كتب: د. حلمي القماطي/ رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي
شهد سعر صرف الدينار تحسنًا مؤقتًا عقب تدخلات مباشرة من مصرف ليبيا المركزي قبل أن يعاود الارتفاع، هذا التذبذب لا يعكس تغيرًا في الأساسيات الاقتصادية؛ بل نتيجة تأثيرات قصيرة الأجل تلاشت سريعًا أمام عوامل هيكلية مستمرة.
“فالانخفاض كان مدفوعًا بالتدخل بينما الارتفاع مدفوع ببنية الاقتصاد”
أصل الحكاية:
أ) مرحلة الانخفاض
تحقق الانخفاض نتيجة تزامن ثلاث قنوات:
1-توسيع عرض النقد الأجنبي عبر زيادة المبيعات.
2-إجراءات تنظيمية حدّت مؤقتًا من نشاط السوق الموازي.
3-تغير في التوقعات دفع حائزي الدولار إلى البيع.
هذه العوامل مجتمعة أحدثت اختلالًا مؤقتًا لصالح العرض.
ب) مرحلة الارتداد
عاد السعر للصعود نتيجة استمرار الطلب الحقيقي المرتفع على الدولار وبعد انتهاء أثر التدخل المكثف وعودة السلوك التحوطي والمضاربي ومن ثم إدراك السوق أن الإجراءات غير مستدامة زمنيًا، والنتيجة كانت استعادة التوازن السابق لا تكوين توازن جديد.
العوامل الهيكلية الحاكمة لسوق الصرف:
1) فجوة الطلب على النقد الأجنبي:
أ-اقتصاد ريعي يعتمد على الاستيراد.
ب- ضعف الإنتاج المحلي.
ج-توسع الإنفاق العام.
يعني الطلب على الدولار طلب إلزامي وليس طلب مضاربة.
2) عدم اتساق السياسات ((سياسة نقدية انكماشية جزئيًا مقابل سياسة مالية توسعية))
وهذا يؤدي ذلك إلى تعطيل أثر أي تدخل نقدي.
3) محدودية أدوات الاستدامة فالاعتماد على الاحتياطيات كأداة رئيسية وغياب أدوات سوقية عميقة (سوق مشتقات، أدوات تحوط)
يجعل التدخلات عالية الكلفة وقصيرة الأثر.
4) التوقعات والسلوك السوقي
الفاعلون في السوق أصبحوا يتعاملون مع الانخفاضات كفرص شراء مع تراجع الثقة في استمرارية أي مسار هبوطي، هذا يخلق حلقة تغذية عكسية تضعف أثر أي تدخل.
السياسات الأخيرة أعطت قدرة عالية على تحقيق استجابة سريعة في السعر
لكن الإشكالية في غياب الاستمرارية والاتساق
والاعتمادعلى أدوات إدارية أكثر من كونها سوقية
نستطيع القول ان السياسات الحالية فعّالة تكتيكيًالكنها محدودة استراتيجيًا.
المخاطر في حال استمرار النهج الحالي:
أ/ تآكل تدريجي للاحتياطيات دون تحقيق استقرار دائم.
ب/ تعزيز سلوك المضاربة بدل كبحه.
ج/ اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي على المدى المتوسط.
د/ فقدان فعالية أدوات التدخل بمرور الوقت.
إطار تدخل بديل
أولًا: إعادة ضبط العلاقة بين السياستين النقدية والمالية:
•وضع سقف فعلي للإنفاق العام المرتبط بالإيرادات.
•تقليل التمويل غير المباشر للإنفاق عبر النقد الأجنبي.
ثانيًا: الانتقال من “إدارة السعر” إلى “إدارة السوق”:
•استهداف استقرار العرض بدل استهداف مستوى السعر.
•إعلان قواعد واضحة وشفافة لتدخلات النقد الأجنبي.
ثالثًا: تقليل فجوة الطلب:
•مراجعة سياسات الاعتمادات والإنفاق الاستهلاكي المرتبط بالاستيراد.
•إعطاء أولوية للسلع الإنتاجية.
رابعًا: إدارة التوقعات:
•تبني سياسة تواصل واضحة ومسبقة.
•تقليل عنصر المفاجأة في القرارات.