Skip to main content
|

​”الشلوي”: أين تذهب كهرباء ليبيا؟ .. سؤال الأرقام بين الاستهلاك والبيتكوين

كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي

حين نتحدث عن أزمة الكهرباء في ليبيا، لا أرى أن من الإنصاف اختزالها في سبب واحد؛ فالمنظومة معروفة التعقيد، وتبدأ من التوليد وتمر بالنقل وتنتهي بالتوزيع، وتتأثر بخروج الوحدات للصيانة والعمرات، وباختناقات الشبكة، وتوافر الوقود والغاز، والاعتداءات والتوصيلات غير النظامية، إضافة إلى الارتفاع الموسمي في الأحمال.

لكن هناك سؤالاً اقتصادياً وفنياً أعتقد أنه يستحق أن يُطرح بهدوء:

هل حجم استهلاك الكهرباء في ليبيا يتناسب فعلاً مع عدد السكان، وحجم النشاط الصناعي والإنتاجي والخدمي القائم؟ وأين تذهب كل هذه الكهرباء؟

الأرقام هنا تستحق التأمل. فبحسب بيانات 2024، بلغ صافي استهلاك الكهرباء في ليبيا نحو 27.8 تيراواط/ساعة، وبمتوسط يقارب 3,763 كيلوواط/ساعة للفرد سنوياً. وفي العام نفسه كان المتوسط نحو 1,849 كيلوواط/ساعة في الجزائر، و1,620 في تونس، و1,631 في مصر. أي إن معدل الاستهلاك للفرد في ليبيا يقارب ضعفي الجزائر وأكثر من ضعفي تونس ومصر.

ولا يعني ذلك تلقائياً أن الليبي يهدر ضعف ما يهدره غيره، ولا أن هناك نشاطاً خفياً بعينه يستهلك الفارق؛ فالمناخ، والتكييف، ودعم أسعار الكهرباء، والفواقد الفنية والتجارية، وطبيعة العمران، واستهلاك القطاع النفطي والمرافق العامة كلها عوامل يجب احتسابها. ولكن عندما يكون الفارق بهذا الحجم، يصبح تحليل مكونات الطلب الكهربائي – وليس مجرد زيادة التوليد – ضرورة فنية واقتصادية.

والأهم أن ليبيا ليست دولة ذات قاعدة صناعية كثيفة بالقياس إلى دول يفوق عدد سكانها وعدد مصانعها ومجمعاتها الإنتاجية عدد نظيراتها في ليبيا مرات عديدة.

ومن هنا يصبح من المفيد إجراء موازنة كهربائية دقيقة: كم يستهلك السكن؟ كم تستهلك التجارة؟ الصناعة؟ النفط؟ المياه؟ القطاع الحكومي؟ وما حجم الفاقد الفني والتجاري؟ ثم نسأل: هل يتبقى بعد ذلك استهلاك كبير لا يجد تفسيراً واضحاً؟

وماذا عن البيتكوين؟
​هنا أود التفريق بين السؤال والاتهام.
​لا أقول إن في ليبيا عدداً معيناً من (محطات البيتكوين) – والتعبير الفني الأدق هو مزارع تعدين العملات الرقمية – ولا أملك رقماً موثقاً عن إجمالي قدرتها الكهربائية الحالية. لكننا نعلم أن نشاط التعدين وجد بالفعل داخل ليبيا؛ فقد جرى في سنوات سابقة ضبط مواقع وأجهزة تعدين، وفي نوفمبر 2025 صدر حكم قضائي بإدانة تسعة أشخاص لاستعمال أجهزة تعدين العملات المشفرة داخل مصنع للحديد في زليتن، مع مصادرة المعدات. إذن فالظاهرة ليست افتراضية بالكامل، أما حجمها الحالي وتأثيرها على الشبكة فذلك ما يحتاج إلى قياس رسمي.

ولشرح الأمر للمواطن بصورة مبسطة، فإن البيتكوين ليست قطعة نقدية تُصنع في مصنع. هي أصل رقمي يعمل عبر شبكة عالمية تسمى Blockchain. يقوم آلاف الحواسيب المتخصصة، المعروفة بأجهزة ASIC، بإجراء أعداد هائلة من العمليات الحسابية في منافسة مستمرة للتحقق من المعاملات وإضافة [كتلة] جديدة إلى الشبكة.

الجهاز الذي ينجح ضمن منظومة التعدين في المساهمة بالفوز بالكتلة يحصل المعدّنون المرتبطون به على مكافأة. والمكافأة الأساسية الحالية للشبكة هي 3.125 بيتكوين لكل كتلة، بمعدل كتلة في حدود عشر دقائق تقريباً، إضافة إلى رسوم المعاملات.
​وسعر البيتكوين متغير بصورة مستمرة، لكنه كان صباح 27 أغسطس 2026 في حدود 78–79 ألف دولار للبيتكوين الواحد؛ أي أن مكافأة 3.125 بيتكوين وحدها تقترب نظرياً من ربع مليون دولار بالسعر الحالي، قبل احتساب رسوم المعاملات. ومن هنا نفهم لماذا يبحث المعدّنون عالمياً عن الكهرباء الرخيصة.

كم يستهلك جهاز واحد؟
​هنا تصبح المسألة أكثر أهمية بالنسبة لنا.
​أحد أجهزة التعدين الحديثة، وهو Antminer S21 Pro، تبلغ قدرته الكهربائية الاسمية نحو 3.51 كيلوواط. وإذا عمل 24 ساعة، وهو الوضع الطبيعي في التعدين، فإنه يستهلك قرابة 84 كيلوواط/ساعة يومياً، وأكثر من 30 ألف كيلوواط/ساعة في السنة للجهاز الواحد.
​جهاز واحد قد لا يعني شيئاً للشبكة، لكن التعدين نشاط يقوم على التجميع.
​ألف جهاز من هذا المستوى تعني حملاً مستمراً في حدود 3.5 ميغاواط.
​وعشرة آلاف جهاز تعني نحو 35 ميغاواط تعمل ليلاً ونهاراً، وتستهلك في سنة واحدة قرابة 307 جيجاواط/ساعة؛ أي ما يزيد على 1% من إجمالي استهلاك ليبيا للكهرباء في 2024، من مزرعة افتراضية واحدة بهذا الحجم.

أما منشأة تعدين بحمل 100 ميغاواط تعمل طوال العام، فإن استهلاكها يصل إلى نحو 876 جيجاواط/ساعة سنوياً، أي أكثر من 3% من استهلاك ليبيا السنوي المسجل في 2024. وهذه ليست أرقاماً افتراضية من حيث التقنية؛ فالتعدين الصناعي عالمياً أصبح نشاطاً يعتمد على عشرات ومئات الميغاوات.

ولإدراك حجم الظاهرة عالمياً، قدّر مركز كامبريدج للتمويل البديل استهلاك شبكة البيتكوين بنحو 138 تيراواط/ساعة سنوياً، أي ما يقارب خمسة أضعاف إجمالي استهلاك ليبيا السنوي من الكهرباء في 2024.

ولا يوجد رقم هندسي ثابت يسمى «الكهرباء اللازمة لإنتاج بيتكوين واحد»، لأن صعوبة التعدين وقوة الشبكة وكفاءة الأجهزة تتغير باستمرار. لكن إذا قسمنا تقدير كامبريدج للشبكة على عدد عملات البيتكوين الجديدة التي تصدر حالياً، فيخرج رقم تقريبي في حدود 840 ألف كيلوواط/ساعة لكل بيتكوين جديد. وهذه قسمة توضيحية فقط وليست مقياساً فنياً دقيقاً لتكلفة كل عملة.
​الكهرباء ليست وحدها التي تُستهلك، وهذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش الليبي.

الكيلوواط/ساعة الذي يصل إلى أي حمل غير ضروري لا يأتي من فراغ. ليبيا تنتج معظم كهربائها من الغاز الطبيعي والوقود السائل. وتؤكد البيانات الدولية أن الغاز والنفط يمثلان تقريباً كامل مزيج التوليد الليبي.

بل إن بيانات المؤسسة الوطنية للنفط للفترة من 15 إلى 21 أغسطس 2026 تظهر أن محطات الكهرباء استهلكت خلال أسبوع واحد نحو 6.506 مليارات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، و63,671 برميلاً من النفط الخام، و117,169 طناً من الديزل، و31,047 طناً من الوقود الثقيل. وفي بيانات يومية منفصلة بلغ استهلاك الكهرباء أكثر من مليار قدم مكعبة من الغاز في يوم واحد إلى جانب الخام والديزل.

كما أظهرت بيانات يوليو أن محطات الكهرباء استحوذت على نحو 405 آلاف طن من الديزل وقرابة 57.7 ألف طن من الوقود الثقيل خلال الشهر.

وهنا تتحول المسألة من مجرد {فاتورة كهرباء} إلى فاتورة اقتصاد وطني.

فالغاز الذي يحرق بلا ضرورة كان يمكن، في حدود القدرات والبنية التحتية والعقود المتاحة، أن يوفر وقوداً أكثر كفاءة أو يدعم صادرات الغاز. والديزل أو الوقود الذي نستورده بالعملة الصعبة كان يمكن تجنب جزء من تكلفته. والنفط الخام الذي يذهب مباشرة إلى بعض محطات الكهرباء هو في الأصل سلعة تصديرية تولّد الدولار للدولة.

وهذا ما يسميه الاقتصاديون تكلفة الفرصة البديلة: لسنا فقط أمام قيمة الوقود المستهلك، بل أمام قيمة ما كان يمكن للدولة أن تحصل عليه لو لم تضطر إلى استهلاكه بهذه الصورة.
​لذلك لا أبحث عن متهم.. بل عن ميزان كهربائي
​إذا أردنا التعامل مع هذا الملف بطريقة تكنوقراطية، فليس المطلوب إطلاق حملة إعلامية ضد البيتكوين أو افتراض وجود آلاف الأجهزة دون دليل.

المطلوب أبسط وأكثر فاعلية: إجراء تدقيق وطني لخريطة الأحمال الكهربائية.

يمكن معرفة ذلك فنياً من منحنيات الأحمال في محطات التحويل والمغذيات. فمزارع التعدين الكبيرة لها سمة مختلفة عن الاستهلاك المنزلي؛ هي أحمال مرتفعة وشبه ثابتة تعمل 24 ساعة يومياً، ولا تنخفض ليلاً كما تنخفض كثير من الاستخدامات العادية. ويمكن مقارنة استهلاك كل منطقة بما هو مسجل فيها من سكان ومصانع ومرافق وأنشطة مرخصة، ثم تحديد مناطق الاستهلاك غير الطبيعي والتحقق منها ميدانياً.

ولا ينبغي أن يقتصر التدقيق على تعدين العملات؛ فقد نجد توصيلات غير قانونية، أو فاقداً تجارياً، أو أحمالاً صناعية غير مسجلة، أو اختناقات فنية، أو سوء قياس، وقد نكتشف أن جزءاً من الفارق له تفسير مشروع تماماً.

الهدف هو معرفة الحقيقة بالأرقام.

لقد عانت ليبيا في صيف 2026 من عجز وطرح للأحمال، وتحدث مختصون عن عجز وصل في بعض الفترات إلى قرابة ألفي ميغاواط قبل أن يتراجع، بالتوازي مع أعمال صيانة ومشكلات في النقل والتوزيع. وهذا يؤكد أن أزمة الكهرباء أوسع بكثير من ملف البيتكوين وحده.

لكن عندما يدفع الاقتصاد الليبي مئات الملايين من الدولارات في المحروقات، ويُستهلك الغاز والخام والديزل لإنتاج الكهرباء، ويجلس المواطن في الوقت نفسه ساعات دون تيار، يصبح من حق الدولة والمواطن أن يعرفا كل ميغاواط أين يذهب، ومن يستهلكه، وهل يقابله نشاط اقتصادي أو خدمي حقيقي؟

لا أتهم أحداً، ولا أقول إن تعدين البيتكوين هو سبب أزمة الكهرباء في ليبيا.

لكنني أقول إن الأرقام تجعل السؤال مشروعاً:
​هل نعرف فعلاً أين تذهب كل الكهرباء التي ننتجها؟
​وإذا لم نكن نعرف، فإن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أرخص بكثير من بناء محطة توليد جديدة.

مشاركة الخبر