Skip to main content

الوسم: ليبيا

“الشلوي”: النفط ليس مجرد سعر بل معادلة دولة.. متى يجب أن تقلق ليبيا من هبوط أسعار النفط؟

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

كلما انخفضت أسعار النفط في الأسواق العالمية، يتكرر المشهد ذاته في ليبيا؛ تتصدر أسعار خام برنت نشرات الأخبار، وتزداد التساؤلات في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ويبدأ المواطن في طرح أسئلة تبدو مشروعة: هل ستتراجع إيرادات الدولة؟ هل ستتأثر المرتبات؟ هل ستتعطل مشاريع التنمية؟ وهل نحن مقبلون على مرحلة تقشف؟

هذه الأسئلة مفهومة تماماً؛ لأن النفط لا يزال يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة الليبية، ولأن أي تغير في أسعاره ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على المالية العامة، وسعر الصرف، والاحتياطيات، والإنفاق، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

لكن السؤال المهني الذي ينبغي أن يُطرح ليس: كم أصبح سعر برميل النفط اليوم؟ بل السؤال الأهم هو: متى يصبح انخفاض أسعار النفط مقلقاً فعلاً بالنسبة لليبيا؟

والإجابة لا يمكن اختزالها في رقم واحد؛ لأن النفط بالنسبة لليبيا ليس مجرد سلعة تُباع في السوق العالمية، ولا مجرد سعر يظهر على شاشات التداول، بل هو جزء من معادلة دولة كاملة، تتداخل فيها عناصر فنية، واقتصادية، ومالية، وسياسية، وأمنية، وجيوسياسية.

لقد تناولت في مقالات سابقة العلاقة بين أسعار النفط والإنتاج والإيرادات، وأشرت إلى أهمية رفع الإنتاج إلى مستويات تقارب مليوناً ونصف المليون برميل يومياً، كما تطرقت إلى أثر التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز والبحر الأحمر على الأسعار، وإلى ملف دعم المحروقات، وأهمية إصلاح التشوهات المالية، ودور المؤسسة الوطنية للنفط في حماية المصدر الرئيسي للدخل الوطني.

وتأتي هذه المقالة امتداداً لذلك المسار، ولكن من زاوية أكثر تحديداً: كيف نقرأ هبوط أسعار النفط؟ ومتى يكون القلق مبرراً؟ ومتى يكون مجرد رد فعل مبالغ فيه؟ وما علاقة سعر البرميل بحجم الإنفاق العام الفعلي للدولة؟

أولاً: النفط ليس سعراً فقط

من الخطأ أن نحكم على الوضع المالي للدولة من خلال سعر خام برنت وحده، فالاقتصاد الليبي تحكمه معادلة أوسع، تتكون من عدة عناصر رئيسية، منها:

  • متوسط سعر النفط.
  • حجم الإنتاج اليومي.
  • انتظام عمليات التصدير.
  • جودة الخام الليبي وفروق التسعير.
  • إجمالي الإنفاق العام الفعلي.
  • سعر صرف الدينار.
  • قيمة الدعم، وخاصة دعم المحروقات.
  • الإيرادات غير النفطية.
  • مستوى الاحتياطيات الأجنبية.
  • حجم الدين العام والالتزامات القائمة.
  • الاستقرار السياسي والأمني.
  • كفاءة إدارة المال العام.
  • التطورات الجيوسياسية وأسواق الطاقة العالمية.

ولهذا قد يكون سعر 60 دولاراً للبرميل مقبولاً في سنة معينة إذا كان الإنتاج مستقراً والإنفاق مضبوطاً، بينما قد لا يكون سعر 80 دولاراً كافياً في سنة أخرى إذا تراجع الإنتاج، أو تعطلت الصادرات، أو ارتفع الإنفاق العام بصورة كبيرة. إذن المشكلة ليست في السعر وحده، بل في العلاقة بين السعر والإنتاج والإنفاق والاستقرار.

ثانياً: ما هو سعر التعادل المالي؟

من أهم المفاهيم التي ينبغي إدخالها إلى النقاش الاقتصادي الليبي مفهوم “سعر التعادل المالي”. ويقصد به بصورة مبسطة: متوسط سعر النفط الذي تحتاجه الدولة حتى تغطي إيراداتها مستوى الإنفاق العام الفعلي دون اللجوء إلى الاقتراض، أو السحب المفرط من الاحتياطيات، أو تراكم الالتزامات.

وهذا السعر ليس رقماً ثابتاً، بل يتغير من سنة إلى أخرى؛ فإذا ارتفع الإنفاق العام، ارتفع معه سعر التعادل المالي، وإذا انخفض الإنفاق، أو زاد الإنتاج، أو تحسنت الإيرادات غير النفطية، انخفض سعر التعادل المالي.

بمعنى آخر، الدولة التي تنفق 120 مليار دينار سنوياً لا تحتاج إلى نفس سعر النفط الذي تحتاجه دولة تنفق 190 مليار دينار. والدولة التي تنتج 1.5 مليون برميل يومياً لا تشبه دولة تنتج مليون برميل فقط، حتى لو كان سعر النفط واحداً. وهنا تكمن أهمية التخطيط المالي الرشيد.

ثالثاً: ليس المهم اسم أداة الإنفاق… بل حجم الإنفاق الفعلي

عند تقييم أثر انخفاض أسعار النفط على ليبيا، لا يكفي النظر إلى الميزانية العامة وحدها؛ لأن الواقع المالي الليبي خلال السنوات الماضية شهد صيغاً متعددة للإنفاق، بعضها جاء نتيجة الظروف السياسية والمؤسسية التي مرت بها البلاد.

فقد تم الإنفاق عبر:

  • ميزانيات عامة معتمدة.
  • الإنفاق وفق قاعدة 1/12.
  • الترتيبات المالية.
  • الإنفاق أو الاعتمادات الاستثنائية.
  • التمويل المباشر لبعض الجهات.
  • الإنفاق الموازي في ظل الانقسام المؤسسي سابقاً.
  • أي صيغ مالية أو تنظيمية قد تُستحدث مستقبلاً وفقاً للظروف القانونية والسياسية.

ومن منظور اقتصادي بحت، فإن اختلاف المسميات لا يغير جوهر المعادلة؛ لأن جميع هذه الأدوات تمثل في النهاية إنفاقاً عاماً فعلياً تتحمله الدولة. لذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل الإنفاق تم عبر ميزانية أم ترتيبات مالية أم قاعدة 1/12؟ بل السؤال هو: كم بلغ إجمالي الإنفاق العام الفعلي خلال السنة؟

هذا الرقم هو الذي ينبغي مقارنته بالإيرادات النفطية، وهو الذي يحدد مستوى الضغط على المالية العامة، وهو الذي يرفع أو يخفض سعر التعادل المالي.

رابعاً: قراءة في بعض الأرقام الحديثة

بحسب البيانات المتاحة، بلغ إجمالي الإنفاق العام الفعلي خلال عام 2025م، باستثناء بند المحروقات، نحو 120 مليار دينار ليبي، مقارنة بنحو 123.2 مليار دينار في عام 2024م. كما بلغت الإيرادات النفطية المحولة إلى مصرف ليبيا المركزي في 2025م نحو 22.1 مليار دولار، وبلغت الأصول الأجنبية للمصرف المركزي نحو 99.4 optical مليار دولار بنهاية العام.

وفي عام 2026م، تم الإعلان عن أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، بحجم يقارب 190 مليار دينار، شملت بنوداً رئيسية مثل: المرتبات، والدعم، والتنمية، والتشغيل، ومخصصات المؤسسة الوطنية للنفط.

هذه الأرقام لا ينبغي قراءتها بمعزل عن بعضها؛ فالفرق بين إنفاق فعلي في حدود 120 مليار دينار، واعتماد مالي موحد يقترب من 190 مليار دينار، يوضح لنا كيف يمكن أن يتغير سعر التعادل المالي تبعاً لحجم الالتزامات التي تتحملها الدولة. وكلما اتسع الإنفاق، زادت حاجة الدولة إلى سعر نفط أعلى، أو إنتاج أكبر، أو إيرادات إضافية، أو ضبط أكبر للنفقات.

خامساً: ماذا يعني انخفاض 10 دولارات في سعر النفط؟

لنبسط الصورة للمواطن ولصانع القرار معاً؛ إذا افترضنا أن ليبيا تنتج نحو 1.5 مليون برميل يومياً، فإن انخفاض سعر النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل يعني تقريباً:

1.5 مليون برميل يومياً×10 دولارات=15 مليون دولار يومياً

وعلى أساس سنة كاملة:

15 مليون دولار يومياً×365 يوماً=نحو 5.5 مليار دولار سنوياً

وبسعر صرف تقريبي في حدود 5.4 دنانير للدولار، فإن ذلك يعادل قرابة 30 مليار دينار ليبي سنوياً.

هذا الرقم وحده يشرح لماذا تتابع الدولة أسعار النفط بدقة؛ فهبوط 10 دولارات فقط، إذا استمر عاماً كاملاً، قد يعادل عشرات المليارات من الدنانير، وهي قيمة يمكن أن تمول جزءاً مهماً من الإنفاق العام أو التنمية أو الدعم أو التزامات الدولة.

لكن يجب التنبيه إلى أن هذه حسابات تقريبية لغرض التوضيح، وتتغير بحسب الإنتاج الفعلي، وسعر الصرف، وفروق التسعير، وتكاليف التشغيل، وانتظام التصدير، وطبيعة الإيرادات المحولة فعلاً إلى الخزانة العامة.

سادساً: سيناريوهات أسعار النفط وتأثيرها على ليبيا

الأرقام التالية ليست أسعاراً رسمية للتعادل المالي، بل سيناريوهات تحليلية تقريبية تساعد على فهم العلاقة بين سعر النفط والمالية العامة، على أساس إنتاج يقارب 1.5 مليون برميل يومياً:

ومن المهم التأكيد أن هذه الأرقام إجمالية تقريبية، وليست صافي الإيراد المتاح للإنفاق العام؛ فهناك عوامل كثيرة تؤثر في الإيراد النهائي، منها: تكاليف الإنتاج، الشركاء، الالتزامات التشغيلية، فروق الأسعار، نوع الخام، توقيت الشحنات، وسعر الصرف.

لكن السياق السابق يوضح الفكرة الأساسية: كل 10 دولارات هبوطاً أو صعوداً تُحدث فرقاً كبيراً في المالية العامة.

سابعاً: متى تبدأ ليبيا فعلاً بإعادة حساباتها؟

من وجهة نظري، لا يبدأ القلق الحقيقي من حركة يومية أو أسبوعية في سعر برنت، بل من استمرار الاتجاه النزولي وتزامنه مع عوامل داخلية ضاغطة. ويمكن تقسيم مستويات التعامل مع انخفاض الأسعار إلى أربع مراحل:

  1. مرحلة المراقبة: وتكون غالباً عندما تتحرك الأسعار ضمن نطاق مريح، أو يحدث انخفاض مؤقت لا يغير الاتجاه العام للسوق. في هذه المرحلة لا تحتاج الدولة إلى إجراءات استثنائية، لكنها تحتاج إلى متابعة دقيقة للأسعار، والإنتاج، والتصدير، والإنفاق.
  2. مرحلة اليقظة: وتبدأ عندما تنخفض الأسعار إلى مستويات بين 60 و70 دولاراً، أو عندما تظهر مؤشرات على ضعف الطلب العالمي أو زيادة المعروض. هنا لا نتحدث عن أزمة، بل عن ضرورة مراجعة السيناريوهات، وعدم التوسع في الالتزامات الدائمة، وتحسين كفاءة الإنفاق.
  3. مرحلة الاستجابة: وتظهر عندما تستقر الأسعار بين 50 و60 دولاراً لفترة، خاصة إذا كان الإنفاق العام مرتفعاً. في هذه الحالة تصبح الدولة مطالبة بإعادة ترتيب الأولويات، وتأجيل بعض النفقات غير الضرورية، وتسريع الإصلاحات، وزيادة الإيرادات غير النفطية.
  4. مرحلة المعالجة: وتبدأ إذا انخفضت الأسعار إلى أقل من 50 دولاراً لفترة ممتدة، وتزامن ذلك مع تراجع الإنتاج، أو اضطراب الصادرات، أو استمرار إنفاق مرتفع دون إصلاحات. هنا قد تصبح الإجراءات المالية الصارمة ضرورة، ليس لأن النفط انخفض فقط، بل لأن عناصر المعادلة كلها أصبحت تضغط في الاتجاه نفسه.

ثامناً: لماذا لا ينبغي الذعر من كل انخفاض؟

ليست كل موجة هبوط في أسعار النفط سبباً للقلق، كما أن كل موجة ارتفاع لا تعني الاطمئنان؛ فأسواق النفط بطبيعتها دورية؛ ترتفع أحياناً بسبب التوترات الجيوسياسية، أو نقص المعروض، أو قرارات “أوبك+”، وتنخفض أحياناً بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي، أو زيادة الإمدادات، أو ارتفاع المخزونات، أو قوة الدولار، أو توقعات الطلب في الصين والولايات المتحدة وأوروبا.

لذلك فإن القراءة المهنية لا تُبنى على سعر يوم واحد، ولا على حركة أسبوع واحد، بل على متوسطات الأسعار، ومدى استمرار الاتجاه، ومدى تزامنه مع بقية المؤشرات. وقد يكون انخفاض النفط من 85 إلى 75 دولاراً مؤقتاً وغير مقلق إذا كان الإنتاج مستقراً والإنفاق مضبوطاً، بينما قد يكون السعر نفسه مقلقاً إذا كانت الصادرات مضطربة والإنفاق العام متضخماً.

تاسعاً: المؤسسة الوطنية للنفط ليست معنية بالسعر فقط

بالنسبة للمؤسسة الوطنية للنفط، لا يقتصر أثر انخفاض الأسعار على إيرادات الدولة، بل يمتد إلى قدرة القطاع على تمويل الصيانة، والتطوير، والاستكشاف، ومشروعات الغاز، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وتأهيل البنية التحتية. فقطاع النفط لا يعيش على التشغيل اليومي فقط؛ فهناك استثمارات يجب أن تتم اليوم حتى تحافظ ليبيا على إنتاجها غداً.

ولهذا فإن حماية تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليست امتيازاً قطاعياً، بل ضرورة وطنية؛ فكل دينار أو دولار يُستثمر بكفاءة في زيادة الإنتاج واستقرار التصدير ينعكس على الإيرادات العامة، وعلى قدرة الدولة على مواجهة انخفاض الأسعار. وقد أظهرت البيانات الأخيرة أن ليبيا اقتربت من مستوى 1.5 مليون برميل يومياً من الخام والمكثفات، وهو مستوى مهم جداً؛ لأنه يمنح الدولة هامش أمان أكبر عند انخفاض الأسعار، شريطة أن يكون الإنتاج مستقراً والتصدير منتظماً.

عاشراً: الجغرافيا السياسية لا تقل أهمية عن الاقتصاد

ليبيا لا تتحكم وحدها في سعر النفط، فالسوق العالمية تتأثر بعوامل عديدة، من أهمها:

  • قرارات أوبك+.
  • مستويات الإنتاج العالمي.
  • المخزون الأمريكي.
  • الطلب الصيني.
  • أسعار الفائدة الأمريكية.
  • قوة الدولار.
  • العقوبات على روسيا أو إيران.
  • التوتر في الخليج.
  • أمن مضيق هرمز.
  • اضطرابات البحر الأحمر.
  • الحروب والنزاعات.
  • توقعات الركود أو النمو العالمي.

ولذلك قد ترتفع الأسعار أو تنخفض لأسباب لا علاقة مباشرة لها بليبيا، لكن قدرة ليبيا على الاستفادة من الارتفاع أو الصمود أمام الانخفاض تعتمد على عوامل داخلية؛ أهمها الاستقرار، والإنتاج, والتصدير، والإنفاق، وكفاءة الإدارة.

حادي عشر: سعر السوق وسعر التخطيط وسعر التعادل

من المفيد هنا التمييز بين ثلاثة أسعار:

  • سعر السوق: وهو السعر الذي تحدده أسواق النفط العالمية يومياً، ويتأثر بالعرض والطلب والمخزونات والجيوسياسة والمضاربات.
  • سعر التخطيط: وهو السعر التحوطي الذي ينبغي أن تبني عليه الدولة تقديراتها المالية، حتى لا تُوسع إنفاقها على أساس سعر مرتفع قد لا يستمر.
  • سعر التعادل المالي: وهو السعر التقريبي الذي تحتاجه الدولة لتغطية إجمالي الإنفاق العام الفعلي، في ضوء الإنتاج وسعر الصرف والإيرادات الأخرى.

الدول الرشيدة لا تبني إنفاقها على أعلى سعر متوقع، بل على سعر تخطيط محافظ، وتتعامل مع الفوائض باعتبارها فرصة لبناء احتياطيات وتمويل استثمارات، لا مبرراً للتوسع غير المنضبط في الإنفاق.

ثاني عشر: متى يتحول القلق إلى تقشف؟

لا يبدأ التقشف لمجرد أن النفط انخفض إلى 70 أو 60 دولاراً، بل يبدأ التفكير في إجراءات أكثر صرامة عندما تجتمع ثلاثة عوامل معاً:

  1. انخفاض الأسعار لفترة ممتدة.
  2. تراجع الإنتاج أو اضطراب الصادرات.
  3. استمرار الإنفاق العام عند مستويات مرتفعة دون إصلاحات.

إذا اجتمعت هذه العوامل، فإن الدولة تصبح أمام خيارات صعبة؛ مثل السحب من الاحتياطيات، أو تقليص بعض النفقات، أو تأجيل مشاريع، أو مراجعة الدعم، أو زيادة الرسوم والإيرادات غير النفطية، أو الاقتراض، أو مزيج من هذه الأدوات. لكن إذا حافظت ليبيا على إنتاج مرتفع ومستقر، وضبطت إنفاقها، وسرّعت الإصلاحات، فإنها تستطيع تحمل أسعار متوسطة لفترة أطول دون الدخول في أزمة حادة.

ثالث عشر: الرسالة إلى المواطن وصانع القرار

المواطن ليس مطلوباً منه أن يراقب شاشة أسعار برنت كل صباح بقلق؛ المطلوب أن يعرف أن سعر النفط مهم، لكنه ليس المؤشر الوحيد. والمؤشرات الأهم هي:

  • هل الإنتاج مستقر؟
  • هل الصادرات منتظمة؟
  • هل الإنفاق العام منضبط؟
  • هل الاستثمارات النفطية مستمرة؟
  • هل الدعم يُدار بكفاءة؟
  • هل الإيرادات غير النفطية تتحسن؟
  • هل الاحتياطيات تُستخدم بحكمة؟
  • هل هناك إصلاحات حقيقية تقلل من هشاشة الاقتصاد؟

أما صانع القرار، فعليه أن يدرك أن سنوات ارتفاع الأسعار هي الوقت الأنسب للإصلاح، لا للتوسع في الإنفاق فقط؛ فالدول لا تستعد للأزمات أثناء الأزمة، بل تستعد لها في سنوات الوفرة.

خاتمة

النفط ليس مجرد سعر، بل معادلة دولة.

ولا ينبغي أن نقلق من كل انخفاض مؤقت في أسعار النفط، كما لا ينبغي أن نطمئن لكل ارتفاع عابر؛ فالقلق الحقيقي يبدأ عندما ينخفض السعر، ويتراجع الإنتاج، ويرتفع الإنفاق، وتتأخر الإصلاحات، وتضطرب الصادرات، وتضعف كفاءة إدارة المال العام.

وفي المقابل، تستطيع ليبيا أن تكون أكثر قدرة على الصمود إذا حافظت على إنتاج مرتفع، واستقرار في التصدير، وانضباط في الإنفاق، واستثمار جاد في قطاع النفط والغاز، وإصلاح تدريجي للدعم، وتنويع حقيقي للإيرادات. إن قوة الاقتصاد النفطي لا تُقاس فقط عندما ترتفع الأسعار، بل تُقاس أكثر عندما تنخفض.

فحين ترتفع أسعار النفط، تظهر قدرة الدولة على استثمار الفوائض، وحين تنخفض، تظهر صلابة سياساتها المالية. وبين الحالتين، يبقى العامل الحاسم ليس سعر البرميل وحده، بل جودة القرار الاقتصادي.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط: “كم بلغ سعر برنت اليوم؟” بل السؤال الأهم: “هل أصبح الاقتصاد الليبي أكثر قدرة على الصمود إذا انخفض النفط غداً؟”

وهنا تكمن معادلة الدولة.

“أبوشيحة” يبحث مع السفير المصري تعزيز التبادل التجاري بين ليبيا ومصر

بحث وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية “سهيل أبوشيحة” مع السفير المصري لدى ليبيا “تامر الحفني”، سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، والعمل على زيادة حجم التبادل التجاري وتطوير التعاون الاقتصادي المشترك.

وأكد “أبوشيحة” والسفير المصري على ضرورة تحسين الخدمات بالمنافذ البرية بين البلدين، بما يسهم في تسهيل حركة السلع والبضائع ورفع حجم المعاملات التجارية، وتعزيز الشراكة الاقتصادية بما يخدم مصالح البلدين.

“حسني بي”: من معيار الذهب إلى صدمة نيكسون 1971.. هل أخطأنا نحن الليبيين في فهم قوة العملة وربطها بالاحتياطيات؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

في كثير من الأحيان، نتناول التحديات التي يواجهها الاقتصاد الليبي، والانزعاج المفرط عند المساس بالاحتياطيات من العملة الأجنبية والذهب، وعند ربطها بالتحولات الكبرى التي شهدها النظام النقدى العالمي منذ صدمة نيكسون عام 1971م. وقد أثار مقال “د. حلمي القماطي” نقاشاً مهماً يستحق التوقف عنده، ليس حول الاحتياطيات الأجنبية فقط، بل حول مفهوم قوة العملة ذاته.

ففي تقديري، لا يزال جزء من النقاش الاقتصادي الليبي أسيراً لمفاهيم تعود إلى مرحلة تاريخية مختلفة، حين كانت العملات ترتبط مباشرة أو بصورة غير مباشرة بالذهب، بينما تغيرت قواعد اللعبة النقدية العالمية جذرياً خلال العقود الخمسة الماضية.

من الذهب إلى النقود السيادية

قبل عام 1971م، كان نظام “بريتون وودز” يجعل الدولار الأمريكي قابلاً للتحويل إلى الذهب بسعر ثابت يبلغ 35 دولاراً للأونصة، وكانت الاحتياطيات الذهبية تشكل أحد أهم أسس الثقة في العملات.

لكن في 15 أغسطس 1971م، أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولار إلى الذهب، لينتقل العالم تدريجياً إلى نظام النقود السيادية الائتمانية (Fiat Money)، وهو النظام السائد حتى اليوم.

ومنذ ذلك التاريخ لم تعد قيمة العملات ترتبط بحجم الذهب الموجود في خزائن البنوك المركزية، بل أصبحت تعتمد على مجموعة أوسع من العوامل؛ أهمها الثقة بالمؤسسات، وقوة الاقتصاد، والقدرة الإنتاجية، والاستقرار المالي، وكفاءة السياسات النقدية والمالية. وبعبارة أخرى، لم يعد الذهب هو مصدر القيمة، بل أصبحت القيمة تنبع من قدرة الدولة واقتصادها على إنتاج الثروة والمحافظة على الثقة بعملتها.

الاحتياطيات: أداة استقرار وليست مصدر قوة

هنا أعتقد أن بعض التحليلات الاقتصادية الليبية تقع في خلط شائع بين مفهومين مختلفين:

  • الأول: قوة العملة.
  • الثاني: حجم الاحتياطيات الأجنبية.

فالاحتياطيات ليست هي التي تمنح العملة قيمتها الحقيقية، وإنما تمنح الاقتصاد القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية، وتمويل الواردات، والمحافظة على الاستقرار المالي عند الأزمات. ولهذا نجد أن العديد من العملات القوية عالمياً لا تستمد قوتها من حجم الذهب الموجود لدى بنوكها المركزية، بل من قوة اقتصاداتها ومؤسساتها وعمق أسواقها المالية.

فالولايات المتحدة —مثلاً— لا تمتلك أكبر احتياطيات أجنبية قياساً إلى حجم اقتصادها، ومع ذلك يبقى الدولار العملة الأكثر استخداماً واحتفاظاً بالثقة عالمياً. والسبب ليس الذهب، بل الثقة في الاقتصاد الأمريكي، وسيادة القانون، وعمق الأسواق المالية، وقابلية تحويل الدولار إلى أصول واستثمارات وسلع وخدمات داخل أكبر اقتصاد في العالم.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لليبيا؟

في الحالة الليبية، لا تبدو المشكلة الرئيسية في نقص الاحتياطيات؛ فليبيا تمتلك احتياطيات أجنبية وذهبية تكفي لتغطية سنوات عديدة من الواردات، وهو مستوى أمان خارجي مرتفع وفق المعمعايير الدولية. لكن امتلاك احتياطيات كبيرة لا يعني تلقائياً امتلاك عملة قوية أو اقتصاد متوازن.

فالتحدي الحقيقي يكمن في كيفية إدارة الاقتصاد الوطني، وفي العلاقة بين حجم الإنفاق العام والإيرادات الأجنبية المتدفقة إلى مصرف ليبيا المركزي. كما أن استمرار الاختلالات السعرية، واتساع الاقتصاد الموازي، وضعف الإنتاج المحلي، وتضخم الإنفاق العام، كلها عوامل تؤثر على قيمة الدينار أكثر مما يؤثر حجم الذهب المخزن في الخزائن.

السؤال الذي يجب أن نطرحه

لذلك ربما لم يعد السؤال الأهم: “كم نملك من الاحتياطيات؟” بل: “هل تزداد احتياطياتنا نتيجة اقتصاد منتج ومتوازن، أم أنها تتآكل لتغطية اختلالات متراكمة؟”

فالاحتياطي يشبه خزان المياه، أما قوة العملة فتشبه النهر الذي يغذي ذلك الخزان؛ وقد يمتلك بلد خزاناً ضخماً، لكنه يستهلك أكثر مما ينتج، فتبدأ موارده بالتراجع تدريجياً. وفي المقابل، قد يمتلك بلد آخر احتياطيات أقل، لكنه ينتج ويصدر وينمو باستمرار، فتظل عملته قوية ومستقرة.

الخلاصة

أشكر الدكتور “حلمي القماطي” على ملاحظاته العلمية القيمة، وأتفق معه في أن النقود الحديثة لا تستمد قيمتها من الذهب وحده، بل من الثقة والمؤسسات والسياسات الاقتصادية والإنتاجية. لكنني أرى أيضاً أن النقاش الاقتصادي الليبي يحتاج إلى الانتقال من التركيز المفرط على حجم الاحتياطيات إلى التركيز على كيفية إدارة الاقتصاد نفسه.

فالاحتياطيات تمثل خط دفاع مهماً للاستقرار الاقتصادي، لكنها ليست المصدر الحقيقي لقوة العملة؛ أما المصدر الحقيقي فيبقى اقتصاداً منتجاً، ومؤسسات موثوقة، وسياسات مالية ونقدية متوازنة، وقدرة مستمرة على خلق القيمة والثروة داخل الاقتصاد الوطني.

النيابة العامة تأمر بحبس مسؤوليْن بمصرف الصحارى بتهمة جازة صرف 800 مليون دينار دون ضمانات

أمرت النيابة العامة تأمر بحبس مساعد مدير عام مصرف الصحارى؛ ومسؤول إدارة الائتمان في المصرف لإخلالهما بقواعد الائتمان المصرفي وضوابطه عند إجازتهما صرف 800 مليون دينار، في صورة ائتمان مُنِحَ لتمويل عمليات إنتاجية واستثمارية دون توافر الضمانات العَينيّة للوفاء به.

وبحسب مكتب النائب العام فقد أمرت النيابة العامة بحبس المتهمَيْن احتياطياً على ذمة التحقيق؛ واستردت مبلغ 300 مليون دينار من المبالغ الممنوحة بالمخالفة؛ كما منعت النيابة أيضاً التصرف في بقية الأموال المتتبَّعة؛ ووجهت بملاحقة بقية الـمُسْهِمِين.

مصرف ليبيا المركزي يعلن عن احتواء الحادثة السيبرانية التي تعرض لها بالكامل

أعلن مصرف ليبيا المركزي في بيان له اليوم الثلاثاء عن احتواء الحادثة السيبرانية التي تعرض لها في 9 يونيو الجاري بالكامل، مؤكداً أن أعمال التعافي والاستعادة تسير بصورة جوهرية وفق الخطة الموضوعة لضمان جاهزية وأمن الأنظمة.

وأوضح المصرف المركزي أنه بناءً على التقييمات الواسعة المكتملة، لم تُرصد أي مؤشرات مؤكدة على وجود اختراق يؤثر في الحسابات، أو الأرصدة، أو الأصول المالية المرتبطة بعملياته والجهات المصرفية ذات العلاقة.

وأكد “المركزي” في ختام بيانه التزامه الكامل بالحفاظ على استقرار وموثوقية خدماته، مع تعزيز التدابير الأمنية لحماية النظام المالي وضمان سلامة البيانات كأولوية قصوى.

“عمران الشائبي”: مجموعة “Qilin” تعلن مسؤوليتها عن الهجمة التي استهدفت مصرف ليبيا المركزي

كتب: عمران الشائبي – المدير السابق لإدارة تقنية المعلومات بمصرف ليبيا المركزي

أعلنت مجموعة “Qilin” مسؤوليتها عن الهجمة التي استهدفت مصرف ليبيا المركزي.

في 9 يونيو، أعلن مصرف ليبيا المركزي عن تعرّضه لهجوم سيبراني طال جزءاً من أنظمته؛ حيث بادر المصرف إلى عزل الأنظمة المتأثرة، وتفعيل خطط الاستجابة للحوادث واستمرارية الأعمال، والاستعانة بخبراء تحقيق جنائي رقمي دوليين.

وبحسب ما أُعلن، ظلّت الخدمات الأساسية تعمل، مثل: البطاقات، ومنظومة (LYPAY)، والخدمات المصرفية للعملاء. وفي 22 يونيو، أدرجت مجموعة (Qilin) المصرفَ على موقعها للتسريبات في الدارك ويب، ورصدت منصات الاستخبارات السيبرانية هذا الإعلان منذ ذلك الحين.

إن مجموعة (Qilin) عادة ما تتفاوض على مطالبها بشكل سري ونادراً ما تنشر الأرقام، وأي رقم يُتداول الآن بخصوص المصرف المركزي تحديداً هو تخمين، وليس معلومة استخباراتية.

لماذا يتجاوز هذا الحدث حدود ليبيا؟

يُعدّ المصرف المركزي بنية تحتية وطنية حرجة، والمخاطر على السمعة وعلى استقرار المنظومة المالية تبقى مرتفعة حتى عندما يبدو الضرر التقني محدوداً. إن المؤشرات المبكرة هنا، مثل أسلوب الابتزاز المزدوج المرجّح، وعزل الأنظمة، والتحقيق الهادئ، هي اللحظات الحاسمة التي تحدد ما إذا كان الحادث سيتحول إلى أزمة.

فالمؤسسات التي تصمد أمام هجمات كهذه ليست صاحبة أكبر الميزانيات، بل تلك التي تدرّبت على الاستجابة قبل أن تحتاج إليها.

مصير البيانات واهتمامات الجهات الاستخباراتية

غالباً ما يستغرق ظهور حالات سرقة البيانات أو سرقة الهوية للعلن بعض الوقت إذا ما اعتبر المهاجمون تلك البيانات ذات قيمة عالية؛ إذ يسعون غالباً لاستخدامها في شن هجمات لاحقة، أو العثور على مشترين مستعدين لدفع مبالغ كبيرة مقابلها. بل إن البيانات المتاحة علناً على شبكة الإنترنت قد تكون خضعت لعمليات إعادة بيع متعددة بالفعل.

وعلاوة على ذلك، فإن الجهات الاستخباراتية (سواء التابعة للشركات أو الحكومات) والجهات العسكرية لا ترغب عادة في بيع هذه البيانات، بل تفضل الاحتفاظ بها لنفسها لإجراء المزيد من التحليلات، وربما توظيفها كسلاح.

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الرابع

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

هل يمكن الوصول إلى مليوني برميل يومياً؟… نعم، ولكن وفق شروط واضحة

بعد استعراض الجوانب الفنية والاستثمارية والمؤسسية، أعتقد أن الإجابة عن السؤال الذي طرحه تقرير Bloomberg يمكن أن تكون أكثر وضوحاً.

نعم… تستطيع ليبيا الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً.

لكن ليس لأن الاحتياطيات موجودة، ولا لأن الشركات العالمية أبدت اهتماماً متزايداً، ولا لأن الظروف الدولية أصبحت أكثر ملاءمة. بل لأن هذه العناصر جميعها، إذا اجتمعت مع الاستقرار والإدارة الرشيدة، يمكن أن تنتج واقعاً جديداً لقطاع الطاقة الليبي.

وفي المقابل، فإن غياب أي عنصر من هذه العناصر قد يؤخر هذا الهدف سنوات إضافية، مهما بلغت جودة الخام الليبي أو حجم الاحتياطيات.

ومن هنا، فإنني أرى أن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره هدفاً قصير الأجل، وإنما مشروع وطني يمتد على عدة سنوات؛ يبدأ من تعزيز الاستقرار، ويتواصل عبر تنفيذ المشاريع التطويرية، وتوسيع أعمال الاستكشاف، وتحديث البنية التحتية، وبناء شراكات استثمارية مستدامة.

وإذا سارت هذه المسارات بصورة متوازية، فإن الوصول إلى هذا المستوى من الإنتاج خلال الفترة الممتدة بين نهاية هذا العقد وبداية العقد القادم يبدو، في تقديري، هدفاً واقعياً أكثر من كونه حلماً بعيد المنال.

أما إذا عادت الإغلاقات، أو تعثرت الاستثمارات، أو بقيت البيئة المؤسسية تعاني من حالة عدم اليقين، فإن تحقيق هذا الهدف سيصبح أكثر صعوبة وربما يتأجل، رغم أن الإمكانات الطبيعية ستظل قائمة كما هي.

العالم يرى فرصة… فهل نراها نحن أيضاً؟

ما استوقفني في تقرير Bloomberg ليس حديثه عن النفط، بل الطريقة التي أصبح ينظر بها العالم إلى ليبيا. فبعد سنوات طويلة كانت فيها ليبيا تُذكر في التقارير الدولية باعتبارها مصدر قلق أمني أو سياسي، بدأ الخطاب يتغير تدريجياً نحو الحديث عن الفرص، والاستثمار، والطاقة، والشراكات الاقتصادية.

وهذا التحول، في حد ذاته، يمثل فرصة لا تقل أهمية عن أي اكتشاف نفطي جديد؛ فالسمعة الاستثمارية لأي دولة تُبنى ببطء، لكنها قد تتغير بسرعة إذا أحسنت استثمار اللحظة المناسبة.

واليوم، تبدو ليبيا أمام لحظة كهذه:

  • الشركات العالمية تعود.
  • الاستثمارات تتحرك.
  • الأسواق الأوروبية تبحث عن مصادر قريبة وآمنة.
  • الغاز الليبي يكتسب أهمية متزايدة.
  • جولة التراخيص أعادت فتح أبواب كانت مغلقة منذ ما يقارب عقدين.

لكن كل هذه المؤشرات الإيجابية لن تتحول إلى إنجاز اقتصادي تلقائياً؛ فالتاريخ مليء بدول امتلكت فرصاً أكبر من هذه، لكنها لم تستطع تحويلها إلى تنمية لأنها لم تنجح في بناء المؤسسات القادرة على إدارتها.

رسالة إلى صناع القرار

إذا كان لي أن أختصر هذه المقالة في رسالة واحدة، فسأقول: إن مشروع الوصول إلى مليوني برميل يومياً يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مشروعاً لزيادة الإنتاج فقط، بل باعتباره فرصة لإعادة بناء الاقتصاد الليبي على أسس أكثر قوة واستدامة.

فالزيادة في الإنتاج ينبغي أن تترافق مع:

  • إصلاحات اقتصادية وهيكلية.
  • تطوير قطاع الغاز.
  • زيادة الطاقة التكريرية.
  • التوسع في الصناعات البتروكيماوية.
  • تقليل استيراد الوقود.
  • رفع كفاءة الإنفاق العام.
  • تعزيز المحتوى المحلي.
  • الاستثمار في الإنسان الليبي.

فكل برميل إضافي ينبغي أن يتحول إلى مدرسة، أو مستشفى، أو طريق، أو محطة كهرباء، أو فرصة عمل، أو مشروع إنتاجي جديد. وهنا فقط يصبح النفط وسيلة للتنمية، وليس مجرد مصدر للإيرادات.

الخاتمة

لقد أثبت النفط الليبي، على مدى أكثر من ستين عاماً، أنه قادر على الصمود أمام أصعب الظروف، وأنه يظل الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني. واليوم، ومع عودة الاهتمام الدولي، وعودة الشركات العالمية، وتغير خريطة الطاقة العالمية، تمتلك ليبيا فرصة تاريخية قد لا تتكرر بسهولة.

لكن هذه الفرصة لن يحددها حجم الاحتياطيات، ولا عدد الشركات، ولا قيمة الاستثمارات وحدها، بل سيحددها شيء أكثر أهمية… قدرة الدولة الليبية على إدارة هذه المرحلة برؤية استراتيجية، ومؤسسات مستقرة، وإرادة وطنية تضع مصلحة البلاد فوق أي اعتبار آخر.

وعندها فقط، لن يكون الوصول إلى مليوني برميل يومياً هو الإنجاز الحقيقي؛ فالإنجاز الحقيقي هو أن تتحول هذه البراميل إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، وتنمية أكثر استدامة، ودولة أكثر قوة، ومواطن أكثر ازدهاراً.

ولعل أفضل ما يمكن أن نختم به هذه القراءة هو أن نقول: إن العالم يرى في ليبيا فرصة طاقة كبرى… أما التحدي الحقيقي، فهو أن يرى الليبيون في هذه الفرصة مشروعاً وطنياً لبناء المستقبل، لا مجرد مشروع لزيادة الإنتاج.

ففي نهاية المطاف… لن يصنع مليونا برميل يومياً مستقبل ليبيا، لكن الطريقة التي ستدير بها ليبيا هذين المليونين هي التي ستحدد شكل هذا المستقبل، ومكانة الدولة، وجودة حياة المواطن، لعقود قادمة.

رابط الجزء الأول من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثاني

رابط الجزء الثالث من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثالث

“أبوشيحة” يتابع مع رئيسي جهاز الحرس البلدي ومصلحة السجل التجاري تنفيذ قرارات تنظيم السوق والرقابة التجارية

تابع وزير الاقتصاد والتجارة “سهيل أبوشيحة” مع رئيس جهاز الحرس البلدي اللواء “رجب قطوسة” ورئيس مصلحة السجل التجاري “محمد بن كثير”، في اجتماع موسع اليوم الاثنين، تنفيذ قرارات تنظيم السوق والرقابة التجارية.

​وتركز الاجتماع على وضع خطة عمل مشتركة بين الوزارة وجهاز الحرس البلدي ومصلحة السجل التجاري، لتطبيق القرار رقم (295) لسنة 2026 بشأن إلزام إشهار أسعار السلع الأساسية، والقرار رقم (254) لسنة 2026 الخاص بتنظيم القنوات القانونية للتوزيع.

وشدد “أبوشيحة” خلال الاجتماع على أهمية تكثيف التفتيش الميداني والتنسيق بين الجهات الضبطية والتنفيذية لضمان استقرار الأسواق وحماية المستهلك.

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثالث

كتب : الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

الطريق إلى مليوني برميل… لا يبدأ من الحقول بل من الدولة

على مدى أكثر من ستين عاماً، أثبت قطاع النفط الليبي قدرة لافتة على التعافي كلما توافرت له الظروف المناسبة. فعلى الرغم من الحروب، والإغلاقات، والانقسامات المؤسسية، والتقلبات السياسية، ظل القطاع قادراً على استعادة جزء كبير من إنتاجه في كل مرة، وهو ما يعكس جودة المكامن، وكفاءة الكوادر الوطنية، والخبرة المتراكمة التي اكتسبتها المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها.

لكن التجربة نفسها تقدم درساً لا يقل أهمية.

فكل مرة ارتفع فيها الإنتاج، لم يكن السبب اكتشاف احتياطيات جديدة، وإنما تحسن الظروف التي سمحت للقطاع بالعمل.

وهذا يعني أن العامل الحاسم في مستقبل النفط الليبي لم يعد جيولوجياً، بل أصبح مؤسسياً.

فالنفط موجود منذ ملايين السنين، لكن الاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة، والتمويل يحتاج إلى ثقة، والشركات تحتاج إلى وضوح في الرؤية، والأسواق تحتاج إلى مورد يمكن الاعتماد عليه.

ولهذا فإنني أرى أن الحديث عن مليوني برميل يومياً يجب ألا يُختزل في عدد الآبار التي ستُحفر أو حجم الاستثمارات التي ستُضخ، بل يجب أن يبدأ بسؤال أكثر جوهرية:

هل تمتلك ليبيا اليوم البيئة المؤسسية التي تسمح بإدارة مشروع بهذا الحجم؟

المؤسسة الوطنية للنفط… ركيزة النجاح وليست البديل عن الدولة

من الإنصاف القول إن المؤسسة الوطنية للنفط كانت، طوال السنوات الماضية، صمام الأمان الحقيقي لهذا القطاع.

فعلى الرغم من الظروف المعقدة، استطاعت المحافظة على استمرارية الإنتاج، وإدارة علاقاتها مع الشركاء الدوليين، وإعادة تشغيل الحقول والموانئ بعد كل أزمة تقريباً، كما نجحت في إطلاق مشاريع تطويرية وجولة تراخيص جديدة أعادت ليبيا إلى خريطة الاستثمار العالمي في الاستكشاف والإنتاج.

وهذا النجاح يستحق الإشادة.

لكن من الظلم أيضاً تحميل المؤسسة الوطنية للنفط وحدها مسؤولية تحقيق مليوني برميل يومياً.

فالقطاع النفطي، بطبيعته، لا يعمل بمعزل عن بقية مؤسسات الدولة.

إن نجاح المؤسسة يحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ باستقرار القرار السياسي، وتمر بوضوح السياسات المالية، وتصل إلى كفاءة الأجهزة القضائية والتنظيمية، وسرعة الإجراءات الإدارية، واستقرار البيئة الأمنية، وتكامل البنية التحتية.

فلا يمكن لأي مؤسسة نفطية في العالم، مهما بلغت كفاءتها، أن تحقق أهدافاً استراتيجية إذا كانت تعمل في بيئة تفتقر إلى الانسجام المؤسسي أو تعاني من تغيرات متمتالية في قواعد العمل.

ومن هنا، فإن نجاح المؤسسة الوطنية للنفط في المرحلة المقبلة يجب أن يُنظر إليه باعتباره نجاحاً للدولة الليبية بأكملها، وليس لمؤسسة واحدة.

المشكلة ليست في النفط… بل في إدارة النفط

في اعتقادي، هذه هي القضية الجوهرية التي ينبغي أن تشغل النقاش الوطني خلال السنوات القادمة.

فليبيا لا تعاني من نقص في الموارد الطبيعية، ولا من ضعف في جودة خامها، ولا من محدودية احتياطياتها، بل تمتلك، بشهادة الأسواق العالمية، واحداً من أفضل الخامات النفطية، وأكبر الاحتياطيات في أفريقيا، وإمكانات غازية واعدة لم تُستغل بعد بالشكل الأمثل.

لكن السؤال الحقيقي هو: كيف تُدار هذه الثروة؟

إن الدول لا تتقدم لأنها تنتج النفط، وإنما لأنها تحسن إدارة عائداته.

ولذلك فإن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لن يكون إنجازاً حقيقياً إذا استمرت أنماط الإدارة الاقتصادية نفسها، أو بقيت العوائد تُستهلك في الإنفاق الجاري دون أن تتحول إلى استثمارات منتجة ترفع من قدرة الاقتصاد على النمو والاستدامة.

إن المطلوب اليوم ليس فقط زيادة الإنتاج، بل زيادة القيمة الاقتصادية لكل برميل يتم إنتاجه. وهذا لا يتحقق إلا عبر منظومة متكاملة تشمل:

  • رفع الطاقة التكريرية المحلية، بما يقلل الاعتماد على استيراد الوقود.
  • التوسع في الصناعات البتروكيماوية والأسمدة والصناعات التحويلية.
  • استثمار الغاز الطبيعي بصورة أكثر كفاءة، والحد من حرق الغاز المصاحب.
  • تطوير الخدمات النفطية المحلية، وتمكين الشركات الوطنية من المشاركة بصورة أكبر في المشاريع.
  • رفع نسبة المحتوى المحلي، بما يخلق فرص عمل ويعزز نقل التكنولوجيا.
  • الاستثمار في البحث العلمي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات النفطية.

فالقيمة المضافة لا تُقاس بعدد البراميل المنتجة فقط، بل بما تحققه تلك البراميل من نشاط اقتصادي داخل الدولة.

النفط يجب أن يمول التحول الاقتصادي… لا أن يؤجل الإصلاح

لقد اعتمد الاقتصاد الليبي، لعقود طويلة، على النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات، وهو ما جعل أداء الاقتصاد يرتبط بصورة مباشرة بأسعار النفط ومستويات الإنتاج.

لكن المرحلة المقبلة تفرض رؤية مختلفة.

فالزيادة المتوقعة في الإيرادات، إذا تحقق هدف مليوني برميل يومياً، يجب ألا تؤدي إلى توسيع الاقتصاد الريعي، بل ينبغي أن تمثل فرصة تاريخية لتمويل إصلاحات اقتصادية طال انتظارها، ومن أهمها:

  • تنويع مصادر الدخل.
  • تمكين القطاع الخاص.
  • تحسين كفاءة الإنفاق العام.
  • الاستثمار في رأس المال البشري.
  • تحديث البنية التحتية.
  • دعم الاقتصاد الرقمي والصناعات الجديدة.

فأفضل استخدام لعائدات النفط هو أن تُستثمر في بناء اقتصاد يستطيع، مستقبلاً، أن يحقق النمو حتى عندما تتراجع أسعار النفط أو تنخفض معدلات الإنتاج.

وهذه، في تقديري، هي الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية، وهي أيضاً المعيار الذي يجب أن نقيس به نجاح أي استراتيجية نفطية في ليبيا، وليس فقط عدد البراميل التي تخرج يومياً من الحقول.

يتبع ،،

رابط الجزء الأول من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الأول

رابط الجزء الثاني من المقال :

“الشلوي”: النفط الليبي في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة – الجزء الثاني

“مسعود سليمان”: إنتاج ليبيا النفطي يسجل أعلى مستوى منذ 2013 باقترابه من 1.5 مليون برميل يومياً

أعلن رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان” اليوم الأحد، تحقيق طفرة إنتاجية هي الأعلى منذ عام 2013؛ حيث بلغ إجمالي إنتاج النفط الخام والمكثفات مليون و487 ألف برميل يومياً (منها مليون و438 ألف برميل نفط خام، و49 ألف برميل مكثفات).

​وأشاد رئيس المؤسسة بالجهود الاستثنائية للكوادر والعاملين في مختلف الحقول والموانئ النفطية التي قادت إلى هذا “الإنجاز التاريخي”، مؤكداً أن القطاع يسير بخطى ثابتة واقترب من بلوغ حاجز 1.5 مليون برميل يومياً، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي ويعزز مكانة النفط الليبي عالمياً.