Skip to main content
|

“الشلوي”: ​قراءة تكنوقراطية في بيانات الاستهلاك المحلي

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

تكتسب البيانات اليومية والأسبوعية التي تنشرها المؤسسة الوطنية للنفط أهمية تتجاوز مجرد عرض أرقام الاستهلاك؛ لأنها تتيح للرأي العام لأول مرة بصورة منتظمة تتبّع جانب مهم من حركة الطاقة داخل السوق المحلية، ومعرفة أين تذهب كميات الغاز الطبيعي والنفط الخام والمنتجات النفطية. وأرى أن استمرار المؤسسة في هذا النمط من الإفصاح اليومي والأسبوعي يضعها في موقع متقدم من حيث الشفافية التشغيلية، خصوصاً أن الأرقام أصبحت تربط بين نوع الوقود والجهة أو القطاع المستفيد منه، وهو ما يساعد على بناء نقاش عام قائم على البيانات وليس على الانطباعات.

وبقراءة تقرير مسحوبات كبار المستهلكين خلال 24 ساعة الصادر بتاريخ 23 أغسطس 2026، بلغ إجمالي استهلاك الغاز الطبيعي 1,135.72 مليون قدم مكعب، استحوذت الشركة العامة للكهرباء منها على 1,011.04 مليون قدم مكعب، أي نحو 89% من إجمالي الغاز المبين في التقرير. وذهبت 74.29 مليون قدم مكعب إلى الجهات التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، و40.72 مليون قدم مكعب إلى مصانع الحديد والصلب، و9.67 مليون قدم مكعب إلى مصانع الإسمنت.

وهذا الرقم يوضح بصورة مباشرة أن الجزء الأكبر جداً من الغاز الطبيعي المحلي لا يذهب إلى استخدامات هامشية، وإنما إلى إنتاج الكهرباء؛ أي إن العلاقة بين قطاع النفط والغاز وقطاع الكهرباء علاقة تشغيلية مباشرة، وأي نقاش حول الغاز المحلي يجب أن يأخذ في الاعتبار أن قرابة تسعة أعشار الكميات الواردة في هذا الإفصاح اليومي كانت موجهة لمحطات الكهرباء.

ويظهر التقرير اليومي كذلك استهلاك 12,953 برميلاً من النفط الخام و5,234 طناً مترياً من الديزل لدى الشركة العامة للكهرباء. وهذه نقطة مهمة للرأي العام، لأن توليد الكهرباء في ليبيا لا يعتمد على الغاز وحده، بل تضطر بعض الوحدات والمحطات إلى استخدام الخام أو الوقود السائل بحسب جاهزية المحطات والشبكات وتوافر إمدادات الغاز.

أما التقرير الأسبوعي للفترة من 15 إلى 21 أغسطس 2026 فيعطي صورة أوسع للسوق. فقد سجل إجمالي الغاز الطبيعي المعلن 7,284 مليون قدم مكعب خلال أسبوع، أي بمتوسط يقارب 1.04 مليار قدم مكعب يومياً. وكانت حصة محطات الكهرباء وحدها 6,506 ملايين قدم مكعب، بما يعادل نحو 89.3% من الإجمالي المعلن، وهو ما يؤكد النمط نفسه الذي يظهره التقرير اليومي.

​كما استهلكت محطات الكهرباء خلال الأسبوع 63,671 برميلاً من النفط الخام، بمتوسط يقارب 9,096 برميلاً يومياً، إضافة إلى 117,169 طناً من الديزل و31,047 طناً من الزيت الثقيل. وهذا يبين حجم ما يستوعبه قطاع الكهرباء من موارد هيدروكربونية، ويضع أمام المواطن صورة أوضح عن أحد أهم مسارات الاستهلاك المحلي للطاقة.

وعلى مستوى السوق الأوسع، بلغ توزيع وقود البنزين 99,188 طناً مترياً خلال الأسبوع؛ منها 84,149 طناً عبر شركات التوزيع و13,437 طناً مسجلة ضمن شركة البريقة و1,602 طن لباقي القطاعات. كما بلغ إجمالي الديزل 178,761 طناً؛ استحوذت محطات الكهرباء على نحو 65.6% منه، بينما توزعت بقية الكميات بين شركات التوزيع والبريقة ومحطات التحلية والقطاعات الأخرى. وبلغ الزيت الثقيل 34,101 طن، ذهب أكثر من 91% منه إلى الكهرباء، إضافة إلى كميات لمحطات التحلية ومصانع الإسمنت.

ومن المهم فنياً عدم إجراء مقارنة حسابية مباشرة بين رقم الديزل في تقرير الـ24 ساعة وإجمالي الديزل في التقرير الأسبوعي؛ لأن التقرير الأول يتناول مسحوبات كبار المستهلكين، بينما التقرير الأسبوعي أوسع نطاقاً ويشمل كذلك الكميات الموزعة في السوق عبر شركات التوزيع والبريقة وبقية القطاعات. اختلاف نطاق القياس هنا جوهري حتى لا تُقرأ الأرقام بصورة غير صحيحة.

وللدقة أيضاً، توجد ملاحظة حسابية محدودة في جدول الغاز الأسبوعي؛ إذ إن جمع البنود التفصيلية الظاهرة يعطي نحو 7,278.3 مليون قدم مكعب مقابل إجمالي منشور قدره 7,284 مليون قدم مكعب، بفارق يقارب 5.7 مليون قدم مكعب فقط، أي أقل من عُشر الواحد في المئة. وقد يكون ذلك ناجماً عن التقريب أو عن بند تفصيلي لم يظهر في الجدول، ومن المفيد توضيحه في الإفصاحات اللاحقة. الإشارة إلى مثل هذه الفروقات لا تنتقص من قيمة الإفصاح، بل هي في صميم ثقافة الشفافية والمراجعة المهنية.

الخلاصة التي أرى ضرورة أن تصل إلى الرأي العام هي أن هذه الأرقام تجيب تدريجياً عن السؤال المتكرر: أين تذهب كميات النفط والغاز والمحروقات داخل ليبيا؟ والبيانات المنشورة تبين أن جزءاً بالغ الأهمية يذهب إلى توليد الكهرباء، ثم إلى السوق المحلية عبر قنوات التوزيع، وإلى الصناعة والتحلية والقطاعات الاقتصادية الأخرى.

والخطوة التي أتمنى استمرارها وتطويرها هي تحويل هذه الإفصاحات اليومية والأسبوعية إلى سلسلة زمنية تراكمية شهرية تسمح بالمقارنة بين الإنتاج المحلي والاستيراد والتوزيع والاستهلاك النهائي، مع توحيد الوحدات وإضافة نسب التغير. عندها لا تكون الشفافية مجرد نشر أرقام، وإنما تصبح أداة حقيقية للرقابة والتحليل وصناعة القرار وتنوير المواطن، وهذا في تقديري هو الاتجاه الصحيح الذي ينبغي دعمه والبناء عليه.

مشاركة الخبر