Skip to main content
|

“الشلوي”: حين تتغير خريطة الطاقة العالمية.. لماذا ينبغي أن تلتفت ليبيا الآن؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي”

مقدمة

طوال أكثر من ستة عقود، ارتبط اسم ليبيا بالنفط والغاز، حتى أصبحت إحدى أهم الدول المنتجة للطاقة في أفريقيا وحوض البحر المتوسط. غير أن العالم اليوم يشهد تحولاً عميقاً في مفهوم الطاقة؛ فلم تعد المنافسة تقتصر على إنتاج النفط والغاز، بل امتدت إلى إنتاج الكهرباء النظيفة، والهيدروجين الأخضر، وشبكات الربط الكهربائي العابرة للحدود.

لقد أصبحت الكهرباء سلعة استراتيجية، وأصبح أمن الطاقة يُقاس بقدرة الدول على تنويع مصادرها وربط شبكاتها الإقليمية، وهو ما يفسر تسارع مشاريع الربط الكهربائي بين أوروبا وشمال أفريقيا، ومنها المشاريع التي تربط أو تخطط لربط المغرب بالأسواق الأوروبية.

غير أن السؤال الذي ينبغي أن يهمنا في ليبيا ليس: لماذا نجح الآخرون؟ بل: هل تمتلك ليبيا المقومات التي تؤهلها لتكون جزءاً من هذا التحول العالمي؟

في تقديري، الإجابة هي نعم… ولكن بشروط.

من النفط إلى الكهرباء… كيف تغير العالم؟

شهد العقدان الأخيران تحولاً جذرياً في أسواق الطاقة العالمية. فبعد أن كان النفط والغاز يمثلان العمود الفقري لأمن الطاقة، أصبحت الطاقة المتجددة تحتل موقعاً متقدماً في سياسات الدول، مدفوعةً بعوامل اقتصادية وتقنية وبيئية.

هذا التحول لم يكن إعلاناً لنهاية عصر النفط، كما تصور البعض، وإنما إعادة صياغة لمزيج الطاقة العالمي. فالنفط والغاز سيبقيان عنصرين أساسيين لعقود مقبلة، لكنهما سيعملان جنباً إلى جنب مع الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والهيدروجين الأخضر، وتقنيات التخزين.

ومن هنا، فإن الدول التي ستقود أسواق الطاقة مستقبلاً ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية، بل تلك التي تنجح في إدارة مزيج طاقي متكامل يجمع بين الموارد التقليدية والمتجددة.

أوروبا تبحث جنوباً

أحد أهم التحولات الاستراتيجية في السنوات الأخيرة هو توجه أوروبا نحو تنويع مصادر الكهرباء النظيفة، وعدم الاكتفاء بالإنتاج المحلي.

فالمشروعات العابرة للحدود، سواء القائمة أو المخطط لها، تعكس قناعة أوروبية بأن جنوب المتوسط سيصبح خلال العقود المقبلة أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة.

ولذلك، فإن مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وأوروبا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نجاحاً مغربياً فحسب، بل باعتباره مؤشراً على اتجاه استراتيجي جديد، يفتح الباب أمام دول أخرى تمتلك مقومات مماثلة أو حتى أفضل.

وهنا تبرز ليبيا.

هل تمتلك ليبيا ما تؤهلها لذلك؟

إذا نظرنا إلى المقومات الطبيعية فقط، فإن ليبيا تمتلك عناصر يصعب اجتماعها في دولة واحدة:

  • أكثر من 300 يوم مشمس سنوياً في معظم المناطق.
  • أحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم.
  • مساحة تقارب 1.76 مليون كيلومتر مربع، معظمها صالح لإنشاء مشاريع طاقة واسعة النطاق.
  • شريط ساحلي يزيد على 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.
  • احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي يمكن أن تمثل الوقود الانتقالي لدعم استقرار الشبكة الكهربائية.
  • موقع جغرافي يجعلها على مسافات بحرية قصيرة نسبياً من جنوب أوروبا.

هذه المعطيات لا تجعل ليبيا دولة نفطية فقط، بل تمنحها فرصة لأن تكون دولة طاقة متكاملة إذا ما استُثمرت هذه الموارد ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

ليست الصحراء وحدها هي الثروة

حين يُذكر مستقبل الطاقة المتجددة في ليبيا، تتجه الأنظار مباشرة إلى الصحراء، وهذا أمر طبيعي نظراً لما تتمتع به من إشعاع شمسي استثنائي.

لكن الصورة لا تكتمل دون الالتفات إلى الساحل الشرقي، ولا سيما منطقة درنة والجبل الأخضر، التي تمتلك إمكانات واعدة في مجال طاقة الرياح.

وقد كان مشروع مزرعة الرياح في سيدي عون – درنة من أوائل المشاريع التي لفتت الانتباه إلى هذه الإمكانات، إلا أنه تعثر قبل أن يرى النور. واليوم، ومع التطور الكبير في تقنيات توربينات الرياح وانخفاض تكاليفها، ربما حان الوقت لإعادة تقييم هذا المشروع ضمن رؤية وطنية جديدة.

سؤال المرحلة

إن القضية لم تعد تتعلق بما إذا كانت ليبيا تمتلك الشمس أو الرياح، فذلك أمر محسوم.

السؤال الحقيقي هو:

هل نمتلك الإرادة والرؤية والمؤسسات القادرة على تحويل هذه الموارد الطبيعية إلى قوة اقتصادية واستراتيجية؟

يتبع في الجزء الثاني…

عنوان الجزء الثاني:

ليبيا… الدولة الأقرب إلى أوروبا والأغنى بالطاقة: لماذا لم تبدأ بعد؟

مشاركة الخبر