“الشلوي”: ماذا يعني استكشاف إمكانات النفط والغاز الصخري في ليبيا بواسطة أكبر الشركات العالمية؟
كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”
في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في التفكير الاستراتيجي لقطاع الطاقة الليبي، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط مذكرة تفاهم مع شركة شيفرون الأمريكية، إحدى أبرز الشركات العالمية الرائدة في مجالات النفط والغاز والهيدروكربونات بشكل عام، وذلك لإجراء دراسة مشتركة لتقييم الموارد غير التقليدية وعلى رأسها النفط والغاز الصخري في عدد من الأحواض الرسوبية الليبية.
هذا الاتفاق لا يمكن قراءته كخطوة تقنية بحتة، بل ينبغي فهمه في سياق أوسع يعكس إدراكاً متقدماً لتحولات سوق الطاقة العالمي؛ فخلال العقدين الأخيرين أثبتت الموارد غير التقليدية، خصوصاً في الولايات المتحدة، أنها قادرة على تغيير موازين الطاقة العالمية وتحويل دول مستوردة إلى منتجين كبار، ومن هنا فإن توجه ليبيا نحو هذا المسار يعكس وعياً متنامياً بضرورة مواكبة هذه التحولات وعدم الاكتفاء بالموارد التقليدية.
اختيار الأحواض الثلاثة (سرت، مرزق، غدامس) لم يكن اعتباطياً، فهي تمثل العمود الفقري للمنظومة النفطية الليبية وتتمتع بخصائص جيولوجية واعدة قد تجعلها من أبرز مناطق إنتاج الموارد غير التقليدية مستقبلاً. التقديرات الأولية التي تشير إلى وجود نحو 123 تريليون قدم مكعب من الغاز، إضافة إلى ما يقارب 18 مليار برميل من النفط، تضع ليبيا أمام فرصة تاريخية لتعزيز احتياطياتها وإعادة تموضعها كلاعب مؤثر في سوق الطاقة.
من زاوية اقتصادية، فإن هذا التوجه يحمل أبعاداً استراتيجية مهمة، فليبيا التي يعتمد اقتصادها بشكل شبه كلي على النفط تواجه تحديات مستمرة تتعلق بتقلبات الأسعار وضعف التنويع الاقتصادي، وهنا تبرز أهمية الاستثمار في الموارد غير التقليدية كأحد المسارات التي يمكن أن تساهم في زيادة الإنتاج ورفع الإيرادات وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
الأهم من ذلك، أن هذه الخطوة تعكس تحولاً في عقلية المؤسسة الوطنية للنفط التي تبدو اليوم أكثر ميلاً للتفكير خارج الصندوق، رغم ما تواجهه من قيود مالية وتحديات تشغيلية، فالدخول في شراكة مع شركة بحجم شركة شيفرون الأمريكية لا يقتصر على الجانب الاستثماري، بل يمتد إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا، خاصة في تقنيات الاستخراج المعقدة مثل الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، وهي عناصر حاسمة في تطوير النفط والغاز الصخري.
رغم أهمية هذه الخطوة، إلا أن التعامل معها بواقعية يظل ضرورياً، فالموارد غير التقليدية تتطلب استثمارات ضخمة وبنية تحتية متطورة وأطراً تنظيمية واضحة، فضلاً عن اعتبارات بيئية لا يمكن تجاهلها، بالتالي فإن نجاح هذا التوجه سيعتمد على قدرة ليبيا على تهيئة بيئة استثمارية مستقرة وتوفير مناخ تشريعي مرن وجاذب.
في المحصلة، يمكن القول إن هذه المذكرة تمثل إشارة إيجابية على أن ليبيا بدأت بالفعل في إعادة رسم ملامح مستقبلها الطاقي، ورغم التحديات، فإن الاتجاه يبدو صحيحاً، خاصة عندما يقترن برؤية تستشرف الإمكانات الكامنة في الموارد غير التقليدية وتسعى إلى تعظيم الاستفادة منها بما يخدم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.


