Skip to main content
|

من يقود الاستقرار النقدي في ليبيا؟.. ثلاث رؤى بين توحيد سوق الصرف وقيادة السياسة النقدية والانضباط المالي

أثار تراجع قيمة الدينار الليبي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي نقاشاً اقتصادياً مهماً، بدأ بما نشره محافظ مصرف ليبيا المركزي الأسبق فرحات بن قدارة حول تجربة توحيد سعر الصرف، ثم بما طرحه الدكتور محمد أحمد بشأن القيادة الفكرية والمؤسسية للسياسة النقدية، وأعقب ذلك تعليقان مستقلان من حسني بي على كل من الطرحين، أعادا النقاش إلى جذور الاختلال في المالية العامة ومصدر النقود.

ورغم اختلاف المداخل، فإن الرؤى الثلاث تتكامل في تشخيص الأزمة، لكنها تختلف في ترتيب الأسباب وأولويات العلاج.

أولاً: فرحات بن قدارة — توحيد السوق لا يتحقق بمجرد تخفيض الدينار

استعرض بن قدارة تجربة توحيد سعر الصرف خلال الفترة 1999–2002، عندما كان الدولار يُباع رسمياً بنحو 0.33 دينار، بينما بلغ سعره في السوق الموازية نحو 3.70 دنانير.

بدأ الإصلاح باعتماد سعر صرف خاص معلن قريب من السوق، في حدود 3.20 دنانير للدولار، ثم جرى تعديل الأسعار تدريجياً وتوسيع الحصول على النقد الأجنبي عبر المصارف، حتى تقارب المساران عند نحو 1.30 دينار للدولار مطلع 2002.

الدرس الأساسي من التجربة أن السوق الموازية لم تتراجع بالمنع، وإنما بنقل الطلب منها إلى القنوات المصرفية، من خلال سعر واقعي وتوفير فعلي للنقد الأجنبي.

ويرى بن قدارة أن تخفيض قيمة الدينار بقرار إداري، مع استمرار القيود والفجوة السعرية، لا يحقق التوازن، بل قد يؤدي إلى استمرار المضاربة والريع.

كما أن نجاح توحيد سعر الصرف واستدامته يتطلبان انضباطاً مالياً ونقدياً يمنع نمو الطلب على الدولار بصورة تتجاوز الموارد المتاحة.

ثانيًا: الدكتور محمد أحمد — قوة المصرف المركزي في قيادة الفكر النقدي لا سلطة المحافظ

انتقل الدكتور محمد أحمد بالنقاش إلى سؤال مختلف: هل تكمن قوة المصرف المركزي في الصلاحيات التنفيذية للمحافظ، أم في قدرته على قيادة مؤسسة تنتج سياسة نقدية متكاملة؟

واستحضر في هذا السياق تجارب ميلتون فريدمان وبول فولكر وآلان غرينسبان، للتمييز بين الفكر الاقتصادي، والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، والقيادة المؤسسية للسياسة النقدية.

ومن هذا المنطلق تبرز أسئلة جوهرية حول ليبيا:

  • هل امتلك المصرف المركزي منذ عام 2011 سياسة نقدية معلنة تربط بين عرض النقود والإنفاق العام والتضخم وسعر الصرف؟
  • وهل كانت لجنة السياسة النقدية ومجلس الإدارة مشاركين فعليين في صناعتها، أم غلبت سلطة المحافظ الفردية؟

إن هذه المقاربة تؤكد أن الاستقرار النقدي يحتاج إلى مؤسسات قوية وقرارات قائمة على التحليل الاقتصادي، لا على الأشخاص أو الاعتبارات السياسية.

لكنها تفتح سؤالاً آخر: هل تستطيع أفضل قيادة نقدية تحقيق الاستقرار إذا استمرت المالية العامة في توليد عجز يُموّل بخلق نقود جديدة؟

ثالثًا: حسني بي — أصل الاختلال في المالية العامة قبل سوق الصرف

جاءت تعليقات حسني بي على الطرحين بصورة مستقلة، متفقة مع كثير من مضمونهما، لكنها اختلفت في ترتيب الأسباب الاقتصادية.

في تعليقه على بن قدارة، اتفق مع ضرورة توحيد سعر الصرف وتوفير الدولار عبر القنوات الرسمية، لكنه اعتبر أن المشكلة لا تقتصر على كيفية توزيع الدولار، بل تبدأ بالسؤال: من أين جاءت الدنانير التي تطارده، وبأي سعر يجب بيع الدولار؟

فالاقتصاد الليبي يعتمد على النفط مصدراً شبه وحيد لإيرادات الدولة، بينما يجري معظم الإنفاق العام بالدينار.

وتوضح بيانات مصرف ليبيا المركزي حتى سبتمبر 2026 أن إيرادات النفط والأتاوات بلغت نحو 111.6 مليار دينار من إجمالي إيرادات مسجلة قدرها 114.58 ملياراً، أي قرابة 97%.

وعندما يتجاوز الإنفاق الموارد المستدامة، ويُموّل العجز نقدياً، تتوسع الكتلة النقدية ويزداد الطلب على السلع والواردات والدولار، فتظهر الضغوط على سعر الصرف.

وهنا تتشكل سلسلة الاختلال: عجز مالي ← تمويل نقدي وخلق دينار ← توسع السيولة والطلب ← ضغط على الدولار ← فجوة سعرية وريع ومضاربة وتضخم.

ومن ثم فإن السوق الموازية ليست بالضرورة أصل المرض، بل إحدى مظاهره.

ويرى حسني بي أن توزيع الدولار بالسعر الرسمي على الأفراد أو التجار أو شركات الصرافة لا يلغي الريع إذا ظل السعر الرسمي بعيداً عن سعر التوازن؛ فقد يتغير المستفيد من الريع، لكن الريع نفسه يستمر.

أما سعر التوازن المطلوب، فيجب أن يراعي عرض النقود والطلب على النقد الأجنبي والموارد الدولارية، وأن ينسجم مع موازنة مستدامة، دون اعتبار تخفيض الدينار بديلاً عن ضبط الإنفاق.

وفي تعليقه على الدكتور محمد أحمد، اتفق حسني بي مع أهمية القيادة الفكرية والمؤسسية، لكنه أكد أن السياسة النقدية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع وحدها معالجة عجز مالي مستمر يُموّل بخلق النقود.

فتجربة بول فولكر في مكافحة التضخم الأمريكي جرت في اقتصاد يمتلك أسواقاً مالية وائتمانية عميقة، بينما يهيمن الإنفاق العام على جانب كبير من النشاط الاقتصادي الليبي، وتظل أدوات انتقال السياسة النقدية محدودة نسبياً.

ولهذا فإن مسؤولية المحافظ ليست فقط إدارة السيولة والاحتياطيات، وإنما إعلان حدود الموارد المتاحة، وتوضيح الآثار الاقتصادية للإنفاق والعجز على التضخم وسعر الصرف والقوة الشرائية.

رابعًا: الاحتياطيات ودعم الطاقة — بين حماية الاستقرار واستدامته

تؤكد هذه المناقشة أن حجم الاحتياطيات الأجنبية، رغم أهميته، لا يحدد وحده قوة الدينار.

فالاحتياطيات توفر الحماية من الصدمات وتمكّن الدولة من تمويل الواردات، لكنها لا تستطيع الدفاع إلى ما لا نهاية عن سعر صرف غير متوازن إذا استمر الإنفاق الممول بالعجز والتوسع النقدي.

وهذا يتفق مع تحذيرات صندوق النقد الدولي من عدم استدامة المسار المالي الليبي، وأن تعديل سعر الصرف والإجراءات الإدارية لا يغنيان عن التصحيح المالي.

كما يبرز إصلاح دعم الطاقة والمحروقات بوصفه أحد أهم مجالات معالجة هيكل الإنفاق.

فإلى جانب فاتورة المرتبات الضخمة، تمثل الطاقة تكلفة اقتصادية كبيرة، لا تقتصر على الدعم المباشر المسجل في الموازنة، بل تشمل أيضاً الوقود المستورد والنفط والغاز المستهلكين محلياً.

وتشير تقديرات تحليلية أوسع إلى أن التكلفة الاقتصادية الشاملة للطاقة قد تقترب من 40% من الإنفاق العام الفعلي، مع ضرورة التمييز بين هذه التقديرات والبنود المحاسبية الرسمية.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال التدريجي من دعم السلعة إلى دعم المواطن نقداً، بما يقلص الهدر والتهريب ويحسن كفاءة الإنفاق، مع حماية القوة الشرائية.

كذلك فإن تنويع الاقتصاد لا يكفي ما لم يتحول إلى تنويع حقيقي لإيرادات الدولة، من خلال توسيع النشاط الإنتاجي الرسمي والقاعدة الضريبية، بدلاً من استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط.

خامسًا: أين تلتقي الرؤى الثلاث، وأين تختلف؟

يمكن اختصار جوهر النقاش في ثلاثة أسئلة:

  • فرحات بن قدارة: كيف نوحد سوق الصرف عند سعر واقعي، وننقل الطلب على الدولار من السوق الموازية إلى المصارف؟
  • الدكتور محمد أحمد: من يصنع السياسة النقدية، وكيف نبني قيادة مؤسسية قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية سليمة؟
  • حسني بي: من أين جاءت الدنانير التي تطارد الدولار، وكيف نضبط الإنفاق والعجز ومصدر تمويلهما قبل معالجة النتائج؟

الاختلاف الأساسي ليس في أهمية هذه العناصر، بل في ترتيبها.

فبن قدارة يركز على آليات سوق الصرف، ومحمد أحمد على القيادة والمؤسسات النقدية، بينما يعيد حسني بي السبب الأول إلى المالية العامة والتمويل النقدي للعجز.

والواقع أن ليبيا تحتاج إلى المستويات الثلاثة، ولكن ضمن إطار متكامل يبدأ بمنع تجدد الاختلال المالي، ثم اعتماد سعر صرف توازني وقنوات موثوقة للنقد الأجنبي، تديرها مؤسسة نقدية مستقلة وفعالة.

الخلاصة: الاستقرار النقدي يبدأ من التوازن الاقتصادي

لا تحتاج ليبيا إلى محافظ قوي وحده، ولا إلى تخفيض جديد للدينار وحده، ولا إلى فتح شركات الصرافة وحدها.

إنما تحتاج إلى سياسة مالية تضبط الإنفاق والعجز، وسياسة نقدية مؤسسية، وسعر صرف يعكس التوازن الاقتصادي، وإصلاح تدريجي لدعم الطاقة، وتنويع حقيقي لمصادر الإيرادات العامة.

ويمكن تلخيص جوهر الأزمة في المعادلة التالية: عجز مالي + تمويل نقدي + سعر صرف إداري غير متوازن = ضغوط تضخمية + فجوة سعرية + ريع ومضاربة وسوق موازية.

لقد قدم بن قدارة درساً عملياً في توحيد سوق الصرف، وطرح محمد أحمد أهمية القيادة الفكرية والمؤسسية، بينما أعاد حسني بي النقاش إلى الموازنة العامة ومصدر النقود.

والقراءة الأكثر اكتمالاً ليست المفاضلة بين هذه الرؤى، وإنما ترتيبها في منظومة إصلاح واحدة: انضباط مالي يمنع إنتاج الاختلال، وسعر صرف توازني يمنع صناعة الريع، ومصرف مركزي مؤسسي يحمي الاستقرار.

فالمشكلة في ليبيا ليست نقص القرارات، بل غياب التوازن بين الموارد والإنفاق والنقود.

والاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يحترم قراراً إدارياً يتعارض مع قواعده وتوازناته.

مشاركة الخبر