Skip to main content

الوسم: ليبيا

“عمران الشائبي”: فوضى السياسات.. حين تتصارع الأدوات بدلاً من التكامل

كتب: د.عمران الشائبي/ الخبير المصرفي

عندما تعمل السياسات الاقتصادية والنقدية والتشريعية والمالية بمعزل عن بعضها، لا نحصل على تنمية بل على فوضى منظمة تُفقِد الجميع الثقة.

السياسة النقدية: حلول قصيرة الأمد لأزمات بنيوية

بدلاً من اتباع سياسة تقشفية تضبط الإنفاق وتخفض الطلب على العملة الأجنبية، تلجأ السياسة النقدية إلى رفع المرتبات كلما ارتفع سعر الصرف. هذا النهج لا يعالج الجذور، بل يضخ المزيد من السيولة في الاقتصاد، مما يزيد الضغط على الدينار ويدفع التضخم نحو مستويات أعلى.

النتيجة، دوامة لا تنتهي من ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية.

السياسة الاقتصادية: قرارات متضاربة تقتل الثقة

التخبط العشوائي أصبح السمة الأبرز للسياسة الاقتصادية. قرارات تُتخذ، ثم تُلغى، ثم تُعدّل، ثم تُوقف. هذا التذبذب المستمر جعل التاجر والمستثمر يفقد الثقة تماماً في أي قرار حكومي. اليوم يُسمح بنشاط معين، وغداً يُمنع. اليوم تُفتح قنوات استيراد، وغداً تُغلق دون سابق إنذار.

كيف يُتوقع من القطاع الخاص أن يخطط ويستثمر في بيئة لا يمكن التنبؤ بها؟

السياسة التشريعية: قوانين بلا دراسة للعواقب

القوانين واللوائح تُسنّ دون دراسة أثرها على الاقتصاد الكلي للدولة. لا توجد دراسات جدوى، ولا تقييمات للأثر، ولا تشاور مع الجهات الاقتصادية المعنية.

النتيجة تشريعات تبدو منطقية على الورق، لكنها تخلق اختناقات في السوق، وتشوهات في الأسعار، وفرصاً للفساد والاحتكار.

السياسة التشريعية تعمل في فراغ، منفصلة تماماً عن الواقع الاقتصادي والمالي للبلاد.

السياسة النقدية: عقم الأدوات وضعف الفاعلية

المصرف المركزي لا يملك أدوات فعّالة للسيطرة على التضخم أو الحفاظ على القيمة الشرائية للدينار. الأداة الوحيدة المتاحة هي تغيير سعر الصرف، وهي أداة خام وغير دقيقة.

حتى هذه الأداة الوحيدة تفقد فعاليتها حين تعبث السياسات التشريعية والمالية والاقتصادية بأي محاولة لتحسين الوضع. فما يبنيه المركزي بتعديل سعر الصرف، تهدمه السياسة المالية بزيادة الإنفاق، وتدمره السياسة الاقتصادية بقرارات عشوائية، وتُجهِضه السياسة التشريعية بقوانين غير مدروسة.

الخلاصة، أزمة تنسيق قبل أن تكون أزمة أدوات

المشكلة الحقيقية ليست في غياب الحلول، بل في غياب التنسيق والرؤية الموحدة.

كل جهة تعمل بمعزل عن الأخرى:

المصرف المركزي يحاول ضبط السعر

وزارة المالية ترفع الإنفاق والمرتبات

الجهات الاقتصادية تُصدر قرارات متضاربة

المشرّع يسنّ قوانين دون دراسة الأثر

النتيجة النهائية، اقتصاد مشوه، مواطن محبط، تاجر خائف، ودينار يفقد قيمته يوماً بعد يوم.

ما الحل؟

لا بد من إنشاء آلية تنسيق وطنية عليا تجمع جميع صانعي السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية والتشريعية تحت سقف واحد، بحيث:

• تُدرس القرارات بشكل متكامل قبل إصدارها

• تُقيّم الآثار الاقتصادية لكل تشريع أو سياسة قبل تطبيقها

• تُوضع استراتيجية وطنية موحدة يلتزم بها الجميع

• تُتخذ القرارات بناءً على بيانات ودراسات، لا على ردود أفعال عاطفية أو ضغوط سياسية

الاقتصاد ليس لعبة تجارب. إنه حياة الناس ومستقبل البلاد.

“OCCRP” لمكافحة الجريمة المنظمة: “بعيو” رجل أعمال ليبي ترشح للرئاسة بعد أن بدد أموال صندوق الثروة السيادية

نشر مركز مكافحة الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) تقريرا بخصوص شركة “الحمراء” إحدى الشركات التابعة للشركة الليبية للاستثمارات الخارجية “لافيكو” والتي تتبع المؤسسة الليبية للاستثمار، جاء فيه:

في عام 2021 تصدّر “عبد الحكيم بعيو” عناوين الصحف، عندما أفادت وسائل إعلام ليبية بأنه أول شخص يُسجّل لخوض أول انتخابات رئاسية في البلاد.

في ذلك الوقت، كان “بعيو” أيضًا رجل أعمال، يعمل رئيسًا لشركة إسبانية مملوكة لصندوق الثروة السيادية الليبي “المؤسسة الليبية للاستثمار”.

تأسست شركة “الحمراء إسبانيا” في إسبانيا عام 2015، بعد أن تسببت العقوبات المفروضة خلال الثورة ضد معمر القذافي في صعوبات إدارية لشركة سابقة في جبل طارق. كان نطاق عمل الشركة الجديدة واسعًا، وشمل أنشطة متنوعة مثل شراء الكابلات والأسلاك، وتجارة الحليب والتونة.

بحلول الوقت الذي قرر فيه “بعيو” الترشح للرئاسة، كانت جهات رسمية ليبية متعددة قد اتهمته باختلاس أموال شركة “الحمراء”، بما في ذلك استخدام أموال الشركة لدفع دفعة أولى لشقة مسجلة باسمه، وفقًا لوثائق مسربة حصل عليها مشروع مكافحة الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP).

على الرغم من أن بعض الادعاءات نُشرت علنًا في تقرير تدقيق وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الأدلة التي تدعمها لم تُنشر. وقد حصل مركز “OCCRP” الآن على وثائق داخلية تشمل فواتير ورسائل بريد إلكتروني وإشعارات دفع، تُؤكد العديد من الادعاءات الرئيسية.

تُظهر الملفات أن شركة الحمراء دفعت دفعة أولى لشقة في مدريد يملكها “بعيو”. كما استُخدمت أموال الشركة لدفع نفقات طبية أو تعليمية لم تكن ضمن صلاحيات “الحمراء”، وفقًا لسجلات الشركة الداخلية التي اطلع عليها مركز (OCCRP).

لم يواجه “بعيو” أي اتهامات قانونية في ليبيا بشأن هذه الادعاءات. وقد قدّمت شركة “الحمراء” ادعاءات مماثلة في شكوى ضد “بعيو” في إسبانيا عام 2020، ولكن تم سحب الشكوى لأسباب لا تزال غير واضحة.

عند التواصل معه للتعليق، أخبر “بعيو” مركز (OCCRP) في رد أرسله عبر زميل سابق أن هذه الادعاءات كاذبة.

تزامنت مزاعم إساءة استخدام الأموال مع فترة فوضى عارمة شهدها صندوق الثروة السيادية الليبي، الذي عصفت به الانقسامات السياسية واتهامات بالفساد والسرقة وسوء الإدارة بعد سقوط “القذافي” عام 2011.

صرح الباحث بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية “طارق المجريسي” بأنه منذ سقوط “القذافي”، بلغ حجم الاحتيال في الشركات التابعة للصندوق “ذروته”، وأضاف: “في السابق، استغل [القذافي] الفساد سياسيًا. وعندما غادر، بقي نظامه قائمًا، لكن دوره كضابط رقابي قد انتهى”.

قُدرت أصول المؤسسة الليبية للاستثمار بأكثر من 68 مليار دولار، موزعة على مجموعة هائلة تضم أكثر من 550 شركة تابعة في أفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية. ولم يرد الصندوق على طلبات التعليق.

مزاعم ضد شركة “بعيو”

تأسست شركة “الحمراء” عام 2015 خلفًا لشركة “الحمراء المحدودة” في جبل طارق. وبحلول ذلك الوقت، صعّبت أوامر تجميد الأصول الليبية على شركة جبل طارق القيام بمهامها الإدارية الأساسية، وفقًا لوثائق الشركة.

ورثت الشركة الجديدة، ومقرها إسبانيا، عقود خليفتها، وتحديدًا عقود توريد مواد مثل الكابلات والأسلاك لشركة الطاقة الليبية المملوكة للدولة. كما شملت العقود عقودًا لتوريد مواد غذائية مثل التونة والجبن.

بدأت المزاعم ضد شركة “بعيو” في أواخر عام 2018، عندما أرسلت الشركة الأم لشركة “الحمراء” والذراع الاستثماري للمؤسسة الليبية للاستثمار، الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية (لافيكو)، مدققين لمراجعة وثائق “الحمراء” وبياناتها المالية للسنوات الثلاث السابقة.

لاحقًا، وجّهت شركة “لافيكو” رسالةً إلى النائب العام تتهم فيها “بعيو” بارتكاب “عدة أفعال ألحقت أضرارًا جسيمة بالشركة، ماديًا ومعنويًا”، والتصرف بطريقة “عرّضت أموال الشركة الأم للتبديد”.

وأوصى ستة مسؤولين في لجنة شكّلتها “لافيكو” في تقرير بإحالة “بعيو” إلى لجنة تحقيق، لكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك قد حدث بالفعل. نفى “بعيو” هذه الادعاءات آنذاك، وفقًا لتقرير داخلي صادر عن “لافيكو” استنادًا إلى اجتماع معه. ولم تستجب “لافيكو” لطلبات التعليق.

وزعم ديوان المحاسبة الليبي، وهو المراجع العام للدولة، في تقريره السنوي لعام 2020 أن “بعيو” “تعمّد إخفاء الوثائق التي تكشف عن تجاوزاته وتلاعباته”، واتهمه بإخفاء أجهزة كمبيوتر الشركة، وحذف رسائل البريد الإلكتروني، وإخفاء عمليات سحب نقدي من حساب مصرفي للشركة.

وأكد “بعيو” لـ (OCCRP) أن هذه الادعاءات كاذبة.

في نوفمبر 2020، رفعت شركة “الحمراء”، التي كانت آنذاك تحت إدارة جديدة، شكوى ضد “بعيو” في إسبانيا، لكن القضية أُسقطت لاحقًا بعد سحب المدعين للشكوى، وفقًا لما ذكرته محكمة في مدريد لـ (OCCRP).

وعندما اتصل به الصحفيون، أجاب “بعيو” أن القضاء الإسباني قد فصل في “أربع شكاوى” ضده ورُفضت لعدم كفاية الأدلة.

شراء شقة في مدريد

في التقرير السنوي نفسه، أشار ديوان المحاسبة الليبي إلى مدفوعات أخرى غير مبررة لشركة “الحمراء”، بما في ذلك أموال الشركة التي استُخدمت لدفع دفعة أولى لشقة في مدريد.

ذكر تقرير التدقيق تحديدًا تحويلًا لحوالي 164,000 يورو من أموال “الحمراء”. تُظهر السجلات المُدرجة في الوثائق المُسربة أن “الحمراء” أرسلت هذا المبلغ في 10 أكتوبر 2018 إلى شركة تطوير عقاري مقرها مدريد عبر بنك “سانتاندير”.

وأفاد تقرير التدقيق باستخدام فواتير من شركة تونسية مغمورة تُدعى “ترانس أتلانتيك إنترناشونال تريد”، أو “تي آي تي ​​سي أو”، للإيهام بأن المدفوعات كانت لقرض. وأكدت مذكرة من “تي آي تي ​​سي أو” بتاريخ 12 ديسمبر 2018 حصل عليها مركز مكافحة الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)، أن الشركة استلمت 164,000 يورو من “الحمراء” مقابل ما قالت إنها فواتير لشهري أكتوبر ونوفمبر من ذلك العام.

وتُعزز رسالة بريد إلكتروني مُسربة من يناير 2019 ادعاء تقرير التدقيق. في الرسالة، طلب المُرسِل الذي عُرِّف عنه بأنه عضو في “القسم المالي” في “الحمراء” من مُستلِمٍ في شركة استشارية إسبانية “مطابقة” ثلاث فواتير لشركة (TITCO) مع دفعة بنك “سانتاندير” من أكتوبر.

كانت شركة (TITCO) شركة تونسية، أُسست في ديسمبر 2013 على يد مواطنيْن ليبيين، هما “عصام أبو زريبة” و”المكي ميلاد محمد إبراهيم”. أُغلقت الشركة في عام 2017، أي قبل عام من إصدار الفواتير. ولا تظهر التقارير المالية السنوية للشركة، التي يقتضيها القانون، في السجل التونسي.

لا يزال “بعيو” مُدرجًا على أنه مالك الشقة المعنية، بالإضافة إلى موقفيْ سيارات قريبين، وفقًا للسجلات العامة الإسبانية. وتُقدر قيمة الشقة، الواقعة في مدريد، بأكثر من 750 ألف يورو.

وفي رده على (OCCRP)، قال “بعيو” إن الشركة حصلت على قرض قانوني، وأن العديد من السلطات الليبية أكدت صحة الإجراء. ووصف الادعاء باستخدام فواتير شركة (TITCO) لإخفاء شراء الشقة بأنه “كاذب ومضلل”، وقال إن الشكوى رُفضت.

لم يرد “أبو زريبة وإبراهيم” وديوان المحاسبة الليبي على طلبات التعليق.

نفقات “الحمراء” المشبوهة الأخرى

بين عامي 2016 و2017، أنفقت “الحمراء” أيضًا أكثر من 145,000 يورو على السفر والخدمات الطبية ونفقات متعلقة بالتعليم، وفقًا لسجلات الشركة الداخلية التي اطلع عليها (OCCRP).

أبلغ “بعيو” (OCCRP) أن اللوائح الداخلية لموظفي (LAFICO) تُخول الشركة تغطية الرسوم الدراسية لأطفالهم. ولم يُجب بشكل مُحدد على أسئلة حول نفقات السفر والنفقات الطبية.

وشملت هذه النفقات 9,745 يورو استُخدمت لدفع النفقات الطبية لوالدة أحد الموظفين، وفقًا لتقرير (LAFICO). كما أشار التقرير إلى دفعات مُتعددة من “الرسوم الدراسية” لأطفال موظف آخر.

كما سددت “الحمراء” عدة دفعات إيجار بين نوفمبر 2017 ومارس 2018 نيابةً عن “أحمد معيتيق”، نائب رئيس الوزراء الليبي آنذاك، وامرأة تُشير منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أنها زوجته. وبلغت قيمة هذه الدفعات، والتي تشمل أيضاً شقة في مدريد، 8000 يورو، وفقاً لفواتير من شركة العقارات وسجلات “الحمراء” المصرفية. ولم يتضح سبب قيام “الحمراء” بهذه المدفوعات، التي لم تُذكر في التقارير الليبية الرسمية.

ووصف “بعيو” وصف (OCCRP) لهذه المعاملات بأنه مُضلل من الناحية الواقعية، وقال إنه بُرئ من هذا الادعاء، دون تقديم أي تفسير إضافي.

ولم يُجب “معيتيق” على الأسئلة.

وفي صفقة أخرى لم تظهر أيضاً في أي من التقارير الليبية الرسمية، دفعت شركة “الحمراء” أكثر من 250 ألف يورو عام 2016 لشراء مصنع عنوان حسابه المصرفي هو نفس عنوان تونس الذي تستخدمه شركة (TITCO).

وفقًا لسجلات تحويل المدفوعات التي حصل عليها مشروع (OCCRP)، وُضعت الأموال في حساب مصرفي تونسي لمستفيدين اثنين، أحدهما “المكي”، أحد مؤسسي شركة (TITCO).

عندما زار الصحفيون الموقع عام 2023، لم يُعثر على أي أثر للمصنع. كما لم يُعثر على أي أثر للمصنع في سجل الشركات التونسي.

صرح “بعيو” أن مشروع المصنع أُلغي في النهاية، وأُعيد توجيه الأموال لشراء شاحنة. ولم يُقدم أي دليل.

دخلت شركة “الحمراء” في حالة تصفية في إسبانيا عام 2022، إلا أن “بعيو” لم يُعلن استقالته من منصبه إلا في العام التالي في منشور على “فيسبوك”.

بحلول ذلك الوقت، كان “بعيو” قد أفصح عن طموحاته الرئاسية. لكنه لم يُتح له الفرصة لاختبارها: فقد أُجلت الانتخابات الليبية مرارًا وتكرارًا، ولم تُعقد بعد.

“حسني بي”: اقتصاد الظل والمضاربات جميع مصادرها أموال عامة تمثل نزيفا خفيّا يلتهم مليارات الدولارات

يعيش الاقتصاد الليبي منذ سنوات تحت ضغط سلسلة من الممارسات المضاربية، نتيجة سياسات مالية ونقدية، فتحت الباب أمام نزيف مالي هائل ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن، وعلى استقرار المالية العمومية والنظام النقدي لليبيا .
وتشير المعطيات إلى أنّ ثلاثة مجالات رئيسية تمثّل أكبر منافذ الهدر “سوق الصرف، الصكوك البنكية، وقطاع المحروقات والطاقة”.
مجموع هذا النزيف يتجاوز عشرات المليارات سنوياً، ما يجعل الظاهرة أقرب إلى “اقتصاد موازٍ” يمتصّ موارد الوطن ويعيق أي إصلاح تنموي حقيقي يخدم الوطن .

  1. المضاربة على فارق سعر
    الدولار: سوق علني حتى ان يجب ان يكون صامت بحجم يفوق 20 مليار دولار سنوياً
  • يُتداوَل في السوق الرسمي و الموازي أكثر من 20 مليار دولار سنوياً بين بيع وشراء مصارف و سوق موازي .
  • ومع الفارق الكبير بين سعر الصرف الرسمي والسوق السوداء، ترتفع فرص المضاربة إلى ما يقارب 20% من الحجم المتداول.
    ذلك يعني أنّ أرباحاً تُقتنص خارج المنظومة المالية الشرعية تقدَّر بنحو:
    4 مليارات دولار سنوياً وهي أرباح
  • لا تخضع للرقابة ولا للضرائب
  • تُستخدم في تغذية شبكات وساطة ترفع الضغط على الدينار
  • تزيد من نسب التضخم، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية والمواد المستوردة.
  1. “حرق الصكوك” في السوق النقدية: تقدر ب 25 مليار دينار تتبخر سنوياً
    يتداول السوق نقداً ما يقارب 120 مليار دينار سنوياً في شكل تعاملات مباشرة، بعيداً عن القنوات البنكية.
    وفي ظل شح السيولة ورفض بعض المتعاملين التعامل بالصكوك، تتحول هذه الأخيرة إلى سلعة مضاربية يُخصم منها ما يصل إلى 25% من قيمتها تحت ما يعرف بـ “حرق الصكوك”.
    وتشير التقديرات إلى أنّ الخسائر الناتجة عن هذا السلوك تصل إلى:
    25 مليار دينار سنوياً
    وهو مبلغ يكفي لتغطية برامج دعم اجتماعي واسعة أو لتمويل مشاريع بنية تحتية كبرى.
    هذا النوع من المضاربة:
  • يعكس أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات المالية،
  • ويفاقم خروج السيولة من البنوك.
  • يفسد موضفي القطاع المصرفي
  1. المضاربة في قطاع المحروقات والطاقة:
    نزيف يعادل 6 مليارات دولار سنوياً
    يبلغ إجمالي الإنفاق السنوي على المحروقات والطاقة بين 12 و14 مليار دولار.
    لكن جزءاً كبيراً من هذه الكتلة المالية يُستنزف بسبب:
  • فرص التهريب عبر الحدود
  • السرقات من شبكات التوزيع
  • المضاربة في الأسعار والكميات
    وتُقدَّر هذه الخسائر بما يقارب:
    6 مليارات دولار (أي حوالي 32 مليار دينار)
    ما يعني أنّ المواطن يخسر نصف ما ينفقه تقريباً على هذا القطاع الحيوي، وهو ما يضع ضغطاً كبيراً على الميزانية وعلى فاتورة الدعم.

تقدير إجمالي للنزيف الاقتصادي
عند تجميع الخسائر من المجالات الثلاثة، نصل إلى:

  • المضاربة على الدولار: 4 مليارات دولار
  • حرق الصكوك: 25 مليار دينار
  • المحروقات والطاقة: 6 مليارات دولار (32 مليار دينار)
    أي ما يعادل أكثر من 16 مليارات دولار سنوياً او ما يقارب 100 مليار دينار ، وهو رقم يكفي لتمويل:
  • بناء آلاف المدارس والمستشفيات
  • تطوير شبكات النقل والطاقة
  • تخفيض الدين العمومي
  • تحسين الأجور والقوة الشرائية

إن استمرار هذا الوضع يعني أن الاقتصاد الرسمي بات محاصراً باقتصاد موازٍ حجمه يكاد ينافس ميزانية الحكومة .
الحلول موجودة… لكن القرار يتأخر
وفق بحجة ” توحيد الحكومة ” للاسف ذلك حسب طلب خبراء الاقتصاد ومسؤولين سابقين، فإن الحلول ليست معقّدة كما قد يبدو، وتشمل رغم الاتقسان و الحلول تتمثل في :

  • تعصير منظومة الدفع الإلكتروني وإنهاء عصر “الكاش”.
  • إصلاح سوق الصرف وتوحيد الأسعار تدريجياً.
  • رقمنة قطاع المحروقات من الإنتاج إلى التوزيع لمنع التهريب.
  • إعادة الثقة في البنوك عبر تسهيل معاملات الصكوك.
  • تعزيز الرقابة الجمركية والمالية بأدوات تكنولوجية.
    غير أنّ ما ينقص فعلياً هو الإرادة السياسية للمرور إلى التنفيذ، لأن كلفة التأجيل لم تعد تحتمل.

وزير النفط يبحث مع رئيس شركة مداد للطاقة السعودية فرص التعاون في مشروعات التكرير والتسويق

بحث وزير النفط والغاز المكلف بحكومة الوحدة الوطنية “خليفة عبدالصادق” مع رئيس مجلس إدارة شركة “مداد” للطاقة السعودية “عبدالإله العيبان”، فرص التعاون في مشروعات التكرير والتسويق والموارد غير التقليدية، إضافة إلى مناقشة رؤية الوزارة لعودة الشركات العالمية للعمل في السوق الليبي في ظل نجاح شركات كبرى في استئناف نشاطها.

واستعرض رئيس مجلس إدارة شركة “مداد” للطاقة السعودية خبرات الشركة ونجاحاتها، معربًا عن استعداد الشركة لنقل خبراتها والمساهمة في مشاريع استراتيجية داخل ليبيا، كما أكدت شركة مداد رغبتها القوية في توسيع التعاون مع وزارة النفط والغاز الليبية بما يدعم المصالح المشتركة ويعزز مسار التنمية المستدامة لقطاع الطاقة في ليبيا.

“ناجي عيسى” يناقش مع رئيس ديوان المحاسبة إجراءات اعتماد ميزانيات المصرف المركزي والمصارف الليبية

ناقش محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” مع رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك”، إجراءات اعتماد ميزانيات المصرف المركزي والمصارف الليبية، وعدد من الملفات الرقابية والمالية ذات الصلة بتطوير أداء القطاع المصرفي بما يضمن تعزيز الشفافية وتحسين مستوى الإفصاح المالي.

وتم خلال الاجتماع مناقشة مراجعة ضوابط الإنفاق العام وتزايد حجم الإنفاق وتأثيره على قدرة المصرف المركزي في المحافظة على سعر الصرف، وأهمية وضع إطار عام مُوحد للإنفاق يضمن الاستدامة المالية والاستقرار المالي والنقدي.

كما تم استعراض الإجراءات التي قام بها المصرف المركزي في إطار استراتيجية الشمول المالي والتحول الرقمي والتوسع في عمليات الدفع الإلكتروني، وتطوير نشاط الصرافة والحد من السوق السوداء.

مصراتة تحتضن المنتدى المصرفي لتكنولوجيا الأعمال في دورته الثالثة

تنطلق يوم السبت المقبل بمدينة مصراتة فعاليات المنتدى المصرفي لتكنولوجيا الأعمال في دورته الثالثة، بمشاركة قادة المصارف وشركات التأمين وشركات التقنية والاتصالات وشركات الدفع الإلكتروني ورواد الأعمال والمشاريع الناشئة، وخبرات مصرفية ومشاركات عربية وعالمية.

وتحظى هذه النسخة من المنتدى على سيقام على أرض معرض مصراتة الدولي، برعاية شرفية من مصرف ليبيا المركزي والراعي البلاتيني مصرف الجمهورية وشركة لاكجوري والشركة الليبية للبريد والاتصالات وتقنية المعلومات القابضة، ويتواصل المنتدى على مدى ثلاثة أيام من 22-24 نوفمبر الجاري.

“أبوسيف اغنيه” يكتب: الجريمة المنظّمة في أفريقيا.. قراءة معمّقة في الحالة الليبية

كتب: د. أبوسيف الزروق اغنيه / الخبير الدولي في الاقتصاد والتمويل الإسلامي

ظلّ الجدل قائمًا لسنوات حول ما إذا كان من الملائم الحديث عن وجود جريمة منظّمة في أفريقيا. ويعكس استمرار هذا النقاش حاجة ملحّة إلى وضوح مفاهيمي أكبر، نظرًا لما يترتب على هذا المفهوم من آثار مباشرة على البحث العلمي وصياغة السياسات العامة.

ينطلق هذا الجدل من الادعاء بأن مفهوم “الجريمة المنظّمة” ذو منشأ غربي، ويتم إسقاطه على السياقات الأفريقية أحيانًا بما يخدم أولويات المانحين وجهود التنمية الدولية. ويرى النقّاد أن هذا المفهوم لا يعكس بدقة طبيعة التفاعل بين الدولة والقطاع الاقتصادي المشروع والجهات الإجرامية في أفريقيا، كما أنه يميل إلى توصيف الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية الواسعة في القارة على أنها جريمة منظّمة.

ويستند هذا التشكيك كذلك إلى الاعتقاد بأن الجريمة المنظّمة، بالمعنى التقليدي المرتبط بتشكيلات شبيهة بالمافيا الصقلية وشبكات المحسوبية، ليست موجودة في أفريقيا. ويزداد المشهد تعقيدًا بفعل غياب تعريف عالمي جامع؛ إذ إن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (UNTOC) تكتفي بتعريف “الجماعات الإجرامية المنظّمة” دون تقديم تعريف مباشر لمفهوم “الجريمة المنظّمة”.

إلا أن التحليل القائم على الأدلة الميدانية يُظهر بوضوح أن الأنماط المختلفة من الأنشطة غير المشروعة المنتشرة اليوم في القارة – من حيث تطورها واتصالها بالاتجاهات الإجرامية العالمية – تُشكّل جريمة منظّمة مكتملة الأركان، تعمل محليًا وعبر الحدود. ويعتمد “المؤشر” (Index) تعريفًا إجرائيًا للجريمة المنظّمة بوصفها:

أنشطة غير قانونية تمارسها مجموعات أو شبكات تعمل في تنسيق ممنهج، وتستخدم العنف أو الفساد أو أدوات مرتبطة بهما لتحقيق مكاسب مالية أو مادية، سواء داخل حدود الدولة أو عبرها.

وتبرز أمثلة عديدة على ذلك، من بينها:

نظام الجباية الذي تفرضه حركة الشباب في الصومال،

العصابات المتجذّرة في جنوب أفريقيا،

الانتشار الواسع لجرائم الاحتيال والاختلاس والفساد عبر القارة،

وكلها تُبرز قدرة الفاعلين الإجراميين على استغلال أنظمة الحوكمة، وتسخير العنف والفساد لتحقيق مصالحهم. كما تمثل شبكات تهريب البشر والاتجار بهم في شمال أفريقيا نمطًا واضحًا للتنسيق العابر للحدود، فيما تكشف تجارة الكوكايين في غرب أفريقيا الدور المحوري للفساد في دمج القارة داخل شبكات التهريب العالمية. فهذه الظواهر ليست مجرد امتداد للاقتصاد غير الرسمي، بل هي منظومات إجرامية واسعة تمتاز بالعنف والتنسيق العالي والهيكلة الهرمية والامتداد الإقليمي والدولي، وكلها سمات راسخة للجريمة المنظّمة.

وقد أدركت الدول الأفريقية والهيئات الإقليمية خطورة هذه الظاهرة من خلال منظوماتها القانونية. فجنوب أفريقيا سنّت قانونًا خاصًا لمكافحة الجريمة المنظّمة، كما تناولت اتفاقيات الاتحاد الأفريقي والتجمعات الإقليمية هذه الظاهرة بوضوح، في حين صادقت غالبية الدول الأفريقية على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية. ويعكس هذا الاعتراف الرسمي اتفاقًا واسعًا على أن الجريمة المنظّمة ليست واقعًا قائمًا في أفريقيا فحسب، بل تمثل تحديًا بنيويًا يتطلب تدخلًا عاجلًا ومنسّقًا.

ما هو الحل في ليبيا؟

في ليبيا، تُظهر التقديرات والتحليلات الحديثة أن الجريمة المنظّمة باتت عنصرًا مؤثرًا في البيئة الأمنية والاقتصادية، مدفوعة بعوامل معقدة أبرزها هشاشة الدولة، تعدد مراكز القوة، انتشار السلاح، وتداخل النشاطات الإجرامية مع الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي. وتتمثل أبرز مظاهرها في:

شبكات تهريب البشر والاتجار بهم الممتدة عبر الساحل والصحراء.

تهريب الوقود والسلع المدعومة عبر شبكات تتسم بالتنسيق والعائدات الكبيرة.

الجريمة العابرة للحدود المرتبطة بالتهريب بين ليبيا ودول الجوار.

أنشطة مالية غير مشروعة مثل غسل الأموال والاحتيال والاستيلاء على الموارد العامة.

تداخل بعض النشاطات المسلحة مع الاقتصاد الإجرامي بدرجات متفاوتة.

في ليبيا تظهر أشكال الجريمة المنظّمة الهجينة، بطابع خاص يختلف عن النموذج التقليدي الإيطالي أو المكسيكي. وهي شبكات تجمع بين:

عناصر من مجموعات مسلحة.
مهربين محترفين.
فاعلين اقتصاديين.
نافذين سياسيين.
شبكات إقليمية تمتد إلى أغلب الدول المجاورة لليبيا.

وهذه الأنشطة لا يمكن تصنيفها كجريمة فردية أو نشاط غير رسمي تقليدي؛ بل تمتلك عناصر واضحة من التنظيم، وتقاسم الأدوار، واستعمال القوة أو التهديد بها، والقدرة على اختراق المؤسسات العامة للدولة، وهي المعايير الأساسية للجريمة المنظّمة الحديثة.

وبالتالي، فإن الحالة الليبية تُعدّ مثالًا بارزًا على تعقّد الجريمة المنظّمة في السياقات الضعيفة أو غير المستقرة، مما يستدعي بناء سياسات وطنية متخصصة وإجراءات إقليمية مشتركة للسيطرة على الجريمة المنظمة منها على سبيل الاولويات لا الحصر:

توحيد المؤسسات الأمنية والقضائية.
قيادة مركزية موحدة.
حوكمة المنافذ البرية والبحرية والجوية.
سيطرة الحكومة على المنافذ.
بناء جهاز استخبارات مالي قوي (Financial Intelligence Unit).
إصلاح قطاع الدعم والوقود.
استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الجريمة المنظمة.

“محمد الشحاتي”: الاحتمالات الليبية لموازنة سنة 2026

كتب الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي

الاحتياطي، إدارة الدين العام، سعر النفط، وسعر الصرف: المفاتيح الاقتصادية لموازنة سنة 2026.

الجزء الثاني: الاحتمالات الليبية لموازنة سنة 2026.

تناولت في المقال السابق السياسات المالية للدول النفطية في إعداد موازنات سنة 2026، وخاصة ما يتعلق بافتراض سعر النفط وكيفية التعامل مع العجز المتوقع نتيجة لتراجع الأسعار إلى حدود 60 دولارًا للبرميل، وهو سيناريو مرجّح في ضوء أوضاع السوق العالمية وتباطؤ الطلب.

في هذا المقال، أحاول أن أقدّم قراءة للوضع المالي الليبي من زوايا متعددة – سياسية واقتصادية ومالية ونفطية – لأبيّن أهمية وضع مخطط موازنة حكومية واقعية لعام 2026، حتى لو لم تُعتمد رسميًا، لما لذلك من دور في إعادة الانضباط المالي وإيضاح الاتجاهات العامة أمام صناع القرار.

أولاً: المأزق السياسي والإداري لغياب الموازنة

من الناحية السياسية، تدخل ليبيا عامها الثالث عشر دون موازنة حكومية أو ميزانية ختامية بسبب الانقسام المؤسسي. وقد فشلت كل المحاولات السابقة لإقرار موازنة نافذة لسنة 2025، نتيجة اعتراضات من السلطات المنقسمة وتباين موقف مصرف ليبيا المركزي. ويدور الجدل اليوم حول جدوى إصدار موازنة جديدة في ظل الانقسام القائم، بين من يرى أن المحاولة ضرورية لتقنين الإنفاق، ومن يخشى أن تزيد من تفاقم الانقسام، وأنه من الأفضل الانتظار لحين تحقيق تسوية سياسية ترعاها الأمم المتحدة.

ثانيًا: التحدي المالي والمحاسبي

من الناحية المحاسبية، تعاني ليبيا من انقطاع تسلسل الموازنات وغياب الحسابات الختامية منذ عام 2014، ما يجعل من الصعب قياس الانحرافات بين الإيراد والإنفاق أو تحديد الفوائض والعجوزات المتراكمة.

ومع أن تقديرات الإنفاق تصعد من القاعدة الإدارية إلى القمة عبر طلبات الجهات التنفيذية، فإنها تفتقر إلى رؤية كلية توفّق بين المطالب القطاعية وإجمالي القدرات التمويلية، مما يجعل إعداد موازنة شاملة أمرًا محفوفًا بالصعوبات.

وفي الظروف الحالية، وبعد فترات طويلة من العجز المالي، فمن الواجب أن يتم تحديد سقوف إنفاقية صارمة، وإلزام الوحدات الإدارية – من دون الإضرار بها – بترشيد سلوكها المالي حتى تتجاوز الدولة الأزمة الحالية.

ثالثًا: العجز المالي والدين العام

منذ عام 2014، نشأ العجز المالي نتيجة عاملين أساسيين:

الإغلاقات النفطية التي أوقفت تدفق الإيرادات.

الانخفاض الحاد في الأسعار العالمية خلال فترة حرب الأسعار بين أوبك والمنتجين المستقلين.

ورغم أن بعض المسؤولين اعتبروا أن تخفيض سعر صرف الدينار عام 2021 أدى إلى تصفير الدين العام، إلا أن هذا الاعتقاد لا يصمد محاسبيًا. فالعجز لا يُمحى بتغيير السعر الاسمي للعملة، حتى من الناحية التاريخية، لأن الدين العام الحقيقي هو ما ترتب عن إقراض المصرف المركزي للحكومة أو إصدار أدوات استدانة.

تُقدّر الحسابات أن العجز المتراكم على مصرف ليبيا المركزي – فرع طرابلس – بلغ نحو 145 مليار دينار، بينما بلغ لدى فرع بنغازي 104 مليارات دينار، أي ما مجموعه 259 مليار دينار. غير أن الدين العام الموثق لا يتجاوز 144 مليار دينار، لأن جزءًا من العجز جرى تمويله مباشرة من الاحتياطي أو بوسائل غير ائتمانية.

وتوضح هذه الفروق غياب الإطار المحاسبي الموحد الذي يُفترض أن يوجّه السياسات المالية المقبلة.

رابعًا: السعر التعادلي للنفط واحتمالات العجز

لم ينشر صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر في أكتوبر 2025 بيانات محدثة للسعر التعادلي للنفط في الدول النفطية، إلا أن تقرير أبريل السابق قدّر السعر التعادلي لليبيا في 2025 بنحو 75 دولارًا للبرميل، وهو رقم منخفض لأنه اعتمد فقط على إنفاق حكومة الوحدة الوطنية دون احتساب إنفاق الحكومة الموازية.

وبناءً على تحليل كمي مستقل يأخذ في الاعتبار سعر الصرف الرسمي ومستوى الإنتاج المتوقع (1.4 مليون برميل يوميًا) والإنفاق الإجمالي للحكومتين، يمكن تقدير السعر التعادلي في 2026 عند نحو 80 دولارًا للبرميل.

وهذا يعني أنه مع توقع تراجع الأسعار العالمية إلى حدود 60 دولارًا في سنة 2026، فإن العجز سيبلغ نحو 20 دولارًا للبرميل.

خامسًا: المدى الزمني للموازنة وضوابط التوسع والانكماش

تاريخيًا، تتحرك الموازنة العامة بين مدى أعلى وأدنى محكومين بمستوى الإيرادات النفطية والقدرة الاستيعابية للاقتصاد. فخلال فترات الوفرة، لا ينبغي التوسع في الإنفاق بما يتجاوز هذا المدى، لأن الاقتصاد المحلي لا يستطيع امتصاص الإنفاق الزائد دون خلق تضخم أو اختلالات سعرية. وعليه، يجب أن يُوجّه الفائض إلى الاحتياطي كمجنب استراتيجي.

أما عند انخفاض الأسعار، فينبغي أن تستمر الدولة في الإنفاق على الحدود الدنيا للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، حتى لو اقتضى الأمر السحب المؤقت من الاحتياطي أو الاقتراض الداخلي، لكن بشرط أن يكون ذلك ضمن خطة واضحة للاستدانة وآليات السداد، وهو ما تفتقر إليه ليبيا منذ سنوات.

سادسًا: ترشيد الإنفاق وتقديرات الدخل في 2026

في ضوء الأرقام المتاحة، سيبلغ الدخل النفطي المحول إلى المصرف المركزي عند سعر 60 دولارًا للبرميل نحو 2.2 مليار دولار شهريًا، يُخصم منها 630 مليون دولار لتغطية مخصصات المحروقات، فيتبقى نحو 1.6 مليار دولار شهريًا فقط لتغطية الإنفاق العام.

أما النفقات المتوقعة للحكومتين فتبلغ نحو 160 مليار دينار سنويًا وفق تقدير عقلاني، تتوزع تقريبًا على النحو التالي:

• 70 مليار دينار للمرتبات،

• 15 مليارًا للتشغيل،

• 40 مليارًا للتنمية،

• 35 مليارًا لبنود أخرى.

بناءً على ذلك، فإن السعر التعادلي الأساسي يُقدّر بنحو 80 دولارًا للبرميل.

سابعًا: حدود القدرة على تغطية المرتبات

يُستخدم أحيانًا التحذير من خطر العجز عن سداد المرتبات في حال تراجع الأسعار، لكن ذلك يحتاج إلى تدقيق واقعي.

عمليًا، إذا لم يتم اللجوء إلى أي أدوات للاستدانة، فإن انخفاض سعر النفط حتى إلى 55 دولارًا سيقلّص الدخل الصافي إلى حوالي 96 مليار دينار سنويًا بعد خصم تكلفة المحروقات. وبما أن بند المرتبات وحده يبلغ 70 مليار دينار، فإن تغطيته لا تزال ممكنة، لكنها ستترك هامشًا محدودًا جدًا لبقية البنود.

لذا، فإن هذا التحذير يجب أن يُفهم كدعوة لتقليص الإنفاق غير الضروري أكثر من كونه تنبؤًا بعجز فعلي عن السداد، مع ضرورة الاستعداد بخيارات مثل الاقتراض المؤقت أو تأجيل الإنفاق الرأسمالي لحين تحسن الأسعار، ليس لتغطية الرواتب بل لتغطية أوجه الصرف الأخرى.

ثامنًا: الدين العام وهيكل الاستدانة الجديد

من البداهة أنه لا يمكن التعامل مع العجز الحالي باعتباره دينًا يمكن سداده في الأجل القصير، خصوصًا أن معظم العبء المالي قد تحمّله المواطن من خلال تخفيض سعر صرف الدينار، سواء عبر السعر الأساسي أو بإضافة رسوم على الصرف.

ففكرة استرداد العجز بكامله، بما في ذلك ما سُحب من الاحتياطي، كانت تهدف إلى استعادة سعر الصرف القديم بطريقة “الزحف التدريجي”، لكنها اليوم غير واقعية. أما تسوية الدين العام فقط فستُسهم في استقرار الأوضاع النقدية دون أن تعيد الدينار إلى مستوياته السابقة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى هيكل استدانة واضح تشارك في وضعه السلطة التنفيذية مع المصرف المركزي والسلطة التشريعية، لتحديد كيفية إقراض الدولة وآلية السداد الزمنية، ومنع تكرار نمط التمويل غير المنضبط الذي أدى إلى تضخم الدين العام.

ويجب أن يُفهم أن هيكل الاستدانة لا ينحصر في الاقتراض النقدي فقط، بل يمتد إلى اتفاقيات مقاسمة الإنتاج النفطي. ففتح القطاع النفطي أمام الشركات الأجنبية أو المحلية هو نوع من الاستدانة، ويجب معاملته محاسبيًا واقتصاديًا بتطبيق مبدأ التعادل – أي قياس جدواه وفق سعر الفائدة العالمي وتوقعات أسعار النفط طويلة الأجل – لتحديد نسب المشاركة. فإذا كانت المصلحة الوطنية أعلى من العائد المتوقع من الشراكة، فلا مبرر لمثل هذه الاتفاقيات.

وقد كتبت فيما مضى أن أغلب الدول النفطية مثل السعودية والإمارات والجزائر والكويت تفادت العجز المتوقع عبر طرح سندات دولارية محلية لتغطية الفجوة بين السعر التعادلي وسعر السوق المتوقع لعام 2026. ويمكن من حيث المبدأ التفكير في آلية مشابهة في ليبيا، لكنها تحتاج إلى تخطيط دقيق لتحديد كيفية التحصيل والتخصيص وتكاليف التمويل، لأن تكلفة هذه السندات لا يجب أن تقل عن سعر الفائدة السائد على الدولار، مع ضرورة تحديد أوجه صرفها بدقة لتجنب الهدر في مصاريف غير ضرورية.

تاسعًا: الإجراءات المساندة – من السياسة النقدية إلى الإصلاح المؤسسي

في سياق معالجة العجز وضبط الدين، على المصرف المركزي أن يوازن بين استقرار العملة والمحافظة على السيولة. فقد أدى سحب 50 مليار دينار من التداول دون بدائل نقدية إلى اضطراب السيولة وتراجع القدرة الشرائية، رغم أن الأثر النظري للعملية انكماشي لا تضخمي.

كما أن التحول نحو الدفع الإلكتروني يجب ألا يُطرح كبديل اضطراري في ظل شح النقد، بل كمشروع هيكلي يحتاج إلى بيئة مصرفية مستقرة وربط بأنظمة ائتمان دولية تعزز الثقة والاستدامة التقنية.

عاشرًا: نحو رؤية واقعية لموازنة 2026

يتضح من كل ما سبق أن أي موازنة تُعد لسنة 2026، إذا افترضت سعرًا للنفط عند 60 دولارًا، ستسجل عجزًا محققًا يمثل استمرارًا للعجز الماضي لا قطيعة معه. لذا، لا يمكن معالجة الوضع بالإنكار أو بسياسات التوسع غير الممول، بل بإنشاء هيكل تمويلي منضبط يحدد العلاقة بين المصرف المركزي والدولة، ويعيد تعريف حدود الإنفاق بما يتناسب مع الإيرادات الواقعية.

كما يجب أن تعيد السلطات التفكير في تخفيض السعر التعادلي للموازنة من مستواه الحالي البالغ 90 دولارًا إلى مستوى أكثر واقعية عبر ترشيد الإنفاق وتحسين الكفاءة، لأن بقاء الموازنة عند هذا السقف يعني استمرار العجز حتى مع أي تحسن طفيف في الأسعار.

الخلاصة النهائية

إن موازنة ليبيا لعام 2026 ليست مجرد وثيقة مالية، بل هي اختبار سياسي لإرادة الدولة في استعادة انضباطها المؤسسي. فالاحتياطي النفطي والدين العام وسعر الصرف وسعر النفط تشكل منظومة مترابطة لا يمكن إدارتها بالقرارات الجزئية.

ولذلك، فإن النجاح في إعداد موازنة واقعية يتوقف على توحيد المؤسسات المالية، وضبط الإنفاق المزدوج، وتأسيس هيكل استدانة منضبط، مع الإبقاء على الاحتياطي كصمام أمان للأجيال المقبلة.

وفي النهاية، إن تحقيق الاستقرار المالي في ليبيا لا يحتاج إلى معجزة اقتصادية، بل إلى قرار موحد يضع الاقتصاد فوق الانقسام السياسي.

“أبوسيف اغنيه” يكتب: التجارب الحديثة في الصكوك السيادية وإمكانية الاستفادة منها في ليبيا

كتب: د. أبوسيف الزروق اغنيه / الخبير الدولي في الاقتصاد والتمويل الإسلامي

في خطوة غير مسبوقة على مستوى سوق الدين المحلي، أطلقت مصر أخيرا أول إصدار من الصكوك السيادية بالجنيه المصري بقيمة 3 مليارات جنيه، وبأجل ثلاث سنوات، وبعائد تنافسي بلغ أكثر من 20%.

وقد شهد الطرح إقبالًا كبيرًا من المستثمرين المحليين والدوليين، حيث تجاوزت التغطية في الطرح الأول خمسة أضعاف القيمة المطروحة، مما يعكس ثقة عالية في أدوات التمويل الإسلامي كبديل مرن ومستدام للديون التقليدية.

تأتي هذه الخطوة في إطار سعي الحكومة المصرية لتنويع أدوات التمويل وتعزيز جاذبية السوق المالية وخفض تكلفة الدين العام، عبر آلية تعتمد على المشاركة لا الاقتراض، والاستثمار لا الاستدانة، وهي فلسفة تمويلية تتقاطع مع جوهر فكرة التمويل الجماعي (CrowdFunding) الحديثة.

تموذج يمكن أن يلهم ليبيا

تُعد تجربة الصكوك نموذجًا يمكن لليبيا الاستفادة منه في مسار تطوير أدوات التمويل الوطني، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد الليبي وتراجع الاعتماد على التمويل الحكومي التقليدي.

فمن خلال تفعيل التمويل الجماعي المنظم، يمكن فتح الباب أمام المواطنين والقطاع الخاص للمشاركة في تمويل مشاريع البنية التحتية والزراعة والصناعة والطاقة وريادة الأعمال، بما يخلق حركة اقتصادية حقيقية ويُعزز روح المشاركة الوطنية في التنمية.

إن التمويل الجماعي لا يقوم فقط على جمع الأموال، بل على توسيع قاعدة الممولين والمستفيدين، وتحفيز المدخرات المحلية، وتفعيل دور المصارف والمؤسسات الاستثمارية في دعم المبادرات الإنتاجية، وإذا ما تم تنظيمه عبر إطار تشريعي ومصرفي واضح، فإنه قد يشكل أحد أهم ركائز الاقتصاد الإسلامي او التشاركي الحديث في ليبيا.

من الحديث إلى التطبيق

كنت قد أشرتُ في مداخلتي بندوة مصرف ليبيا المركزي الأخيرة حول الاستثمار إلى ضرورة أن تتجه ليبيا نحو ابتكار أدوات تمويلية غير تقليدية، على رأسها التمويل الجماعي، بوصفه وسيلة فعالة لتعبئة الموارد المحلية وتوجيهها نحو مشاريع حقيقية بدلًا من الركون إلى الحلول قصيرة الأمد.

ففي الوقت الذي تتسابق فيه دول الجوار على تحديث أدواتها المالية، بات من الضروري أن تفتح ليبيا نافذة إصلاحية جديدة في مجال التمويل والتنمية، وتستفيد من التجارب الإقليمية الناجحة، وتُترجمها إلى واقع اقتصادي مبتكرة وطريقة تنموية فعالة من شأنها أن تلامس تطلعات الشباب ورواد الأعمال والمستثمرين المحليين وتضيف عنصرًا فعالا للتنمية المستدامة.

“حسني بي” يوضح سبب استقرار العملة في دول مثل تونس والأردن وانخفاض قيمتها في ليبيا

قال رجل الأعمال “حسني بي” إن سبب استقرار العملة في دول مثل تونس والأردن وانخفاض قيمتها في ليبيا، هو أن تلك الدول لم تخلق دين عام وتموله من خلال خلق النقود مثل ما يحدث في ليبيا.

وأضاف بأننا في ليبيا حتى عندما لم يكن لدينا دين عام في 2023 وبداية عام 2024، أخذنا الدولارات وخلقنا نقود بقيمة 40 مليار دينار، والتي على أثرها طلب المحافظ السابق “الصديق الكبير” من رئيس مجلس النواب فرض ضريبة على بيع النقد الأجنبي بقيمة 27%.

وأكد “حسني بي” بأنه لا يمكن لأي عملة محلية أن تنهار قيمتها ما لم يكن هناك تمويل نقدي لعجز حكومي، مشيرا إلى أنه لا يوجد في الاقتصاد شيء اسمه نقود غير معروفة ومجهولة المصدر، ولا توجد أموال منفقة وغير مدرجة في الحسابات لأنها ستظهر في عرض النقود.