Skip to main content
|

“الشلوي”: الإيرادات النفطية بين اختلاف الأرقام واختلاف التوقيت.. المطلوب تسوية لا سجال

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

تابعت باهتمام ما نشرته صحيفة (صدى الاقتصادية) من تصريحات للسيد عبد الباسط الجبوع، مدير الإدارة العامة للرقابة على قطاعي الطاقة والشركات العامة بديوان المحاسبة، كما اطلعت على القراءة التحليلية التي قدمها الزميل الخبير محمد الشحاتي بشأن الاختلافات بين بيانات المؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي…

وبحكم عملي في القطاع النفطي لما يقارب أربعة عقود، ومتابعتي للشأنين النفطي والاقتصادي، أعتقد أن القضية تستحق أن تُقرأ بهدوء بعيداً عن منطق الاتهام أو الدفاع، لأننا نتحدث في النهاية عن ثلاث مؤسسات وطنية لكل منها اختصاصها وزاوية نظرها وطريقة قيدها وعرضها للبيانات.

أول ما ينبغي توضيحه أن اختلاف الرقم لا يعني بالضرورة وجود تضارب حقيقي في الأصل. ففي الصناعة النفطية هناك فرق جوهري بين الإنتاج، والكميات المخصصة للشركاء، وحصة الدولة، والكميات المصدّرة، وقيمة الفواتير، والمبالغ المستحقة، والمبالغ المحصّلة فعلياً، ثم المبلغ الذي يصل في النهاية إلى مصرف ليبيا المركزي بعد التسويات والاستقطاعات. كما أن شهر الإنتاج ليس بالضرورة شهر التصدير، وشهر التصدير ليس دائماً شهر التحصيل…

وهنا تكمن، في تقديري، نسبة كبيرة من الإشكال الذي نراه اليوم.

فتقرير ديوان المحاسبة للفترة من يناير إلى يوليو 2026 يورد إنتاجاً بنحو 287.909 مليون برميل، في حين تشير بيانات المؤسسة المرفقة إلى نحو 287.450 مليون برميل؛ أي فارق يقارب 458.5 ألف برميل فقط، وهو نحو 0.16% من إجمالي الإنتاج. هذا فرق يستحق المطابقة والتفسير، لكنه من الناحية الكمية لا يبرر وحده الحديث عن فجوة جوهرية في منظومة الإنتاج…

أما الرقم الذي يحتاج فعلاً إلى تعريف واضح فهو ما يتعلق بـ (حصة الدولة الليبية) و (حصة المؤسسة الوطنية للنفط)، حيث يصل الفرق في الجدولين المرفقين إلى نحو 22 مليون برميل. وفي تقديري لا يجوز القفز مباشرة إلى تفسير هذا الفرق باعتباره نقصاً أو زيادة في كميات فعلية؛ فالأرجح أننا أمام اختلاف في التعريف والتصنيف المحاسبي والتعاقدي، وهو ما يستوجب أن تحدد كل جهة بدقة ماذا تقصد بمصطلحها.

وكذلك الحال في حصص الشركاء، حيث يبلغ الفرق التراكمي المرفق نحو 421 ألف برميل، بينما نجد في المقابل أن الفرق بين الرقمين الخاصين بالمبالغ المحصّلة أو المحوّلة عبر المصرف الليبي الخارجي لا يتجاوز نحو 466 ألف دولار من إجمالي يقارب 15.79 مليار دولار؛ أي فرق بالغ الضآلة نسبياً. وهذه النقطة مهمة لأنها توحي بأن جزءاً كبيراً من الخلاف الظاهر هو خلاف في التوقيت والتصنيف والتسويات أكثر منه خلافاً على أصل التدفقات المالية…

والتقرير المنسوب إلى ديوان المحاسبة يوضح هذه الحلقة بصورة أكبر؛ فإجمالي قيمة الصادرات خلال الأشهر السبعة بلغ نحو 18.46 مليار دولار، بينما بلغ المحصّل لدى المصرف الليبي الخارجي نحو 15.79 مليار دولار، والمحوّل إلى مصرف ليبيا المركزي نحو 11.16 مليار دولار، مع وجود تسويات ومستحقات والتزامات وتكاليف توريد محروقات. لذلك لا ينبغي وضع الأرقام الثلاثة في خانة واحدة والمقارنة بينها وكأنها تعبر عن المفهوم المالي نفسه…

وهنا أصل إلى تصريح السيد الجبوع بشأن تأجيل بعض المدفوعات بما سمح برفع المبالغ المحالة خلال بعض الأشهر إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار…

من الناحية المالية، هذا أمر يمكن فهمه باعتباره إدارة لتوقيت التدفقات النقدية، لكنه لا يعني أن الدولة خلقت إيراداً نفطياً إضافياً بقيمة المبالغ المؤجلة. فما لم يُدفع اليوم سيبقى التزاماً يجب دفعه غداً. ولهذا فإن ارتفاع التحويل في شهر وانخفاضه في شهر لاحق قد يكون في جزء منه مجرد انتقال للتدفق النقدي بين فترتين…

بل إن إجمالي قيمة الصادرات البالغ نحو 18.46 مليار دولار خلال سبعة أشهر يعادل متوسطاً حسابياً يقارب 2.64 مليار دولار شهرياً قبل التسويات، بينما المتوسط الحسابي للمبالغ المحصّلة لدى المصرف الليبي الخارجي يقارب 2.26 مليار دولار شهرياً. ولذلك فإن تجاوز ثلاثة مليارات في بعض الأشهر ممكن ومفهوم، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار أو تراكم التحصيل، ولكنه لا ينبغي أن يُقدَّم منفرداً باعتباره المتوسط الهيكلي الثابت للإيراد الليبي…

وهنا أتفق مع جوهر الملاحظة الاقتصادية القائلة إن أي قرار بتأجيل التزامات ينبغي تقييمه على أساس التكلفة والعائد: ماذا استفاد الاقتصاد وسعر الصرف والسيولة في ذلك التوقيت؟ وفي المقابل، هل ترتبت فوائد أو غرامات أو تكاليف تمويل أو آثار على شروط التوريد والعلاقة مع الشركاء والموردين؟ لا يمكن الحكم على سلامة القرار اقتصادياً من أحد جانبيه فقط…

أما بخصوص الأسعار، فأتحفظ قليلاً على المقارنة المباشرة بين سعر برنت المنشور في بيانات المؤسسة ومتوسط أسعار الخامات الليبية الوارد في تقرير الديوان… فالأول مؤشر مرجعي عالمي، بينما الثاني إذا كان الوصف دقيقاً يُفترض أنه سعر تحقق فعلي لخامات ليبية متعددة، ومن ثم لا يصح تلقائياً اعتبار الفارق، ومنه فارق مارس الكبير، ((خصماً)) على الخام الليبي قبل معرفة طريقة الاحتساب، وتوقيت التسعير، وهل المتوسط مرجح بالكميات أم لا. لكن هذا تحديداً يؤكد الحاجة إلى تعريف المنهجية التي استخدمها الديوان.

كذلك فإن العبارة الواردة في التصريح عن مشاركة الديوان في تأجيل المدفوعات تحتاج، من وجهة نظري، إلى توضيح مؤسسي لا إلى اتهام: هل كان الديوان صاحب قرار، أم جهة رقابية مواكبة لترتيبات اتخذتها الجهات التنفيذية والمالية؟ فالرقابة يجب أن تبقى رقابة، وإدارة السياسة النقدية من اختصاص المصرف المركزي، وإدارة العمليات النفطية والتجارية من اختصاص المؤسسة وفق القوانين والترتيبات النافذة. وفي الوقت نفسه، سبق للمؤسسة أن أوضحت رسمياً في مارس أن بعض ترتيبات سداد المحروقات تمت بالتنسيق بين المركزي والديوان ووزارة المالية وبحضور مكتب النائب العام، وهو ما يؤكد أن الملف كان بالفعل عابراً لأكثر من مؤسسة…

ما أراه ضرورياً الآن ليس إصدار المزيد من البيانات المنفصلة، بل إصدار ((كشف تسوية موحد)) شهري أو ربع سنوي يضع في صفحة واحدة: الإنتاج، وحصة الدولة، وحصص الشركاء، والكميات المصدّرة، وقيمة الفواتير، والمبالغ المستحقة غير المحصّلة، والمبالغ المحصّلة فعلياً، وتكاليف المحروقات والتسويات، ثم صافي المبالغ المحولة إلى المركزي، مع تعريف واضح لكل بند وتاريخ القطع المحاسبي المستخدم…

ولست ممن يرون أن الشفافية تعني إلزام المؤسسة الوطنية للنفط بنشر كل تفصيل تجاري أو تعاقدي حساس، ولا أن المطلوب إصدار قوائم مالية كاملة كل أسبوع. بل إنني أرى أن ما قامت به المؤسسة خلال الفترة الأخيرة من توسيع نطاق الإفصاح الشهري يمثل خطوة إيجابية ينبغي تطويرها لا التقليل منها؛ لكن اكتمال الشفافية يحتاج أيضاً إلى قابلية الأرقام للمطابقة بين المؤسسة والمصرف المركزي وديوان المحاسبة…

ولا أرى في الاختلاف المهني بين هذه المؤسسات مشكلة في حد ذاته. المشكلة تبدأ فقط عندما يستخدم كل طرف تعريفاً مختلفاً للرقم نفسه دون بيان ذلك للرأي العام…

في النهاية، النفط هو المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي في بلادنا، ولذلك فإن سلامة المعلومة النفطية ليست مسألة تخص المؤسسة وحدها، ولا المصرف المركزي وحده، ولا ديوان المحاسبة وحده؛ بل هي جزء من الأمن الاقتصادي للدولة…

ولهذا فإن ما نحتاجه اليوم ليس [مثلث برمودا]، ولا سجالاً بين المؤسسات، وإنما مثلث تكامل مؤسسي: مؤسسة تنتج وتسوّق وتفصح، ومصرف يدير التدفقات والسياسة النقدية، وديوان يراقب ويتحقق؛ على أن تلتقي أرقام الجميع في نهاية المطاف عند حقيقة مالية واحدة قابلة للفهم والمراجعة والتحقق…

وعندها فقط تتحول كثرة الأرقام من مصدر للالتباس إلى أداة حقيقية للشفافية والثقة.

مشاركة الخبر