Skip to main content

الوسم: المحروقات

“حسني بي”: الرفع الجزئي لسعر المحروقات لا يصلح الدعم بل يعيد إنتاج الأزمة ويزداد الفقير فقرًا

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

الرفع الجزئي لسعر المحروقات لا يصلح الدعم… بل قد يعيد إنتاج الأزمة بكلفة أعلى على الميزانية العامة مع تمويل نقدي وتضخم وارتفاع الفجوة السعرية للعملة.

وفي ضوء ما يتداول عن التوجه إلى رفع جزئي لأسعار المحروقات، أحذر من الوقوع في نصف إصلاح قد يجمع أسوأ ما في النظام الحالي مع كلفة اجتماعية إضافية على المواطن.

المشكلة في ليبيا ليست أن سعر الوقود 150 درهماً ويجب أن يصبح 500 أو 700 درهم أو 2 دينار. المشكلة أن السلعة تباع بسعر لا يزال بعيداً جداً عن تكلفتها وقيمتها الاقتصادية والتي تتخطى الآن 4.500 د.ل/ليتر، وتتخطى 1.500 د.ل لكيلوواط الكهرباء.

فإذا رفعنا السعر وبقي، مثلاً، دون 80% من التكلفة الحقيقية، فإننا لم نلغِ الحافز على التهريب أو السرقة أو الإفراط في الاستهلاك؛ بل صغّرنا الفجوة قليلاً وأبقينا أصل التشوه قائماً مع احتمالية 90% للفشل.

والأخطر أن يصاحب ذلك بديل نقدي جزئي بدلاً من كلي وآنٍ وللجميع.

عندها قد تتحمل الخزانة في الوقت نفسه:

  • استمرار، بل نمو، جزء كبير من دعم سعر السلعة.
  • مع دفع تحويلات نقدية جديدة ترهق الإنفاق العام.
  • بينما يبقى التهريب والهدر والمضاربة قائمين بسبب استمرار الفجوة السعرية الواسعة.

وهذا قد يؤدي عملياً إلى زيادة الإنفاق العام بدلاً من تخفيضه.

موقفي واضح: أنا لا أدعو إلى مجرد رفع سعر المحروقات أو لدعم سعر المادة الذي ثبت فشله على مدى خمسة عقود، بل أدعو إلى استبدال الدعم السلعي كلياً وآنياً بدعم نقدي مباشر للمواطن (ندعم المواطن بدلاً من دعم السلعة)، مع انتقال سعري منظم ومعلن وتصحيح الهدف على مدى خمس سنوات.

والفرق جوهري.

الهدف من الإصلاح ليس أن تحصل الخزانة على بضعة دنانير إضافية عن كل لتر، بل أن نحقق مجموعة أهداف اقتصادية واجتماعية في وقت واحد:

  • أولاً: حماية المواطن وإخراج شرائح من دائرة الفقر بدلاً من تحميلها مباشرة تكلفة سعر الطاقة.
  • ثانياً: إعطاء المواطن حق تحديد أولوياته بنفسه. فمن لا يحتاج إلى استهلاك كميات كبيرة من الوقود لا ينبغي أن يحصل على دعم أقل من صاحب عدة سيارات أو من يستهلك أضعافه.
  • ثالثاً: ترشيد الاستهلاك. عندما تعكس السلعة تكلفتها الاقتصادية يبدأ الفرد والمؤسسة في اتخاذ قرارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود والطاقة.
  • رابعاً: تخفيض الكميات المستهلكة والمستوردة. وهذا يعني طلباً أقل على النقد الأجنبي وتوفيراً في الدولار ودعماً مباشراً لميزان المدفوعات.
  • خامساً: خفض الإنفاق العام. فالتحويل النقدي يمكن تحديده مسبقاً بسقف معلوم، بينما دعم السلعة المفتوح يرتفع كلما ارتفع الاستهلاك أو التهريب.
  • سادساً: ضرب اقتصاد التهريب في جذره.

إذا كان المهرب يحصل اليوم على سلعة مدعومة بجزء ضئيل من قيمتها ثم يبيعها خارج البلاد بالقيمة الاقتصادية، فإن الدولة هي التي تمول هامش ربحه.

أما عندما يدفع المهرب التكلفة الحقيقية للسلعة، فإن نقل الوقود عبر الحدود لا يعود نهباً للدعم العام؛ وإذا استمرت تجارة قانونية بعد ذلك فهي تصبح تجارة عادية يمكن تنظيمها وفرض الضرائب عليها بدلاً من أن تكون استنزافاً للاقتصاد الوطني.

وبحسب تقديراتنا، فإن الهدر والتهريب وسوء ترشيد استهلاك الغاز والطاقة والمحروقات قد يتجاوز 40% من الاستهلاك ذي الصلة. وبالتالي فإن أي إصلاح لا يغير الحافز الاقتصادي وراء هذه النسبة لن يكون إصلاحاً حقيقياً.

ولهذا أقول بوضوح:

  • رفع السعر جزئياً مع استمرار معظم الدعم لن يوقف التهريب.
  • والتعويض النقدي الجزئي مع استمرار الدعم السلعي قد يرفع كلفة الدولة.
  • ورفع السعر دون تعويض كامل وعادل سيزيد الفقر ويضغط على القوة الشرائية.

هذه ليست الخيارات التي نحتاجها. نحتاج إلى استبدال حقيقي، لا ترقيع سعري.

الدولة تدفع للمواطن حقه نقداً أولاً، ثم تنتقل السلعة إلى سعرها الاقتصادي ضمن برنامج واضح، ويُلغى بذلك ريع التهريب والهدر والمضاربة.

أما أن نرفع السعر قليلاً ونبقي السلعة شديدة الدعم، ثم نضيف تعويضاً جزئياً، فإننا قد نحصل على النتيجة الأسوأ: مواطن يدفع أكثر، وخزانة تستمر في الدفع، ومهرب يستمر في الربح.

وهذا ليس إصلاحاً. إنه إعادة تسعير للفشل.

أضف آلية خطة تنفيذ واضحة تُحدَّد من خلالها قيمة التحويل النقدي على ألا تكون ثابتة، بل مرتبطة بالإنتاج وسعر برميل النفط وسعر MMBtu للغاز، حتى نعمل جميعاً لتحقيق أفضل مردود اقتصادي خاص وعام على مستوى الأسرة والمجتمع.

“الشحاتي”: معضلة المحروقات في ليبيا.. كيف نصلح الدعم دون إحداث أزمة اجتماعية؟

كتب: الخبير النفطي “د.محمد الشحاتي”

يشتد الحديث هذه الأيام عن قضية دعم المحروقات في ظل بيئة متفككة إلى حد بعيد. وهناك ثلاثة فرق واضحة في هذه المسألة:

الفريق الأول يقول:

إن مسألة الدعم هي قضية اقتصادية كلية يجب أن تتم معالجتها ضمن نظام إصلاحي متكامل، مخطط له ومتدرج، يستهدف تحقيق التوازن و”أمن تزويد الطاقة” للمجتمع بكلفة مالية مقدور عليها. ويقود هذا الفريق نخبة من الأكاديميين الاقتصاديين. وهنا يستند الأكاديميون إلى المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد، بالإضافة إلى المدرسة السلوكية. فمن ناحية الاقتصاد الكلاسيكي، فإن معالجة الاستهلاك تخضع لنظام دقيق يتعلق بالمرونة السعرية ومرونة الدخل.

ومن المعروف أن الطلب على الوقود يكون منخفض المرونة السعرية، خصوصاً في الأجل القصير، كما أن دخول الأسر في الاقتصاد الليبي منخفضة نسبياً، الأمر الذي يجعل رفع سعر الوقود قادراً على التأثير في الدخل الحقيقي للمستهلك بدرجة أكبر من قدرته على خفض الاستهلاك فوراً. وهذا يعني أن أي رفع حاد لسعر الوقود قد يؤدي إلى انخفاض في “فائض المستهلك” وارتفاع في تكلفة المعيشة، من دون أن يقابله بالضرورة انخفاض متناسب في الاستهلاك.

ولذلك يركز هذا الفريق على أن المطلوب في هذه المرحلة هو تعديل السلوك الاستهلاكي بما يشجع على الإصلاحات السعرية بطريقة متدرجة، من خلال التوسع في النقل العام، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتحقيق توازن في التسعير بين أنواع المحروقات المختلفة، وتنويع مصادر الطاقة، وربما الاستعانة تدريجياً بالمصادر المتجددة حيثما كان ذلك اقتصادياً ممكناً.

الفريق الثاني يقول:

إن مسألة الدعم هي إهدار تاريخي للموارد، ويرى أن جزءاً كبيراً من الكميات المدعومة إما يذهب إلى التهريب، أو يتم هدره نتيجة الإفراط في استهلاكه باعتباره مصدراً منخفض التكلفة. ويرى أن الفارق الكبير بين السعر المحلي والسعر الحقيقي للوقود يخلق حافزاً لاستمرار هذا الهدر والتهريب، وأن استمرار هذه الفجوة إلى ما لا نهاية ليس سياسة اقتصادية مستدامة.

ولا يرى هذا الفريق مبررات كبيرة للتدرج في الإصلاح، لاعتقادهم بشيئين: الأول أن الوفر الذي سيتم تحقيقه من تغيير سعر المنتج النفطي المباع للمستهلك يجب أن يذهب إلى المواطن في صورة دعم نقدي، بما يضمن استفادة حتى من لا يستهلك الوقود مباشرة؛ والثاني أن ارتفاع سعر الوقود سيجبر المستهلك على ترشيد استهلاكه، وبذلك سيتم تخفيض الكميات المستهلكة.

الفريق الثالث يقول:

إن مسألة الدعم تتعلق أساساً بالعجز المالي الحكومي، حيث إن الإنفاق الحكومي تضاعف إلى حدود أصبح معها اقتطاع قيمة المحروقات من الميزانية الحكومية سبباً في زيادة عجز الإنفاق. وفي هذا الصدد، فإن الحكومة مطالبة بإلغاء الدعم أو تخفيضه من خلال رفع سعر الوقود، لإعادة توجيه الوفر الذي سيحصل إلى أوجه إنفاق أخرى في الإعمار والخدمات التعليمية والصحية، وهذا التوجه هو ما حصل سابقاً في عملية إلغاء الدعم على المواد التموينية.

وبينما لكل فريق قاعدة معلومات وإحصائيات منفصلة يستعملها للتدليل على صحة موقفه، فإنه يجب الوصول مجتمعياً إلى أرضية مشتركة لحل هذه المعضلة العملية. وهذه الأرضية يجب أن تُبنى على تطوير القواسم المشتركة بينها ومعالجة الاختلافات الجذرية التي تؤخر العملية الإصلاحية.

القواسم المشتركة بين الفرق الثلاثة:

  • أولاً: هناك اعتراف بين الفرق الثلاثة بالأثر السلبي للعبء المالي لدعم المحروقات على الاقتصاد الكلي، ولكن هناك خلاف في توقيت بدء تفعيل حزمة الإصلاحات للتخفيف من هذا العبء.
  • ثانياً: هناك توافق على أن “أمن تزويد الطاقة” هو شرط لأي ترتيبات إصلاحية، ضمن حدود توفير تكلفة مقدور عليها لمستهلك الطاقة، ولكن يكمن الخلاف حول مدى هذه الحدود وكيفية تحديدها.
  • ثالثاً: هناك ميل للربط بين الاستقرار السياسي والأمان الاجتماعي اللذين ينتجان عن سوق طاقة مستقر ومصادر آمنة للتزويد، ولكن هناك خلاف على قدرة السلطة السياسية على فرض الاستقرار الاجتماعي في حال إحداث أي تغييرات على آليات وتكلفة التزود بالطاقة.

نحو مواءمة نظرية بين الفرق الثلاثة

إذا كان من الممكن الاتفاق على هذه القواسم المشتركة، فإن الخطوة التالية لا ينبغي أن تكون البحث عن انتصار فريق على آخر، وإنما عن صيغة تستوعب ما هو صحيح في كل رؤية، وتستبعد ما فيها من اختزال للمشكلة. فالخلاف الحقيقي ليس حول وجود مشكلة في دعم المحروقات، وإنما حول طبيعة المشكلة وترتيب معالجتها وتوقيت الإصلاح. ومن هنا يمكن بناء صيغة مواءمة بين الفرق الثلاثة.

الفريق الثاني محق في أن الفارق الكبير بين السعر المحلي والسعر الحقيقي للوقود يخلق حوافز قوية للتهريب والإفراط في الاستهلاك، وأن استمرار هذه الفجوة إلى ما لا نهاية ليس سياسة اقتصادية مستدامة. كما أن المواطن الذي لا يستهلك كميات كبيرة من الوقود ليس من المنطقي أن يتحمل، بصورة غير مباشرة، تكلفة دعم يستفيد منه مستهلكون أكثر منه. لكن هذا الاستنتاج لا يعني بالضرورة أن رفع السعر هو نقطة البداية الوحيدة. فالسعر ليس مجرد رقم في فاتورة الوقود، بل هو إشارة اقتصادية تنتقل آثارها إلى النقل، وأسعار السلع، والخدمات، وتكلفة الإنتاج، وربما إلى المستوى العام للأسعار. ولذلك فإن افتراض أن رفع السعر سيؤدي تلقائياً وبالسرعة نفسها إلى ترشيد الاستهلاك يتجاهل سؤالاً أكثر أهمية: هل توجد في الاقتصاد الليبي البدائل التي تمكن المستهلك من الاستجابة لهذا السعر؟ فإذا لم توجد وسائل نقل عام كافية، وإذا كانت المدن الليبية مصممة أساساً حول استخدام السيارة الخاصة، وإذا كان الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقل البري، فإن رفع سعر الوقود قد يخفض بعض الاستهلاك، ولكنه قد يفعل ذلك جزئياً من خلال رفع تكلفة المعيشة والإنتاج، وليس فقط من خلال تحسين الكفاءة الاقتصادية. وهذا ما يعنيه انخفاض مرونة الطلب السعرية، خصوصاً في الأجل القصير: أن المستهلك لا يستطيع بسهولة التخلي عن السلعة أو استبدالها عندما يرتفع سعرها، فيتحمل جزءاً كبيراً من الزيادة قبل أن يستطيع تغيير سلوكه. ولذلك فإن المشكلة ليست في مبدأ رفع السعر، وإنما في توقيت الرفع وتسلسله والبدائل التي تسبقه أو ترافقه. وهنا تظهر قوة موقف الفريق الأول.

أما الفريق الثالث فهو محق أيضاً في النظر إلى المسألة من زاوية المالية العامة. فالدعم الذي يستنزف موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى الصحة والتعليم والبنية التحتية يمثل تكلفة فرصة حقيقية. ولا يمكن للاقتصاد أن يستمر في تخصيص موارد ضخمة لدعم سلعة على حساب وظائف حكومية أخرى. لكن المشكلة في جعل العجز المالي هو نقطة الانطلاق الوحيدة للإصلاح هي أن ذلك قد يحول إصلاح دعم المحروقات إلى عملية مالية قصيرة الأجل: نرفع الأسعار، نوفر أموالاً في الميزانية، ثم نعتبر أن المشكلة انتهت. والواقع أن المشكلة لن تكون قد انتهت، بل على الأرجح بدأت بشكل مختلف. فإذا لم يتغير نمط الاستهلاك، ولم تتم معالجة التهريب، ولم تتوفر بدائل للنقل، ولم يتم إصلاح شبكة توزيع الوقود، ولم تتحسن كفاءة قطاع الكهرباء والطاقة، فإن جزءاً من الوفر المالي قد يعود في صورة أعباء اقتصادية واجتماعية جديدة، وقد تضطر الدولة لاحقاً إلى تقديم دعم آخر بصورة مختلفة. لذلك فإن الوفر المالي يجب أن يكون نتيجة من نتائج الإصلاح، وليس الهدف الوحيد منه. كما أن هناك خطراً حقيقياً في أن يتحول الوفر الناتج عن رفع أسعار الوقود إلى مورد إضافي لتغطية العجز الحكومي، ما لم تُنشأ مسبقاً آليات واضحة وشفافة لتخصيص جزء منه للأهداف التي يقال للمواطن إنه سيدفع من أجلها.

نحو مواءمة عملية للااختلافات: أين تلتقي الفرق الثلاثة؟

يمكن، في تقديري، بناء تسوية عملية بينها تقوم على أربع قواعد:

  • القاعدة الأولى: أن الإصلاح مطلوب فعلاً. ليس منطقياً الدفاع عن استمرار الوضع الحالي باعتباره نظاماً دائماً. فوجود دعم كبير ومفتوح وغير مرتبط بمنظومة واضحة للكميات والأسعار والكفاءة يخلق تشوهات اقتصادية ويستنزف الموارد العامة، كما يفتح الباب أمام التهريب والهدر.
  • القاعدة الثانية: أن الإصلاح لا يعني بالضرورة الصدمة السعرية. فهناك فرق جوهري بين القول إن الدعم يجب أن يُصلح، وبين القول إن سعر الوقود يجب أن يُرفع فوراً إلى مستوى معين. الأول يمكن الاتفاق عليه، أما الثاني فهو قرار يحتاج إلى دراسة مسبقة لآثاره الاقتصادية والاجتماعية وقدرة المجتمع على استيعابه. فالهدف ليس منع السعر من الارتفاع إلى الأبد، وإنما استخدام السعر في الوقت المناسب كأداة لتغيير السلوك وتحقيق الكفاءة.
  • القاعدة الثالثة: أن أي وفر مالي يتحقق من الإصلاح يجب أن تكون له وجهة معلنة. فإذا رفعت الدولة سعر الوقود وقالت للمواطن إن الأموال التيوفرتها ستذهب إلى تحسين الصحة والتعليم والنقل والكهرباء والبنية التحتية، أو إلى التحويل النقدي المباشر، فعليها أن تكون قادرة على إثبات ذلك. وإلا فإن المواطن لن يرى في الإصلاح سوى زيادة في تكاليف حياته، بينما تختفي الأموال في بنود الإنفاق العام الأخرى. ومن هنا فإن مسألة الثقة في الحكومة باعتبارها مديراً للمال العام لا تقل أهمية عن الحسابات الاقتصادية نفسها. ولذلك فإن أي نظام لتحويل جزء من الوفر إلى المواطنين يجب أن يقوم على قاعدة بيانات دقيقة وديناميكية، ومعايير واضحة للاستحقاق، وآليات مراجعة تمنع التلاعب أو استخدام التحويلات لأغراض سياسية.
  • القاعدة الرابعة، وهي الأهم: أن الإصلاح يجب أن يكون برنامجاً متكاملاً وليس قراراً منفرداً برفع الأسعار. وهنا تحديداً تقترب الفرق الثلاثة من بعضها، ويصبح موقف الفريق الأول أكثر اتساقاً من الناحية الاقتصادية، لأنه لا ينكر مشكلة الهدر التي يطرحها الفريق الثاني، ولا يتجاهل مشكلة المالية العامة التي يطرحها الفريق الثالث، ولكنه يضع القضيتين داخل إطار إصلاحي أوسع.

الإصلاح يبدأ من الخطة لا من السعر

المطلوب ليس أن تختار الدولة بين استمرار الدعم أو إلغائه، وإنما أن تنتقل من نظام دعم مفتوح وغير منضبط إلى نظام طاقة مخطط له. وهذا يتطلب أولاً معرفة ما الذي نريد الوصول إليه. كم يجب أن يستهلك الاقتصاد الليبي من البنزين والديزل؟ وما هي الكمية اللازمة فعلاً للنقل والإنتاج؟ وما هو الجزء الذي يذهب إلى التهريب؟ وما هو الجزء الذي ينتج عن انخفاض السعر؟ وما هي تكلفة الدعم الحقيقية؟ ومن المستفيد منه؟ وما هي تكلفة البدائل؟

وهنا يجب ألا نتعامل مع “دعم المحروقات” باعتباره كتلة واحدة. فالبنزين ليس كالديزل، والديزل ليس كوقود الطائرات، والغاز المستخدم في الطهي ليس كالوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء. لكل منتج طبيعة مختلفة من حيث المستخدمون، ومرونة الطلب عليه، وتأثيره في تكاليف الإنتاج والنقل، وبالتالي يجب أن يكون الإصلاح قائماً على تفكيك منظومة الدعم إلى مكوناتها وقياس آثار إصلاح كل مكون على حدة، بدلاً من تطبيق زيادة سعرية موحدة على جميع المنتجات.

ثم تأتي بعد ذلك مسألة الأسعار. يمكن، مثلاً، أن تبدأ الدولة بإعادة هيكلة أسعار المحروقات بصورة تدريجية ومتوقعة مسبقاً، بحيث يعرف المواطن والقطاع الخاص المسار الذي ستسلكه الأسعار خلال عدة سنوات، بدلاً من أن يستيقظ السوق على قرار مفاجئ. وفي الوقت نفسه يتم العمل على توسيع النقل العام، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتشديد الرقابة على منافذ التهريب، وإعادة تنظيم توزيع المحروقات، وربط الأسعار بصورة أكثر عقلانية بين أنواع الوقود المختلفة، وتحسين كفاءة قطاع الكهرباء، ودراسة الانتقال التدريجي نحو مصادر طاقة أكثر كفاءة وأقل اعتماداً على الوقود السائل، حيثما كان ذلك اقتصادياً ممكناً. وعندها يصبح ارتفاع السعر جزءاً من عملية تغيير السلوك وليس مجرد أداة لزيادة إيرادات الدولة.

ماذا عن الدعم النقدي؟

هنا أيضاً ينبغي الحذر من تقديم الدعم النقدي باعتباره بديلاً بسيطاً لدعم المحروقات. فالدعم النقدي، نظرياً، قد يكون أكثر عدالة من الدعم السلعي إذا صُمم بصورة صحيحة، لكنه لا يحل وحده مشكلة ارتفاع تكلفة الطاقة على الاقتصاد. كما أن تحديد قيمة الدعم النقدي وآلية استحقاقه ومراجعته دورياً مسائل تحتاج إلى نظام بيانات اجتماعية ومالية قادر على الوصول إلى المستحقين فعلاً. ولذلك يمكن أن يكون الدعم النقدي أحد مكونات النظام الجديد، وليس بالضرورة مجرد إجراء مؤقت. فقد يكون من المنطقي أن تتحول الدولة تدريجياً من دعم السلعة إلى دعم الفئات المستحقة، ولكن نجاح ذلك يتوقف على وجود نظام موثوق لتحديد المستحقين، وعلى قدرة التحويلات على الحفاظ على قوتها الشرائية، وعلى وجود آلية واضحة لمراجعتها مع تغير الأسعار والدخول. فالهدف في النهاية ليس نقل الدعم من محطة الوقود إلى الحساب المصرفي للمواطن فقط، وإنما بناء سوق طاقة أكثر كفاءة مع حماية الفئات التي لا تستطيع تحمل تكلفة الانتقال.

المشكلة السياسية أهم من المشكلة الحسابية

وهنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في المسألة. الإصلاح التدريجي لا يعني الإصلاح المتردد. هناك فرق كبير بين أن تقول الدولة: “سنرفع الأسعار عندما تسمح الظروف”، وبين أن تقول: “لدينا برنامج إصلاح يمتد لعدة سنوات، وهذه أهدافه ومراحله وتكاليفه، وسننفذه وفق جدول واضح”. الأول يعني تأجيل المشكلة، أما الثاني فيعني إدارة المشكلة. ولهذا فإن نجاح أي برنامج لإصلاح دعم المحروقات في ليبيا يحتاج إلى قيادة سياسية حازمة تمتلك القدرة على تنفيذ برنامج معلن ومتدرج، وليس إلى قرار إداري منفرد برفع الأسعار. فالبرنامج يجب أن يحدد منذ البداية ما الذي سيتم إصلاحه، ومتى، وبأي ترتيب، وما الذي سيحصل عليه المواطن مقابل تحمله تكلفة الإصلاح، وكيف سيتم قياس النتائج، ومن المسؤول عن التنفيذ، وكيف سيتم استخدام الوفر المالي الناتج عن الإصلاح. والأهم أن تكون هناك قدرة سياسية على مقاومة العودة إلى النظام القديم كلما ظهرت أولى الصعوبات. فالحزم السياسي لا يعني فقط القدرة على اتخاذ قرار رفع الأسعار، وإنما يعني أيضاً القدرة على الالتزام بخطة الإصلاح، والشفافية في عرض نتائجها، ومنع استخدام الدعم أو التحويلات النقدية كأداة للمساومات السياسية.

لا نحتاج إلى اختيار فريق وهزيمة فريق

في النهاية، لا أعتقد أن الحل يكمن في أن ينتصر الفريق الأول على الثاني أو الثالث. الفريق الثاني يقدم لنا التحذير من الهدر والتهريب والتشوهات السعرية، والفريق الثالث يذكرنا بأن الدولة لا تستطيع أن تنفق مواردها بلا حدود، وأن تكلفة الدعم لها انعكاس مباشر على المالية العامة. أما الفريق الأول فيقدم الإطار الذي يمكن أن يجمع هذين البعدين داخل سياسة اقتصادية متكاملة: الإصلاح يجب أن يحدث، ولكن ضمن خطة؛ والأسعار يجب أن تتغير، ولكن بالتدرج؛ والدعم يجب أن ينخفض، ولكن مع حماية اجتماعية؛ والوفر المالي يجب أن يتحقق، ولكن مع توجيهه إلى استخدامات أكثر إنتاجية؛ والاستهلاك يجب أن ينخفض، ولكن من خلال تغيير الخيارات المتاحة للمستهلك وليس فقط فرض تكلفة أعلى عليه.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل نلغي دعم المحروقات أم لا؟ بل: كيف ننتقل من نظام دعم غير مستدام إلى نظام طاقة مستدام دون أن نحول الإصلاح الاقتصادي نفسه إلى أزمة اجتماعية؟ وهنا يصبح موقف الفريق الأول، في تقديري، هو الأقرب إلى المنطق الاقتصادي، ليس لأنه يرفض الإصلاح، وإنما لأنه يفهم أن الإصلاح الناجح ليس قراراً برفع السعر، بل عملية لإعادة تشكيل سلوك الاقتصاد والمستهلك والدولة في آن واحد.

وليست المسألة في النهاية اختياراً بين “الدعم” و”رفع الأسعار”، وإنما اختيار بين إصلاح مخطط وإصلاح ارتجالي. رفع السعر قد يكون ضرورياً، وربما لا يمكن تجنبه على المدى الطويل، لكنه لا يصبح إصلاحاً اقتصادياً لمجرد أنه خفض قيمة الدعم في الميزانية. الإصلاح الحقيقي هو الذي يجعل الاقتصاد أقل اعتماداً على الدعم، والمستهلك أكثر قدرة على الاستجابة للأسعار، والدولة أكثر كفاءة في إدارة مواردها، والفئات الأقل دخلاً أكثر حماية، وسوق الطاقة أكثر أمناً واستقراراً.

وليبيا لا تحتاج في هذه المرحلة إلى قرار مفاجئ بقدر ما تحتاج إلى خطة واضحة، وجدول زمني معلن، وقيادة سياسية حازمة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ. فالخطر الحقيقي ليس في أن يتأخر إصلاح الدعم قليلاً، وإنما في أن تبدأ الدولة الإصلاح من دون أن تعرف إلى أين تريد الوصول، فتدفع المجتمع إلى تحمل تكلفة الإصلاح قبل أن توفر له أدوات الاستجابة له. وعندها قد يتحول إصلاح دعم المحروقات من إصلاح اقتصادي ضروري إلى أزمة اقتصادية واجتماعية جديدة. أما الإصلاح التدريجي المخطط، فهو لا يعني حماية الوضع القائم، بل يعني أن نمتلك الشجاعة الكافية لتغييره دون أن نهدم معه ما تبقى من قدرة الاقتصاد والمجتمع على الاحتمال.

“الشلوي”: محروقات يوليو 2026.. ماذا تكشف بيانات المؤسسة الوطنية للنفط عن الاستيراد والاستهلاك وهيكل الطلب المحلي؟

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

استمرار المؤسسة الوطنية للنفط في نشر بيانات تفصيلية عن حركة المحروقات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد نشرٍ لأرقام شهرية، وإنما باعتباره خطوة مهمة في بناء قاعدة معلومات يستطيع من خلالها المواطن والمتخصص والنخب الاقتصادية والجهات الرقابية قراءة واحد من أكثر ملفات الاقتصاد الليبي حساسية وتعقيداً.

والجديد المهم في بيان شهر يوليو 2026 أنه لا يكتفي بالإعلان عن قيمة المحروقات الموردة، بل يضع أمام الرأي العام الكميات حسب نوع المنتج، ومصدرها المحلي أو الخارجي، والكميات الموزعة فعلياً، والأرصدة المرحّلة، وكميات كبار المستهلكين، ثم توزيع جانب من الإمدادات على شركات التوزيع والبريقة وبقية القطاعات. وهذه التفاصيل هي التي تحول مفهوم الشفافية من عبارة عامة إلى بيانات قابلة للقراءة والتحليل والمقارنة.

ومن وجهة نظري، فإن توالي نشر هذه البيانات خلال الأشهر الأخيرة يمثل ممارسة مؤسسية جديرة بالتثمين والتطوير؛ لأن الشفافية الحقيقية لا تعني أن تكون الأرقام مريحة دائماً، بل أن تكون الأرقام متاحة، بحيث يستطيع الجميع مناقشتها، والسؤال عنها، ومقارنتها، واستخلاص المؤشرات منها على أساس معلومات رسمية بدلاً من التقديرات والانطباعات.

وفق بيانات يوليو، بلغ إجمالي ما استلمته السوق من المنتجات النفطية من المصادر المحلية والخارجية نحو 1.388 مليون طن متري. وتصدّر وقود الديزل الكميات بنحو 625.4 ألف طن، يليه البنزين بنحو 534.8 ألف طن، ثم الزيت الثقيل بنحو 155.8 ألف طن، والكيروسين بنحو 40.4 ألف طن، والغاز المسال بنحو 31.4 ألف طن.

لكن القراءة الأهم تبدأ عندما نفصل بين المصدر الخارجي والمصدر المحلي.

فمن إجمالي الكميات المستلمة في يوليو، جاء نحو 1.017 مليون طن متري من الخارج، أي ما يقارب 73% من إجمالي الإمدادات، بينما وفرت المصادر المحلية نحو 371 ألف طن متري أو قرابة 27%.

وتزداد دلالة هذه النسبة عندما ننظر إلى المنتجات الأكثر ارتباطاً بالاستهلاك اليومي؛ فمن أصل 534.8 ألف طن من البنزين جاء نحو 504.9 ألف طن من الخارج، أي قرابة 94% من الكمية المستلمة. وفي الديزل، جاء نحو 512 ألف طن من أصل 625.4 ألف طن من المصادر الخارجية، أي قرابة 82%.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد فاتورة استيراد، وإنما باعتبارها مؤشراً واضحاً على درجة اعتماد السوق الليبية على الخارج في منتجَيْن من أهم المنتجات النفطية.

وفي المقابل، تظهر البيانات أن الغاز المسال والكيروسين والزيت الثقيل المستلمة خلال يوليو جاءت كمياتها من المصادر المحلية، وهو ما يوضح أن صورة الإمداد ليست واحدة بالنسبة إلى جميع المنتجات، وأن التحدي الأكبر يتركز بصورة خاصة في البنزين والديزل.

أما على مستوى الاستهلاك والتوزيع، فقد بلغ إجمالي ما تم ضخه إلى السوق المحلية خلال يوليو نحو 1.369 مليون طن متري، موزعاً بين نحو 646.9 ألف طن من الديزل، و512.9 ألف طن من البنزين، و155.4 ألف طن من الزيت الثقيل، و35.5 ألف طن من الكيروسين، و18.5 ألف طن من الغاز المسال.

وهنا يمكننا أن نستخلص مؤشراً مهماً آخر يتعلق بتركيبة الطلب المحلي.

فمحطات الكهرباء وحدها استلمت خلال يوليو نحو 405.3 ألف طن من الديزل، بما يمثل قرابة 63% من إجمالي الديزل الموزع في البلاد خلال الشهر، إضافة إلى نحو 57.7 ألف طن من الزيت الثقيل. وبجمع المنتجات تكون محطات الكهرباء قد استهلكت نحو 463 ألف طن متري من الوقود السائل خلال شهر واحد، أي ما يعادل نحو ثلث إجمالي المحروقات التي جرى توزيعها في السوق خلال يوليو.

وهذا الرقم في تقديري يستحق التوقف عنده كثيراً.

ليس لأن توفير الوقود لمحطات الكهرباء أمر غير مبرر؛ فاستمرار الكهرباء خدمة أساسية لا يمكن للدولة الاستغناء عنها، والمؤسسة مطالبة بتأمين احتياجات الجهات المستهلكة وفق الترتيبات المعتمدة. لكن الرقم يكشف في المقابل عن كلفة هيكلية يتحملها الاقتصاد نتيجة استمرار اعتماد جزء مهم من إنتاج الكهرباء على الديزل والزيت الثقيل.

ومن هنا يجب التفريق بين توفير الوقود وبين الاستفادة المثلى من الوقود.

فالمؤسسة الوطنية للنفط تقوم بتأمين جانب من الإمدادات التي يطلبها السوق والقطاعات المختلفة، أما معالجة جذور ارتفاع الطلب على الوقود السائل فتتجاوز عملية التوريد نفسها إلى سياسات أوسع تتعلق بزيادة إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء، وتطوير قدرات التكرير المحلية، ورفع كفاءة الاستهلاك، ومعالجة التشوهات المرتبطة بالدعم، والرقابة على سلسلة التوزيع والاستهلاك.

ولهذا فإن تحميل فاتورة المحروقات لطرف واحد لا يقدم تفسيراً اقتصادياً دقيقاً للمشكلة.

وعند مقارنة يوليو بالشهر السابق تظهر صورة تستحق القراءة أيضاً. فقد بلغ إجمالي المنتجات الموزعة في يونيو نحو 1.481 مليون طن متري مقابل 1.369 مليون طن في يوليو، أي بانخفاض بنحو 7.5%. كما تراجعت الكميات المستلمة من نحو 1.519 مليون طن في يونيو إلى نحو 1.388 مليون طن في يوليو، بانخفاض يقارب 8.7%.

ولكن خلف هذا الانخفاض الإجمالي حدث تغير واضح في مزيج المنتجات.

فبينما انخفض توزيع البنزين من نحو 734 ألف طن في يونيو إلى 512.9 ألف طن في يوليو، أي بنحو 30%، ارتفع توزيع الديزل من نحو 499.8 ألف طن إلى 646.9 ألف طن، بزيادة تقارب 29%. كما ارتفع الكيروسين، بينما تراجع الزيت الثقيل والغاز المسال.

ولهذا فإن المقارنة الشهرية ينبغي ألا تتوقف عند الرقم الإجمالي، وإنما يجب أن تبحث في كيفية تغير تركيبة الاستهلاك؛ لأن ارتفاع منتج وانخفاض آخر قد يرتبطان بمستويات المخزون، وتوقيت وصول الشحنات، والطلب القطاعي، وظروف الكهرباء، وحركة الأرصفة والتفريغ والتوزيع.

والأفضل منهجياً أن نراقب هذه المؤشرات لعدة أشهر متتالية قبل تحويل أي حركة شهرية إلى استنتاج هيكلي دائم.

ويؤكد ذلك النظر إلى شهر مايو؛ إذ كانت التوزيعات حينها في حدود 1.070 مليون طن متري، قبل أن ترتفع بصورة واضحة في يونيو ثم تستقر في يوليو عند مستوى لا يزال أعلى من مايو بنحو 28%. وهذا يوضح أهمية بناء سلسلة زمنية شهرية؛ لأن قراءة شهر منفرد قد تعطي انطباعاً مختلفاً تماماً عن الاتجاه الذي تكشفه ثلاثة أو ستة أو اثنا عشر شهراً.

أما من الناحية المالية، فقد قدرت المؤسسة قيمة المحروقات الموردة خلال يوليو بنحو 1,005,984,493 دولاراً، أي ما يزيد بقليل على مليار دولار. وفي تقرير توريدات يونيو كانت القيمة المعلنة نحو 965 مليون دولار، ما يعني أن القيمة التقديرية ارتفعت في يوليو بنحو 41 مليون دولار، أو قرابة 4.2%، رغم انخفاض إجمالي الكميات المستلمة بنحو 8.7%.

وهذه في حد ذاتها ملاحظة اقتصادية مهمة، لكنها لا تسمح وحدها بالقول إن سعر شراء الوقود ارتفع بالنسبة نفسها؛ لأن قيمة فاتورة الشهر تتأثر بمزيج المنتجات وأسعار كل منتج وتوقيت التعاقد والشحن والتسوية والأسعار العالمية وشروط التوريد.

ولذلك فإن الخطوة التالية التي يمكن أن تزيد هذا الإفصاح قوة في المستقبل هي إرفاق هذه الجداول، متى أمكن، بمؤشرات إضافية عن متوسطات أسعار التوريد أو النطاقات السعرية لكل منتج، بما يسمح للمتخصصين بفصل أثر تغير الكميات عن أثر تغير الأسعار.

وهنا أجد من الضروري التوقف عند نقطة سبق أن كانت محل نقاش اقتصادي خلال الأيام الماضية. فقد جرى تداول رقم يقارب 1.410 مليار دولار باعتباره تكلفة واردات المحروقات خلال يونيو، بينما البيانات التشغيلية التفصيلية المنشورة عن المؤسسة للشهر ذاته تحدثت عن قيمة تقديرية للمحروقات الموردة تبلغ نحو 965 مليون دولار.

ومن الناحية المهنية، لا أرى أن الحل هو ترجيح رقم على الآخر دون معرفة أساس القياس المحاسبي والمالي لكل منهما.

فقد يكون هناك اختلاف بين قيمة الشحنات الموردة فعلياً خلال شهر معين، وبين قيمة الاعتمادات المستندية المفتوحة أو المسددة خلال الشهر نفسه، وبين الالتزامات المالية المرتبطة بشحنات تخص فترات أخرى. والمؤسسة نفسها سبق أن أوضحت أن آلية سداد الوقود انتقلت إلى العمل بالاعتمادات المستندية عبر المصرف الليبي الخارجي، وأن توقيت التحصيل والتسويات المالية لا يتطابق بالضرورة مع توقيت الإنتاج أو التوريد الفعلي.

ولهذا فإن توحيد تعريفات «التوريد» و«الاستيراد» و«قيمة الاعتمادات» و«المبالغ المسددة» بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي ومصرف ليبيا المركزي سيجعل المقارنات أكثر دقة، ويزيل مساحة كبيرة من الالتباس أمام الرأي العام والخبراء.

وهذا في حد ذاته يوضح لماذا يعد الإفصاح الحالي مهماً؛ لأنه لا يغلق باب الأسئلة، بل يوفر المادة التي تسمح بطرح الأسئلة الصحيحة.

ومن زاوية أخرى، يكشف تقرير يوليو أن قضية المحروقات في ليبيا ليست قضية استيراد فقط، وإنما قضية أمن طاقة وإدارة طلب وبنية اقتصادية. فدولة منتجة ومصدرة للنفط الخام لا تزال تستورد النسبة الساحقة من احتياجاتها من البنزين والديزل، وتستهلك كميات كبيرة من الوقود السائل في توليد الكهرباء.

والحل المستدام بالتالي لا يكون فقط في البحث عن أرخص شحنة بنزين أو ديزل، على أهمية ذلك، بل في تقليل الحاجة أصلاً إلى تلك الشحنات عبر رفع كفاءة المصافي، وزيادة إنتاج المشتقات محلياً، وتسريع مشاريع الغاز وتوجيهه نحو محطات الكهرباء، وتحسين كفاءة منظومة الطاقة والرقابة على الاستهلاك والتوزيع.

وهنا يصبح نشر البيانات جزءاً من الحل، لأن الدولة لا تستطيع إصلاح منظومة لا تقيسها ولا يستطيع الرأي العام تقييم سياسة لا تتوافر أرقامها.

ومن الإنصاف، في تقديري، أن يُحسب للمؤسسة الوطنية للنفط أنها باتت تضع أمام المواطن أرقاماً كان النقاش حولها في السابق يعتمد في أحيان كثيرة على التسريبات والتقديرات. والشفافية لا تعني العصمة من النقد، بل على العكس؛ كلما زادت المعلومات المنشورة أصبح النقد أكثر مهنية، وأصبح الدفاع عن الأداء الجيد أكثر استناداً إلى الوقائع، وأصبحت مواطن الخلل أكثر وضوحاً أمام صانع القرار.

ومن هنا فإنني أرى أن القيمة الأكبر لتقرير يوليو ليست فقط في أنه أخبرنا أن فاتورة المحروقات تجاوزت مليار دولار، بل في أنه سمح لنا بمعرفة ماذا استوردنا، وماذا أنتجنا محلياً، وكم وزعنا، ومن استهلك، وما الذي تم ترحيله إلى الشهر التالي.

هذه هي البداية الصحيحة لأي نقاش اقتصادي جاد.

فالهدف في النهاية ليس تجميل الأرقام ولا تضخيمها، وليس الدفاع عن مؤسسة أو تحميلها ما لا يدخل في اختصاصها، وإنما الوصول إلى السؤال الوطني الأهم:

كيف تستطيع ليبيا أن تحول ثروتها النفطية من مورد يمول استيراد الطاقة إلى منظومة متكاملة تنتج أكبر قدر ممكن من احتياجاتها محلياً، وتستخدم الغاز والنفط بأعلى كفاءة، وتحقق للدولة والمواطن أكبر عائد اقتصادي ممكن؟

وعندما تصبح الإجابة عن هذا السؤال مبنية على بيانات رسمية متتابعة ومفتوحة أمام الجميع، نكون قد انتقلنا خطوة مهمة من الجدل حول قطاع النفط إلى إدارة قطاع النفط والاقتصاد بلغة الأرقام والحقائق.

“امراجع غيث”: دعم الوقود يلتهم 45% من الميزانية الموحدة.. والاستبدال النقدي يحمي الموارد من المهربين

جدد عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق “امراجع غيث” دعوته إلى ضرورة التحول من منظومة الدعم العيني للمحروقات إلى نظام التحويلات النقدية المباشرة للأسر، مؤكداً أن هذا الطرح يستند إلى أدبيات اقتصادية رصينة وتجارب دولية ناجحة تخلصت من تشوهات الدعم العيني.

واستعرض “غيث” أرقاماً ومؤشرات تعكس حجم الهدر في قطاع الطاقة؛ مشيراً إلى أن قيمة الوقود المستورد في عام 2023 وحده بلغت حوالي 41 مليار دينار (نحو 8.5 مليار دولار)، في حين بلغت القيمة الإجمالية للوقود المستهلك بالكامل قرابة 76 مليار دينار (نحو 15.5 مليار دولار)، وذلك دون احتساب قيمة النفط الخام المسلم إلى المصافي المحلية.

وتساءل “غيث” عما إذا كانت الدولة الليبية تستهلك بالفعل هذه الكميات الهائلة من الوقود وبهذه القيمة المرتفعة، خصوصا وأن هذا البند بات يعادل نحو 45% من قيمة الموازنة العامة الموحدة للبلاد، مشددا على أن الفساد في هذا الملف بات أمراً لا يمكن لأحد إنكاره.

واختتم “غيث” حديثه بالتأكيد على ضرورة توجيه هذه المليارات نحو مشاريع تنموية حقيقية أو إعانات اجتماعية مباشرة للمواطنين، مشيرا إلى أن الحل يعد خياراً أفضل بكثير من تركها عرضة للتهريب، أو إهدارها وحرقها دون طائل نتيجة لتدني أسعارها، فضلاً عما تسببه من تلوث بيئي مستمر.

“الصور وقادربوه” يبحثان ملفات المحروقات وتمويل قطاع النفط والعقود الإدارية

بحث النائب العام المستشار “الصديق الصور” خلال اجتماعه اليوم الثلاثاء مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية “عبدالله قادربوه”، عددًا من الملفات ذات الأولوية الوطنية ومنها ملف المحروقات وتمويل قطاع النفط والعقود الإدارية.

وتركزت نقاشات الاجتماع على ملف المحروقات من مختلف جوانبه؛ حيث شدد الجانبان على أهمية إحكام الرقابة الصارمة على كافة مراحل إدارة قطاع الطاقة، وتطوير التنسيق بين الجهات المعنية لضمان استقرار وانسياب الإمدادات بشكل منتظم.

وأكد “الصور وقادربوه” على ضرورة دعم المؤسسة الوطنية للنفط، وتمكينها من أداء مهامها وفق الأطر القانونية والفنية المعتمدة، بما يضمن استمرار توفر الوقود في السوق المحلية بصورة طبيعية ودون أي اختناقات.

كما بحث الجانبان آليات تمويل القطاع النفطي، وسبل تعزيز مبادئ الشفافية في إدارة الموارد وتخصيص الإمكانات المالية اللازمة وفق الضوابط المعمول بها، بما يضمن حسن توجيه الإنفاق العام وترشيد استخدامه ومنع الهدر.

وناقش النائب العام مع رئيس الهيئة ملف العقود الإدارية بوجه عام، وأكدا على تعزيز إجراءات الرقابة المسبقة واللاحقة، وتكثيف أعمال المراجعة القانونية للتأكد من سلامة التعاقدات ومدى توافقها مع التشريعات النافذة، صوناً للمال العام.

واختتم الاجتماع بتبادل الملفات المشتركة وفق مخرجات الإدارة العامة للتحقيق بالهيئة، باعتبارها الجهة المختصة بمهام الاتهام الإداري والجنائي وفق قرار إنشائها رقم (20) لسنة 2013، وبما يخدم التكامل المؤسسي بين أعمال الرقابة الإدارية ومهام النيابة العامة في المتابعة القانونية والقضائية.

حسني بي: الدعم السعري للمحروقات والطاقة الكهربائية “سرقة مشرعنة”.. كفى خداعًا للناس باسم الدعم

كتب : رجل الأعمال “حسني بي”

الحقيقة التي يهرب منها كثيرون هي أن ليبيا لا تعاني من نقص في الثروة، بل من منظومة منظمة لابتلاع الثروة العامة تحت شعارات اجتماعية فقدت علاقتها بالعدالة وحماية المواطن.

إن منظومة دعم المحروقات الحالية ليست دعماً للفقراء، وليست سياسة اجتماعية ناجحة، وليست إنجازاً وطنياً؛ إنها أكبر آلية لإعادة توزيع الثروة من الشعب إلى المهربين والمضاربين وشبكات الاقتصاد الموازي.

إذا كان الدعم ناجحاً، فلماذا تزداد معاناة الأسر؟ وإذا كان يحمي المواطن، فلماذا ينهار الدينار؟ وإذا كان يصل إلى مستحقيه، فلماذا تتضخم أرباح التهريب بينما تتآكل دخول الليبيين؟

الحقيقة أن المواطن يدفع ثمن هذه الجريمة مرتين: مرة عندما تُهدر ثروته النفطية في دعم لا يصل إليه، ومرة أخرى عندما يدفع فاتورة التضخم وانهيار القوة الشرائية وارتفاع الأسعار.

إن وجود دعم سعري للمحروقات والطاقة يُقدّر بما بين 14 و17 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل نحو 100 إلى 120 مليار دينار، يعني عملياً أن هناك ثروة ضخمة تُسرق وتُهرّب وتُهدر. وفي ظل هذا النزيف لا يمكن بناء اقتصاد، ولا حماية الدينار، ولا تمويل تنمية حقيقية، ولا تحقيق عدالة اجتماعية.

نحن لا ندعو إلى رفع الدعم وترك المواطن يواجه مصيره، بل ندعو إلى استرداد المواطن لحقه المسروق، من خلال استبدال الدعم العيني والسعري بدعم نقدي مباشر وشفاف وعادل لكل الليبيين.

والحل ليس مجهولاً ولا مستحيلاً؛ فالآلية موجودة ومنفذة منذ يناير 2021، حيث تُصرف حالياً علاوات للأسر الليبية تحت مسميات علاوة الأبناء، وعلاوة الزوجة، وعلاوة البنات، بمبلغ يقارب 7.5 مليار دينار سنوياً، وبمتوسط يقارب 550 ديناراً شهرياً للأسرة، تُدفع كل ثلاثة أشهر.

وبناءً على ذلك، يمكن توسيع هذه الآلية فوراً بحيث يُضاف لكل مواطن مبلغ نقدي مباشر، وليكن 500 دينار شهرياً. وبذلك تحصل الأسرة المكونة من 6 أفراد على 3000 دينار شهرياً إضافية، تضاف إلى ما تتقاضاه حالياً، ليصبح دخلها النقدي الشهري في حدود 3550 ديناراً بدلاً من 550 ديناراً فقط.

هذا ليس إنفاقاً جديداً، بل إعادة توجيه للمال العام من جيوب المهربين وشبكات الفساد إلى جيوب المواطنين مباشرة. كما أن هذا التحول ليس فكرة طارئة، بل التزام قانوني سابق؛ فقد نصت قوانين الميزانية منذ عامي 2013 و2014 على التزام الحكومة بتقديم مشروع متكامل لتحويل الدعم السلعي ودعم المحروقات إلى دعم نقدي، وفق أهداف واضحة تحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتحفظ الموارد، وتساهم في تحقيق الأمن القومي.

أي أن الدولة لم تكن تجهل الحل، لكنها تأخرت في تنفيذه، فدفع المواطن والدينار والاقتصاد الوطني ثمن هذا التأخير.

المطلوب اليوم واضح:

  • أولاً: وقف منظومة الدعم السعري التي يستفيد منها المهرب والمضارب أكثر من المواطن.
  • ثانياً: تحويل قيمة الدعم مباشرة إلى المواطنين عبر الرقم الوطني والحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية.
  • ثالثاً: ربط الدعم النقدي بعدد أفراد الأسرة لضمان العدالة.
  • رابعاً: إعادة هيكلة المرتبات والدخل العام بما يحمي القدرة الشرائية.
  • خامساً: تحرير الدولة من نزيف التهريب والفجوة السعرية، وتوجيه الموارد إلى المواطن والتنمية والخدمات.
  • سادساً: تنفيذ الإصلاح دفعة واحدة وبقرار واضح، لأن التدرج في هذه الحالة يطيل عمر الفساد ولا يوقف النزيف.

لقد وصلنا إلى لحظة يجب أن يختار فيها الليبيون بين طريقين لا ثالث لهما:

  1. إما استمرار منظومة النهب والتهريب والفساد المقنّع باسم الدعم.
  2. أو الانتقال إلى منظومة عادلة وشفافة تعيد الثروة إلى أصحابها الحقيقيين: المواطنين.

لا يوجد طريق ثالث، ولا يوجد حل سحري، ولا يمكن وقف الغرق بالتمسك بالثقب الذي يغرق السفينة.

النفط ملك الشعب، وأموال الدعم هي أموال الشعب، ومن حق كل مواطن أن يحصل على نصيبه مباشرة، لا أن تتحول ثروته إلى أرباح للتهريب والفساد والمضاربة.

منظومة الدعم الحالية ليست جزءاً من الحل؛ إنها جوهر المشكلة. والحل هو دعم نقدي مباشر، عادل، شفاف، وفوري.

“المسلاتي”: اختزال أزمة الوقود في نقص المحروقات فقط لا يعكس حقيقة ما يحدث على الأرض

أكد المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط “أحمد المسلاتي” أن ملف المحروقات في ليبيا يُعد من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، لارتباطه بجوانب تشغيلية ولوجستية وأمنية ورقابية متعددة، مشدداً على أن اختزال الأزمة الحالية في مجرد “نقص الوقود” يُعد تبسيطاً غير دقيق لحقيقة الوضع القائم.

وأوضح “المسلاتي” أن شركة البريقة تواصل تنفيذ مهامها التشغيلية المتعلقة باستلام المحروقات وتخزينها وتوزيعها على مختلف المناطق بصورة منتظمة، مؤكداً أن عمليات التزويد لم تتوقف.

وأشار إلى أن مشاهد الازدحام والطوابير ترتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها ارتفاع معدلات الاستهلاك، والضغط الكبير على مادة الديزل، واستنزاف كميات كبيرة من المحروقات في التهريب والاتجار غير المشروع، إضافة إلى حالة الهلع التي تدفع بعض المواطنين للتزود بكميات إضافية.

وكشف “المسلاتي” عن وجود فجوة بين احتياجات السوق المحلي والشحنات التي تم استلامها فعلياً خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026، موضحاً أن عدد شحنات البنزين المطلوبة بلغ 64 شحنة، بينما تم استلام 56 شحنة فقط، بفارق 8 شحنات، في حين بلغت شحنات الديزل المطلوبة 56 شحنة، وتم استلام 51 شحنة، بفارق 5 شحنات.

وأضاف أن شركة البريقة فقدت جزءاً مهماً من سعاتها التخزينية نتيجة الأضرار التي تعرضت لها بعض المستودعات والخزانات خلال السنوات الماضية، وهو ما أثر على قدرتها في الحفاظ على مخزون استراتيجي مريح كما كان معمولاً به سابقاً.

وأكد أن استمرار التهريب والاتجار غير المشروع بالمحروقات أصبح من أبرز أسباب استنزاف منظومة الوقود، خاصة فيما يتعلق بمادة الديزل، في ظل استغلال بعض الشاحنات والخزانات الكبيرة في تخزين الوقود وإعادة بيعه داخل السوق السوداء، مضيفا أن تحميل شركة البريقة وحدها مسؤولية الازدحام القائم لا يعكس حقيقة تركيبة قطاع التوزيع في ليبيا، خصوصا وأن غالبية المحطات العاملة تتبع شركات توزيع أخرى ضمن منظومة التوزيع المعتمدة بالدولة.

وأشار “المسلاتي” إلى أن شركة البريقة لا تمتلك سوى عدد محدود من المحطات مقارنة بإجمالي المحطات العاملة، موضحاً أن المنطقة الغربية تضم ما يقارب 3500 محطة، بينما تمتلك الشركة نحو 70 محطة فقط تخضع لمتابعتها المباشرة، كما أشار إلى أن فرق التفتيش التابعة للشركة تواصل أداء مهامها المتعلقة بمتابعة المخزون وإجراءات السلامة وتنظيم عمليات التوزيع وفق الإمكانيات والصلاحيات المتاحة.

وشدد في ختام تصريحاته على أن شركة البريقة والعاملين بها يواصلون العمل في ظروف تشغيلية معقدة بهدف المحافظة على استمرارية الإمدادات وضمان وصول المحروقات إلى مختلف المدن والمناطق، رغم التحديات المتعلقة بالبنية التحتية والضغط المتزايد على منظومة التوزيع.

“أحمد المسلاتي”: رفع الدعم وحده لا ينهي أزمة الوقود في ليبيا

كتب: الباحث في الشأن النفطي والاقتصاد – “أحمد المسلاتي”

يثير ملف دعم المحروقات في ليبيا جدلاً متجدداً بين الدعوات المطالبة برفع الدعم باعتباره أحد أسباب التهريب واستنزاف المال العام، وبين من يرى أن تحميل المواطن تبعات الاختلالات الاقتصادية والإدارية القائمة لن يؤدي إلى معالجة جوهر الأزمة.

في تقديري، فإن أزمة المحروقات في ليبيا تتجاوز مسألة الأسعار المدعومة، لتشمل تحديات أوسع ترتبط بضعف منظومة الرقابة، واتساع السوق الموازية، واستمرار عمليات التهريب، إلى جانب غياب أنظمة فعالة لتتبع حركة الوقود وتنظيم الاستهلاك.

الوقود المدعوم ما يزال يمثل بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين عنصراً أساسياً في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والخدمية المعقدة التي تشهدها البلاد.

والحقيقة أن المواطن الليبي، في بلد يملك هذه الثروات النفطية الضخمة، من حقه أن يعيش بصورة كريمة ومرفهة، وأن يستفيد من موارده الطبيعية عبر دعم حقيقي للوقود والخدمات الأساسية، بدلاً من أن يتحول دائماً إلى الطرف الذي يُطلب منه دفع فاتورة الاختلالات والأزمات المتراكمة.

وفي المقابل، فإن استمرار الدعم دون إصلاحات موازية ساهم في توسع ظاهرة التهريب والاتجار غير المشروع بالمحروقات، مما أدى إلى خسائر مالية كبيرة واستمرار الضغط على منظومة التوزيع والإمدادات.

ومن هنا، فإن أي توجه لإعادة هيكلة منظومة الدعم أو مراجعتها يجب أن يسبقه تنفيذ إصلاحات حقيقية تشمل تشديد الرقابة على التوزيع، وتفعيل أنظمة التتبع الإلكتروني، ومكافحة التهريب، وتنظيم الاستهلاك، وتحسين خدمات النقل والبنية التحتية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويحد من تسربه إلى السوق السوداء.

كما أن تجارب عدد من الدول أظهرت أن رفع الدعم وحده لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهريب أو القضاء على السوق الموازية، ما لم يترافق مع إصلاحات رقابية وأمنية واقتصادية شاملة.

ويبقى ملف دعم الوقود في ليبيا من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بمستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يجعل أي معالجة لهذا الملف تتطلب رؤية متدرجة ومتوازنة تُعالج جذور الأزمة أولاً، من خلال مكافحة التهريب وتشديد الرقابة وتنظيم التوزيع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق المواطن في الحصول على الوقود بأسعار عادلة.

كما أن معالجة الاختلالات الاقتصادية وظاهرة التهريب لا ينبغي أن تبدأ من جيب المواطن، بل من بناء منظومة رقابية أكثر كفاءة، وتشديد الرقابة على التوزيع والمنافذ، وإيجاد حلول اقتصادية وإدارية حقيقية تقلل الهدر وتحمي المال العام، مع الحفاظ على حق المواطن الليبي في الاستفادة من ثروات بلاده والعيش الكريم.

شركة البريقة تطمئن المواطنين بأن الوقود متوفر وعمليات استلام وتوزيع شحنات المحروقات تسير بصورة طبيعية

أكدت شركة البريقة لتسويق النفط في بيان اليوم الثلاثاء، أن الازدحام الذي تشهده بعض محطات الوقود حالياً لا يعود إلى أي خلل في توفر المحروقات، مشيرة إلى أن الوقت المستغرق في الإجراءات اللوجستية المصاحبة لرسو الناقلات هو السبب وراء التذبذب المؤقت في عمليات التزويد.

​وطمأنت الشركة المواطنين بأن عمليات استلام وتوزيع شحنات المحروقات تسير بصورة طبيعية وبوتيرة منتظمة؛ حيث رست الناقلة “VS Spirit” في ميناء طرابلس بحمولة تتجاوز 25 ألف طن متري من البنزين، كما رست الناقلة “Karen Maersk” في ميناء بنغازي بحمولة بلغت 31 ألف طن متري، مع توقع وصول عدد إضافي من الناقلات تباعاً خلال هذا الأسبوع.

“حسني بي”: إدارة الندرة في الاقتصاد الليبي.. كيف نُحوّل فرق سعر الدولار إلى منفعة عامة؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

الاقتصاد في جوهره هو علم إدارة الندرة، أي إدارة الموارد المحدودة وفق الواقع، بعيدًا عن التأملات والأمنيات، لذلك فإن أي نقاش اقتصادي جاد يجب أن ينطلق من قراءة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.

المشكلة الاقتصادية في ليبيا اليوم ترتبط بحجم الإنفاق العام وهيكله، فالتقديرات تشير إلى إنفاق يقارب:
نحو 70 مليار دينار مرتبات، وحوالي 14 مليار دينار مصروفات تسييرية، وما يقارب 98 مليار دينار دعم للمحروقات، إضافة إلى نحو 18 مليار دينار للدعم، وبرامج تنمية تتجاوز 70 مليار دينار، أي بإجمالي 270 مليار دينار “إجمالي قيمة الإنفاق العام”.

وفي ظل عدم توريد كامل إيرادات مبيعات النفط إلى الخزانة العامة “36 مليار دولار” كامل حصة ليبيا من إنتاج نفط “31 مليار دولار خام نفطي وغاز 5 مليار دولار”، مع وجود آليات مثل المقايضة الداخلية والخارجية وتفويض الدفع بالإنابة، للأسف أصبحت الصورة المالية غير مكتملة، وابتعدت الحسابات العامة عن مسارها الطبيعي، ويلقى اللوم على غير أهله.

نتيجة لذلك أصبح الإنفاق بالعجز أمرًا شبه حتمي، خاصة في ظل عدم إقرار ميزانية عامة واحدة أو موحدة، إلى جانب استمرار سياسات سعر الصرف الثابت التي أثبتت التجربة فشلها على مدى عقود طويلة.

في هذا السياق، يبرز أثر تعدد أسعار الصرف (إداري، رسمي، سوق نقدي، حرق صكوك)، وفارق سعر الدولار، والذي يمثل تكلفة حقيقية يتحملها المواطن في النهاية، من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات، (الحكومات والإدارات لا تخسر ولا تربح، الخاسر دوما المواطن مالك الريع أو الثروة).

وهنا يطرح السؤال المهم:
كيف يمكن تحويل فرق سعر الدولار (الضريبة المستترة) من منفعة خاصة لفئة محدودة إلى منفعة عامة يستفيد منها جميع المواطنين؟

لفهم ذلك، علينا أولًا النظر إلى واقع السوق. فجزء كبير من السلع المتداولة اليوم تم استيراده خلال الأشهر الستة الماضية باستخدام الدولار الذي بيع في عام 2025 بقيمة تقارب 25 مليار دولار.
لكن رغم أن السعر الرسمي للدولار يبلغ 6.30 دينار، فإن كثيرًا من السلع يتم تسعيرها في السوق وفق سعر أعلى بكثير. وهذا الفرق في التسعير يخلق فجوة يتحملها المواطن عند شراء السلع والخدمات.

وبحساب تقريبي لهذه الفجوة يمكن ملاحظة الآتي:
إذا تم التسعير على أساس 8 دنانير للدولار، فإن فرق السعر يبلغ 1.7 دينار لكل دولار، أي نحو 42.5 مليار دينار.
وإذا كان التسعير على أساس 9 دنانير للدولار، فإن الفرق يصل إلى 2.7 دينار لكل دولار، أي حوالي 67.5 مليار دينار.
أما إذا بلغ التسعير 10 دنانير للدولار، فإن الفارق يصبح 3.7 دينار لكل دولار، أي ما يقارب 92.5 مليار دينار.
وفي حال التسعير عند 11 دينارًا للدولار، يصل الفرق إلى 4.7 دينار لكل دولار، أي نحو 117.5 مليار دينار.
بمعنى آخر، دفع المواطن الليبي فعليًا ضريبة غير مباشرة تتراوح بين 42.5 مليار و117.5 مليار دينار نتيجة الفرق بين السعر الرسمي وسعر السوق.

المشكلة لا تكمن في وجود هذا الفرق فقط، بل في وجهة الاستفادة منه. فهذه الأموال لم تتحول إلى إيرادات عامة للدولة، بل أصبحت أرباحًا إضافية لمن تمكنوا من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي، سواء عبر الاعتمادات التجارية الكبيرة بالملايين أو عبر المخصصات الشخصية 2000 دولار.
وهنا يظهر السؤال الجوهري:
إذا كان المواطن قد دفع هذه “الضريبة” عبر الأسعار المرتفعة، فكيف يمكن تحويلها من منفعة لفئة محدودة إلى منفعة لجميع المواطنين الذين يتجاوز عددهم 9.2 مليون مواطن؟

الحل الواقعي
معالجة هذه المشكلة لا تكون بتجاهلها أو من خلال طرح الأماني، بل بإدارتها بشكل شفاف وعادل من خلال خطوات عملية واضحة:
أولًا: تقريب سعر الصرف من الواقع السوقي، توحيد أو تقريب سعر الصرف يحد من المضاربة ويقلل من الأرباح غير المبررة الناتجة عن الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق.
ثانيًا: تحويل فرق السعر إلى إيراد عام واضح، بدلًا من أن يتحول الفرق إلى أرباح خاصة. يمكن فرض رسم رسمي على بيع الدولار يدخل مباشرة إلى الخزانة العامة للدولة.
ثالثًا: إعادة توجيه العائد لصالح المواطن، يمكن استخدام هذه الإيرادات لدعم المواطن مباشرة بالجزء الأكبر، والمتبقي يذهب لتحسين الخدمات العامة.

شخصيا أفضل التوزيع المباشر على المواطنين إن كان الايراد من فارق السعر أو من خلال الاستبدال النقدي لـ98 مليار محروقات .
بهذه الطريقة يتحول فرق سعر الصرف والمحروقات من عبء خفي يتحمله المواطن إلى مورد اقتصادي يخدم المجتمع بأكمله.
إن إدارة الواقع الاقتصادي لا تعني الاستسلام له، بل تعني تحويل التحديات القائمة إلى فرص لبناء سياسات اقتصادية أكثر عدالة وكفاءة.