.

المؤسسة الوطنية للنفط توقع مذكرة تفاهم مع شركة “شيفرون” الأمريكية

وقّع رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان” اليوم الثلاثاء مذكرة تفاهم مع شركة “شيفرون” الأمريكية، تهدف إلى إجراء دراسة مشتركة لتقييم الموارد غير التقليدية وعلى رأسها النفط والغاز الصخري، في عدد من الأحواض الرسوبية الليبية “سرت ومرزق وغدامس”.

وتشير التقديرات إلى أن المخزون الغازي تم تقديره بحوالي 123 تريليون قدم مكعب من الغاز، إضافة إلى مخزون نفطي ما يقارب 18 مليار برميل، مما يوحي بوجود إمكانات واعدة تدعم الاحتياطيات الوطنية، وتعزز دور ليبيا في أسواق الطاقة.

وأكد رئيس مجلس إدارة المؤسسة أن هذه المذكرة خطوة استثنائية ستكون فاتحة لمذكرات واتفاقات أخرى مشابهة، تهدف المؤسسة من ورائها من خلال استراتيجية دقيقة إلى دعم الاحتياطي الليبي من النفط والغاز في خط موازٍ لجهود الاستكشاف التي حققت فيها المؤسسة نجاحاً باهراً.

“ناجي عيسى” يلتقي نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا

عقد محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” اجتماعًا اليوم الثلاثاء مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والمنسقة المقيمة للأمم المتحدة في ليبيا “أولريكا ريتشاردسون”، بحضور الفريق الاقتصادي التابع للأمم المتحدة، إلى جانب مديري الإدارات بالمصرف المركزي، وذلك في إطار دعم بعثة الأمم المتحدة لحزمة الإصلاحات الاقتصادية التي يقودها المصرف المركزي، سعياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وناقش الاجتماع عدة محاور رئيسية، أبرزها تطورات سوق الصرف الأجنبي، والإجراءات الممكنة لتحقيق الاستدامة المالية، ومدى جاهزية المؤسسات الليبية لتنفيذ توصيات الحوار المهيكل، خاصة في المسار الاقتصادي الذي ترعاه البعثة، ومستجدات الأوضاع المالية بعد توقيع اتفاق الإنفاق العام الموحد، ومتطلبات الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، ووضع خارطة طريق إصلاحية متسلسلة تدعم تنفيذ الإصلاحات بشكل تدريجي وفعّال.

“الشلوي”: التنقيب البحري عن الغاز والنفط رِهَان ليبيا الاستراتيجي في عالم متغير

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

لماذا أصبح البحر هو الجبهة الجديدة للطاقة

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، لم يعد الحديث عن النفط والغاز مجرد شأن اقتصادي، بل أصبح مسألة سيادة وطنية وأمن قومي. منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من إعادة رسم خريطة إمدادات الغاز إلى أوروبا، مروراً بتصاعد التوترات المرتبطة بالتوترات الإيرانية الإقليمية، برزت الحاجة الملحة لمصادر جديدة ومستقرة للطاقة.

في هذا السياق، يتجه العالم بشكل متزايد نحو البحار والمياه العميقة، حيث تكمن احتياطيات ضخمة غير مستغلة. وهنا تحديداً تقف ليبيا أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر.

أولاً: قراءة في المشهد العالمي للتنقيب البحري
يشهد قطاع التنقيب البحري نمواً متسارعاً مدفوعاً بعوامل متداخلة:
تعاظم الطلب العالمي على الغاز الطبيعي كوقود انتقالي أقل انبعاثاً وأخف ضرراً.
تراجع الإنتاج في بعض الحقول البرية التقليدية.
توجه الشركات الكبرى نحو الاستثمارات طويلة الأمد في المياه العميقة.

وبقراءة هيدروكربونية، يمكننا أن نرى أنها قد توزعت الأنشطة بين عدة أقاليم رئيسية:
أ. شرق المتوسط (مصر، قبرص، إسرائيل).
ب. أمريكا اللاتينية (البرازيل، المكسيك).
ج. غرب أفريقيا وشمالها، ومنها ليبيا.

هذا التوزيع يعكس حقيقة مهمة، المنافسة لم تعد على الإنتاج فقط، بل على من يمتلك القدرة على تطوير موارده البحرية بشكل أسرع.

ثانياً: ليبيا من الإمكانات إلى الفعل
تعد ليبيا واحدة من أقل الدول استغلالاً لمواردها البحرية مقارنة بإمكاناتها. ومع ذلك، فإن الاكتشافات الأخيرة للغاز في المياه الشمالية الغربية باحتياطيات تقديرية تتجاوز تريليون قدم مكعب، تمثل مؤشراً قوياً على:
أ. وجود نظام بترولي واعد في الحوض البحري الليبي.
ب. إمكانية التطوير السريع نظراً لقرب الاكتشافات من البنية التحتية القائمة.
ج. فرصة تعزيز الإمدادات المحلية وتقليل الاعتماد على الوقود السائل.

الأهمية لليبيا:
أ. داخلياً:
تقليل العجز في الطاقة الكهربائية.
دعم الصناعات المحلية (البتروكيماويات والأسمدة).
خلق فرص عمل نوعية.

ب. إقليمياً:
تعزيز موقع ليبيا كمورد غاز محتمل لأوروبا.
الانخراط في معادلات الطاقة في شرق المتوسط.

ج. دولياً:
استقطاب استثمارات كبرى.
تحسين موقع ليبيا في سلاسل الإمداد العالمية.

ثالثاً: كلفة التنقيب البحري.. الحقيقة التي يجب مواجهتها
رغم جاذبية الفرص، فإن التنقيب البحري ليس نشاطاً منخفض التكلفة، بل هو من أعلى الأنشطة الرأسمالية في قطاع الطاقة:
أ. حفر بئر استكشافية في المياه العميقة قد يتجاوز 100 مليون دولار.
ب. تطوير حقل بحري قد يصل إلى عدة مليارات دولار.
ج. تكاليف تشغيل وصيانة عالية بسبب الظروف البيئية القاسية.

لكن، من منظور نفطي اقتصادي تكنوقراطي، يجب النظر إلى هذه التكاليف باعتبارها:
أ. استثمار طويل الأجل وليس عبئاً مالياً.
ب. وسيلة لتحقيق عائدات سيادية مستدامة.
ج. أداة لتعزيز الاستقلال الطاقي.

رابعاً: ماذا نتعلم من التجارب الدولية؟

البرازيل: نموذج الجرأة في المياه العميقة.
نجحت بتروبراس في تحويل مواردها البحرية إلى قصة نجاح عالمية، رغم التحديات التقنية والمالية.
الدرس لليبيا: الاستثمار في التكنولوجيا والشراكات الاستراتيجية يصنع الفارق.

مصر: تسريع الإنتاج عبر الاستكشاف المكثف.
اعتمدت مصر على تكثيف الحفر وربط الاكتشافات بسرعة بالبنية التحتية، ما مكنها من التحول إلى مركز إقليمي للغاز.
الدرس لليبيا: السرعة في التطوير تعادل أهمية الاكتشاف نفسه.

المكسيك: تحديث القدرات التشغيلية.
ركزت المكسيك على تطوير أسطول الحفر وتعزيز كفاءة العمليات.
الدرس لليبيا: البنية التشغيلية لا تقل أهمية عن الموارد.

خامساً: البعد الجيوسياسي.. ليبيا في قلب المعادلة
إن موقع ليبيا الجغرافي يمنحها ميزة تنافسية فريدة:
أ. قربها من أوروبا يجعلها بديلاً طبيعياً للغاز الروسي.
ب. موقعها في المتوسط يضعها ضمن تنافس إقليمي متزايد.
ج. استقرار قطاع الطاقة فيها قد يتحول إلى عامل توازن سياسي داخلي.

في ظل استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، تبحث أوروبا عن مصادر قريبة وآمنة، وليبيا مرشحة بقوة لسد جزء من هذا الفراغ.

سادساً: التحديات الواقعية
لكي تتحول هذه الفرصة إلى واقع، لا بد من مواجهة عدد من التحديات:
أ. الاستقرار السياسي والمؤسسي.
ب. تحسين بيئة الاستثمار.
ج. تحديث التشريعات النفطية.
د. بناء قدرات وطنية متخصصة.

رسالة وطنية ختامية:
إن التنقيب البحري ليس خياراً ترفيهياً، بل هو مسار استراتيجي لمستقبل ليبيا الاقتصادي. كمواطن وخبير في هذا القطاع، أرى أن اللحظة الحالية تمثل نافذة تاريخية، إما أن نستثمر مواردنا البحرية بوعي وتخطيط أو نتركها لتظل فرصاً ضائعة في قاع البحر.

ليبيا لا تعاني من نقص الموارد، بل من تأخر استثمارها، والبحر اليوم قد يكون مفتاح التحول القادم.

“الوطنية للنفط” تنفي ما يتداول بشأن توريد شحنة وقود غير مطابقة للمواصفات الليبية

أكدت المؤسسة الوطنية للنفط سلامة شحنة الوقود الموردة مؤخراً ومطابقتها الكاملة للمواصفات القياسية الليبية، نافيةً ما تم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي حول عدم جودتها. وأوضحت المؤسسة أن الشحنة خضعت لسلسلة من الاختبارات المعملية المكثفة التي أثبتت خلوها من أي ملوثات قد تضر بمحركات السيارات أو سلامة المستهلك.

وكشفت المؤسسة أنها أخضعت الشحنة لتقييم شامل من قبل أربع جهات فنية متخصصة لضمان النزاهة والشفافية. وقد شملت هذه الجهات مختبرات مركز بحوث النفط، والمفتش الدولي المحايد شركة “SayBolt” العالمية، بالإضافة إلى الشركة العالمية للتفتيش والخدمات، والجهة المحلية المختصة بالتفتيش. وأجمعت التقارير الصادرة عن هذه المؤسسات على أن نتائج التحاليل جاءت متسقة تماماً مع معايير الجودة المعتمدة قبل التوريد وأثناء وصول الناقلة.

وأشارت المؤسسة في بيانها إلى أن رئيس مجلس إدارة المؤسسة أصدر تعليمات مباشرة بنشر كافة الشهادات والتقارير الفنية، المحلية والدولية، عبر الموقع الرسمي للمؤسسة؛ وذلك انطلاقاً من مبدأ الشفافية وإطلاع الرأي العام على الجهود المبذولة من قبل كوادر المؤسسة وشركة البريقة لتأمين إمدادات وقود آمنة وموثوقة.

“حسني بي” يكتب عن الطلب الحقيقي للدولار وطلب المضاربة الناتج من توسع الفجوة السعرية

كتب : رجل الأعمال “حسني بي”

حول تطورات سعر صرف الدينار الليبي والعوامل المؤثرة في سوق النقد

أود أن أوضح للرأي العام بعض المعطيات الاقتصادية المتعلقة بتطورات سعر صرف الدينار الليبي مقابل الدولار الأمريكي، استناداً إلى ما يتوفر من بيانات حول عرض النقود وآليات الحصول على النقد الأجنبي في السوق.

بعد شهر سبتمبر 2025 شهدت السوق تغيرات مهمة في تكلفة ما يُعرف بـ “حرق الصكوك”، حيث تجاوزت هذه التكلفة آنذاك نسبة 20%، في وقت كان فيه مكون النقود الورقية ضمن عرض النقود والقاعدة النقدية يقدر بنحو 53 مليار دينار ليبي (كان في يناير 2025 إجمالي 78 ملياراً شاملاً 30 ملياراً من روسيا). ومع التوسع في ضخ السيولة النقدية، ارتفع مكون النقود الورقية في مارس 2026 لما يقارب 72 مليار دينار، الأمر الذي ساهم في تراجع تكلفة حرق الصكوك إلى حدود 5% في الوقت الحالي.

ومن المتوقع أن يختفي هذا الفارق عند استكمال مصرف ليبيا المركزي طرح ما يقارب 78 مليار دينار ليبي من السيولة في السوق ليرجع إلى مستويات يناير 2025، وهو ما قد يساهم في تحقيق توازن أكبر داخل المنظومة النقدية.

كما تشير التقديرات إلى أن الطلب الحقيقي على الدولار داخل الاقتصاد الليبي يمكن أن ينخفض ليكون في حدود 18 مليار دولار سنوياً (وكل ما يتعداها كان طلب مضاربة وتمويل واردات دول جوار/تهريب). إننا عندما تتقلص الفجوة السعرية بين السعر الرسمي وسعر السوق إلى ما يقارب 5%، ينخفض الطلب على دولارات المضاربة وتمويل دول الجوار.

وفي هذا الإطار، يجري العمل بمصرف ليبيا المركزي على عدة محاور لمعالجة الفجوة السعرية وتحسين كفاءة سوق الصرف، من بينها: توحيد الإنفاق، ووضع سقف 40 ملياراً لبرامج التنمية، والمطالبة بمعالجة تكاليف المحروقات التي تلتهم ما يتعدى 100 مليار دينار عام 2026، وتوفير الدولار نقداً للتقليل من التكاليف الإضافية المرتبطة باستخدام بطاقات الدفع مثل Visa ونقاط البيع PoS، والتي تصل مجتمعة إلى نحو 5%. كما يتم الدفع في اتجاه تعزيز الشمول المالي والتوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.

ومن بين الخطوات التي يجري العمل عليها أيضاً التواصل مع محافظ مصرف الصين بهدف الاستفادة من منظومة التحويلات المالية الصينية CIPS، بما يسهم في تنويع قنوات التحويل المالي وتعزيز كفاءة التعاملات الدولية.

ومن وجهة نظري، فإن تحقيق هدف تقليص الفجوة السعرية إلى أدنى من 5% يتطلب السماح باستخدام جميع آليات الدفع التجاري المسموح بها قانوناً، إلى جانب رفع مخصص الأغراض الشخصية من النقد الأجنبي إلى نحو 10,000 دولار للفرد سنوياً، كما كان معمولاً به خلال عامي 2021 و2022.

إن استقرار سعر الصرف يعتمد في المقام الأول على الأساسيات الاقتصادية وعدم الإنفاق الحكومي بالعجز، وعلى التوازن بين عرض النقود والطلب على النقد الأجنبي، إضافة إلى كفاءة السياسات النقدية المتبعة. ومع استمرار تنفيذ هذه الإجراءات، يمكن توقع تحسن تدريجي في استقرار سوق الصرف خلال الفترة القادمة.

في الوقت الحالي ومن خلال سياسات الأغراض الشخصية القائمة، فإن قاع سعر الدولار 7.800 والسقف 8.170 دينار للدولار، حيث بيع حقوق التصرف في مخصص 2000 دولار أغراض شخصية مقابل قيمة تنازل عن حق 2000 دينار (تمثل 16%) وتكلفة Visa مع آلة السحب تخصم 5% وهامش المضارب بفرض نسبة 5%-9%؛ التكلفة الإجمالية: 6.300 + 30% = 8.170 دينار للدولار الواحد.

“سليمان الشحومي” يكتب: اتفاق تقاسم أم موازنة موحدة لليبيا؟

كتب: سليمان الشحومي – أستاذ التمويل ومؤسس سوق المال الليبي

أشرف مصرف ليبيا المركزي على توقيع اتفاق بين ممثلَي مجلس الدولة ومجلس النواب الليبيين، في خطوة تبدو في ظاهرها محاولة جادة لاحتواء أحد أخطر ملفات الانقسام الليبي، وهو ملف الإنفاق العام وتوزيع موارده. ويبدو أن هذه الخطوة جاءت بعد حوار بين الأطراف الفاعلة، وبرعاية خارجية كان فيها للمبعوث الأمريكي بولس دور ظاهر في تقريب وجهات النظر ودفع الأطراف نحو تفاهم مؤقت يخفف حدة التنازع على المال العام.

ووفقًا لما يتداول، فقد نتج عن هذا المسار اتفاق يتعلق بباب الإنفاق على التنمية، وهو الباب الذي ظل يمثل إحدى بؤر الصراع بين المؤسسات المتنازعة، حيث يجري الحديث عن تخصيص نحو 40 مليار دينار لهذا الغرض، على أن يتم توزيع هذا الإنفاق بصورة تشمل مختلف مناطق البلاد. ومن حيث الشكل، قد يبدو هذا الاتفاق خطوة إيجابية تحمل قدرًا من التفاؤل، بل إن السوق الموازية للعملة الأجنبية تلقفته بإشارة واضحة من حسن النية، تمثلت في تراجع نسبي في سعر الدولار، وكأن الفاعلين في السوق أرادوا أن يمنحوا هذه الخطوة فرصة أولى للاختبار.

غير أن القراءة المتأنية لهذا التطور تكشف أن الأمر أعمق بكثير من مجرد اتفاق على رقم أو على باب من أبواب الإنفاق. فالسؤال الحقيقي ليس: هل اتفقت الأطراف على تقاسم الإنفاق؟ بل: ما طبيعة هذا الاتفاق أصلًا؟ هل نحن أمام تسوية سياسية مؤقتة بين مراكز نفوذ تتقاسم الموارد العامة تحت عنوان “التنمية”؟ أم أننا أمام بداية انتقال جدي نحو بناء موازنة عامة موحدة، تستند إلى قواعد واضحة في تقدير الإيرادات، وترتيب الأولويات، وضبط المصروفات، وإخضاع الجميع لرقابة قانونية ومؤسسية؟

هنا يكمن جوهر المسألة؛ لأن الفارق بين اتفاق تقاسم وموازنة عامة ليس فارقًا شكليًا أو لغويًا، بل هو فارق بين منطقين مختلفين بالكامل في إدارة الدولة. فاتفاق التقاسم يقوم على الترضيات السياسية وتوزيع الحصص بين الأطراف، وغالبًا ما يكون هدفه الأساسي احتواء النزاع لا بناء الاستقرار. أما الموازنة العامة، فهي أداة سيادية وقانونية لإدارة الموارد والنفقات وفق رؤية وطنية موحدة، تُبنى على تقديرات واقعية، وتخضع لمعايير الشفافية والانضباط والمساءلة.

وإذا صحت المعلومات التي تشير إلى أن إجمالي الإنفاق المزمع قد يصل إلى نحو 180 مليار دينار لتغطية مختلف أبواب الإنفاق العام، فإننا نكون أمام رقم ضخم للغاية، يثير أكثر من علامة استفهام. فهذا المستوى من الإنفاق، في ظل البنية الاقتصادية الليبية الراهنة، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد توسع مالي عادي، بل قد يكون مؤشرًا على نمط إنفاق مفرط لا يستند بالضرورة إلى تقدير متحفظ للإيرادات أو إلى استراتيجية حصيفة لإدارة المخاطر المستقبلية.

وتزداد هذه المخاوف إذا أخذنا في الاعتبار الطبيعة الريعية للاقتصاد الليبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية. فالنفط، رغم ما يوفره من تدفقات مالية سريعة، يظل مصدرًا غير مستقر، خاضعًا لتقلبات الأسواق الدولية، وللعوامل الجيوسياسية، وللاضطرابات الداخلية التي قد تعطل الإنتاج أو التصدير في أي لحظة. ومن ثم، فإن بناء مستوى إنفاق مرتفع على أساس طفرة مؤقتة في الأسعار، أو على أساس تدفقات استثنائية مرتبطة بأزمة دولية كأزمة مضيق هرمز، قد يكون سلوكًا ماليًا شديد الخطورة إذا لم يصحبه تحوط واضح، وتكوين احتياطيات كافية، وخطة واقعية للتعامل مع أي تراجع لاحق في الأسعار.

وفي هذا السياق، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل جرى توظيف الارتفاع الحالي في الإيرادات النفطية لبناء هامش أمان مالي للدولة؟ هل تم تخصيص جزء من هذه الموارد لتدعيم الاحتياطيات من النقد الأجنبي؟ هل وُضعت خطة لسداد جزء من الدين العام المتراكم؟ أم أن الأمر اتجه في معظمه نحو فتح الباب لمزيد من التوسع في الإنفاق الجاري والتنموي معًا، دون ضمانات كافية للاستدامة؟

إن الخطر الأكبر هنا لا يتمثل فقط في كبر الرقم، بل في البيئة التي سينفق فيها هذا الرقم. فليبيا لا تزال تعاني من هشاشة مؤسساتية عميقة، ومن ازدواج في القرار، ومن ضعف واضح في منظومات الرقابة والمساءلة، ومن اختلالات مزمنة في العلاقة بين السلطة المالية والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وفي مثل هذا السياق، فإن أي توسع كبير في الإنفاق قد يتحول بسهولة من أداة للتنمية وإعادة الإعمار إلى وسيلة جديدة لإعادة إنتاج الريع وتغذية شبكات المحاصصة والولاء، بما يرسخ منطق اقتسام الموارد بدل منطق بناء الدولة.

ذلك أن التنمية لا تُقاس فقط بحجم الأموال المخصصة لها، بل بقدرة المؤسسات على توجيه هذه الأموال بكفاءة وعدالة وشفافية. وقد علمتنا التجارب الليبية السابقة أن تخصيص مبالغ ضخمة في ظل ضعف التخطيط والمتابعة والرقابة لا يؤدي بالضرورة إلى تنمية حقيقية، بل قد ينتهي إلى تضخم في العقود، وازدواج في المشاريع، وتسرب في الأموال، وتنامي الشعور بالغبن بين المناطق والفئات المختلفة. ومن هنا، فإن الحديث عن “إنفاق تنموي” لا يكفي وحده لطمأنة الرأي العام أو الأسواق، ما لم يقترن بإطار واضح يحدد الأولويات، وآليات التنفيذ، ومعايير التوزيع، ووسائل الرقابة والتقييم.

كما أن السؤال الأكثر إلحاحًا يتعلق بدور مصرف ليبيا المركزي نفسه. فهل سيكتفي المصرف المركزي بدور الوسيط أو الضامن السياسي لهذا الاتفاق؟ أم أنه يسعى إلى تحويله إلى مسار أكثر مؤسسية وانتظامًا، عبر الدفع نحو إقرار موازنة عامة موحدة ذات أهداف ومعايير وحدود واضحة؟

إن مجرد الإشراف على اتفاق بين أطراف متنازعة قد يحقق تهدئة مؤقتة، لكنه لا يكفي لإدارة المالية العامة على أسس سليمة. فالدور الحقيقي للمصرف المركزي، بوصفه حارسًا للاستقرار النقدي والمالي، يقتضي أن يربط أي توسع في الإنفاق بإطار شامل يضمن:

  • وضوح مصادر الإيرادات وتدفقها الكامل إلى القنوات الرسمية.
  • تحديد سقوف للإنفاق وفق تقديرات متحفظة للأسعار النفطية.
  • حماية الاحتياطيات الأجنبية من الاستنزاف.
  • منع تمويل العجز بصورة مفرطة تؤدي إلى ضغوط تضخمية ونقدية.
  • تعزيز الإفصاح والشفافية في إدارة المال العام.

ومن هنا تظهر مسألة بالغة الأهمية، وهي: هل سيتحول هذا الاتفاق إلى موازنة عامة فعلية؟

فإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن يتضمن مستهدفات واضحة، وتقديرات دقيقة للإيرادات، وأبوابًا معرّفة للإنفاق، وآليات قانونية تضمن توريد كافة الإيرادات العامة دون استثناء أو اقتطاع أو حجز أو تجنيب. وهذه النقطة جوهرية، لأن أي إنفاق عام لا يمكن ضبطه ما لم تكن الإيرادات نفسها موحدة، ومتدفقة بشفافية، وخاضعة لنظام مركزي واضح. أما إذا استمرت ظاهرة حجز الإيرادات، أو إعادة توجيهها خارج القنوات الطبيعية، أو استخدامها كأداة ضغط سياسي، فإن أي اتفاق على الإنفاق سيظل هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار جدي.