“سليمان الشحومي” يكتب: اتفاق تقاسم أم موازنة موحدة لليبيا؟
كتب: سليمان الشحومي – أستاذ التمويل ومؤسس سوق المال الليبي
أشرف مصرف ليبيا المركزي على توقيع اتفاق بين ممثلَي مجلس الدولة ومجلس النواب الليبيين، في خطوة تبدو في ظاهرها محاولة جادة لاحتواء أحد أخطر ملفات الانقسام الليبي، وهو ملف الإنفاق العام وتوزيع موارده. ويبدو أن هذه الخطوة جاءت بعد حوار بين الأطراف الفاعلة، وبرعاية خارجية كان فيها للمبعوث الأمريكي بولس دور ظاهر في تقريب وجهات النظر ودفع الأطراف نحو تفاهم مؤقت يخفف حدة التنازع على المال العام.
ووفقًا لما يتداول، فقد نتج عن هذا المسار اتفاق يتعلق بباب الإنفاق على التنمية، وهو الباب الذي ظل يمثل إحدى بؤر الصراع بين المؤسسات المتنازعة، حيث يجري الحديث عن تخصيص نحو 40 مليار دينار لهذا الغرض، على أن يتم توزيع هذا الإنفاق بصورة تشمل مختلف مناطق البلاد. ومن حيث الشكل، قد يبدو هذا الاتفاق خطوة إيجابية تحمل قدرًا من التفاؤل، بل إن السوق الموازية للعملة الأجنبية تلقفته بإشارة واضحة من حسن النية، تمثلت في تراجع نسبي في سعر الدولار، وكأن الفاعلين في السوق أرادوا أن يمنحوا هذه الخطوة فرصة أولى للاختبار.
غير أن القراءة المتأنية لهذا التطور تكشف أن الأمر أعمق بكثير من مجرد اتفاق على رقم أو على باب من أبواب الإنفاق. فالسؤال الحقيقي ليس: هل اتفقت الأطراف على تقاسم الإنفاق؟ بل: ما طبيعة هذا الاتفاق أصلًا؟ هل نحن أمام تسوية سياسية مؤقتة بين مراكز نفوذ تتقاسم الموارد العامة تحت عنوان “التنمية”؟ أم أننا أمام بداية انتقال جدي نحو بناء موازنة عامة موحدة، تستند إلى قواعد واضحة في تقدير الإيرادات، وترتيب الأولويات، وضبط المصروفات، وإخضاع الجميع لرقابة قانونية ومؤسسية؟
هنا يكمن جوهر المسألة؛ لأن الفارق بين اتفاق تقاسم وموازنة عامة ليس فارقًا شكليًا أو لغويًا، بل هو فارق بين منطقين مختلفين بالكامل في إدارة الدولة. فاتفاق التقاسم يقوم على الترضيات السياسية وتوزيع الحصص بين الأطراف، وغالبًا ما يكون هدفه الأساسي احتواء النزاع لا بناء الاستقرار. أما الموازنة العامة، فهي أداة سيادية وقانونية لإدارة الموارد والنفقات وفق رؤية وطنية موحدة، تُبنى على تقديرات واقعية، وتخضع لمعايير الشفافية والانضباط والمساءلة.
وإذا صحت المعلومات التي تشير إلى أن إجمالي الإنفاق المزمع قد يصل إلى نحو 180 مليار دينار لتغطية مختلف أبواب الإنفاق العام، فإننا نكون أمام رقم ضخم للغاية، يثير أكثر من علامة استفهام. فهذا المستوى من الإنفاق، في ظل البنية الاقتصادية الليبية الراهنة، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد توسع مالي عادي، بل قد يكون مؤشرًا على نمط إنفاق مفرط لا يستند بالضرورة إلى تقدير متحفظ للإيرادات أو إلى استراتيجية حصيفة لإدارة المخاطر المستقبلية.
وتزداد هذه المخاوف إذا أخذنا في الاعتبار الطبيعة الريعية للاقتصاد الليبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية. فالنفط، رغم ما يوفره من تدفقات مالية سريعة، يظل مصدرًا غير مستقر، خاضعًا لتقلبات الأسواق الدولية، وللعوامل الجيوسياسية، وللاضطرابات الداخلية التي قد تعطل الإنتاج أو التصدير في أي لحظة. ومن ثم، فإن بناء مستوى إنفاق مرتفع على أساس طفرة مؤقتة في الأسعار، أو على أساس تدفقات استثنائية مرتبطة بأزمة دولية كأزمة مضيق هرمز، قد يكون سلوكًا ماليًا شديد الخطورة إذا لم يصحبه تحوط واضح، وتكوين احتياطيات كافية، وخطة واقعية للتعامل مع أي تراجع لاحق في الأسعار.
وفي هذا السياق، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل جرى توظيف الارتفاع الحالي في الإيرادات النفطية لبناء هامش أمان مالي للدولة؟ هل تم تخصيص جزء من هذه الموارد لتدعيم الاحتياطيات من النقد الأجنبي؟ هل وُضعت خطة لسداد جزء من الدين العام المتراكم؟ أم أن الأمر اتجه في معظمه نحو فتح الباب لمزيد من التوسع في الإنفاق الجاري والتنموي معًا، دون ضمانات كافية للاستدامة؟
إن الخطر الأكبر هنا لا يتمثل فقط في كبر الرقم، بل في البيئة التي سينفق فيها هذا الرقم. فليبيا لا تزال تعاني من هشاشة مؤسساتية عميقة، ومن ازدواج في القرار، ومن ضعف واضح في منظومات الرقابة والمساءلة، ومن اختلالات مزمنة في العلاقة بين السلطة المالية والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وفي مثل هذا السياق، فإن أي توسع كبير في الإنفاق قد يتحول بسهولة من أداة للتنمية وإعادة الإعمار إلى وسيلة جديدة لإعادة إنتاج الريع وتغذية شبكات المحاصصة والولاء، بما يرسخ منطق اقتسام الموارد بدل منطق بناء الدولة.
ذلك أن التنمية لا تُقاس فقط بحجم الأموال المخصصة لها، بل بقدرة المؤسسات على توجيه هذه الأموال بكفاءة وعدالة وشفافية. وقد علمتنا التجارب الليبية السابقة أن تخصيص مبالغ ضخمة في ظل ضعف التخطيط والمتابعة والرقابة لا يؤدي بالضرورة إلى تنمية حقيقية، بل قد ينتهي إلى تضخم في العقود، وازدواج في المشاريع، وتسرب في الأموال، وتنامي الشعور بالغبن بين المناطق والفئات المختلفة. ومن هنا، فإن الحديث عن “إنفاق تنموي” لا يكفي وحده لطمأنة الرأي العام أو الأسواق، ما لم يقترن بإطار واضح يحدد الأولويات، وآليات التنفيذ، ومعايير التوزيع، ووسائل الرقابة والتقييم.
كما أن السؤال الأكثر إلحاحًا يتعلق بدور مصرف ليبيا المركزي نفسه. فهل سيكتفي المصرف المركزي بدور الوسيط أو الضامن السياسي لهذا الاتفاق؟ أم أنه يسعى إلى تحويله إلى مسار أكثر مؤسسية وانتظامًا، عبر الدفع نحو إقرار موازنة عامة موحدة ذات أهداف ومعايير وحدود واضحة؟
إن مجرد الإشراف على اتفاق بين أطراف متنازعة قد يحقق تهدئة مؤقتة، لكنه لا يكفي لإدارة المالية العامة على أسس سليمة. فالدور الحقيقي للمصرف المركزي، بوصفه حارسًا للاستقرار النقدي والمالي، يقتضي أن يربط أي توسع في الإنفاق بإطار شامل يضمن:
- وضوح مصادر الإيرادات وتدفقها الكامل إلى القنوات الرسمية.
- تحديد سقوف للإنفاق وفق تقديرات متحفظة للأسعار النفطية.
- حماية الاحتياطيات الأجنبية من الاستنزاف.
- منع تمويل العجز بصورة مفرطة تؤدي إلى ضغوط تضخمية ونقدية.
- تعزيز الإفصاح والشفافية في إدارة المال العام.
ومن هنا تظهر مسألة بالغة الأهمية، وهي: هل سيتحول هذا الاتفاق إلى موازنة عامة فعلية؟
فإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن يتضمن مستهدفات واضحة، وتقديرات دقيقة للإيرادات، وأبوابًا معرّفة للإنفاق، وآليات قانونية تضمن توريد كافة الإيرادات العامة دون استثناء أو اقتطاع أو حجز أو تجنيب. وهذه النقطة جوهرية، لأن أي إنفاق عام لا يمكن ضبطه ما لم تكن الإيرادات نفسها موحدة، ومتدفقة بشفافية، وخاضعة لنظام مركزي واضح. أما إذا استمرت ظاهرة حجز الإيرادات، أو إعادة توجيهها خارج القنوات الطبيعية، أو استخدامها كأداة ضغط سياسي، فإن أي اتفاق على الإنفاق سيظل هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار جدي.


