من يقود الاستقرار النقدي في ليبيا.. المحافظ أم المالية العامة؟قراءة مقارنة في رؤيتين حول أزمة السياسة النقدية الليبية

أعاد النقاش الأخير حول دور محافظ مصرف ليبيا المركزي فتح سؤال يتجاوز الأشخاص والأسماء: هل أزمة السياسة النقدية في ليبيا هي أزمة قيادة داخل المصرف المركزي، أم أن حدود السياسة النقدية نفسها أصبحت مقيدة بطبيعة المالية العامة والنموذج الاقتصادي القائم؟
يتقاطع في هذا النقاش طرحان مختلفان في نقطة الانطلاق، وإن كانا يلتقيان في جانب مهم من النتيجة.
الطرح الأول، الذي قدمه الخبير الاقتصادي “د.محمد الشحاتي” يركز على نوعية القيادة النقدية والمؤسسة التي تنتج القرار. أما الطرح الثاني والذي قدمه رجل الأعمال “حسني بي” فيركز على خصوصية الاقتصاد الليبي وهيمنة السياسة المالية على المجال النقدي، بحيث يصبح المحافظ، مهما بلغت كفاءته، مقيداً إلى حد بعيد بحجم الإنفاق العام والعجز وطريقة تمويله.
الرؤية الأولى: المشكلة في كيفية صناعة السياسة النقدية
ينطلق “د. الشحاتي” من تمييز مهم بين «سلطة المحافظ» و«قيادة الفكر النقدي».
فالمحافظ، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يكون مجرد مدير للمصرف أو صاحب سلطة على الاحتياطيات والمدفوعات والقرارات الإدارية، بل قائداً لعملية إنتاج السياسة النقدية.
ومن هنا جاءت المقارنة مع ميلتون فريدمان وبول فولكر وآلان غرينسبان.
فريدمان مثّل الإطار الفكري الذي أعاد التأكيد على أهمية النقود في تفسير التضخم، وفولكر جسّد القدرة على تحويل الرؤية النقدية إلى إجراءات عملية صعبة لكبح التضخم، بينما قدم غرينسبان نموذجاً في إدارة المؤسسة وبناء التوافق حول السياسة النقدية.
وفق هذه الرؤية، فإن تقييم تجربة مصرف ليبيا المركزي منذ 2011 لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: ما القرارات التي اتخذها المحافظ؟
بل يجب أن يشمل أسئلة أعمق:
- هل كانت هناك رؤية نقدية متماسكة تأخذ في الاعتبار خصوصية اقتصاد يعتمد في أكثر من 90% من إيراداته العامة على النقد الأجنبي؟
- هل كانت لجنة السياسة النقدية فاعلة فعلاً في إنتاج التوازن المطلوب؟
- هل كان مجلس الإدارة شريكاً حقيقياً في القرار، خصوصاً خلال السنوات التي تعطلت فيها اجتماعاته أو تقلص فيها دوره؟
- وهل استندت القرارات إلى إطار تحليلي واضح يمكن قياس نتائجه ومراجعته وفق الواقع الليبي، لا وفق نظريات مستوردة من اقتصادات تختلف جذرياً في بنيتها؟
ويحمل هذا الطرح نقداً لنمط إدارة اعتمد في فترات طويلة على قوة موقع المحافظ والمؤسسة أكثر من اعتماده على صناعة سياسة نقدية جماعية ومستدامة.
كما يفتح سؤالاً أكثر تحديداً: هل انصب الاهتمام أكثر على لِمَنْ يُخصص الدولار وكيف يُوزع، بدلاً من السؤال الأسبق: بأي سعر يجب بيع الدولار حتى يتحقق قدر معقول من التوازن المالي والنقدي؟
الرؤية الثانية: المشكلة تبدأ قبل المصرف المركزي
الرؤية الثانية لا تنفي أهمية القيادة النقدية، لكنها ترى أن التحليل لا يكتمل دون فهم خصوصية النموذج الليبي.
فالدولة تحصل على الجزء الساحق من إيراداتها من النفط، أي بالنقد الأجنبي، بينما تنفق تقريباً كامل مصروفاتها المحلية بالدينار.
وبالتالي تصبح وظيفة المصرف المركزي مختلفة جزئياً عن وظيفة البنوك المركزية في اقتصادات تعتمد بدرجة أكبر على الضرائب المحلية والأسواق المالية والدين العام التقليدي.
الحكومة الليبية تحتاج إلى الدينار لدفع المرتبات والدعم والتسيير والتنمية، لكنها تحصل على أصل دخلها بالدولار.
ومن هنا يصبح المصرف المركزي في قلب عملية تحويل الإيراد النفطي الخارجي إلى قدرة إنفاق محلية.
ولهذا يسبق سؤال سعر الفائدة أو المدرسة النقدية سؤال أكثر جوهرية: كم تنفق الدولة؟ وكيف تمول الفرق عندما يتجاوز الإنفاق الإيرادات المستدامة؟
إذا تم تمويل العجز بخلق نقود جديدة، تنتقل المشكلة مباشرة إلى المجال النقدي: سيولة أكبر ← طلب أعلى على السلع والواردات ← طلب أعلى على الدولار ← ضغط على سعر الصرف والاحتياطيات ← فجوة بين الرسمي والموازي ← مضاربة ← تضخم وتراجع في القوة الشرائية.
وفق هذا التصور، فإن جزءاً أساسياً من الأزمة النقدية يبدأ في الموازنة قبل أن يصل إلى المصرف المركزي.
لكن هذا لا يعفي المركزي من المسؤولية؛ لأنه هو المؤسسة التي يفترض أن تدرك حدود التوازن وتوضحها للسلطات العامة.
فالمشكلة تصبح أكبر عندما يسود الاعتقاد بأن القرار الإداري يستطيع فرض قيمة للعملة بمعزل عن المعطيات الاقتصادية.
الاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يحترم سعراً إدارياً لا تسنده علاقة متوازنة بين حجم الإنفاق، وعرض النقود، وإيرادات النقد الأجنبي، والطلب عليه.
هل يستطيع «فولكر ليبي» أن يكرر تجربة فولكر الأمريكي؟
هنا يظهر الاختلاف العملي بين الرؤيتين.
الرؤية الأولى ترى أن ليبيا تحتاج إلى محافظ يمتلك رؤية نقدية واضحة ويستطيع قيادة المؤسسة في مواجهة التضخم.
أما الرؤية الثانية فتسأل: هل يمتلك المحافظ الليبي الأدوات نفسها التي امتلكها فولكر؟
في الولايات المتحدة، عمل فولكر داخل اقتصاد يتمتع بسوق دين عميقة، وائتمان واسع، وقطاع مصرفي متطور، وآلية قوية لانتقال سعر الفائدة إلى الاقتصاد الحقيقي.
أما في ليبيا، فما يزال الائتمان المصرفي محدوداً نسبياً، والدولة تهيمن على جانب واسع من الاقتصاد، كما أن القطاع الخاص المنظم أصغر من أن يجعل سعر الفائدة وحده أداة كافية لإدارة الطلب الكلي.
ومن ثم، فإن تطوير سعر سياسة نقدية وأدوات سوق مفتوحة قد يكون ضرورياً، لكنه لن يكون كافياً إذا ظل العجز المالي يولد سيولة جديدة بصورة مستمرة.
أين يقع دعم الطاقة في المعادلة؟
يتركز جزء كبير من النقاش العام حول فاتورة المرتبات، التي تمثل وفق التقديرات الواسعة قرابة 30% من الإنفاق العام الحقيقي.
لكن الرؤية الثانية توسع التحليل ليشمل منظومة الطاقة والمحروقات، التي قد تتجاوز كلفتها الاقتصادية الشاملة 40% من الإنفاق العام عند احتساب الوقود المستورد، والغاز، والمشتقات المكررة محلياً.
وبذلك تصبح الطاقة والمحروقات واحدة من أكبر مناطق التشوه المالي في الاقتصاد الليبي.
فالمشكلة لا تقتصر على ما يظهر رسمياً تحت بند «الدعم»، بل تشمل كذلك القيمة الاقتصادية للنفط المكرر محلياً والغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء والطاقة، إضافة إلى الفارق الهائل بين تكلفة هذه الموارد والسعر الذي يدفعه المستهلك.
هنا يظهر خلاف أساسي في فلسفة الدعم.
الطرح التقليدي يرى أن إبقاء السعر منخفضاً يحمي المواطن.
أما الطرح الإصلاحي فيرى أن الدعم السعري نفسه أصبح مصدراً للهدر والتهريب والاستفادة غير المتكافئة، ويقترح بدلاً منه: دعم المواطن نقداً، لا دعم السلعة سعرياً.
وبهذا لا يكون الهدف إلغاء الدعم الاجتماعي، بل تغيير طريقة وصوله إلى المستفيد.
القطاع الخاص والاقتصاد غير الرسمي
تضيف الرؤية الثانية بعداً آخر: ضعف الإيرادات المحلية غير النفطية.
فحتى تنويع الاقتصاد لا يكفي وحده إذا ظل النشاط الجديد معفياً ضريبياً، أو يعتمد بدوره على طاقة ومحروقات مدعومة بنسبة تقارب كامل قيمتها الاقتصادية، أو يعمل خارج الاقتصاد الرسمي.
ولهذا فإن المطلوب لا يقتصر على «التنويع بعيداً عن النفط»، بل يشمل أيضاً إدماج الاقتصاد غير الرسمي في النظام المالي والضريبي والمصرفي.
فالاقتصاد قد ينتج قيمة مضافة حقيقية، ولكن إذا لم تتحول هذه القيمة إلى ضرائب ورسوم وأرباح عامة وإيرادات قابلة للتحصيل، فإنها لا تمول الخزانة.
ومن هنا فإن السؤال ليس فقط: كم يبلغ حجم القطاع الخاص؟ بل أيضاً: كم يساهم فعلياً في تمويل المالية العامة؟
أين تتفق الرؤيتان؟
رغم اختلاف نقطة الانطلاق، فإن مساحة الالتقاء واسعة.
كلتا الرؤيتين ترفضان اختزال السياسة النقدية في شخص المحافظ.
وكلتاهما تؤكدان ضرورة وجود مجلس إدارة فاعل، ولجنة سياسة نقدية حقيقية، وقرار قابل للقياس والمراجعة.
وكلتاهما ترفضان معالجة التضخم والسوق الموازية بالقرارات الإدارية وحدها.
كما تتفقان على أن الاستقرار النقدي لا يمكن فصله عن الانضباط المالي.
لكن الاختلاف يكمن في ترتيب الأولويات والسببية.
الرؤية الأولى تبدأ من إصلاح المؤسسة النقدية وطريقة صناعة القرار.
أما الثانية فتقول إن هذه المؤسسة، مهما تحسنت، ستظل تدير نتائج الأزمة إذا لم يجرِ ضبط الإنفاق العام الكلي شرقاً وغرباً، والعجز، وتمويله، وسعر الصرف الذي يمثل الحلقة المركزية بين المالية العامة والاقتصاد النقدي.
من المسؤول إذن؟
من الصعب تحميل طرف واحد المسؤولية.
الحكومة أو الحكومات والسلطات المالية مسؤولة عن حجم الإنفاق والعجز وتركيب المصروفات.
أما المصرف المركزي، فهو مسؤول عن إدارة السيولة والاحتياطيات وسعر الصرف والأدوات النقدية، وعن توضيح الحدود التي يفرضها الواقع الاقتصادي.
ومن هنا يمكن تعريف القيادة النقدية الحقيقية بأنها القدرة على الربط بين المجالين.
أي أن يقول المحافظ بوضوح:
- هذا هو حجم الإنفاق الذي يستطيع الاقتصاد تمويله.
- وهذا هو معدل نمو النقود المتوافق مع استقرار الأسعار.
- وهذا هو صافي النقد الأجنبي المتاح.
- وهذا هو سعر الصرف الذي يمكن الدفاع عنه بصورة مستدامة.
- وهذا هو تكلفة تجاوز تلك الحدود.
وهنا تلتقي الرؤيتان أكثر مما تختلفان.
الخلاصة
الخلاف الحقيقي ليس حول أهمية المحافظ الكفء، بل حول حدود قدرة أي محافظ على النجاح داخل بيئة مالية غير منضبطة.
الرؤية الأولى تقول إن ليبيا تحتاج إلى قيادة نقدية أفضل، ومجلس إدارة فاعل، ولجنة سياسة نقدية حقيقية، وإطار فكري واضح.
أما الرؤية الثانية فتقول إن كل ذلك ضروري، لكنه لن يكون كافياً إذا استمر العجز المالي، والتمويل النقدي، والدعم السعري المشوه، والاعتماد شبه الكامل على النفط.
والخلاصة الأكثر توازناً أن ليبيا تحتاج إلى الاثنين معاً: سياسة مالية منضبطة لا تنتج الاختلال، وسياسة نقدية مؤسسية ومستقلة تعرف كيف تتعامل معه.
فإذا غابت الأولى، تحولت السياسة النقدية إلى إدارة مستمرة للأزمة.
وإذا غابت الثانية، فقدت المالية العامة أداة أساسية لحماية الاستقرار النقدي.
وعليه، ربما لا يكون السؤال الأهم: من يجب أن يقود: المحافظ أم الحكومة؟
بل: كيف تُبنى منظومة مالية ونقدية تعمل داخل قيد اقتصادي واحد، بدلاً من أن تنتج السياسة المالية الاختلال ثم يُطلب من المصرف المركزي تصحيح نتائجه بقرار إداري؟
فجوهر الأزمة الليبية قد لا يكون في غياب القرار، بل في الاعتقاد المتكرر بأن القرار يستطيع أن يحل محل التوازن.



