Skip to main content

الوسم: ليبيا

“الشلوي”: دعوة اليونان للتفاوض حول الحدود البحرية تستوجب رؤية ليبية موحدة تحمي الحقوق السيادية والاقتصادية

تتصاعد التطورات في ملف الحدود البحرية بالبحر المتوسط بعد اعتماد البرلمان الليبي للاتفاقية البحرية مع تركيا، حيث جددت اليونان دعواتها لإطلاق مفاوضات مباشرة مع ليبيا بشأن ترسيم المناطق البحرية، الأمر الذي يطرح التساؤل حول كيفية تعاطي الدولة الليبية مع هذه الدعوات بما يضمن حماية مقدراتها وثرواتها البحرية للأجيال القادمة.

وللحديث أكثر عن ذلك، توجهنا بالسؤال إلى الخبير النفطي والاقتصادي د. عبد المنصف الشلوي، والذي أمدنا بهذا التصريح:

أرى أن تجديد اليونان دعوتها إلى إطلاق مفاوضات مباشرة مع ليبيا بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط يمثل تطوراً مهماً يستوجب التعامل معه بقدر عالٍ من المسؤولية الوطنية والواقعية السياسية والفنية، بعيداً عن ردود الفعل الآنية أو التعامل مع الملف باعتباره مجرد خلاف دبلوماسي بين دولتين متجاورتين.

فالمسألة، من منظور اقتصادي ونفطي، تتجاوز تحديد خطوط جغرافية على الخرائط؛ إذ ترتبط بحقوق السيادة على المناطق البحرية، وما قد تختزنه من موارد هيدروكربونية، فضلاً عن حقوق الاستكشاف والتطوير والاستثمار، وما يمكن أن تمثله هذه المناطق من قيمة اقتصادية واستراتيجية للأجيال القادمة.

ومن المهم التأكيد أن ليبيا ليست أمام خيار بين التفاوض أو التمسك بحقوقها، فالتفاوض في حد ذاته أداة مشروعة لحماية هذه الحقوق وتثبيتها، شريطة أن يستند إلى قاعدة واضحة من الندية، والمرجعيات القانونية، والدراسات الفنية والهيدروغرافية، وأن ينطلق من المصالح الوطنية الليبية، لا من افتراضات أو خطوط أحادية سبق أن تبناها أي طرف.

وفي هذا السياق، فإن التعامل مع الموقف اليوناني يستوجب التوقف عند جملة من المسائل الفنية والقانونية، من بينها أثر الجزر في عملية الترسيم، ومبدأ التناسب والإنصاف، وطبيعة السواحل المتقابلة، وكذلك تداعيات اتفاقية الترسيم البحري اليونانية الإيطالية، وما يرتبط بها من إحداثيات ونقطة الالتقاء رقم (16)، التي تمثل إحدى المسائل التي ينبغي أن تحظى باهتمام خاص في أي دراسة ليبية متكاملة.

كما أعتقد أنه من الضروري ألا تتعامل ليبيا مع هذا الملف بمعزل عن بقية ملفات حدودها البحرية في المتوسط، سواء مع اليونان أو إيطاليا أو مالطا أو مصر أو تونس، وأن تنظر إليها ضمن تصور وطني شامل يضمن الاتساق القانوني والفني بين مختلف الحدود البحرية، ويمنع نشوء تعارضات قد تؤثر في الموقف الليبي مستقبلاً.

أما التوصية الأساسية، فهي ضرورة تشكيل فريق وطني متخصص وموحد لإدارة ملف الترسيم البحري، يضم خبراء القانون الدولي للبحار، والهيدروغرافيا، والجيولوجيا البحرية، والاقتصاد والطاقة، ومؤسسة النفط والجهات السيادية ذات العلاقة، مع ضمان المشاركة والتوافق الوطني بين مختلف المؤسسات الليبية. وأن تكون لهذا الفريق ولاية واضحة لإعداد قاعدة بيانات وطنية للإحداثيات والحقوق البحرية، ومراجعة الخرائط والاتفاقيات والمذكرات ذات الصلة، وتحديد المصالح الاقتصادية والموارد المحتملة في المناطق محل التداخل.

وأرى كذلك أن من الضروري الفصل بين حق ليبيا في التفاوض المباشر مع اليونان وبين أي تفاهمات أو اتفاقيات أخرى أبرمتها ليبيا مع دول الجوار؛ فلكل مسار طبيعته القانونية والسياسية، لكن جميعها يجب أن تلتقي عند هدف واحد، وهو حماية الحقوق البحرية الليبية وعدم الانتقاص منها.

ولا ينبغي أن نغفل أن استمرار منح تراخيص الاستكشاف أو المضي في أنشطة استثمارية داخل مناطق بحرية لم يُحسم ترسيمها قد يخلق وقائع عملية واقتصادية يصعب التعامل معها لاحقاً، ولذلك فإن حماية الحقوق الليبية تتطلب تحركاً دبلوماسياً وفنياً متوازناً، بالتوازي مع المفاوضات، ودون التفريط في الخيارات القانونية المتاحة.

خلاصة القول: إن المطلوب من ليبيا اليوم ليس مجرد الاستجابة لدعوة تفاوضية، وإنما الدخول إلى هذا المسار بعقلية الدولة التي تعرف حدود مصالحها، وتمتلك أدوات الدفاع عنها، وتدرك أن الثروة البحرية ليست مورداً اقتصادياً فحسب، بل جزء أصيل من سيادتها وحقوق أجيالها القادمة.

  • عدم الذهاب إلى المفاوضات من نقطة الصفر: لدى ليبيا مواقف وإيداعات ومذكرات سابقة لدى الأمم المتحدة، وينبغي أن تكون أساساً للمراجعة والبناء، لا أن تبدأ الدولة من فراغ.
  • عدم التسليم بخط 4001/2011 اليوناني: وهو الخط الذي اعتمدته اليونان في تشريعاتها المتعلقة بتحديد حدودها البحرية في غياب اتفاق ثنائي. ينبغي ألا يتحول إلى نقطة انطلاق مفترضة وملزمة لليبيا.
  • عدم اختزال الملف في مذكرة ليبيا وتركيا لعام 2019: يجب الدفاع عن الحقوق الليبية في التفاوض مع اليونان على أساس مستقل ومتكامل، مع الحفاظ على الاتفاقيات والمصالح الليبية الأخرى.
  • إدخال البعد النفطي في صلب المفاوضات: لا يكفي أن يشارك القانونيون والدبلوماسيون؛ بل لا بد من خبراء النفط والغاز والجيولوجيا البحرية وتقييم الموارد المحتملة، حتى لا تتحول التسوية الحدودية إلى خسارة اقتصادية غير محسوبة.

وهذه النقاط تكتسب أهمية إضافية في ظل اعتراض اليونان الرسمي على قرار مجلس النواب بشأن المذكرة الليبية التركية، وتمسكها بتفسيرها الخاص لقانون البحار وحقوق الجزر.

توصية إضافية أرى أنها مهمة جداً:

أقترح أن يكون هناك مسار وطني فني موازٍ للمسار الدبلوماسي، وأن تُدرس إمكانية الاستعانة بخبرات دولية متخصصة في ترسيم الحدود البحرية، مع الاحتفاظ بالقرار والتفاوض والمرجعية الوطنية الليبية.

كما ينبغي ألا يُترك الملف لتجاذبات الحكومات أو الانقسامات المؤسسية؛ فالحدود البحرية والحقوق المرتبطة بها ملك للدولة الليبية، وليست ملكاً لحكومة أو مرحلة سياسية بعينها.

“مالية النواب” تناقش مع وزير المالية مشروع قانون نظام المرتبات الموحد

ناقشت اللجنة المالية بمجلس النواب مع وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية “راشدأبوغفة” في اجتماع اليوم الأربعاء، مشروع قانون نظام المرتبات المقدم من الحكومة والحيثيات القانونية والاقتصادية المصاحبة له.

وتناول الاجتماع احتمالات الإيرادات المتوقعة أثناء نفاذ القانون، حيث أكد وزير المالية مرتكزات المشروع القائمة على العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية. واتفق الحضور في ختام الاجتماع على ضرورة تسريع خطوات إقرار مشروع القانون بما يستجيب للمطالب الشعبية وينسجم مع المشهد الاقتصادي للبلاد.

من يقود الاستقرار النقدي في ليبيا؟.. ثلاث رؤى بين توحيد سوق الصرف وقيادة السياسة النقدية والانضباط المالي

أثار تراجع قيمة الدينار الليبي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي نقاشاً اقتصادياً مهماً، بدأ بما نشره محافظ مصرف ليبيا المركزي الأسبق فرحات بن قدارة حول تجربة توحيد سعر الصرف، ثم بما طرحه الدكتور محمد أحمد بشأن القيادة الفكرية والمؤسسية للسياسة النقدية، وأعقب ذلك تعليقان مستقلان من حسني بي على كل من الطرحين، أعادا النقاش إلى جذور الاختلال في المالية العامة ومصدر النقود.

ورغم اختلاف المداخل، فإن الرؤى الثلاث تتكامل في تشخيص الأزمة، لكنها تختلف في ترتيب الأسباب وأولويات العلاج.

أولاً: فرحات بن قدارة — توحيد السوق لا يتحقق بمجرد تخفيض الدينار

استعرض بن قدارة تجربة توحيد سعر الصرف خلال الفترة 1999–2002، عندما كان الدولار يُباع رسمياً بنحو 0.33 دينار، بينما بلغ سعره في السوق الموازية نحو 3.70 دنانير.

بدأ الإصلاح باعتماد سعر صرف خاص معلن قريب من السوق، في حدود 3.20 دنانير للدولار، ثم جرى تعديل الأسعار تدريجياً وتوسيع الحصول على النقد الأجنبي عبر المصارف، حتى تقارب المساران عند نحو 1.30 دينار للدولار مطلع 2002.

الدرس الأساسي من التجربة أن السوق الموازية لم تتراجع بالمنع، وإنما بنقل الطلب منها إلى القنوات المصرفية، من خلال سعر واقعي وتوفير فعلي للنقد الأجنبي.

ويرى بن قدارة أن تخفيض قيمة الدينار بقرار إداري، مع استمرار القيود والفجوة السعرية، لا يحقق التوازن، بل قد يؤدي إلى استمرار المضاربة والريع.

كما أن نجاح توحيد سعر الصرف واستدامته يتطلبان انضباطاً مالياً ونقدياً يمنع نمو الطلب على الدولار بصورة تتجاوز الموارد المتاحة.

ثانيًا: الدكتور محمد أحمد — قوة المصرف المركزي في قيادة الفكر النقدي لا سلطة المحافظ

انتقل الدكتور محمد أحمد بالنقاش إلى سؤال مختلف: هل تكمن قوة المصرف المركزي في الصلاحيات التنفيذية للمحافظ، أم في قدرته على قيادة مؤسسة تنتج سياسة نقدية متكاملة؟

واستحضر في هذا السياق تجارب ميلتون فريدمان وبول فولكر وآلان غرينسبان، للتمييز بين الفكر الاقتصادي، والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، والقيادة المؤسسية للسياسة النقدية.

ومن هذا المنطلق تبرز أسئلة جوهرية حول ليبيا:

  • هل امتلك المصرف المركزي منذ عام 2011 سياسة نقدية معلنة تربط بين عرض النقود والإنفاق العام والتضخم وسعر الصرف؟
  • وهل كانت لجنة السياسة النقدية ومجلس الإدارة مشاركين فعليين في صناعتها، أم غلبت سلطة المحافظ الفردية؟

إن هذه المقاربة تؤكد أن الاستقرار النقدي يحتاج إلى مؤسسات قوية وقرارات قائمة على التحليل الاقتصادي، لا على الأشخاص أو الاعتبارات السياسية.

لكنها تفتح سؤالاً آخر: هل تستطيع أفضل قيادة نقدية تحقيق الاستقرار إذا استمرت المالية العامة في توليد عجز يُموّل بخلق نقود جديدة؟

ثالثًا: حسني بي — أصل الاختلال في المالية العامة قبل سوق الصرف

جاءت تعليقات حسني بي على الطرحين بصورة مستقلة، متفقة مع كثير من مضمونهما، لكنها اختلفت في ترتيب الأسباب الاقتصادية.

في تعليقه على بن قدارة، اتفق مع ضرورة توحيد سعر الصرف وتوفير الدولار عبر القنوات الرسمية، لكنه اعتبر أن المشكلة لا تقتصر على كيفية توزيع الدولار، بل تبدأ بالسؤال: من أين جاءت الدنانير التي تطارده، وبأي سعر يجب بيع الدولار؟

فالاقتصاد الليبي يعتمد على النفط مصدراً شبه وحيد لإيرادات الدولة، بينما يجري معظم الإنفاق العام بالدينار.

وتوضح بيانات مصرف ليبيا المركزي حتى سبتمبر 2026 أن إيرادات النفط والأتاوات بلغت نحو 111.6 مليار دينار من إجمالي إيرادات مسجلة قدرها 114.58 ملياراً، أي قرابة 97%.

وعندما يتجاوز الإنفاق الموارد المستدامة، ويُموّل العجز نقدياً، تتوسع الكتلة النقدية ويزداد الطلب على السلع والواردات والدولار، فتظهر الضغوط على سعر الصرف.

وهنا تتشكل سلسلة الاختلال: عجز مالي ← تمويل نقدي وخلق دينار ← توسع السيولة والطلب ← ضغط على الدولار ← فجوة سعرية وريع ومضاربة وتضخم.

ومن ثم فإن السوق الموازية ليست بالضرورة أصل المرض، بل إحدى مظاهره.

ويرى حسني بي أن توزيع الدولار بالسعر الرسمي على الأفراد أو التجار أو شركات الصرافة لا يلغي الريع إذا ظل السعر الرسمي بعيداً عن سعر التوازن؛ فقد يتغير المستفيد من الريع، لكن الريع نفسه يستمر.

أما سعر التوازن المطلوب، فيجب أن يراعي عرض النقود والطلب على النقد الأجنبي والموارد الدولارية، وأن ينسجم مع موازنة مستدامة، دون اعتبار تخفيض الدينار بديلاً عن ضبط الإنفاق.

وفي تعليقه على الدكتور محمد أحمد، اتفق حسني بي مع أهمية القيادة الفكرية والمؤسسية، لكنه أكد أن السياسة النقدية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع وحدها معالجة عجز مالي مستمر يُموّل بخلق النقود.

فتجربة بول فولكر في مكافحة التضخم الأمريكي جرت في اقتصاد يمتلك أسواقاً مالية وائتمانية عميقة، بينما يهيمن الإنفاق العام على جانب كبير من النشاط الاقتصادي الليبي، وتظل أدوات انتقال السياسة النقدية محدودة نسبياً.

ولهذا فإن مسؤولية المحافظ ليست فقط إدارة السيولة والاحتياطيات، وإنما إعلان حدود الموارد المتاحة، وتوضيح الآثار الاقتصادية للإنفاق والعجز على التضخم وسعر الصرف والقوة الشرائية.

رابعًا: الاحتياطيات ودعم الطاقة — بين حماية الاستقرار واستدامته

تؤكد هذه المناقشة أن حجم الاحتياطيات الأجنبية، رغم أهميته، لا يحدد وحده قوة الدينار.

فالاحتياطيات توفر الحماية من الصدمات وتمكّن الدولة من تمويل الواردات، لكنها لا تستطيع الدفاع إلى ما لا نهاية عن سعر صرف غير متوازن إذا استمر الإنفاق الممول بالعجز والتوسع النقدي.

وهذا يتفق مع تحذيرات صندوق النقد الدولي من عدم استدامة المسار المالي الليبي، وأن تعديل سعر الصرف والإجراءات الإدارية لا يغنيان عن التصحيح المالي.

كما يبرز إصلاح دعم الطاقة والمحروقات بوصفه أحد أهم مجالات معالجة هيكل الإنفاق.

فإلى جانب فاتورة المرتبات الضخمة، تمثل الطاقة تكلفة اقتصادية كبيرة، لا تقتصر على الدعم المباشر المسجل في الموازنة، بل تشمل أيضاً الوقود المستورد والنفط والغاز المستهلكين محلياً.

وتشير تقديرات تحليلية أوسع إلى أن التكلفة الاقتصادية الشاملة للطاقة قد تقترب من 40% من الإنفاق العام الفعلي، مع ضرورة التمييز بين هذه التقديرات والبنود المحاسبية الرسمية.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال التدريجي من دعم السلعة إلى دعم المواطن نقداً، بما يقلص الهدر والتهريب ويحسن كفاءة الإنفاق، مع حماية القوة الشرائية.

كذلك فإن تنويع الاقتصاد لا يكفي ما لم يتحول إلى تنويع حقيقي لإيرادات الدولة، من خلال توسيع النشاط الإنتاجي الرسمي والقاعدة الضريبية، بدلاً من استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط.

خامسًا: أين تلتقي الرؤى الثلاث، وأين تختلف؟

يمكن اختصار جوهر النقاش في ثلاثة أسئلة:

  • فرحات بن قدارة: كيف نوحد سوق الصرف عند سعر واقعي، وننقل الطلب على الدولار من السوق الموازية إلى المصارف؟
  • الدكتور محمد أحمد: من يصنع السياسة النقدية، وكيف نبني قيادة مؤسسية قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية سليمة؟
  • حسني بي: من أين جاءت الدنانير التي تطارد الدولار، وكيف نضبط الإنفاق والعجز ومصدر تمويلهما قبل معالجة النتائج؟

الاختلاف الأساسي ليس في أهمية هذه العناصر، بل في ترتيبها.

فبن قدارة يركز على آليات سوق الصرف، ومحمد أحمد على القيادة والمؤسسات النقدية، بينما يعيد حسني بي السبب الأول إلى المالية العامة والتمويل النقدي للعجز.

والواقع أن ليبيا تحتاج إلى المستويات الثلاثة، ولكن ضمن إطار متكامل يبدأ بمنع تجدد الاختلال المالي، ثم اعتماد سعر صرف توازني وقنوات موثوقة للنقد الأجنبي، تديرها مؤسسة نقدية مستقلة وفعالة.

الخلاصة: الاستقرار النقدي يبدأ من التوازن الاقتصادي

لا تحتاج ليبيا إلى محافظ قوي وحده، ولا إلى تخفيض جديد للدينار وحده، ولا إلى فتح شركات الصرافة وحدها.

إنما تحتاج إلى سياسة مالية تضبط الإنفاق والعجز، وسياسة نقدية مؤسسية، وسعر صرف يعكس التوازن الاقتصادي، وإصلاح تدريجي لدعم الطاقة، وتنويع حقيقي لمصادر الإيرادات العامة.

ويمكن تلخيص جوهر الأزمة في المعادلة التالية: عجز مالي + تمويل نقدي + سعر صرف إداري غير متوازن = ضغوط تضخمية + فجوة سعرية + ريع ومضاربة وسوق موازية.

لقد قدم بن قدارة درساً عملياً في توحيد سوق الصرف، وطرح محمد أحمد أهمية القيادة الفكرية والمؤسسية، بينما أعاد حسني بي النقاش إلى الموازنة العامة ومصدر النقود.

والقراءة الأكثر اكتمالاً ليست المفاضلة بين هذه الرؤى، وإنما ترتيبها في منظومة إصلاح واحدة: انضباط مالي يمنع إنتاج الاختلال، وسعر صرف توازني يمنع صناعة الريع، ومصرف مركزي مؤسسي يحمي الاستقرار.

فالمشكلة في ليبيا ليست نقص القرارات، بل غياب التوازن بين الموارد والإنفاق والنقود.

والاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يحترم قراراً إدارياً يتعارض مع قواعده وتوازناته.

اجتماع ثلاثي بين “المركزي والمالية والوطنية للنفط” لتعزيز التنسيق ودعم الاستقرار المالي

بحث محافظ مصرف ليبيا المركزي “فوزي أبوخزام”، اليوم الاثنين، مع وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية “راشد أبو غفة”، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان”، سبل تعزيز التنسيق والتعاون المشترك بين المؤسسات الثلاث بما يدعم الاستقرار المالي والاقتصادي للدولة.

​وتناول الاجتماع أهمية توحيد الجهود وتكامل الأدوار في إدارة الموارد المالية، حيث أكد المحافظ استعداد المصرف المركزي لتقديم الدعم اللازم للمؤسسة الوطنية للنفط وفق التشريعات والإمكانيات المتاحة للحفاظ على استدامة عملياتها.

كما أكد المجتمعون على ضرورة تعزيز قنوات التواصل وتبادل المعلومات لتذليل الصعوبات ورفع كفاءة إدارة موارد الدولة.

“الشلوي”: غاز البوري.. من الحرق والهدر إلى القيمة المضافة وأمن الطاقة الليبي

كتب: د. عبد المنصف الشلوي — الخبير النفطي والاقتصادي

يمثل إنجاز مشروع استغلال الغاز في حقل البوري البحري، الذي تنفذه شركة مليتة للنفط والغاز بالشراكة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني شمال أفريقيا، خطوة استراتيجية مهمة في مسار تطوير قطاع الطاقة الليبي، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وفنية وبيئية تتجاوز مجرد إضافة كميات جديدة من الغاز، لتشمل استعادة الموارد المهدرة، وتحسين كفاءة الإنتاج، وتعزيز أمن الطاقة، ورفع العائد من الثروة الوطنية.

ووفقاً لما نشرته منصة Offshore Energy في 19 أكتوبر 2026، فقد أُنجز المشروع وبدأت إجراءات تشغيله، بما يتيح استرجاع الغاز المصاحب من حقل البوري، الذي كان يُحرق سابقاً، ومعالجته والاستفادة منه بدلاً من إهداره. وتشير البيانات المنشورة إلى أن المشروع يستهدف توفير نحو 700 مليون متر مكعب قياسي من الغاز سنوياً للسوق المحلية، مع إتاحة كميات إضافية للتصدير عبر خط أنابيب غرين ستريم إلى أوروبا، وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنحو 1.5 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

استثمار الموارد القائمة وتعظيم العائد الاقتصادي

من منظور اقتصادي وفني، تكمن أهمية المشروع في تحويل مورد كان يُهدر إلى قيمة اقتصادية قابلة للتحقق. فالغاز المصاحب يمثل جزءاً من الثروة الهيدروكربونية التي ينبغي استغلالها بكفاءة، وليس التعامل معه باعتباره ناتجاً ثانوياً لعمليات إنتاج النفط.

وهنا تبرز قاعدة أساسية في اقتصاديات الطاقة: ليس كل نمو في قيمة القطاع النفطي مرتبطاً باكتشاف حقول جديدة أو زيادة الإنتاج، بل يمكن تحقيق عوائد مهمة من خلال استرداد الموارد المهدرة وتحسين كفاءة استغلال الأصول والبنية التحتية القائمة.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ليبيا، حيث يمكن لاسترجاع الغاز المصاحب أن يحقق منفعة مزدوجة تتمثل في توفير وقود إضافي للسوق المحلية، وتحسين العائد الاقتصادي من الحقول المنتجة بالفعل، إلى جانب تقليل الأثر البيئي للعمليات النفطية.

دعم الكهرباء وتعزيز فرص التصدير

يمثل توفير نحو 700 مليون متر مكعب سنوياً إضافة مهمة لإمدادات الغاز المحلية، ويمكن أن يسهم في تلبية احتياجات محطات توليد الكهرباء وتقليص فجوة العرض والطلب، وفقاً لانتظام الإنتاج وكفاءة النقل والمعالجة.

كما أن إتاحة كميات إضافية للتصدير عبر خط غرين ستريم تعزز فرص الاستفادة من البنية التحتية القائمة، وتدعم قدرة ليبيا على توظيف موقعها الجغرافي وقربها من الأسواق الأوروبية لتحقيق عوائد أفضل من مواردها الغازية.

غير أن الإدارة الاقتصادية الرشيدة تقتضي تحقيق التوازن بين احتياجات السوق المحلية والالتزامات التصديرية، بما يضمن استقرار إمدادات الكهرباء وتعظيم العائد الوطني من الغاز.

أما بيئياً، فإن خفض الانبعاثات المستهدف يعكس إمكانية الجمع بين الجدوى الاقتصادية والمسؤولية البيئية؛ إذ يتحول الغاز الذي كان يُحرق إلى مورد منتج، بالتوازي مع تقليص الهدر والانبعاثات وتحسين كفاءة العمليات التشغيلية.

البوري ضمن استراتيجية أوسع لتطوير الغاز الليبي

تتجاوز أهمية المشروع حدود حقل البوري، إذ يقدم نموذجاً ينبغي البناء عليه ضمن استراتيجية وطنية متكاملة لتطوير قطاع الغاز، تقوم على استرجاع الغاز المصاحب، ورفع كفاءة الحقول المنتجة، وتسريع تطوير الموارد البحرية الجديدة، وتحديث منظومات المعالجة والنقل.

وقد أكدت في مقالات وورقات سابقة أهمية العمل للوصول بإنتاج الغاز الليبي إلى مستويات تصل إلى 4 مليارات قدم مكعبة يومياً خلال السنوات المقبلة، باعتباره هدفاً استراتيجياً يستحق التخطيط الجاد، شريطة توفير الاستثمارات والتقنيات اللازمة، ومعالجة الاختناقات التشغيلية، وإنجاز مشروعات الإنتاج والبنية التحتية وفق برامج زمنية واضحة.

وفي هذا الإطار، ينبغي النظر إلى مشروع البوري إلى جانب مشروعات تطوير الموارد البحرية، ومنها مشروع الهياكل (A&E Structures)، باعتبارها مكونات متكاملة في مسار زيادة المعروض المحلي وتعزيز القدرة التصديرية وتقليص حرق الغاز.

ويظل نجاح هذه الرؤية مرتبطاً بوجود تخطيط يربط بين الإنتاج واحتياجات الكهرباء والتصدير، ويقيس أداء المشروعات وفق مساهمتها الفعلية في توفير الإمدادات والعائد الاقتصادي، لا بمجرد إنجاز المنشآت أو إعلان الخطط.

المؤسسة الوطنية للنفط.. تعظيم القيمة من الثروة الوطنية

يعكس المشروع أهمية الدور الفني والاستراتيجي للمؤسسة الوطنية للنفط في تطوير الموارد الهيدروكربونية، وتعزيز الشراكات الاستثمارية والتقنية، وتوظيف الخبرات المتاحة لتحسين كفاءة التشغيل واستدامة الإنتاج. كما يبرز دور شركة مليتة للنفط والغاز في تحويل الإمكانات الفنية إلى مشروع ذي قيمة اقتصادية وبيئية، بالتعاون مع شريك دولي يمتلك خبرة في تطوير حقول الغاز البحرية.

ومن الضروري البناء على هذه التجربة وتوسيع نطاق المشروعات المماثلة، بحيث يصبح استرجاع الغاز المصاحب وتقليص الحرق وتحديث البنية التحتية جزءاً أساسياً من سياسة تطوير القطاع، إلى جانب زيادة الإنتاج وتطوير الاكتشافات الجديدة.

إن مشروع استغلال الغاز في حقل البوري ليس مجرد إنجاز فني، بل خطوة عملية نحو اقتصاد نفطي ليبي أكثر كفاءة، يستعيد موارده المهدرة، ويعزز أمن الطاقة، ويوائم بين احتياجات الداخل وفرص التصدير. فالقيمة الحقيقية للثروة الوطنية لا تُقاس بما ننتجه منها فحسب، بل أيضاً بمدى كفاءة إدارتها وقدرتنا على تعظيم عائدها لصالح الوطن والمواطن.

“الشلوي”: السيادة البحرية الليبية.. من تثبيت الحقوق إلى بناء تسوية عادلة في شرق المتوسط

كتب: د. عبد المنصف الشلوي — الخبير النفطي والاقتصادي

إن التعامل مع ملف الحدود البحرية الليبية في شرق البحر الأبيض المتوسط لا ينبغي أن يُختزل في سجال سياسي عابر، أو أن يُقاس بمدى التقارب مع هذه الدولة أو الاختلاف مع تلك؛ فهو ملف يرتبط بالسيادة الوطنية، ومستقبل الموارد الطبيعية، وحقوق الأجيال القادمة، ومكانة ليبيا في معادلات الطاقة والاقتصاد الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، أرى أن مصادقة مجلس النواب الليبي، في 20 أكتوبر 2026، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019 تمثل تطورًا مهمًا في مسار هذا الملف، وتأكيدًا على ضرورة أن تكون لليبيا رؤية واضحة ومؤسساتية في الدفاع عن مصالحها البحرية، بدلاً من ترك هذه المساحة الاستراتيجية لتفاهمات إقليمية تتشكل دون حضور ليبي فاعل. وقد أثارت هذه الخطوة اعتراضات يونانية ومواقف رافضة من أطراف إقليمية أخرى، وهو ما يؤكد أن الملف يتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين طرابلس وأنقرة.

أولاً: ملف قديم لا خلاف وُلد مع الاتفاقية التركية

من المهم تصحيح الانطباع القائل إن الخلافات البحرية الليبية مع اليونان بدأت بتوقيع مذكرة التفاهم مع تركيا. فالمسألة أقدم من ذلك، وترتبط بتباين المطالبات البحرية، وبالتطورات التي شهدتها المنطقة منذ عقود، ثم بتسارع الاهتمام الدولي باكتشافات الغاز الطبيعي وإقامة مشروعات الربط والتصدير في شرق المتوسط.

وقد شهدت المنطقة اتفاقيات لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، وتشكّلت أطر إقليمية للتعاون في مجال الغاز، من بينها منتدى غاز شرق المتوسط الذي أُعلن تأسيسه عام 2019، فضلاً عن مشروعات طموحة لنقل الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

وفي خضم هذه التحولات، ظلت ليبيا بحاجة إلى استكمال رؤيتها التفاوضية البحرية، وتحديد مصالحها بصورة أكثر وضوحًا، بما يتناسب مع طول ساحلها وموقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية المحتملة.

وليس المقصود من استعراض هذه المحطات توجيه الاتهام إلى أي دولة، وإنما استخلاص درس استراتيجي واضح: إن غياب الدولة عن طاولة التفاوض لا يحمي حقوقها، وإن تأخرها في بناء موقف قانوني وفني متكامل قد يحدّ من قدرتها على التأثير في الترتيبات الإقليمية.

ثانيًا: ماذا تعني المصادقة البرلمانية بالنسبة إلى ليبيا؟

إن أهمية المصادقة على مذكرة التفاهم لا تكمن فقط في بعدها السياسي، بل في كونها تعزز الموقف الليبي في إطار العلاقة التعاقدية مع تركيا، وتؤكد أن ملف الحدود البحرية يجب أن يحظى باهتمام المؤسسات التشريعية والتنفيذية والفنية المختصة.

لكن الموضوعية تقتضي التمييز بين نفاذ الاتفاقية بين طرفيها وبين مدى الاحتجاج بها في مواجهة الدول الأخرى. فالمصادقة الليبية، مهما كانت أهميتها، لا تعني وحدها أن جميع الاعتراضات القانونية قد حُسمت، أو أن حقوق الدول الأخرى قد سقطت، أو أن ترسيم الحدود البحرية أصبح نهائيًا في مواجهة أطراف ثالثة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية العمل القانوني والدبلوماسي المتكامل؛ فالدفاع عن الحقوق لا يكون بالشعارات، بل بملفات فنية دقيقة، وإحداثيات مدروسة، وحجج قانونية تستند إلى قواعد القانون الدولي، وقدرة على إدارة التفاوض بثقة ومسؤولية.

ومن ثم، فإنني أرى أن الخطوة البرلمانية ينبغي أن تكون بداية لمسار وطني متكامل، لا نهاية للملف.

ثالثًا: مصر الشقيقة.. الاختلاف في المصالح لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف في العلاقات

وفي هذا السياق، من الضروري التأكيد على احترام جمهورية مصر العربية الشقيقة، قيادةً وشعبًا، وتقدير الروابط التاريخية والجغرافية والاقتصادية التي تجمع البلدين.

إن اختلاف وجهات النظر بشأن الحدود البحرية لا ينبغي أن يُفسَّر باعتباره خصومة بين الشعبين، ولا أن يتحول إلى مادة للمزايدات أو التجريح. فمصر دولة معنية بمصالحها البحرية والاقتصادية، وليبيا كذلك، ومن الطبيعي أن تسعى كل دولة إلى حماية حقوقها وفق ما تراه من اعتبارات قانونية واستراتيجية.

وقد وقّعت مصر واليونان اتفاقًا لترسيم جزء من مناطقهما الاقتصادية الخالصة عام 2020، في سياق التنافس على تحديد الحقوق البحرية في شرق المتوسط. وهذا واقع يستوجب من ليبيا التعامل معه بمقاربة قانونية وفنية واضحة، بعيدًا عن الانفعال أو افتراض النيات.

والأجدر بالبلدين الشقيقين أن ينظرا إلى هذا الملف باعتباره فرصة لتعزيز الحوار والتعاون، لا سببًا لإضعاف العلاقات الثنائية. فالمصالح المشتركة بين ليبيا ومصر في التجارة والطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي أكبر من أن تُختزل في خلاف قابل للمعالجة عبر التفاوض.

رابعًا: القانون الدولي هو الإطار الذي ينبغي أن يجمع الجميع

إن ترسيم الحدود البحرية ليس مسألة تُحسم بمجرد إعلان موقف سياسي، أو بتبني تفسير منفرد للخريطة الجغرافية؛ بل هو عملية قانونية وفنية تراعي طبيعة السواحل، والمسافات، والحقوق البحرية ذات الصلة، والظروف الجغرافية الخاصة، ومبدأ التوصل إلى حل منصف.

وتوفر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 إطارًا مهمًا في هذا المجال. فالمادتان 74 و83 تتناولان ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتلاصقة، وتؤكدان ضرورة التوصل إلى حل منصف.

كما تنظم الاتفاقية سبل تسوية المنازعات، بما في ذلك الوسائل القضائية والتحكيمية، وفق شروط الاختصاص والالتزامات القانونية المنطبقة على الأطراف المعنية.

ومن المهم هنا عدم الخلط بين أحكام الاتفاقية وبين انطباقها التعاهدي على كل دولة؛ فالدول التي ليست أطرافًا فيها لا تُلزم تلقائيًا بجميع أحكامها لمجرد ورودها في الاتفاقية، مع مراعاة ما قد يكون لبعض القواعد من صفة عرفية في القانون الدولي.

ومع ذلك، فإن ليبيا تستطيع أن تتبنى مبادرة سياسية وقانونية أوسع من الحد الأدنى للالتزامات، وأن تدعو جميع الدول المعنية إلى اعتماد مبادئ الاتفاقية مرجعًا مشتركًا للتفاوض، وإلى الالتزام بما يتم الاتفاق عليه في إطار تسوية متبادلة ومتوازنة.

وهذا في تقديري يعزز موقف ليبيا، لأنه ينقل النقاش من تبادل الاعتراضات إلى اختبار الحجج القانونية والفنية على طاولة واحدة.

خامسًا: شرق المتوسط ليس مجرد خريطة.. بل مستقبل اقتصادي

من منظور نفطي واقتصادي، فإن القيمة الحقيقية لهذا الملف تتجاوز مسألة تحديد خطوط على الخرائط. فشرق المتوسط أصبح منطقة تتقاطع فيها اكتشافات الغاز، ومشروعات الاستكشاف البحري، وخطوط الأنابيب، وممرات النقل، ومصالح الشركات الدولية والأسواق الأوروبية.

وليبيا، بما تمتلكه من موقع استراتيجي على جنوب المتوسط، وخبرة طويلة في صناعة النفط والغاز، وإمكانات تستحق مزيدًا من التقييم والاستكشاف، ينبغي أن تعمل على تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

وهذا يتطلب تطوير البيانات الجيولوجية والبحرية، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، وتهيئة بيئة قانونية مستقرة للاستثمار، وتطوير الشراكات التقنية والمالية مع الشركات الدولية، بما يضمن تعظيم العائد الوطني من أي موارد تثبت جدواها التجارية.

كما أن وضوح الحدود البحرية، متى جرى التوصل إليه بصورة قانونية ومستقرة، من شأنه أن يحد من المخاطر المرتبطة بالاستثمار والاستكشاف، ويعزز الثقة في المشروعات طويلة الأجل.

وبالتالي، فإن حماية السيادة البحرية ليست غاية رمزية فحسب؛ إنها جزء من حماية فرص التنمية، وتنويع الاقتصاد، وتوسيع قاعدة الإيرادات الوطنية، وخلق فرص عمل للأجيال الليبية القادمة.

سادسًا: المبادرة الليبية المطلوبة.. من الاعتراض إلى التفاوض الشامل

أعتقد أن أفضل مسار يمكن أن تتبناه ليبيا في المرحلة المقبلة هو البناء على المصادقة البرلمانية، من خلال مبادرة دبلوماسية متوازنة تدعو الدول المعنية بملف الحدود البحرية في شمال شرق المتوسط إلى حوار جاد، يهدف إلى الوصول إلى ترسيم عادل ومنصف، يحفظ الحقوق المشروعة للجميع.

ويمكن أن تتضمن هذه المبادرة الخطوات الآتية:

  1. تشكيل فريق وطني متخصص يضم خبراء في القانون الدولي للبحار، والجغرافيا البحرية، والمساحة والهيدروغرافيا، والطاقة والاقتصاد، يتولى إعداد ملف ليبي متكامل يستند إلى الخرائط والإحداثيات والدراسات الفنية والقانونية.
  2. دعوة الدول المعنية إلى مفاوضات مباشرة ومتعددة الأطراف، عند الاقتضاء، مع إمكان الاستعانة بخبراء مستقلين أو بوساطة دولية مقبولة، دون التفريط في الحقوق الليبية أو افتراض نتيجة مسبقة للمفاوضات.
  3. اعتماد مبادئ اتفاقية قانون البحار لعام 1982 مرجعًا تفاوضيًا مشتركًا، حتى بالنسبة إلى الدول التي ليست أطرافًا فيها، متى وافقت على ذلك، وبما لا ينتقص من القواعد العرفية الواجبة التطبيق أو من الحقوق القانونية القائمة.
  4. النظر في التوقيع على اتفاق إطاري مشترك تلتزم بموجبه الدول المشاركة بالمبادئ والإجراءات التي تتفق عليها لتسوية الخلافات، وبالامتناع عن أي خطوات تصعيدية من شأنها تعقيد المفاوضات، مع احترام الحقوق والالتزامات القانونية لكل طرف.
  5. العمل على التوصل إلى ترتيبات مؤقتة وعملية عند الحاجة، مثل التعاون الفني أو تنظيم بعض الأنشطة البحرية باتفاق الأطراف المعنية، دون أن يُفهم ذلك تنازلاً عن المطالبات أو حسمًا نهائيًا للحدود.
  6. إبقاء خيارات التسوية القانونية مفتوحة، بما فيها التوفيق والتحكيم والقضاء الدولي، وفق شروط الاختصاص وموافقة الأطراف أو الأسس القانونية التي تتيح اللجوء إلى كل مسار.

إن مثل هذه المبادرة ستُظهر ليبيا باعتبارها دولة تدافع عن مصالحها بثقة، لكنها في الوقت ذاته تؤمن بالحوار، وتحترم القانون، وتسعى إلى الاستقرار الإقليمي بدلاً من تأجيج النزاعات.

الخلاصة: السيادة مسؤولية.. والحقوق تحتاج إلى إدارة

إن مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم البحرية الليبية التركية تمثل محطة مهمة في مسار ملف استراتيجي لا يجوز التعامل معه بالتجاهل أو التبسيط. وهي خطوة ينبغي أن تتبعها أعمال مؤسسية وفنية ودبلوماسية تضمن أن يتحول الموقف الليبي إلى قوة تفاوضية حقيقية.

وفي المقابل، فإن احترام مصر الشقيقة وسائر الدول المعنية لا يتعارض مع الدفاع عن المصالح الليبية؛ بل إن التفاوض المسؤول، القائم على القانون والإنصاف، هو الطريق الأجدى لحماية تلك المصالح وتجنب تحويل الخلافات البحرية إلى أزمات سياسية طويلة الأمد.

إن ليبيا لا تحتاج إلى خصومات إضافية، بل إلى حضور أقوى في الملفات التي تمس مستقبلها الاقتصادي والسيادي. ولا تحتاج إلى الاكتفاء بإعلان حقوقها، بل إلى بناء الأدلة الفنية والقانونية، وإدارة المفاوضات، وتهيئة الظروف التي تسمح بتحويل إمكاناتها البحرية إلى فرص تنمية واستثمار.

إن البحر المتوسط ينبغي أن يكون مساحة للتعاون والتنمية، لا ساحة لإقصاء ليبيا أو تصادم دوله. ومصلحة ليبيا العليا تقتضي أن تكون حاضرة في رسم مستقبله، شريكة في استقراره، وصاحبة موقف قانوني راسخ في الدفاع عن حقوقها، ومنفتحة على تسوية عادلة تحفظ مصالح الجميع.

من يقود الاستقرار النقدي في ليبيا.. المحافظ أم المالية العامة؟قراءة مقارنة في رؤيتين حول أزمة السياسة النقدية الليبية

أعاد النقاش الأخير حول دور محافظ مصرف ليبيا المركزي فتح سؤال يتجاوز الأشخاص والأسماء: هل أزمة السياسة النقدية في ليبيا هي أزمة قيادة داخل المصرف المركزي، أم أن حدود السياسة النقدية نفسها أصبحت مقيدة بطبيعة المالية العامة والنموذج الاقتصادي القائم؟

يتقاطع في هذا النقاش طرحان مختلفان في نقطة الانطلاق، وإن كانا يلتقيان في جانب مهم من النتيجة.

الطرح الأول، الذي قدمه الخبير الاقتصادي “د.محمد الشحاتي” يركز على نوعية القيادة النقدية والمؤسسة التي تنتج القرار. أما الطرح الثاني والذي قدمه رجل الأعمال “حسني بي” فيركز على خصوصية الاقتصاد الليبي وهيمنة السياسة المالية على المجال النقدي، بحيث يصبح المحافظ، مهما بلغت كفاءته، مقيداً إلى حد بعيد بحجم الإنفاق العام والعجز وطريقة تمويله.

الرؤية الأولى: المشكلة في كيفية صناعة السياسة النقدية

ينطلق “د. الشحاتي” من تمييز مهم بين «سلطة المحافظ» و«قيادة الفكر النقدي».

فالمحافظ، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يكون مجرد مدير للمصرف أو صاحب سلطة على الاحتياطيات والمدفوعات والقرارات الإدارية، بل قائداً لعملية إنتاج السياسة النقدية.

ومن هنا جاءت المقارنة مع ميلتون فريدمان وبول فولكر وآلان غرينسبان.

فريدمان مثّل الإطار الفكري الذي أعاد التأكيد على أهمية النقود في تفسير التضخم، وفولكر جسّد القدرة على تحويل الرؤية النقدية إلى إجراءات عملية صعبة لكبح التضخم، بينما قدم غرينسبان نموذجاً في إدارة المؤسسة وبناء التوافق حول السياسة النقدية.

وفق هذه الرؤية، فإن تقييم تجربة مصرف ليبيا المركزي منذ 2011 لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: ما القرارات التي اتخذها المحافظ؟

بل يجب أن يشمل أسئلة أعمق:

  • هل كانت هناك رؤية نقدية متماسكة تأخذ في الاعتبار خصوصية اقتصاد يعتمد في أكثر من 90% من إيراداته العامة على النقد الأجنبي؟
  • هل كانت لجنة السياسة النقدية فاعلة فعلاً في إنتاج التوازن المطلوب؟
  • هل كان مجلس الإدارة شريكاً حقيقياً في القرار، خصوصاً خلال السنوات التي تعطلت فيها اجتماعاته أو تقلص فيها دوره؟
  • وهل استندت القرارات إلى إطار تحليلي واضح يمكن قياس نتائجه ومراجعته وفق الواقع الليبي، لا وفق نظريات مستوردة من اقتصادات تختلف جذرياً في بنيتها؟

ويحمل هذا الطرح نقداً لنمط إدارة اعتمد في فترات طويلة على قوة موقع المحافظ والمؤسسة أكثر من اعتماده على صناعة سياسة نقدية جماعية ومستدامة.

كما يفتح سؤالاً أكثر تحديداً: هل انصب الاهتمام أكثر على لِمَنْ يُخصص الدولار وكيف يُوزع، بدلاً من السؤال الأسبق: بأي سعر يجب بيع الدولار حتى يتحقق قدر معقول من التوازن المالي والنقدي؟

الرؤية الثانية: المشكلة تبدأ قبل المصرف المركزي

الرؤية الثانية لا تنفي أهمية القيادة النقدية، لكنها ترى أن التحليل لا يكتمل دون فهم خصوصية النموذج الليبي.

فالدولة تحصل على الجزء الساحق من إيراداتها من النفط، أي بالنقد الأجنبي، بينما تنفق تقريباً كامل مصروفاتها المحلية بالدينار.

وبالتالي تصبح وظيفة المصرف المركزي مختلفة جزئياً عن وظيفة البنوك المركزية في اقتصادات تعتمد بدرجة أكبر على الضرائب المحلية والأسواق المالية والدين العام التقليدي.

الحكومة الليبية تحتاج إلى الدينار لدفع المرتبات والدعم والتسيير والتنمية، لكنها تحصل على أصل دخلها بالدولار.

ومن هنا يصبح المصرف المركزي في قلب عملية تحويل الإيراد النفطي الخارجي إلى قدرة إنفاق محلية.

ولهذا يسبق سؤال سعر الفائدة أو المدرسة النقدية سؤال أكثر جوهرية: كم تنفق الدولة؟ وكيف تمول الفرق عندما يتجاوز الإنفاق الإيرادات المستدامة؟

إذا تم تمويل العجز بخلق نقود جديدة، تنتقل المشكلة مباشرة إلى المجال النقدي: سيولة أكبر ← طلب أعلى على السلع والواردات ← طلب أعلى على الدولار ← ضغط على سعر الصرف والاحتياطيات ← فجوة بين الرسمي والموازي ← مضاربة ← تضخم وتراجع في القوة الشرائية.

وفق هذا التصور، فإن جزءاً أساسياً من الأزمة النقدية يبدأ في الموازنة قبل أن يصل إلى المصرف المركزي.

لكن هذا لا يعفي المركزي من المسؤولية؛ لأنه هو المؤسسة التي يفترض أن تدرك حدود التوازن وتوضحها للسلطات العامة.

فالمشكلة تصبح أكبر عندما يسود الاعتقاد بأن القرار الإداري يستطيع فرض قيمة للعملة بمعزل عن المعطيات الاقتصادية.

الاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يحترم سعراً إدارياً لا تسنده علاقة متوازنة بين حجم الإنفاق، وعرض النقود، وإيرادات النقد الأجنبي، والطلب عليه.

هل يستطيع «فولكر ليبي» أن يكرر تجربة فولكر الأمريكي؟

هنا يظهر الاختلاف العملي بين الرؤيتين.

الرؤية الأولى ترى أن ليبيا تحتاج إلى محافظ يمتلك رؤية نقدية واضحة ويستطيع قيادة المؤسسة في مواجهة التضخم.

أما الرؤية الثانية فتسأل: هل يمتلك المحافظ الليبي الأدوات نفسها التي امتلكها فولكر؟

في الولايات المتحدة، عمل فولكر داخل اقتصاد يتمتع بسوق دين عميقة، وائتمان واسع، وقطاع مصرفي متطور، وآلية قوية لانتقال سعر الفائدة إلى الاقتصاد الحقيقي.

أما في ليبيا، فما يزال الائتمان المصرفي محدوداً نسبياً، والدولة تهيمن على جانب واسع من الاقتصاد، كما أن القطاع الخاص المنظم أصغر من أن يجعل سعر الفائدة وحده أداة كافية لإدارة الطلب الكلي.

ومن ثم، فإن تطوير سعر سياسة نقدية وأدوات سوق مفتوحة قد يكون ضرورياً، لكنه لن يكون كافياً إذا ظل العجز المالي يولد سيولة جديدة بصورة مستمرة.

أين يقع دعم الطاقة في المعادلة؟

يتركز جزء كبير من النقاش العام حول فاتورة المرتبات، التي تمثل وفق التقديرات الواسعة قرابة 30% من الإنفاق العام الحقيقي.

لكن الرؤية الثانية توسع التحليل ليشمل منظومة الطاقة والمحروقات، التي قد تتجاوز كلفتها الاقتصادية الشاملة 40% من الإنفاق العام عند احتساب الوقود المستورد، والغاز، والمشتقات المكررة محلياً.

وبذلك تصبح الطاقة والمحروقات واحدة من أكبر مناطق التشوه المالي في الاقتصاد الليبي.

فالمشكلة لا تقتصر على ما يظهر رسمياً تحت بند «الدعم»، بل تشمل كذلك القيمة الاقتصادية للنفط المكرر محلياً والغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء والطاقة، إضافة إلى الفارق الهائل بين تكلفة هذه الموارد والسعر الذي يدفعه المستهلك.

هنا يظهر خلاف أساسي في فلسفة الدعم.

الطرح التقليدي يرى أن إبقاء السعر منخفضاً يحمي المواطن.

أما الطرح الإصلاحي فيرى أن الدعم السعري نفسه أصبح مصدراً للهدر والتهريب والاستفادة غير المتكافئة، ويقترح بدلاً منه: دعم المواطن نقداً، لا دعم السلعة سعرياً.

وبهذا لا يكون الهدف إلغاء الدعم الاجتماعي، بل تغيير طريقة وصوله إلى المستفيد.

القطاع الخاص والاقتصاد غير الرسمي

تضيف الرؤية الثانية بعداً آخر: ضعف الإيرادات المحلية غير النفطية.

فحتى تنويع الاقتصاد لا يكفي وحده إذا ظل النشاط الجديد معفياً ضريبياً، أو يعتمد بدوره على طاقة ومحروقات مدعومة بنسبة تقارب كامل قيمتها الاقتصادية، أو يعمل خارج الاقتصاد الرسمي.

ولهذا فإن المطلوب لا يقتصر على «التنويع بعيداً عن النفط»، بل يشمل أيضاً إدماج الاقتصاد غير الرسمي في النظام المالي والضريبي والمصرفي.

فالاقتصاد قد ينتج قيمة مضافة حقيقية، ولكن إذا لم تتحول هذه القيمة إلى ضرائب ورسوم وأرباح عامة وإيرادات قابلة للتحصيل، فإنها لا تمول الخزانة.

ومن هنا فإن السؤال ليس فقط: كم يبلغ حجم القطاع الخاص؟ بل أيضاً: كم يساهم فعلياً في تمويل المالية العامة؟

أين تتفق الرؤيتان؟

رغم اختلاف نقطة الانطلاق، فإن مساحة الالتقاء واسعة.

كلتا الرؤيتين ترفضان اختزال السياسة النقدية في شخص المحافظ.

وكلتاهما تؤكدان ضرورة وجود مجلس إدارة فاعل، ولجنة سياسة نقدية حقيقية، وقرار قابل للقياس والمراجعة.

وكلتاهما ترفضان معالجة التضخم والسوق الموازية بالقرارات الإدارية وحدها.

كما تتفقان على أن الاستقرار النقدي لا يمكن فصله عن الانضباط المالي.

لكن الاختلاف يكمن في ترتيب الأولويات والسببية.

الرؤية الأولى تبدأ من إصلاح المؤسسة النقدية وطريقة صناعة القرار.

أما الثانية فتقول إن هذه المؤسسة، مهما تحسنت، ستظل تدير نتائج الأزمة إذا لم يجرِ ضبط الإنفاق العام الكلي شرقاً وغرباً، والعجز، وتمويله، وسعر الصرف الذي يمثل الحلقة المركزية بين المالية العامة والاقتصاد النقدي.

من المسؤول إذن؟

من الصعب تحميل طرف واحد المسؤولية.

الحكومة أو الحكومات والسلطات المالية مسؤولة عن حجم الإنفاق والعجز وتركيب المصروفات.

أما المصرف المركزي، فهو مسؤول عن إدارة السيولة والاحتياطيات وسعر الصرف والأدوات النقدية، وعن توضيح الحدود التي يفرضها الواقع الاقتصادي.

ومن هنا يمكن تعريف القيادة النقدية الحقيقية بأنها القدرة على الربط بين المجالين.

أي أن يقول المحافظ بوضوح:

  • هذا هو حجم الإنفاق الذي يستطيع الاقتصاد تمويله.
  • وهذا هو معدل نمو النقود المتوافق مع استقرار الأسعار.
  • وهذا هو صافي النقد الأجنبي المتاح.
  • وهذا هو سعر الصرف الذي يمكن الدفاع عنه بصورة مستدامة.
  • وهذا هو تكلفة تجاوز تلك الحدود.

وهنا تلتقي الرؤيتان أكثر مما تختلفان.

الخلاصة

الخلاف الحقيقي ليس حول أهمية المحافظ الكفء، بل حول حدود قدرة أي محافظ على النجاح داخل بيئة مالية غير منضبطة.

الرؤية الأولى تقول إن ليبيا تحتاج إلى قيادة نقدية أفضل، ومجلس إدارة فاعل، ولجنة سياسة نقدية حقيقية، وإطار فكري واضح.

أما الرؤية الثانية فتقول إن كل ذلك ضروري، لكنه لن يكون كافياً إذا استمر العجز المالي، والتمويل النقدي، والدعم السعري المشوه، والاعتماد شبه الكامل على النفط.

والخلاصة الأكثر توازناً أن ليبيا تحتاج إلى الاثنين معاً: سياسة مالية منضبطة لا تنتج الاختلال، وسياسة نقدية مؤسسية ومستقلة تعرف كيف تتعامل معه.

فإذا غابت الأولى، تحولت السياسة النقدية إلى إدارة مستمرة للأزمة.

وإذا غابت الثانية، فقدت المالية العامة أداة أساسية لحماية الاستقرار النقدي.

وعليه، ربما لا يكون السؤال الأهم: من يجب أن يقود: المحافظ أم الحكومة؟

بل: كيف تُبنى منظومة مالية ونقدية تعمل داخل قيد اقتصادي واحد، بدلاً من أن تنتج السياسة المالية الاختلال ثم يُطلب من المصرف المركزي تصحيح نتائجه بقرار إداري؟

فجوهر الأزمة الليبية قد لا يكون في غياب القرار، بل في الاعتقاد المتكرر بأن القرار يستطيع أن يحل محل التوازن.

البعثة الأممية تدعو للحفاظ على استقلالية “المركزي” وتحذر من تداعيات الضغوط المالية والسياسية

أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على أهمية الحفاظ على الاستقلالية التشغيلية لمصرف ليبيا المركزي ونزاهة ووحدة عملياته، باعتبارها عناصر أساسية لحماية الموارد العامة والاستقرار المالي، وذلك على خلفية التطورات المرتبطة بقرار رئاسة مجلس النواب بشأن قيادة المصرف.​

وشددت البعثة على أن أي تغييرات قيادية يجب أن تنطلق من التزام بتحسين الحوكمة وتعزيز الرقابة والإجراءات القانونية والمؤسسية النافذة، وحذرت في السياق ذاته من أن استمرار الضغوط على المصرف لتمويل الإنفاق العام قد يؤدي إلى تفاقم التضخم وزيادة الضغط على سعر الصرف واستنزاف الاحتياطيات على حساب الشعب الليبي.

المؤسسة الوطنية للنفط تعلن إغلاق صمام خط (الحمادة– الزاوية) وتحذر من تراجع الإنتاج والإيرادات

أكدت المؤسسة الوطنية للنفط بقيام أفراد بالدخول إلى محطة استقبال الزيت الخام التابعة لشركة الخليج العربي للنفط والمجاورة لمصفاة الزاوية، وإغلاق صمام العزل بخط نقل النفط الخام (الحمادة – الزاوية) بقطر 18 بوصة دون علم أو تنسيق مسبق مع الجهات التشغيلية.

​وحذرت المؤسسة من أن استمرار هذا الإغلاق سيؤدي إلى فقدان كميات من إنتاج النفط الخام وتراجع معدلاته، مما يؤثر سلباً على استقرار العمليات النفطية والإيرادات، مشددة على ضرورة تحييد المنشآت النفطية عن أي تدخلات يعرقل سير العمل، وداعية الجهات المختصة للتدخل الفوري لإعادة فتح الصمام وتأمين الموقع لضمان استمرار تدفق النفط.

“الشلوي”: حقل البوري البحري.. 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً تتحول من مورد مهدور إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية لليبيا

كشفت المؤسسة الوطنية للنفط عن نيتها استكمال إجراءات التشغيل النهائية لمشروع إنشاء وتركيب وحدة جديدة لاستغلال الغاز المصاحب بحقل البوري البحري عبر شركة مليتة للنفط والغاز بنهاية شهر أكتوبر الجاري، ولتوضيح أهداف هذا المشروع تواصلنا مع الخبير النفطي “عبد المنصف الشلوي” الذي أمدنا بهذا التصريح:

يمثل التوجه نحو استكمال إجراءات تشغيل مشروع استغلال الغاز المصاحب بحقل البوري البحري إنجازاً مهماً في مسار تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد الهيدروكربونية الليبية، وخطوة استراتيجية تتجاوز في أهميتها الجانب التشغيلي إلى أبعاد اقتصادية وبيئية ترتبط بأمن الطاقة وكفاءة إدارة الثروة الوطنية.

إن استغلال نحو 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً وفقاً للطاقة المستهدفة للمشروع، يعني توظيف مورد طبيعي كان جزء منه يُحرق دون تحقيق الاستفادة الاقتصادية المثلى منه، وتحويله إلى قيمة مضافة تدعم إمدادات السوق المحلي وقطاع توليد الكهرباء وتخفف الضغوط على منظومة الطاقة. كما أن هذه الكميات تمثل مورداً مهماً يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة استخدام الغاز وتعزيز موثوقية الإمدادات، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني.

تبرز أهمية المشروع أيضاً في مردوده البيئي، من خلال الحد من حرق الغاز وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 1.5 مليون طن سنوياً، وفقاً للبيانات المعلنة. وهذا يعكس إمكانية تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من الموارد الطبيعية والوفاء بالمتطلبات البيئية، دون النظر إلى حماية البيئة باعتبارها عبئاً على النشاط النفطي، بل باعتبارها جزءاً من كفاءة التشغيل وحسن إدارة الأصول.

ومن المنظور الاقتصادي والفني، فإن القيمة الحقيقية لهذه المشروعات لا تُقاس فقط بحجم الغاز الذي ستتم استعادته، وإنما كذلك بقيمة ما توفره من موارد، وما تدعمه من إمدادات محلية، وما تحققه من تقليل للهدر ورفع لكفاءة البنية التحتية النفطية. فكل كمية من الغاز يجري استغلالها بدلاً من حرقها تمثل فرصة لتعزيز العائد من الثروة الوطنية وتحسين توظيفها في خدمة الاقتصاد.

ويؤكد هذا المشروع أهمية مواصلة الاستثمار في تقنيات جمع الغاز المصاحب ومعالجته ونقله، والتوسع في المشروعات المماثلة بمختلف الحقول، ضمن رؤية متكاملة تربط بين خطط الإنتاج واحتياجات السوق المحلي ومتطلبات توليد الكهرباء والاعتبارات البيئية. كما أن نجاح هذه المشروعات يتطلب ضمان استدامة التشغيل والصيانة وقياس النتائج الفعلية حتى تتحول الطاقة التصميمية المعلنة إلى إمدادات منتظمة ومنافع اقتصادية ملموسة.

إن مشروع البوري يمثل خطوة معتبرة في الاتجاه الصحيح، ويعكس أهمية الانتقال من التعامل مع الغاز المصاحب باعتباره ناتجاً ثانوياً لعمليات إنتاج النفط إلى اعتباره أصلاً اقتصادياً يستحق الاستثمار والتطوير. ومواصلة هذا النهج من شأنها دعم مستهدفات المؤسسة الوطنية للنفط في الحد من الحرق الروتيني والوصول إلى الحرق الصفري بحلول عام 2030، وتعزيز مكانة قطاع النفط والغاز بوصفه ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ليس فقط من خلال زيادة الإنتاج، بل أيضاً من خلال رفع كفاءة استغلال كل مورد متاح.