Skip to main content
|

“حسني بي”: واقع الاقتصاد الليبي.. أصل المشكلة في الحوافز لا في نتائجها “المضاربة والتهريب والسوق الموازية”

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

يدور جزء كبير من النقاش الاقتصادي في ليبيا حول ثلاثة متهمين دائمين: المضاربة، والتهريب، والسوق الموازية. لكن التركيز على هذه الظواهر باعتبارها أصل الأزمة قد يجعلنا نعالج النتائج ونترك الأسباب. السؤال الأهم في تقديري هو: ما السياسة التي جعلت المضاربة والتهريب والريع أكثر ربحية من الإنتاج والعمل والاستثمار؟ عندما نجيب عن هذا السؤال، نقترب كثيراً من جوهر الأزمة الاقتصادية الليبية.

المشكلة ليست نقص الدولار فقط ليبيا تحصل على معظم إيراداتها العامة من النفط والغاز بالدولار، بينما تنفق الدولة محلياً بالدينار. لذلك لا يكفي أن نسأل: كم دولاراً لدينا؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: كم ديناراً تضخ الدولة في الاقتصاد، وكم ديناراً تسترد مقابل بيع إيراداتها الدولارية؟ عندما يتوسع الإنفاق العام والكتلة النقدية دون نمو موازٍ في الإنتاج الحقيقي أو سحب مكافئ للدنانير، يتراكم فائض نقدي يبحث عن مخزن للقيمة: الدولار أو الذهب أو العقار أو السلع. ثم يأتي تعدد أسعار الصرف ليضيف تشوهاً آخر: الدولة نفسها تخلق طلباً على الدولار عندما تبيعه بأقل من قيمته في السوق. إذا كان لنحو أربعة ملايين مواطن حق شراء 2,000 دولار للفرد بسعر رسمي يقارب 6.350 دنانير، بينما يستطيعون بيع الدولار بفارق 30% أو أكثر، فنحن نتحدث عن طلب محتمل يبلغ 8 مليارات دولار. وعند هذا الفارق السعري، يمكن أن يتجاوز الريع الحسابي 16 مليار دينار. لا ألوم المواطن على الاستفادة من هذه الفرصة. المضاربة في أصلها نشاط اقتصادي مشروع ينص عليه قانون الأنشطة الاقتصادية الليبي 23/2010، ومن الطبيعي أن يشتري الإنسان أصلاً بـ100 إذا كان يستطيع بيعه فوراً بـ130. أعوام 2016 و2017 و2018 و2019 سياسات الكبير حولت جميع الليبيين إلى مضاربين بفارق سعر 1000%، فهل ألوم المواطن أو المضارب؟ المشكلة ليست في المواطن والمضارب الذي استجاب للحافز؛ المشكلة في السياسة التي صنعت الحافز والتي أستغرب المطالبة بتكرارها عام 2026. والأمر نفسه ينطبق على الاعتمادات وغيرها من قنوات الوصول التفضيلي إلى النقد الأجنبي. فكلما اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي لأية سلعة (والدولار سلعة)، تحولت إمكانية الوصول إلى الدولار إلى أصل مالي قائم بذاته. وبحسب حجم مبيعات النقد الأجنبي والفجوة السعرية، يمكن في سيناريو مرتفع أن يصل الريع الاقتصادي المرتبط بتعدد أسعار الصرف إلى عشرات المليارات من الدنانير سنوياً، وربما يقترب من 48 مليار دينار، دون الأخذ في الاعتبار ريع المحروقات الذي يتعدى 300 ضعف. وهذه ليست ثروة أنتجها الاقتصاد، بل إعادة توزيع للثروة بين من يستطيع الوصول إلى الدولار أو لتر المحروقات وكيلوواط/ساعة (kWh) من الطاقة الأرخص ومن يتحمل تكلفته في النهاية (الشعب).

الدولار أصبح أيضاً تصويتاً على الثقة: يجب التمييز بين المضاربة وبين الاحتفاظ بالدولار كمخزن للقيمة. للنقود ثلاث وظائف أساسية: وسيلة للدفع، ووحدة للحساب، ومخزن للقيمة. وعندما يعتقد المواطن أن الدينار لن يحافظ على قوته الشرائية، يحتفظ بما يحتاجه منه للإنفاق اليومي، بينما يحول مدخراته إلى دولار أو ذهب أو عقار، فكيف لي أن ألوم المواطن؟ هنا لم نعد أمام مضاربة فقط، بل أمام تصويت يومي على الثقة في العملة الوطنية. ولا تستعاد هذه الثقة بقرار إداري يحدد سعر الدولار، وإنما بانضباط الإنفاق العام، والسيطرة على نمو عرض النقود، واستقرار السياسات، وإلغاء أو تقليص الفجوة بين أسعار الصرف. والسوق الموازية بدورها تؤثر في أسعار السلع. فالتاجر الذي لا يحصل على الدولار الرسمي يشتريه بالسعر الموازي بفارق تعدى في الأعوام 2016 و2017 و2018 و2019 العشرة أضعاف، والآن يتعدى 130%. التاجر يحمّل التكلفة على المستهلك، بينما التاجر الذي يحصل على الدولار الأرخص يمتلك أصلاً تزيد قيمته السوقية على تكلفته، ولا يوجد في سوق ضعيفة المنافسة ما يضمن انتقال كامل هذا التخفيض إلى المستهلك. لهذا فإن انخفاض الدولار الموازي لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض فوري ومماثل في الأسعار؛ فالتسعير يعتمد أيضاً على تكلفة الإحلال والمخاطر والتوقعات والنقل والطاقة والتمويل.

رقمنة المصارف لا تعني أن الاقتصاد أصبح مصرفياً حققت ليبيا تقدماً مهماً في الدفع الإلكتروني والخدمات الرقمية، لكن يجب ألا نخلط بين رقمنة المدفوعات والوساطة المالية. وظيفة المصرف ليست فقط نقل المال بين الحسابات، وإنما جمع المدخرات وتقييم المخاطر وتمويل الشركات والمصانع والإسكان والاستثمار وتحويل المال الساكن إلى رأس مال منتج. ولا يزال جزء كبير من الاقتصاد الليبي خارج هذه الدورة: عقارات غير مسجلة، نشاط تجاري غير منظم بالكامل، عمالة وتحويلات خارج النظام، وتمويل ذاتي واقتصاد نقدي واسع. لقد نجحنا إلى حد مهم في إدخال التكنولوجيا إلى المصارف، لكن التحدي الحقيقي هو إدخال الاقتصاد نفسه إلى المصارف.

أين يوجد الهدر الأكبر؟ المعيار ليس اتهام قطاع بأنه غير منتج، بل قياس ما ننفقه مقابل القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي نحصل عليها. وأبرز مصادر الهدر في تقديري هي دعم الطاقة والمحروقات بصورته الحالية، وتضخم فاتورة المرتبات مقارنة بالإنتاجية، والمشروعات المتعثرة، والإنفاق غير الخاضع لقياس العائد، والتهريب، وريع فروق أسعار الصرف. دعم الطاقة مثال واضح. عندما تباع الطاقة بأقل كثيراً من تكلفتها، فإن الدولة لا تدعم المواطن فقط، بل تدعم أيضاً الاستهلاك المفرط والتهريب وكل من يستطيع الوصول إلى السلعة المدعومة. لذلك أؤيد الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن نقدياً، بحيث تصل قيمة الدعم مباشرة إلى مستحقها، بينما تتحرك أسعار الطاقة نحو تكلفتها الاقتصادية. والمنطق نفسه ينطبق على الدولار: بيعه بأقل من قيمته التوازنية لا يعني بالضرورة دعم الاستيراد أو المواطن؛ فقد يعني ببساطة منح ريع لمن يستطيع الوصول إليه. ولهذا فإن إحدى أكبر فرص ليبيا ليست اكتشاف ثروة جديدة، بل وقف تسرب الثروة الموجودة أصلاً.

لا سياسة نقدية تستطيع إصلاح سياسة مالية غير منضبطة هنا نصل إلى أصل المشكلة. السياسة المالية تضخ الدينار من خلال الإنفاق، ثم يُطلب من السياسة النقدية المحافظة على قيمة هذا الدينار وتوفير النقد الأجنبي له. إذا نما الإنفاق العام أسرع من الإيرادات الحقيقية والإنتاج، وتم تمويل الفجوة بزيادة السيولة أو الدين، فستظهر النتيجة في أحد الأمور الثلاثة أو الثلاثة مجتمعة: في صورة تضخم، أو طلب أكبر على الدولار، أو انخفاض في قيمة الدينار، أو استنزاف للاحتياطيات، أو مزيج من ذلك كله. لذلك فإن توحيد الميزانية والإيرادات والإنفاق والرقابة ليس مجرد مطلب سياسي؛ إنه شرط نقدي لاستقرار الدينار، وغير ذلك لا ملامة على انهيار الدينار والمضارب والمهرب. ولا يستطيع المصرف المركزي، مهما كانت أدواته، تعويض غياب الانضباط المالي إلى ما لا نهاية.

النفط ليس الخطر… الاعتماد الدائم عليه هو الخطر الخطر على ليبيا ليس أن ينفد النفط غداً، بل أن تنمو التزامات الدولة أسرع من قدرة النفط على تمويلها. المرتبات والدعم والمصروفات الحكومية تتحول إلى التزامات دائمة، بينما الإيرادات النفطية متقلبة. فماذا لو انخفض سعر النفط أو الإنتاج 20% أو 30% بينما استمر الإنفاق في الارتفاع؟ عندها لن تكون الخيارات سهلة: تخفيض الإنفاق، وزيادة الإيرادات، وتعديل سعر الصرف، واستخدام الاحتياطيات، والاقتراض أو خلق المزيد من الدنانير. وكلما تأخر الإصلاح ارتفعت تكلفته الاجتماعية واشتدت المعالجات. لذلك يجب أن يكون النفط وسيلة لبناء اقتصاد ما بعد الريع: اقتصاد ينتج ويوظف ويصدر ويدفع الضرائب ويستطيع الحصول على التمويل المصرفي، لا اقتصاداً يعتمد بصورة دائمة على توزيع إيرادات النفط.

كيف نقيس نجاح الاقتصاد؟ سعر الدولار مهم، لكنه ترمومتر وليس المريض. صحة الاقتصاد يجب أن تقاس بنمو الناتج غير النفطي الحقيقي للفرد، والقوة الشرائية، والتضخم، والعجز وكيفية تمويله، ونمو عرض النقود، وميزان المدفوعات والاحتياطيات، والفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، والائتمان الموجه للقطاع الخاص، والإنتاجية والتوظيف الحقيقي، وحجم الاقتصاد الذي ينتقل من الظل إلى الاقتصاد الرسمي. لكنني أضيف مؤشراً أراه أكثر تعبيراً عن الحالة الليبية: كم من دخل المجتمع يأتي من خلق قيمة جديدة، وكم منه يأتي من اقتسام الريع؟ عندما يصبح الحصول على 2,000 دولار أو اعتماد مستندي أو لتر وقود مدعوم أكثر ربحية من إنشاء مصنع أو توظيف عامل أو الاستثمار في مشروع منتج، فنحن نرسل للمواطن ورجل الأعمال الإشارة الاقتصادية الخطأ.

وهنا تكمن خلاصة رؤيتي: المضارب ليس أصل المشكلة، والمهرب ليس أصل المشكلة، والسوق الموازية ليست أصل المشكلة. إنها، في جانب كبير منها، استجابات للحوافز التي صنعتها السياسات الاقتصادية. إذا أعطيت أربعة ملايين شخص فرصة ربح 30%، فلا تستغرب أن يصبح لديك أربعة ملايين مضارب. وإذا جعلت تهريب سلعة مدعومة أكثر ربحية من إنتاجها أو الاتجار المشروع بها، فلا يكفي أن تلوم المهرب. وإذا صنعت للدولار سعرين، فلا تستغرب أن تنشأ سوق بين السعرين. لذلك يجب أن يتغير السؤال الاقتصادي في ليبيا من: من يضارب؟ ومن يهرب؟ ومن يرفع الأسعار؟ إلى السؤال الأصعب والأهم: ما السياسة التي جعلت المضاربة والتهريب والريع أكثر ربحية من الإنتاج والعمل والاستثمار؟ عندما نصلح تلك السياسة ونزيل الحوافز المشوهة، تبدأ السوق نفسها في تصحيح جزء كبير من النتائج.

مشاركة الخبر