كتب: د. عبد المنصف الشلوي- الخبير النفطي والاقتصادي
بين شح السوق الدولية، وضغوط الكهرباء، وتحديات وصول الوقود إلى المواطن
من أكثر الأسئلة التي تتردد اليوم في ليبيا، سواء لدى المواطن أو النخب الاقتصادية والمتابعين لقطاع الطاقة: لماذا الديزل تحديداً أصبح أقل توافراً من بقية المحروقات، ولماذا وصل سعره في بعض فترات السوق غير الرسمية إلى أكثر من خمسة دنانير للتر وأكثر من ذلك في بعض الأحيان، في حين أن سعره الرسمي لا يزال في حدود 0.150 دينار؟ وهل المشكلة ليبية داخلية، أم أن وراءها أزمة أوسع في سوق الديزل العالمية؟
في تقديري، الإجابة المهنية لا يمكن اختزالها في سبب واحد؛ لأننا أمام أزمة مركبة تجمع بين ضيق السوق الدولية للديزل من جهة، وارتفاع الطلب المحلي – وخاصة من قطاع الكهرباء – ومنظومة التوزيع والرقابة داخل ليبيا من جهة أخرى.
والأهم أن قراءة الأرقام المنشورة لا تدعم، في رأيي، اختزال المشكلة في أن المؤسسة الوطنية للنفط أو شركة البريقة لتسويق النفط لم تقوما بتوفير الكميات المطلوبة…
فوفق بيانات المؤسسة الوطنية للنفط عن شهر يوليو 2026، بلغت كميات الديزل المستلمة من المصادر المحلية والخارجية 625,429 طناً مترياً، منها 512,014 طناً من الخارج، مقابل نحو 113,415 طناً من المصادر المحلية… وهذا يعني أن قرابة 82% من الديزل الذي استلمته ليبيا خلال الشهر جاء من السوق الخارجية. أما الكميات الموزعة فعلياً خلال يوليو فقد بلغت 646,899 طناً مترياً، وهو رقم يفوق المستلم خلال الشهر نتيجة الاستفادة كذلك من الأرصدة المتاحة بالمستودعات.
هذه الأرقام مهمة جداً؛ لأنها تخبرنا أولاً بأن المؤسسة والبريقة تعملان في سوق تعتمد فيها ليبيا بدرجة كبيرة على الاستيراد، وثانياً بأن هناك بالفعل كميات كبيرة يتم استلامها ومناولتها وضخها إلى السوق المحلية…
وهنا تحديداً أرى ضرورة وضع الأزمة الليبية في سياقها الدولي؛ لأن السوق العالمية للديزل في صيف 2026 ليست سوقاً طبيعية أو مريحة للمشترين…
الديزل عالمياً.. المال وحده لم يعد كافياً
من المهم أن يدرك الرأي العام أن العالم لا يعاني اليوم بالضرورة من نقص الخام النفطي بالمعنى نفسه الذي يعاني فيه من ضيق بعض المنتجات المكررة، وعلى رأسها الديزل والمقطرات الوسطى…
فوكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن أسواق الديزل ووقود الطائرات أصبحت أكثر عرضة للاضطرابات، نتيجة تراجع طاقات التكرير وتضرر التدفقات من الشرق الأوسط وروسيا، كما أن قرابة ثلاثة ملايين برميل يومياً من طاقات التكرير في منطقة الخليج تأثرت بفعل الصراع واضطرابات التصدير، في وقت أدت فيه الهجمات الأوكرانية على البنية النفطية الروسية إلى خفض تشغيل المصافي الروسية وصادرات المنتجات المكررة.
وروسيا هنا عامل مهم جداً… فقد أدت الضربات المتكررة على مصافيها إلى تعطلات غير مخطط لها وتراجع واضح في إنتاج وتصدير المنتجات النفطية. وتشير بيانات رويترز إلى أن صادرات المنتجات النفطية الروسية المنقولة بحراً انخفضت في يوليو بنحو 33% مقارنة بيونيو، وأكثر من 50% مقارنة بيوليو من العام السابق، بالتوازي مع إجراءات روسية للحد من صادرات الوقود لحماية سوقها المحلية…
ووصل الأمر إلى إغلاق بعض المصافي المتضررة لفترات طويلة؛ فمصفاة أورسك، التي تبلغ طاقتها نحو ستة ملايين طن سنوياً وتنتج الديزل والبنزين ووقود الطائرات، تعرضت لضربة أدت إلى توقفها الكامل، مع تقديرات بأن عمليات الإصلاح قد تحتاج عدة أشهر…
كما أن الأزمة لا تقتصر على روسيا… فاضطرابات الشرق الأوسط والممرات البحرية قللت من مرونة تجارة المنتجات المكررة، بينما أصبحت الولايات المتحدة والهند من أهم الموردين البدلاء الذين يتنافس عليهم عدد متزايد من المشترين. وأظهرت تقارير حديثة أن المشترين العالميين يتجهون بكثافة نحو المصافي الأميركية والهندية لتعويض النقص القادم من روسيا والشرق الأوسط…
ولهذا فإن العبارة المتداولة بين بعض المتعاملين في أسواق الطاقة، ومفادها: «قد تملك الأموال ولا تستطيع الحصول بسهولة على كمية الديزل التي تريدها» ليست بعيدة عن الواقع، شريطة فهمها مهنياً…
ليس المقصود أن الديزل غير موجود نهائياً، وإنما أن المشتري قد لا يستطيع الجمع بسهولة وفي الوقت نفسه بين الكمية المطلوبة، والمواصفة الفنية المطلوبة، وميناء التحميل، وموعد التسليم، والسعر المقبول…
وفي أسواق المنتجات النفطية، التوقيت في حد ذاته سلعة؛ قد تجد الشحنة ولكن بعد أسبوعين، أو تجدها من منشأ أبعد وبكلفة نقل أعلى، أو تجد جزءاً من الكمية وليس كاملها، أو تضطر إلى دفع علاوة سعرية إضافية حتى يتنازل بائع عن شحنته لصالحك…
وهذا يعني ببساطة أن ليبيا اليوم لا تتسوق للديزل في سوق عالمية فائضة بالبراميل، وإنما تنافس دولاً وشركات ومرافق كهرباء ونقل وصناعة على منتج أصبح أكثر ندرة وأعلى كلفة…
ومن هذه الزاوية، أرى أنه من الإنصاف أن نسجل للمؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة أنهما استطاعتا خلال يوليو وحده تأمين أكثر من 625 ألف طن من الديزل، غالبيتها من الخارج، في ظرف دولي شديد الصعوبة…
وهذا ليس دفاعاً دعائياً عن جهة أو أشخاص، وإنما قراءة للرقم في سياقه التجاري الصحيح…
لكن أين يذهب الديزل بعد وصوله؟
وجود العامل الدولي لا يعفي المنظومة الداخلية من الأسئلة، بل يجعلها أكثر أهمية…
فمن أصل 646,899 طناً من الديزل تم توزيعها خلال يوليو، حصلت محطات توليد الكهرباء وحدها على 405,311 طناً، أي ما يقارب 63% من إجمالي الديزل الموزع خلال الشهر. كما حصلت محطات الكهرباء على كميات إضافية من زيت الوقود الثقيل…
وهذا الرقم يفسر جزءاً كبيراً من خصوصية أزمة الديزل مقارنة بالبنزين…
فالديزل في ليبيا لا يذهب فقط إلى السيارات والشاحنات، بل يمثل وقوداً استراتيجياً لمحطات الكهرباء، والنقل الثقيل، والمصانع، والزراعة، ومحطات التحلية والأنشطة الخدمية المختلفة…
وحين تنخفض كميات الغاز الطبيعي المتاحة لمحطات الكهرباء أو تحدث اختناقات في منظومة الغاز، فإن محطات قادرة على التشغيل بالوقود المزدوج تنتقل بدرجات مختلفة إلى الديزل أو الوقود السائل، فتظهر فجأة كتلة طلب هائلة يمكن أن تستوعب مئات آلاف الأطنان…
ومن هنا فإن ملف الديزل وملف الغاز وملف الكهرباء مترابطة أكثر مما يعتقد البعض…
كل كمية إضافية من الغاز يمكن إيصالها بانتظام إلى محطات الكهرباء المؤهلة لاستخدامه تعني تخفيفاً للطلب على الديزل، وبالتالي إتاحة كمية أكبر للنقل والزراعة والصناعة وللمواطن…
المؤسسة والبريقة… أين تبدأ مسؤوليتهما وأين تنتهي؟
من الضروري هنا الفصل بين المراحل المختلفة لسلسلة الإمداد.
المؤسسة الوطنية للنفط تعمل على تأمين الإمدادات ضمن منظومة القطاع، بينما تضطلع شركة البريقة بعمليات استلام المحروقات وتخزينها ومناولتها وإمداد السوق عبر المستودعات ومنظومة التوزيع المعتمدة. وتؤكد بيانات البريقة نفسها استمرار ضخ كميات كبيرة من الوقود من مستودعاتها في مختلف المناطق…
ولذلك فإن القول ببساطة إن «الديزل غير موجود لأن المؤسسة أو البريقة لم توفراه» لا ينسجم مع الأرقام المنشورة.
لدينا مئات آلاف الأطنان يتم استلامها، ولدينا كميات ضخمة تخرج من المستودعات، ومن ثم يجب أن يمتد السؤال إلى كامل السلسلة:
من استلم الكمية؟
ولمن صُرفت؟
وما الكمية التي وصلت إلى شركات التوزيع؟
وما الذي وصل فعلياً إلى المحطات؟
وما حجم الطلب الحقيقي لكل منطقة؟
وهل توجد أنماط استهلاك غير طبيعية أو تسرب أو تخزين أو مضاربة أو تهريب؟
وهنا تظهر واحدة من أكبر المشكلات الاقتصادية في منظومة الوقود الليبية: الفارق الهائل بين السعر الرسمي والسعر الموازي…
فعندما يكون السعر الرسمي للديزل 0.150 دينار للتر، بينما تجاوز سعره في السوق غير الرسمية خمسة دنانير خلال أغسطس، فنحن أمام فارق يتجاوز 33 ضعفاً…
ومثل هذا الفارق لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد فرق سعر؛ بل هو حافز اقتصادي شديد القوة للتسرب والمضاربة والتخزين وإعادة البيع خارج القنوات الرسمية…
وهذا لا يعني اتهام جهة بعينها، ولكن أي اقتصادي أو مختص بسلاسل الإمداد يعرف أن السلعة التي يمكن شراؤها بسعر رمزي وبيعها بعشرات أضعاف ذلك السعر ستظل معرضة للاختلال ما لم تكن هناك منظومة تتبع ورقابة دقيقة جداً…
ماذا يعني اجتماع رئيس الحكومة ورئيس المؤسسة؟
من هذه الزاوية تكتسب نتائج الاجتماع الذي عقد في 19 أغسطس 2026 بين رئيس الحكومة ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط أهمية عملية، وليس مجرد أهمية إعلامية…
فالاجتماع تناول إمدادات الغاز والوقود السائل لمحطات الكهرباء، واحتياجات الشبكة، وتدفقات المحروقات إلى السوق، وانتهى إلى التوجيه بتشكيل غرفة تنسيق مشتركة للمتابعة اليومية ومعالجة أي اختناقات في الإمداد. كما أكد رئيس المؤسسة استمرار عمليات التوريد والتوزيع…
وفي رأيي، جدوى هذه الغرفة ستتوقف بالكامل على نوع البيانات التي ستعمل بها…
إذا أصبحت مجرد إطار للاجتماعات وتبادل المراسلات فلن يتغير الكثير…
أما إذا تحولت إلى غرفة عمليات حقيقية للأرقام، تراقب يومياً ما يصل إلى الموانئ، وما يتم تفريغه، وأرصدة كل مستودع، والكميات الخارجة منه، وما تستلمه شركات التوزيع، وما يصل إلى كل محطة، واستهلاك محطات الكهرباء وكبار المستهلكين، فإنها يمكن أن تكون أداة فعالة للغاية لكشف موضع الاختناق في وقت مبكر.
وأعتقد أن هذا هو المسار الأكثر جدوى: ليس البحث عن جهة نلقي عليها اللوم، بل تحديد مكان اللتر منذ دخوله البلاد وحتى وصوله إلى المستهلك النهائي.
هل ستنتهي المشكلة قريباً؟
بالنسبة للمواطن، أرى أن هناك فرقاً بين الأزمة المحلية وضيق السوق الدولية.
محلياً، يمكن أن يحدث انفراج ملحوظ متى استمرت الشحنات في الوصول، وتحسنت إدارة المخزون، وانتظم التوزيع، وتم ضبط الاختناقات والتسربات…
أما دولياً، فلا أرى مؤشرات كافية تسمح بالقول إن سوق الديزل ستعود سريعاً إلى أوضاعها الطبيعية… الهجمات على المصافي الروسية مستمرة، والقيود الروسية على صادرات الوقود قائمة، وطاقة التكرير في بعض مناطق الشرق الأوسط ما زالت متأثرة، كما أن المخزونات العالمية للديزل والمقطرات الوسطى منخفضة نسبياً…
ولذلك قد تبقى ليبيا أمام سوق استيراد صعبة ومرتفعة الكلفة خلال الأشهر المقبلة، حتى لو تحسنت الأوضاع الداخلية…
وهذا يجعل من الخطأ معالجة المشكلة بمنطق: «اطلبوا من المؤسسة شراء مزيد من الديزل وانتهى الأمر»…
فالمعالجة الأعمق تحتاج بالتوازي إلى زيادة إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء كلما أمكن، ورفع كفاءة المصافي المحلية، والمحافظة على مخزون استراتيجي مناسب، وتحسين جدولة الشحنات، وربط المستودعات والتوزيع بمنظومة تتبع دقيقة، وتشديد الرقابة على التسرب والتهريب، إلى جانب معالجة منظومة الدعم نفسها على نحو مدروس يحمي المواطن ولا يخلق صدمات اجتماعية…
الخلاصة
أعتقد أن من واجبنا أن نكون منصفين تجاه المواطن وتجاه مؤسسات القطاع في الوقت نفسه…
نعم، المواطن يعاني من صعوبة الحصول على الديزل، وهذه مشكلة حقيقية لا يجوز التقليل منها…
لكن في المقابل، الأرقام لا تقول إن المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة توقفتا عن القيام بواجبهما في توفير وإمداد السوق بالوقود… بل تبين أن أكثر من 625 ألف طن من الديزل استُلمت خلال شهر واحد، وأن ما يقارب 82% منها تم تأمينه من الخارج في واحدة من أصعب فترات سوق الديزل العالمية…
ولهذا فإن الدفاع الموضوعي عن المؤسسة والبريقة لا يحتاج إلى عبارات إنشائية، بل إلى عرض هذه الحقائق للرأي العام…
المشكلة اليوم أكبر من ناقلة وقود وأكبر من مستودع، وهي تقع في نقطة التقاء السوق الدولية، والكهرباء والغاز، والتوزيع الداخلي، والدعم، والرقابة، والتهريب، وإدارة الطلب…
والسؤال الذي أراه أكثر فائدة للدولة والمواطن ليس:
(لماذا لم توفر المؤسسة الديزل؟)
بل:
«إذا كانت هذه الكميات الكبيرة يتم تأمينها واستلامها وتوزيعها، فكيف نضمن أن يصل كل لتر منها إلى المكان المخصص له، وفي الوقت المناسب، وبالسعر الرسمي؟»
عندما نستطيع الإجابة عن هذا السؤال بالأرقام اليومية، وليس بالانطباعات، نكون قد بدأنا فعلاً في معالجة أزمة الديزل من جذورها.




